النص المفهرس
صفحات 161-180
وجمعت بين المذهبين فلم يكن الحسن عن ذهبيهما من مذهب وإذا أُتّتْ عينٌ لتسرق نظرة" قال الشعاع لها انهي لا تذهبي وما ألطف قوله ((اذهبي لا تذهبي)). وقد أذكرتني هذه الأبيات في الحمار المذهب حكاية وقفت عليها منذ زمان بالموصل ، وهي أن بعض التجار قدم مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه حمل من الخُمُرِ السود، فلم يجد لها طالباً ، فكسدت عليه وضاق صدره ، فقيل له : ما ينفّقُها لك إلا مسكين الدارمي ، وهو من مجيدي الشعراء الموصوفين بالظرف والخلاعة ، فقَصَدهُ فوجده قد تزهد وانقطع في المسجد ، فأتاه وقص عليه القصة ، فقال : وكيف أعمل وأنا قد تركت الشعر وعكفت على هذه الحال؟ فقال له التاجر : أنا رجل غريب ، وليس لي بضاعة سوى هذا الحمل ، وتضرع إليه ، فخرج من المسجد وأعاد لباسه الأول وعمل هذين البيتين وشهرهما وهما : قل للمليحة في الخمار الأسود ماذا أردتٍ بناسكٍ متعبد قد كان شمَّر للصلاة ثيابَهُ حتى قعدتٍ له بباب المسجد١ فشاع بين الناس أن مسكيناً الدارمي قد رجع إلى ما كان عليه ، وأحبّ واحدة ذات خمار أسود ، فلم يبق بالمدينة ظريفة إلا وطلبت خماراً أسود ، فباع التاجر الحمل الذي كان معه بأضعاف ثمنه ، لكثرة رغباتهم فيه ، فلما فرغ منه عاد مسكين إلى تعبده وانقطاعه . وكتب القاضي أبو علي التُّوخي المذكور إلى بعض الرؤساء في شهر رمضان: نلتَ في ذا الصِّيامِ ما تَشْتَهِه وكفاك الإله ما تَتَّقِيهِ أنتَ في الناس مثلُ شهركَ في الأشهر، بَلْ مثلُ ليلةِ القَدْر فيهِ ١ زاد في ن بيتاً ثالثاً وهو : ردي عليه ثيابه ووقاره لا تقتليه بحق آل محمد ولذلك قال قبل الأبيات : وعمل هذه الأبيات الثلاثة وأشهرهم . ١١ - ٤ ١٦١ وله أشياء فائقة . وكانت ولادته ليلة الأحد لأربع بقين من شهر ربيع الأول سنة سبع وعشرين وثلثمائة بالبصرة . وكانت وفاته ليلة الاثنين ، لخمس بقين من المحرم سنة أربع وثمانين وثلثمائة ببغداد ، رحمه الله تعالى . (164) وأما ولده أبو القاسم علي بن الحسن بن عليّ التَّنُوخي فكان أديباً فاضلاً له شعر لم أقف منه على شيء ، وكان يصحب أبا العلاء المعري وأخذ عنه كثيراً، وكان يروي الشعر الكثير ، وهم أهل بيت كلهم فضلاء أدباء ظرفاء ، وكانت ولادة الولد المذكور في منتصف شعبان سنة خمس وستين وثلثمائة بالبصرة، وتوفي في يوم الأحد مستهل المحرم سنة سبع وأربعين وأربعمائة ، رحمه الله تعالى، وكانت بينه وبين الخطيب أبي زكرياء التبريزي مؤانسة واتحاد بطريق أبي العلاء المعري وذكره الخطيب في ((تاريخ بغداد))١ وعَدَّد شيوخه الذين روى عنهم، ثم قال : وكتبت عنه، وذكر مولده ووفاته كما هو هاهنا ، لكنه قال : إن وفاته كانت ليلة الاثنين ثاني المحرم ، ودفن يوم الاثنين في داره بدرب التل ، وإنه صلى على جنازته ، وإن أول سماعه كان في شعبان سنة سبعين ، وكان قد قبلت شهادته عند الحكام في حداثته ، ولم يزل على ذلك مقبولاً إلى آخر عمره، وكان متحفظاً في الشهادة محتاطاً صدوقاً في الحديث ، وتقلد قضاء نواح عدة ، منها المدائن وأعمالها ودورنجان٢ والبردان وقرميسين وغير ذلك. وقد سبق الكلام على التنوخي . والمحسِّن: بضم الميم وفتح الحاء المهملة وكسر السين المهملة المشددة ، وبعدها نون . وإليه كتب أبو العلاء المعري قصيدته التي أولها : هاتِ الحديثَ عن الزوراء أو هِيتا٣ ١ ١ تاريخ بغداد ١٢ : ١١٥ . ٢ ر وهامش ل : أذربيجان . ٣ شروح السقط : ١٥٩٣، وعجز البيت: وموقد النار لا تكرى بتكريتا ؛ وكان أبو القاسم هذا قد حمل إلى أبي العلاء وهو ببغداد جزءاً من شعر تنوخ فخلفه المعري حين عاد إلى بلده عند = ١٦٢ ٥٥٨ الإمام الشافعي الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب ابن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف ، القرشي المطلبي الشافعي ، يجتمع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عبد مناف المذكور ، وباقي النسب إلى عدنان معروف ؛ لقي جدُّه شافعٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مترعرع ، وكان أبوه السائب صاحب راية بني هاشم يوم بدر ، فأسير وفَدَى نفسه ثم أسلم ، فقيل له: لمَ لم تسلم قبل أن تفدي نفسك ؟ فقال : ما كنت أحرم المؤمنين مطمعاً لهم فيّ . وكان الشافعي كثير المناقب جم المفاخر منقطع القرين ، اجتمعت فيه من العلوم بكتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكلام الصحابة رضي الله عنهم وآثارهم، واختلاف أقاويل العلماء وغير ذلك من معرفة كلام العرب واللغة والعربية والشعر - حتى إن الأصمعي مع جلالة قدره في هذا الشأن قرأ عليه أشعار الهُذَليين - ما لم يجتمع في غيره، حتى قال أحمد بن حنبل رضي الله عنه: ما عرفْتُ ناسخَ الحديث ومنسوخه حتى جالست الشافعي ؛ وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: ما رأيت رجلاً قط أكمل من الشافعي؛ وقال عبد الله بن أحمد = عبد السلام البصري خازن دار العلم ، ثم خشي أن يكون عبد السلام قد غفل عن رد الجزء إلى صاحبه فكتب إلى أبي القاسم هذه القصيدة . ٥٥٨ - تكاد مصادر ترجمته لا تحصر ، ولكن نشير منها إلى طبقات السبكي ( ج ١)؛ وطبقات الشيرازي: ٧١ ومعجم الأدباء ١٧ : ٢٨١ وحلية الأولياء ٩ : ٦٣ وتاريخ بغداد ٢ : ٥٦ وطبقات الحنابلة ١ : ٢٨٠ والفهرست: ٢٠٩ والديباج: ٢٢٧ وترتيب المدارك ١: ٣٨٢ وطبقات ابن هداية الله: ٢ وحسن المحاضرة ١ : ١٢١ وتذكرة الحفاظ: ٣٦١ وتهذيب التهذيب ٩: ٢٥ وغاية النهاية ٢: ٩٥ وصفة الصفوة ٢: ١٤٠؛ وقد ألفت في سيرته كتب كثيرة . ١٦٣ ابن حنبل : قلت لأبي : أي رجل كان الشافعي ؟ فإني سمعتك تكثر من الدعاء له ، فقال: يا بني ، كان الشافعي كالشمس للدنيا وكالعافية للبدن ، هل لهذين من خلف أو عنهما من عِوَض ؟ وقال أحمد : ما بتُ منذ ثلاثين سنة إلا وأنا أدعو للشافعي وأستغفر له ؛ وقال يحيى بن معين : كان أحمد بن حنبل ينهانا عن الشافعي ، ثم استقبلته يوماً والشافعي راكب بغلة وهو يمشي خلفه ، فقلت : يا أبا عبد الله ، تنهانا عنه وتمشي خلفه؟ فقال: اسكت، لو لزمت البغلة انتفعت. وحكى الخطيب في ((تاريخ بغداد)) عن ابن عبد الحكم قال: لما حمَلَتْ أُم الشافعي به رأت كأن المشتري خرج من فرجها حتى انقَضَّ بمصر، ثم وقع١ في كل بلد منه شَظِيَّة، فتأوّل أصحاب الرؤيا أنه يخرج منها٢ عالم يخص علمه أهل مصر ثم يتفرق في سائر البلدان . وقال الشافعي: قدمت على مالك بن أنس وقد حفظت ((الموطأ)) فقال لي: أحضر من يقرأ لك ، فقلت : أنا قارىء ، فقرأت عليه الموطأ حفظاً ، فقال : إن يَكُ أحد يفلح فهذا الغلام . وكان سفيان بن عيينة إذا جاءه شيء من التفسير أو الفتيا التفت إلى الشافعي فقال: سلوا هذا الغلام . وقال الحميدي : سمعت زنجي٣ بن خالد - يعني مسلماً - يقول للشافعي: أفتِ يا أبا عبد الله فقد والله آن؛ لك أن تفتي، وهو ابن خمس عشرة سنة٥. وقال محفوظ بن أبي توبة البغدادي : رأيت أحمد بن حنبل عند الشافعي في المسجد الحرام ، فقلت : يا أبا عبد الله، هذا سفيان بن عُيَينة في ناحية المسجد يحدِّث ، فقال : إن هذا يفوت وذاك لا يفوت. وقال أبو حسان الزيادي : ما رأيت محمد بن الحسن يعظم أحداً من أهل العلم تعظيمَهُ للشافعي ، ولقد جاءه يوماً فلقيه وقد ركب ..... ١ ن : فوقع . ٢ منها : ثبتت في ن وحدها . ٣ ن ر والمختار : الزنجي . ٤ ن : آن والله . ٥ علق الخطيب (٢: ٦٤) على ذلك بقوله: وليس ذلك بمستقيم لأن الحميدي كان يصغر عن إدراك الشافعي وله تلك السن ؛ والحميدي المذكور هو عبد الله بن الزبير الحميدي . ١٦٤ ٠ ٠٠ محمد بن الحسن١، فرجع محمد إلى منزله وخلا به يومه إلى الليل ، ولم يأذن لأحد عليه . والشافعي أوّل من تكلم في أصول الفقه وهو الذي استنبطه ، وقال أبو ثور: من زعم أنه رأى مثلَ محمد بن إدريس في علمه وفصاحته ومعرفته وثباته وتمكنه فقد كذب ، كان منقطع القرين في حياته ، فلما مضى لسبيله لم يُعْتَضْ منه. وقال أحمد بن حنبل : ما أحد ممن بيده مجبرة أو ورق إلا والشافعي في رقبته مِنَّةٌ . وكان الزعفراني يقول: كان أصحاب الحديث رُقوداً حتى جاء الشافعي فأيقظهم فتيقظوا . ومن دعائه: اللهم يا لطيفُ أسألك اللطفَ فيما جرت به المقادير ؛ وهو مشهور بين العلماء بالإجابة، وأنه مجرب٢ . وفضائله أكثر من أن تعدد . ومولد سنة خمسين ومائة ، وقد قيل إنه ولد في اليوم الذي توفي فيه الإمام أبو حنيفة٣ ، وكانت ولادته بمدينة غزة، وقيل بعَسْقَلانَ ، وقيل باليمن ، والأوّل أصح ، وحمل من غزة إلى مكة وهو ابن سنتين فنشأ بها وقرأ القرآن الكريم، وحديثُ رحلته إلى مالك بن أنس مشهور فلا حاجة إلى التطويل فيه، وقدم بغداد سنة خمس وتسعين ومائة فأقام بها سنتين ، ثم خرج إلى مكة ، ثم عاد إلى بغداد سنة ثمان وتسعين ومائة فأقام بها شهراً ، ثم خرج إلى مصر ، وكان وصوله إليها في سنة تسع وتسعين ومائة ، وقيل سنة إحدى ومائتين . ولم يزل بها إلى أن توفي يوم الجمعة آخر يوم من رجب سنة أربع ومائتين ، ودفن بعد العصر من يومه بالقرافة الصغرى ، وقبره يزار بها بالقرب من المقطم ، رضي الله عنه . قال الربيع بن سليمان المُرادي: رأيت هلال شعبان وأنا راجع من جنازته؛ وقال : رأيته في المنام بعد وفاته فقلت : يا أبا عبد الله ، ما صنع الله بك ؟ فقال : أجلسني على كرسي من ذهب ، ونثر علي اللؤلؤ الرطب . وذكر الشيخ ١ ن : ولقد جاءه يوماً الشافعي فلقي محمد بن الحسن وقد ركب . ٢ ومن دعائه ... مجرب: سقط من ن لي س بر . ٣ بهامش المختار: ولا يصح ، بل ولد في السنة التي توفي بها . ١٦٥ ٠ ســ أبو إسحاق الشيرازي في كتاب ((طبقات الفقهاء)) ما مثاله: وحكى الزعفراني عن أبي عثمان ابن الشافعي قال: مات أبي وهو ابن ثمان وخمسين سنة١ . وقد اتفق العلماء قاطبة من أهل الحديث والفقه والأصول٢ واللغة والنحو وغير ذلك على ثقته وأمانته وعدالته وزهده وورَعِهِ ونزاهة عِرْضه وعفة نفسه وحسن سيرته وعلوّ قدره وسخائه. وللإمام الشافعي أشعار كثيرة ، فمن ذلك ما نقلته من خط الحافظ أبي طاهر السّلَفي رحمه الله تعالى : م إِن الذي رُزِقَ اليَسار ولم يُصِبْ حمداً ولا أجراً لَغَيْرُ موفقٍ الجد يُدْني كلّ أمر شاسع والجد يفتح كل باب مغلق عوداً فأثمر في يديه فصَدِّق وإذا سمعت بأن محدوداً حوى ماء ليشربه فغاض فحقّق٣ بنجوم٤ٍ أقطارِ السماءِ تَعَلُّفي ضِدَّانِ مفترقانِ أيّ تفرّق بؤسُ اللبيبِ وطيبُ عَيشِ الأحمق وإذا سمعت بأن محروماً أتى لو كانَ بالحيلِ الغنى لوجدتني لكنّ من رُزِقَ الحجا حُرمَ الغنى ومنَ الدليلِ على القضاءِ وكونِهِ ومن المنسوب إليه أيضاً : ماذا يخبرُ ضَيفُ بيتكَ أهْلُهُ إِن سِيلَ كيف معادُه ومعاجُهُ ١ وذكر الشيخ ... سنة: سقط من ن لي س ت بر والمختار، وانظر طبقات الشيرازي: ٧٢ . ٢ ر : العلم والفقه والحديث . ٣ هذا البيت مقدم على الذي قبله في ر مع تبادل في القافيتين . ٤ ل : بتخوم . ٥ لم ترد الأبيات في ر والمختار ؛ وعلق عليها بهامش س بقوله: حاش لله أن ينسب مثل هذا الشعر للإمام الشافعي أو إلى غيره من أئمة المسلمين ، وقد أنشده ابن السمعاني في المذيل لشخص يعرف بكنية غريبة لا استحضرها الآن ، ورد على حضرة الصاحب ابن عباد فلم ير منه براً فكتبه إليه فجاءه واعتذر إليه وبره . ١٦٦ ١ أيقولُ جاوزْتُ الفراتَ ولم أنَلْ ريّاً لديْهِ وقد طَفَتْ أمواجه ورقيتُ في درجِ العُلا فتَضايقت عمّا أُريدُ شِعَابُهُ وفِجاجه والماءُ يُخْبرُ عن قَذاهُ زُجاجه وعليَّ إكليلُ الكلامِ وتاجه ويرفُّ في نادي النَّدى ديباجه ولَتُخبرَنَّ خصاصتِي بِتَمَلُّقي عندي يواقيتُ القَريضِ ودُرُّهُ تربي على روضِ الربا أزهارُهُ والشاعرُ المنطيقُ أسودُ سالخ والشعرُ منْهُ لعابُه ومُجاجه وعداوةُ الشعراءِ داءٌ معضلٌ ولَقَدْ يَهُونُ على الكريمِ علاجه ومن المنسوب إليه أيضاً : رامَ نَفْماً فضَرَّ من غيرِ قَصدٍ ومن البرِّ ما يكونُ عقُوقا ومن المنسوب إلى الشافعي : كلما أدبَني الدهـ رُ أراني نقصَ عقلي وإِذا ما ازْدَدْتُ علماً زادني علماً يجهْلي وهو القائل : ولوْلا الشّعْرُ بالعلماءِ يُزري لكنتُ اليومَ أَشْعَرَ من لَبِيدِ وقال الشافعي رضي الله عنه : تزوجت امرأة من قريش بمكة ، وكنت أمازحها فأقول : ومن البَليَّةِ أن تحـ بَّ فلا يحبُّك من تحبُّه فتقول هي : ويَصُدُّ عنكَ بوجهِهِ وتلجُّ أَنتَ فلا تغِتُّه ١ وأخبرني أحد المشايخ الأفاضل أنه عمل في مناقب الشافعي ثلاثة عشر تصنيفاً. ١ وقال الشافعي ... تغبه: سقط من س ت . ١٦٧ ولما مات رثاه خلق كثير، وهذه المرئية منسوبة إلى أبي بكر محمد بن دُرَيْد صاحب المقصورة، وقد ذكرها الخطيب في ((تاريخ بغداد )) وأولها : [بملتفتيه للمشيب طوالعُ زواجرُ عن ورد التصابي روادعُ دعاه الصَّبا فاقتاده وهو طائع فليس له من شيبٍ فَوْديه وازع تصرَّفه طَوْعَ العنان وربما ومن لم يَزَعْهُ لبُّه وحياؤُهُ هل النافر المدعوُّ للحظِّ راجعٌ أم النصحُ مقبولٌ أم الوعظ نافع بأنَّ الذي يُوعي من المالِ ضائع أم الهَمِكُ المغمومُ بالجمعِ عالمٌ وأن قصاراه على فرط ضَئِه ويخمل ذكر المرء ذي المال بعده ألم تر آثار ابن إدريس بعدَهُ معالمُ يَفْنى الدّهرُ وهي خوالدٌ مناهجُ فيها للهدى مُتَصَرَّفٌ ظواهِرُما حُكمٌ ومُستبطَناتُها٢ لرأي ابن إدريسَ ابن عم محمدٍ إذا المفْظِعات المشكلات تشابهت أبى الله إلا رَفْعَهُ وعُلوّه توخى الهدى واستنقذته يد التقى ولاذَ بآثار الرسولِ فحكمُه وعوَّلَ في أحكامهِ وقضائِهِ [بطي، عن الرأي الخوف التباسه وأنشا له منشيه من خيرِ معدنٍ فراقُ الذي أضحى له وهو جامع ولكنْ جمعَ العلم للمرء رافع]١ دلائلُها في المشكلات لوامع وتنخفضُ الأعلامُ وهي فوارِع موارِدُ فيها للرشادِ شرائع لِمَا حَكَمَ التفريقُ فيه جوامع ضياءُ إذا ما أظلمَ الخطبُ ساطِع سَمَا منه نورٌ في دجاهنّ لا مع وليسَ لما يُعْليه ذو العرش واضع من الزيغِ إِن الزيغَ للمرءِ صارع لحكم رسول الله في الناسِ تابع على ما قضى في الوحي والحق ناصع إليه إذا لم يخشَ لبساً مسارع خلائقَ هنّ الباهراتُ البوارع]٣ ١ ما بين معقفين زيادة من ر؛ وفي النسخ ((فمنها قوله)) بدل ((أولها)) - كما في المختار - . ٣ البيتان زيادة من ر ؛ وموضعهما في النسخ ٢ بر لي ن ت، والمختار: ومستنبطاتها . الأخرى ((ومنها)). ١٦٨ تسَرْبَلَ بالتقوى وليداً وناشِئاً وخُصَ بلُبِّ الكهل مُذْ هُو يافع إذا التمَسَتْ إلا إليه الأصابع وهذِّبَ حتى لم تُشِرْ بفضيلة فمرتَعُهُ في ساحة العلم واسِع فمن يك علمُ الشافعي إمامَهُ وجادت عليه المدْجِنِاتُ الهَوامِع سلامٌ على قبرٍ تَضَمْنَ جِسْمَه جليلٍ إذا التفّت عليه المجامع لقد غيبَتْ أثراؤُهُ جسمَ ماجدٍ لهنَّ لما حكمن فيه فواجِع لئن فجَعَتْنا الحادثاتُ بشخصه فأحكامُه فينا بدورٌ زواهرٌ وآثارُهُ فينا نجومٌ طوالِع وقد يقول القائل : إن ابن دُرَيْد لم يدرك الشافعي ، فكيف رفاه ؟ لكنه يجوز أن يكون رؤاه بعد ذلك، فما فيه بُعْدٌ ، فقد رأينا مثل هذا في حق غيره ، مثل الحسين ، رضي الله تعالى عنه ، وغيره . ٥٥٩ محمد بن الحنفية أبو القاسم محمد بن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، المعروف بابن الحنفية؟ أمه الحنفية خَوْلَةُ بنت جعفر بن قيس بن سلمة بن ثعلبة بن يَرْبُوع بن ثعلبة ابن الدول بن حنيفة بن لُجَيم، ويقال بل كانت من سبي اليمامة ، وصارت إلى علي رضي الله عنه ، وقيل بل كانت سندية سوداء ، وكانت أمة لبني حنيفة ولم تكن منهم ، وإنما صالحهم خالد بن الوليد على الرقيق، ولم يصالحهم على أنفسهم. وذكر البغوي في كتاب ((شرح السنة)) في باب قتال مانعي الزكاة أن طائفة ٥٥٩ - ترجمته في طبقات ابن سعد ٥: ٩١ وأنساب الأشراف ٥ : ٢١٤ - ٢٢٣، ٢٦٠ - ٢٧٣ وحلية الأولياء ٣ : ١٧٤ وطبقات الشيرازي: ٦٢ والبدء والتاريخ ٥ : ٧٥ والمعارف: ٢١٦ وصفة الصفوة ٢ : ٤٢. ١٦٩ ارتدوا عن الدين وأنكروا الشرائع وعادوا إلى ما كانوا عليه من الجاهلية ، واتفقت الصحابة على قتالهم وقتلهم، ورأى أبو بكر رضي الله عنه سبي دراريهم ونسائهم ، وساعده على ذلك أكثر الصحابة ، واستولد علي رضي الله عنه جارية من سي بني حنيفة فولدت له محمد بن علي الذي يدعى محمد بن الحنفية ، ثم لم ينقرض عصر الصحابة حتى أجمعوا على أن المرتد لا يُسبى٢. وأما كنيته بأبي القاسم فيقال إنها رخصة من رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وإنه قال لعلي رضي الله عنه: سيولد لك بعدي غلام وقد نَحَلته اسمي وكنيتي ولا تحل لأحد من أمتي بعده. وممن يسمّى محمداً ويكنى أبا القاسم : محمد بن أبي بكر الصديق ، ومحمد بن طلحة بن عبيد الله ، ومحمد بن سعد بن أبي وقاص ، ومحمد بن عبد الرحمن بن عوف ، ومحمد بن جعفر بن أبي طالب ، ومحمد بن حاطب بن أبي بَلْتَعَةَ، ومحمد بن الأشعث بن قيس . وكان محمد المذكور كثير العلم والورع، وقد ذكره الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في ((طبقات الفقهاء))٣. وكان شديد القوّة، وله في ذلك أخبار عجيبة ، منها ما حكاه المبرد في كتاب ((الكامل))٤ أن أباه علياً، رضي الله عنه، استطال دِرْعاً كانت له ، فقال : لينقص منها كذا وكذا حلقة ، فقبض محمد إحدى يديه على ذيلها والأخرى° على فضلها، ثم جَذَبَها فقطع من الموضع الذي حده أبوه. وكان عبد الله بن الزبير إذا حُدِّث بهذا الحديث غضب واعتراه إفكل، وهو الرعدة، لأنه كان يحسده على قوّته ، وكان ابن الزبير أيضاً شديدَ القوى . ومن قوّته أيضاً ما حكاه المبرد٦ في كتابه أن ملك الروم في أيام معاوية وجه إليه : إن الملوك قبلك كانت تُراسل الملوك منا ، ويجهد بعضهم أن ١ المختار : اجتمعوا . ٢ وذكر البغوي ... لا يسبى: سقط من س ن لي ت بر . ٣ انظر طبقات الشيرازي : ٦٢. ٤ الكامل ٣ : ٢٦٦ ٥ الكامل: بإحدى ... وبالأخرى، وهو موافق لما في ن . ٦ الكامل ٢ : ١١٤ . ١٧٠ ١ يُغْرِبِ على بعض»، أفتأذن في ذلك ؟ فأذن له ، فوجه إليه برجلين أحدهما طويل جسيم، والآخر أيَّدٌ، فقال معاوية لعمرو بن العاص : أما الطويل فقد أصبنا كفؤه، وهو قيس بن سعد بن عبادة رضي الله عنه، وأما الآخر الأيّد فقد احتجنا إلى رأيك فيه ، فقال عمرو: هاهنا رجلان كلاهما إليك بَغِيضٌ : محمد بن الحنيفة وعبد الله بن الزبير ، فقال معاوية: من١ هو أقرب إلينا على كل حال ، فلما دخل الرجلان وجّهَ إلى قيس بن سعد بن عبادة يعلمه ، فدخل قيس ، فلما مثل بين يدي معاوية نزع سراويله ، فرمى بها إلى العلج فلبسها فبلغت تَنْدُوَتَه٢ُ، فأطرق مغلوباً، فقيل إن قيساً لاموه في ذلك، وقيل له: لمَ تبذَّلْتَ هذا التبذل بحضرة معاوية ؟ هلا وجهت إليه غيرها ؟ فقال : أردت لكيا يعلم الناس أنها سراويلُ قيس والوفودُ شهودُ سراويلُ عاديٍّ نَمَتْهُ ثمود وأن لا يقولوا غابَ قَيِسٌ وهذهِ وما الناس إلا سيدٌ ومسود وإني من القوم اليمانين سيدٌ وبَذَّ جميع الخلق أصلي ومنصبي وجسمٌ به أعلو الرجالَ مَدِيد ثم وجه معاوية إلى محمد بن الحنفية فحضر ، فخبر بما دعي له ، فقال : قولوا له إن شاء فليجلس وليعطني يده حتى أقيمه أو يقعدني، وإن شاء فليكن القائم وأنا القاعد ، فاختار الرومي الجلوس فأقامه محمد ، وعجز الرومي عن إقعاده ، ثم اختار أن يكون محمد هو القاعد ، فجذبه محمد فأقعده ، وعجز الرومي عن إقامته ، فانصرفا مغلوبين . وكانت راية أبيه يوم صفين٣ بيده ، ويحكى أنه توقف أول يوم في حَمْلها لكونه قتال المسلمين ، ولم يكن قبل ذلك شهد مثاله٤، فقال له علي رضي الله عنه : هل عندك شك في جيش مقدمه أبوك ؟ فحملها . وقيل لمحمد : كيف كان ١ س : مر من . ٢ الثندوة : ما اسود حول الحلمة. ٣ روالمختار : يوم الجمل . ٤ ر ن ت بر : مثله . ١٧١ أبوك يُقحِمك المهالك ويولجك المضايق دون أخويك الحسن والحسين ؟ فقال : لأنهما كانا عينيه، وكنتُ يديه ، فكان يقي عينيه بيديه . ومن كلامه : ليس بحكيم من لم يعاشر بالمعروف من لا يجد من معاشرته بُدّاً حتى يجعل الله له فرجاً . ولما دعا ابن الزبير إلى نفسه وبايعه أهل الحجاز بالخلافة دعا عبد الله بن العباس ومحمد بن الحنفية رضي الله عنهما إلى البيعة ، فأبَيا ذلك وقالا : لا نبايعك حتى تجتمع لك البلاد، ويتفق الناس، فأساء جوارهم وحَصَرهم وآذاهم، وقال لهم١: لئن لم٢ تبايعا أحرقتكما بالنار، والشرحُ في ذلك يطول. وكانت ولادته لسنتين بقيتا من خلافة عمر ، وتوفي رحمه الله في أول المحرم سنة إحدى وثمانين للهجرة ، وقيل سنة ثلاث وثمانين ، وقيل سنة اثنتين أو ثلاث وسبعين بالمدينة ، وصلى عليه أبانُ بن عثمان بن عفان ، وكان والي المدينة يومئذ ، ودفن بالبقيع ، وقيل إنه خرج إلى الطائف هارباً من ابن الزبير فمات هناك ، وقيل إنه مات ببلاد أيلة . والفرقة الكَيْسانية تعتقد إمامته وأنه مقيم يحبل رَضْوَى، وإلى هذا أشار كُثَيِّر عزة بقوله من جملة أبيات ، وكان كيساني الاعتقاد٣: وسِبْطٌ لا يذوقُ الموتَ حَتْى يقودَ الخيلَ يقدمها اللواءُ تَغَيِّبَ لا يُرى فيهم زماناً برَضْوَى عندَه عَسَلٌ ومَاءُ وكان المختار بن أبي عُبَيد الثقفي يدعو الناس إلى إمامة محمد بن الحنفية ، ويزعم أنه المهدي، وقال الجوهري في كتاب ((الصحاح))٤: كيسان لقب ١ كذا في جميع النسخ ما عدا بر ، بصيغة الجمع . ٢ س لي ل : والله إن لم . ٣ نسب البيتان لكثير في أكثر المصادر ( عيون الأخبار ٢: ١٤٤ والشعر والشعراء : ٤٢٣ والأغاني ٩: ١٤ ومروج الذهب ٣: ٨٧ وغيرها) وقال أبو الفرج في الأغاني ٧ : ٢٣٨ الأبيات للسيد الحميري وأضاف : وهذه الأبيات بعينها تروى لكثير . ٤ الصحاح ٢ : ٩٧٠ ( كيس) . ١٧٢ المختار المذكور ، وقال غيره : كيسان مولى علي رضي الله عنه . والكيسانية يزعمون أنه مقيم برضوى في شعب منه ولم يمت ، دخل إليه ومعه أربعون من أصحابه، ولم يُوقّفْ لهم على خبر وهم أحياء يرزقون، ويقولون إنه مقيم في هذا الجبل بين أسد ونمر ، وعنده عينان نَضّاختان تجريان عسلاً وماء، وإنه يرجع إلي الدنيا فيملؤها عدلًا . وكان محمد يخضب بالحناء والكتم وكان يتختم في اليسار، وله أخبار مشهورة، رضي الله عنه ، وانتقلت إمامته إلى ولده أبي هاشم عبد الله ومنه إلى محمد بن علي والد السفاح والمنصور ، كما سيأتي في ترجمته إن شاء الله تعالى٢. ورَضْوَى : بفتح الراء وبعدها ضاد معجمة وبعد الواو ألف؛ قال ابن جرير الطبري في تاريخه الكبير في سنة أربع وأربعين ومائة : رضوى جبل جهينة ، وهو في عمل ينبع، وقال غيره : بينهما مسيرة يوم واحد ، وهو من المدينة على سبع مراحل ميامنة طريق المدينة ومياسرة طريق البر لمن كان مُصْعداً إلى مكة وهو على ليلتين من البحر ، والله أعلم . ومن رضوى تحمل حجارة المسن إلى سائر الأمصار، قاله ابن حوقل في كتابه ((المسالك والمالك))٣. وذكر أبو اليقظان٤ في كتاب ((النسب)) أن ابن الحنفية له ابن اسمه الهيثم٥ وكان مُؤَخَّذاً عن مسجد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لا يقدر أن يدخله، والأخيذ في اللغة: الأسير ، والأخذَة - بضم الهمزة - رقية كالسحر، فكانه كان مسحوراً . ١ وكان المختار ... عدلا : سقط من ن س لي ت بر . ٢ إلى هنا تنتهي الترجمة في ن س لي ت بر . ٣ صورة الأرض: ٤٠؛ وقد وقعت هذه العبارة ((من رضوى ... والممالك)) في آخر الترجمة في ر . ٤ قيل إن اسمه عامر بن حفص ولقبه سحيم ولذلك يقال في الرواية عنه : حدثنا أبو اليقظان وإذا قيل سحيم بن حفص وعامر بن حفص وعامر بن أبي محمد وعامر بن الأسود وسحيم بن الأسود وعبيد الله بن حفص وأبو إسحاق فكل ذلك يشير إليه ( انظر الفهرست : ٩٤). ٥ المختار : اسمه القاسم . ١٧٣ - ٥٦٠ محمد الباقر أبو جعفر محمد بن زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين ، الملقب الباقر ؛ أحد الأئمة الاثني عشر في اعتقاد الإمامية ، وهو والد جعفر الصادق - وقد تقدم ذكره١ . كان الباقر عالماً سيداً كبيراً، وإنما قيل له الباقر لأنه تبَقّر في العلم ، أي توسع ، والتبقر : التوسع ، وفيه يقول الشاعر : يا باقر العلمِ لأهلِ التقى وخيرَ مَنْ لَبَّى على الأجْبُلِ ومولده يوم الثلاثاء ثالث صفر سنة سبع وخمسين للهجرة ، وكان عمره يوم قتل جده الحسين ، رضي الله عنه ، ثلاث سنين ، وأمه أم عبد الله بنت الحسن بن . الحسن بن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه. وتوفي في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث عشرة ومائة ، وقيل في الثالث والعشرين من صفر سنة أربع عشرة، وقيل سبع عشرة، وقيل ثمان عشرة بالحُمَيْمَةِ . ونقل إلى المدينة ودفن بالبقيع في القبر الذي فيه أبوه وعم أبيه الحسن بن علي رضي الله عنهم ، في القبة التي فيها قبر العباس رضي الله عنه . وقد تقدم الكلام على الحميمة في ترجمة علي بن عبد الله بن العباس . ٥٦٠ - انظر الأئمة الإثنا عشر: ٨١ ومصادر ترجمته في الصفحة المقابلة . ١ أنظر ج ١ : ٣٢٧ . ١٧٤ ٥٦١ محمد الجواد أبو جعفر محمد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر المذكور قبله ، المعروف بالجَواد ، أحد الأئمة الاثني عشر أيضاً . قدم إلى بغداد وافداً على المعتصم ، ومعه امرأته أم الفضل ابنة المأمون ، فتوفي بها ، وحملت امرأته إلى قصر عمها المعتصم فجعلت مع الحرم . وكان يروي مسنداً عن آبائه إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن ، فقال لي وهو يوصيني : يا علي ، ما خاب من استخار ولا ندم من استشار ، يا علي ، عليك بالدُّلجَة فإن الأرض تطوى بالليل ما لا تطوى بالنهار، يا علي اغْدُ باسم الله فإن الله بارك لأمتي في بكورها . وكان يقول : من استفاد أخاً في الله فقد استفاد بيتاً في الجنة . وقال جعفر بن محمد بن مزيد١ : كنت ببغداد فقال لي محمد بن منده بن مهريزد : هل لك أن أدخلك على محمد بن علي الرضا ؟ فقلت : نعم ، قال : فأدخلني عليه ، فسلمنا وجلسنا ، فقال له : حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن فاطمة رضي الله عنها أحصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار، قال: ذلك خاص بالحسن والحسين رضي الله عنهما . وله حكايات وأخبار كثيرة . وكانت ولادته يوم الثلاثاء خامس شهر رمضان ، وقيل منتصفه ، سنة خمس وتسعين ومائة . وتوفي يوم الثلاثاء لخمس خلون من ذي الحجة سنة عشرين ومائتين، وقيل تسع عشرة ومائتين ببغداد ، ودفن عند جده موسى بن جعفر ، رضي الله عنهم أجمعين ، في مقابر قريش ، وصلى عليه الواثق بن المعتصم . ......... ٥٦١ - ترجمته في الأئمة الاثنا عشر: ١٠٣ ومصادر ترجمته مثبتة على الصفحة المقابلة . ١ بر : مرثد ؛ ن : يزيد . ١٧٥ ٥٦٢ أبو القاسم المنتظر أبو القاسم محمد بن الحسن العسكري بن علي الهادي بن محمد الجواد المذكور قبله ؛ ثاني عشر الأئمة الاثني عشر على اعتقاد الامامية ، المعروف بالحُجَّة، وهو الذي تزعم الشيعة أنه المنتظر والقائم والمهدي ، وهو صاحب السِّرْداب عندهم، وأقاويلهم فيه كثيرة، وهم ينتظرون ظهوره في آخر الزمان من السرداب بسُرّ من رأى . كانت ولادته يوم الجمعة منتصف شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين ، ولما توفي أبوه - وقد سبق ذكره١ - كان عمره خمس سنين ، واسم أمه خمط ، وقيل نرجس ، والشيعة يقولون: إنه دخل السرداب في دار أبيه وأمُّهُ تنظر إليه ، فلم يعدْ يخرج إليها، وذلك في سنة خمس وستين ومائتين ، وعمره يومئذ تسع سنين . وذكر ابن الأزرق في ((تاريخ مَيّافارقين)) أن الحجة المذكور ولد تاسع شهر ربيع الأول سنة ثمان وخمسين ومائتين، وقيل في ثامن شعبان سنة ست وخمسين، وهو الأصح ، وأنه لما دخل السرداب كان عمره أربع سنين، وقيل خمس سنين، وقيل إنه دخل السرداب سنة خمس وسبعين ومائتين وعمره سبع عشرة سنة ، والله أعلم أي ذلك كان ، رحمه الله تعالى . ٥٦٢ - انظر الأئمة الاثنا عشر : ١١٧ والصفحة المقابلة . ١٠ انظر ج ١ : ٩٤. ١٧٦ ٥٦٣ الزهري أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زُهْرَةَ الزهري أحد الفقهاء والمحدثين ، والأعلام التابعين بالمدينة ، رأى عشرة من الصحابة رضوان الله عليهم ، وروى عنه جماعة من الأئمة: منهم مالك بن أنس وسفيان بن عيينة وسفيان الثوري . وروي عن عمرو بن دينار أنه قال : أي شيء عند الزهري ؟ أنا لقيت ابن عمر ولم يلقه ، وأنا لقيت ابن عباس ولم يلقه ، فقدم الزهري مكة فقال عمرو: احملوني إليه ، وكان قد أُقعد، فحمل إليه ، فلم يأت إلى أصحابه إلا بعد ليل ، فقالوا له : كيف رأيت ؟ فقال: والله ما رأيت مثل هذا الفتى القرشي قط. وقيل لمكحول: مَنْ أعلم من رأيت ؟ قال : ابن شهاب ، قيل له : ثم من ؟ قال : ابن شهاب ، قيل له : ثم من ؟ قال : ابن شهاب . وكان قد حفظ علم الفقهاء السبعة . وكتب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه إلى الآفاق : عليكم بابن شهاب ، فإنكم لا تجدون أحداً أعلم بالسنة الماضية منه . وحضر الزهري يوماً مجلس هشام بن عبد الملك وعنده أبو الزناد عبد الله بن ذَكوان فقال له هشام : أي شهر كان يخرج العطاء فيه لأهل المدينة ؟ فقال الزهري: لا أدري، فسأل أبا الزناد عنه فقال: في المحرم، فقال هشام للزهري: يا أبا بكر ، هذا علم استفدتَهُ اليوم، فقال: مجلسُ أمير المؤمنين أهل أن يستفاد منه العلم . وكان إذا جلس في بيته وضع كتبه حوله ، فيشتغل بها عن ٥٦٣ - ترجمته في المعارف: ٤٧٢ وحلية الأولياء ٣ : ٣٦٠ وطبقات الشيرازي : ٦٣ ومعجم المرزباني : ٣٤٥ وصفة الصفوة ٢: ٧٧ وميزان الاعتدال ٤: ٤٠ وتهذيب التهذيب ٩ : ٤٤٥ وغاية النهاية ٢ : ٢٦٢ والشذرات ١ : ١٦٢ . ١٢ - ٤ ١٧٧ كل شيء من أمور الدنيا، فقالت له امرأته يوماً: والله لَهَذه الكتب أشد علي من ثلاث ضرائر . وكان أبو جده عبد الله بن شهاب شهد مع المشركين بَدْرا، وكان أحد النفر الذين تعاقدوا يوم أحد لئن رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقتُلُنْهُ أو ليقتَلُنَّ دونه ؛ وروي أنه قيل للزهري : هل شهد جدك بدراً ؟ فقال: نعم، ولكن من ذلك الجانب ، يعني أنه كان في صف المشركين . وكان أبوه مسلم مع مصعب بن الزبير ، ولم يزل الزهري مع عبد الملك ثم مع هشام بن عبد الملك ، وكان يزيد بن عبد الملك قد استقضاه . وتوفي ليلة الثلاثاء لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة أربع وعشرين ومائة ، وقيل ثلاث وعشرين ، وقيل خمس وعشرين ومائة١ ، وهو ابن اثنتين - وقيل ثلاث - وسبعين سنة ؛ وقيل مولده سنة إحدى وخمسين الهجرة، والله أعلم، ودفن في ضيعته أداميَ - بفتح الهمزة والدال المهملة وبعد الألف ميم مفتوحة وياء مفتوحة أيضاً - وقيل: أَدمي ، مثل الأول لكنها بغير ألف ، وهي خلف شَغْب وبدا، وهما واديان - وقيل قريتان - بين الحجاز والشام في موضع هو آخر عمل الحجاز وأول عمل فلسطين. وذكر في كتاب «التمهيد)» أنه مات في بيته بنَعْف ، وهي قرية عند القرى المذكورة ، وماتت بها أيضاً أم حَزْرة زوجة جرير ، فقال من أبيات : نعم القرين وكنتِ عِلْقَ مَضِنَّةٍ وارى بنَعْفِ بليَّةَ الأحجارُ وقبره على الطريق ليدعو له كل من يمر عليه ، رضي الله عنه . والزهرى : بضم الزاي وسكون الهاء وبعدها راء ، هذه النسبة إلى زهرة ابن كلاب بن مرة ، وهي قبيلة كبيرة من قريش، ومنها آمنة أمُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وخلق كثير من الصحابة وغيرهم ، رضي الله عنهم٢. وشَغْب : بفتح الشين المعجمة وسكون الغين المعجمة وبعدها ياء موحدة . ١ س ن ت لي بر : وقيل خمس ومائة . ٢ هنا تنتهي الترجمة في ت . ١٧٨ ٢٠٠٠٠ وبَدا : بفتح الباء الموحدة والدال المهملة وبعدها ألف ، وفيهما يقول كثير عزة١: وأنتِ الَّتِي حَبّبْتِ شَغْباً إلى بَدا إليَّ وأوطاني بلادٌ سواهما وعَزّةُ لو يدري الطبيب قَذاهُما إذا ذرَفَتْ عيناي أعتلُّ بالقَذى وحَلْتْ بهذا حلة ثم أصبحت بهذا، فطاب الواديان كلاهما وهذا الشعر يدل على أنهما واديان ، لا قريتان والله أعلم . ٥٦٤ محمد بن أبي ليلى محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى يسار - ويقال داود بن بلال بن أحَيحة ابن الجُلاح الانصاري الكوفي - وقد سبق ذكر أبيه في حرف العين٢ ؛ كان محمد المذكور من أصحاب الرأي ، وتولى القضاء بالكوفة وأقام حاكماً ثلاثاً وثلاثين سنة ، ولي لبني أمية ثم لبني العباس وكان فقيهاً مفنّناً، وقال: لا أعقل من شأن أبي شيئاً غير أني أعرف أنه كانت له امرأتان، وكان له حبان أخضران، فينبذ٣ عند هذه يوماً وعند هذه يوماً. وتفقه محمد بالشعبي، وأخذ عنه سفيان الثوري، وقال الثوري: فقهاؤنا ابن أبي ليلى وابن شبرمة. وقال محمد المذكور: ١ وردت الأبيات في ياقوت ٣: ٣٠٢ والمغانم المطابة: ٢٠٥ وحماسة التبريزي ٣ : ١٤١ وشواهد المغني : ١٥٨ . ٥٦٤ - ترجمته في طبقات ابن سعد ٦ : ٣٥٨ والمعارف : ٤٩٤ وطبقات الشيرازي : ٨٤ والفهرست: ٢٠٢ والوافي ٣: ٢٢١ وتذكرة الحفاظ: ١٧١ وميزان الاعتدال ٣ : ٦١٣ وغاية النهاية ٢ : ١٦٥ وتهذيب التهذيب ٩ : ١٠٣ والشذرات ١ : ٢٢٤. ٢ انظر جـ ٣ : ١٢٦ . ٣ ل س ن : فيبيت . ١٧٩ دخلتُ على عطاء فجعل يسألني، فافكر بعضُ مَنْ عنده وكلَّمه في ذلك فقال: هو أعلم مني . وكانت بينه وبين أبي حنيفة رضي الله عنه وَحْشة يسيرة ، وكان يجلس للحكم في مسجد الكوفة ؛ فيحكى أنه انصرف يوماً من مجلسه ، فسمع امرأة تقول لرجل : يا ابن الزانيين ، فأمر بها فأخذت ورجع إلى مجلسه ، وأمر بها فضربت حدين وهي قائمة . فبلغ ذلك أبا حنيفة فقال : أخطأ القاضي في هذه الواقعة في ستة أشياء : في رجوعه إلى مجلسه بعد قيامه منه ، ولا ينبغي له أن يرجع بعد أن قام منه، وفي ضربه الحد في المسجد، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إقامة الحدود في المساجد ، وفي ضربه المرأة قائمة ، وإنما تضرب النساء قاعدات كاسيات١، وفي ضربه إياها حدين، وإنما يجب على القاذف إذا قذف جماعة بكلمة واحدة حد واحد ، ولو وجب أيضاً حدان لا يُوالي بينهما ، بل يضرب أولاً ثم يترك حتى يبرأ من ألم الأول٢ ، وفي إقامة الحد عليها بغير طالب٣ . فبلغ ذلك محمدَ بن أبي ليلى ، فسيّر إلى والي الكوفة وقال : هاهنا شاب يقال له أبو حنيفة يُعارضني في أحكامي ويُفتي بخلاف حكمي ويشنع؛ علي بالخطأ ، فأريد أن تزجره عن ذلك ، فبعث إليه الوالي ومنعه عن الفتيا ، فيقال إنه كان يوماً في بيته وعنده زوجته وابنه حماد وابنته ، فقالت له ابنته : إني صائمة وقد خرج من بين أسناني دم وبصقته حتى عاد الريق أبيض لا يظهر عليه أثر الدم ، فهل أفطر إذا بلعت الآن الريق ؟ فقال لها : سلي أخاكِ حماداً فإن الأمير منعني من الفتيا. وهذه الحكاية معدودة في مناقب أبي حنيفة وحسن تمسكه بامتثال إشارة رب الأمر، فإن إجابته طاعة، حتى إنه أطاعه في السر، ولم يردّ على ابنته جواباً، وهذا غاية ما يكون من امتثال الأمر . ١ س ن ل لي ت بر : قعوداً كاسين . ٢ لي : من الألم الأول . ٣ في هامش ن تعليق يستفاد منه أن المعترض على حكم ابن أبي ليلى هو امرأة مجنونة يقال لها أم عمران . ٤ ت بر : ويشيع . ١٨٠