النص المفهرس

صفحات 21-40

٥٢٤
فاتك المجنون
أبو شجاع فاتك الكبير المعروف بالمجنون ؛ كان رومياً، أُخذ صغيراً هو
وأخ له وأخت لهما من بلد الروم من موضع قرب حصن يُعرف بذي الكلاع ،
فتعلم الخط بفلسطين، وهو ممن أخذه الإخشيد من سيده بالرملة كَرْهاً بلا ثمن،
فأعتقه صاحبه ، وكان معهم حراً في عدة الماليك ؛ وكان كريم النفس بعيد
الهمة شجاعاً كثير الإقدام، ولذلك قيل له ((المجنون))، وكان رفيق الأستاذ
كافور في خدمة الإخشيد ، فلما مات مخدومهما وتقرر كافور في تربية١ ابن
الإخشيد - كما سيأتي في ترجمة كافور إن شاء الله تعالى - أنِفَ فاتك من الإقامة
بمصر كيلا يكون كافور أعلى رتبة منه، ويحتاج أن يركب في خدمته ، وكانت
الفيوم وأعمالها إقطاعاً له ، فانتقل إليها واتخذها سكناً له ، وهي بلاد وبيئة
كثيرة الوخَم ، فلم يصح له بها جسم ، وكان كافور يخافه ويُكرمه فزعاً منه
وفي نفسه منه ما فيها، فاستحكمت العلة في جسم فاتك وأحوجته إلى دخول
مصر للمعالجة، فدخلها وبها أبو الطيب المتنبي ضيفاً للأستاذ كافور ، وكان يسمع
بكرم فاتك وكثرة سخائه٢ ، غير أنه لا يقدر على قَصْد خدمته خوفاً من
كافور ، وفاتك يسأل عنه ويراسله بالسلام ، ثم التقيا في الصحراء مُصادفة من
غير ميعاد، وجرى بينهما مفاوضات، فلما رجع فاتك إلى داره حمل لأبي الطيب
في ساعته هدية قيمتها ألف دينار ، ثم أتبعها بهدايا بعدها ، فاستأذن المتنبي
الأستاذ كافوراً في مدحه فأذن له ، فمدحه في التاسع من جمادى الآخرة سنة
٥٢٤ - انظر النجوم الزاهرة ٣ : ٤،٣٢٩: ٥٦ وعبر الذهبي ٢: ٢٨٧ والشذرات ٣: ٥.
١ ر : خدمة .
٢ ن : شجاعته .
٢١

ثمان وأربعين وثلثمائة بقصيدته المشهورة التي أولها ، وهي من غرّ القصائد١:
لا خَيْلَ عندكَ تُهْدِيها ولا مالُ فليُسْعِدِ النطقُ إِن لم يُسْعِدِ الحالُ
وما أحسن قوله فيها :
كَفاتِكٍ ودخولُ الكاف مَنْقَصَة كالشَّمْسِ قلت وما الشَّمْسِ أمثالُ
ثم توفي فاتك المذكور ليلة الأحد عِشاءً، لإحدى عشرة ليلة خلت من شوال
سنة خمسين وثلثمائة بمصر ، فرناه المتنبي ، وكان قد خرج من مصر ، بقصيدته
التي أولها٢ :
الحزن يُقْلِقُ والتجمُّلُ يردع والدمعُ بينهما عَصِيْ طَيِّعُ
وما أرقّ قوله فيها :
إني لأجبُنُ من فراق أحبتي وتحسّ نفسي بالحمام فأشجُعُ
ويُكُمْ بِي عَتْبُ الصديق فأجْزَع
ويزيدني غَضَبُ الأعادي قسوة
عما مَضى منها وما يُتَوَقْع
تَصْفو الحياةُ لجاهل أو غافل
ويَسُومُها طلبَ المحال فتطمَع
ولمن يغالط في الحقائق نفسَهُ
ما قومه ما يومه ما المصرّع
أينَ الذي الهَرَمانِ من بُنيانه
حيناً فيدركها الفناء فتتْبَع
تتخلفُ الآثار عن أصحابها
وهي من المرائي الفائقة . ثم عمل بعد خروجه من بغداد يذكر مسيره من
مصر ويرني فاتكاً المذكور ، وأنشأها يوم الثلاثاء لتسع خلون من شعبان سنة
اثنتين وخمسين وثلثمائة، وأولها٣ :
حَتَّامِ نحن نساري النجم في الظُّلَم وما سُراه على خُفٍ ولا قَدَمِ
١ ديوان المتنبي : ٥٠٣ .
٢ ديوان المتنبي : ٥٠٦ .
٣ ديوانه : ٥١٠ وفيه أنه أنشدها لسبع خلون من شعبان .
٢٢

ومنها في ذكر فاتك :
لا فاتكٌ آخرٌ في مصرَ نقصِدُهُ ولا له خَلَفٌ في الناس كلهم.
من لا تشابه الأحياء في شِيمٍ أمسى تشابه الأموات في الرِّمَم
عدمته وكأنّي سرت أطلبه فما تزيدُنيَ الدنيا على العدم
وله فيه شيء آخر١ ، رحمه الله تعالى .
:
:
٥٢٥
صاحب قلائد العقيان
أبو نصر الفتح بن محمد بن عبيد الله بن خاقان بن عبد الله القَيْسي الإشبيلي
صاحب كتاب (( قلائد العقيان))؛ له عدة تصانيف منها الكتاب المذكور وقد
جمع فيه من شعراء المغرب طائفة كثيرة ، وتكلم على ترجمة كل واحد منهم٢
بأحسن عبارة وألطف إشارة، وله أيضاً كتاب ((مطمح الأنفس ومَسْرَح
التأنس في ملح اهل الأندلس)» وهو ثلاث نسخ: كبرى وصغرى ووسطى ،
وهو كتاب كثير الفائدة ، لكنه قليل الوجود في هذه البلاد ، وكلامه في هذه
الكتب يدل على فضله وغزارة مادته ، وكان كثير الأسفار سريع التنقلات .
وتوفي قتيلاً سنة خمس وثلاثين وخمسمائة بمدينة مَرّاكُشَ في الفندق٣ .
١ ر : أشياء أخر .
٥٢٥ - ترجمته في معجم شيوخ الصدفي: ٣٠٠ والذيل والتكملة ٥ : ٥٢٩ والمغرب ١ : ٢٥٤
ومعجم الأدباء ١٦: ١٨٦ ونفح الطيب ٧: ٢٩ والمسالك ١١ : ٣٩٤ والشذرات ٤ : ١٠٧؛
وسقطت الترجمة من المختار .
٢ ر : منهم بعينه .
٣ ن : الخندق ، وهو خطأ .
٢٣

وقال الحافظ أبو الخطاب ابن دحية في كتابه الذي سماه «المطرب من أشعار
أهل المغرب))١: ((إني لقيت جماعة من أصحابه وحدثوني عنه بتصانيفه
وعجائبه، وكان مخلوع٢ العذار في دنياه، لكن كلامه في تواليفه كالسِّحر الحلال
والماء الزلال ، قتل ذبحاً في مسكنه بفندق٣ من حضرة مراكش صَدْرَ سنة
تسع وعشرين وخمسمائة، رحمه الله تعالى، وإن الذي أشار بقتله أمير المسلمين
أبو الحسن علي بن يوسف بن تاشِفِينَ)) هذا كله لفظه، والله أعلم بالصواب .
وأمير المسلمين المذكور هو أخو أبي إسحاق إبراهيم بن يوسف بن تاشِفِينَ
الذي ألف له أبو نصر المذكور ((قلائدَ العقيان)) وقد ذكره في خطبة الكتاب.
٥٢٦
الشهاب فتيان الشاغوري
الشهاب فتيان بن علي بن فتيان بن ثمال٤ ، الأسدي الحريمي° المعروف
بالشاغوري المعلم؛ كان فاضلاً وشاعراً ماهراً، خدم الملوك ومدحهم وعلم أولادهم،
وله ديوان شعر٦ فيه مقاطيع حسان، وأقام مدة بالزّبداني وله فيها أشعار
لطيفة ، فمن ذلك قوله في جنة الزبداني ، وهي أرض فيحاء جميلة المنظر تتراكم
عليها الثلوج في زمن الشتاء وتُنبِتُ أنواع الأزهار في زمن الربيع ، ولقد
١ انظر المطرب : ٢٥
٢ ر : خليج .
٣ اسمه فندق لبيب ، قال ابن عبد الملك : أحد فنادق مراكش الخنوية .
٥٢٦ - انظر مطالع البدور ١: ٢٨ والنجوم الزاهرة ٦ : ٢٢٦ والشذرات ٣ : ٦٣ والخريدة
( قسم الشام ١ : ٢٤٧) ومعجم البلدان (شاغور ).
٤ كذا في لي ن ر، وسقطت ((ثمال)) من س م ، والثاء غير معجمة في ل .
٥ ر : الحنفي الدمشقي ؛ وفي الجريدة : الخزيمي .
٦ نشر ديوانه بدمشق سنة ١٩٦٧ .
٢٤

أحسن فيها كل الإحسان ، وهي١ :
قد أجمَدَ الخمرَ كانونٌ بكل قَدَخْ وأخمد الجمر في الكانون حین قدَح
يا جنة الزبداني أنت مسفرة بحسن وجه إذا وجه الزمان كلَح
والجوُّ يحلجهُ والقوسُ قوسُ قُزَح
فالثلج قطنٌ علیك السحب تندفه
وله وقد دخل إلى حمام ماؤها شديد الحرارة ، وكان قد شاخ [وكبر]٢:
أرى ماء حمامكم كالحميم نُكابد منه عناء وبُوسا
وعهدي بكم تسمطون الجِداءَ فما بالكم تَسمِطُون التشيوسا
[ثم وجدت في كتاب ((الخريدة)» في ترجمة سعد بن إبراهيم الشيباني الاسعردي
الملقب بالمجد الكاتب خمسة أبيات، قال العماد الأصبهاني صاحب ((الخريدة)):
أنشدنيها سعد المذكور في ذم حمام ، ولم يقل إنها له ، والبيت الخامس منها :
وقد كان في العرف سمط الجداء فلم صرتمُ تسمطون التيوسا
وقال العماد : وهو إلى سادس شهر ربيع الآخر سنة سبع وثمانين وخمسمائة
مقيم بالعسكر المنصور على عَكّا .
قلت: فقد استعمله فتيان الشاعر تضميناً، فنبهت عليه كيلا يظن أنه لفتيان].
وكان قد تعلق بخدمة الأمير بدر الدين مودود بن المبارك شحنة دمشق، وهو
أخو عز الدين فَرُوخ٣ شاه ابن أخي السلطان صلاح الدين لأمه، وكان يعلم
أولاده الخط ، فكتب إليه شرف الدين بن عنين :
يا مَنْ تلَقَّبَ ظلماً بالشهابِ وإِن نافى بظلمتهِ في أفقها الشُّهُبا
لا يَغْرُرَنَّكَ من مودودَ دولتهُ وإن تمسكت من أسبابها سَبَبا
١ الأبيات في ديوان فتيان : ٩٤ .
٢ البيتان في ديوانه: ٢٣٨؛ وزاد في المختار: وقيل إنها لغيره .
٣ ن لي : فرخ .
٢٥

:
(فلَستَ تنبح فيها غيرَ واحدة حق تلف على خَيَشُومك الذنَبا))
وهذا البيت الأخير من أبيات ((الحماسة)) وقد استعمله تضميناً، وكانت
بينهما مكاتبات ومداعبات يطول شرحها .
[ومولده بعد سنة ثلاثين وخمسمائة ببانياس . ومن شعره :
علامَ تحركي والحظ ساكن وما نهْنَهْتُ في طلبٍ ولكنْ
أرى نزلاً تقدمهُ المساوي على حرّ تؤخرهُ المحاسِنِ
وله ديوان آخر صغير جميع ما فيه دوبيت رأيته بدمشق ونقلت منه :
الورد بوجنتيك زاه زاهر والسحر بمقلتيك واف وافر
والعاشق في هواك ساه ساهر يرجو ويخاف فهو شاك شاكر].
. وتوفي فتيان المذكور سَحَر الثاني والعشرين من المحرم سنة خمس عشرة
وستمائة ، ودفن بمقابر باب الصغير ، رحمه الله تعالى .
والشاغوري : بفتح الشين المعجمة وبعد الألف غين معجمة مضمومة ثم واو
ساكنة بعدها راء ، هذه النسبة إلى الشاغور ، وهي عمارة بظاهر دمشق من
جملة ضواحيها٢ .
والزبداني : بفتح الزاي والباء الموحدة والدال المهملة وبعد الألف نون
مكسورة ثم ياء مثناة من تحتها ، وهي قرية بين دمشق وبعلبك كثيرة الأشجار
والمياه ، رأيتها مراراً، وهي في غاية الحسن والطيبة٣.
١ ما بين معقفين ثبت في ر ، ولم أجد البيتين اللذين بقافية النون في ديوانه .
٢ ر : نواحيها .
٣ ر : والطيب .
٢٦
٠

:
٥٢٧
الفضل بن يحيى البرمكي
أبو العباس الفضل بن يحيى بن خالد بن برمك١ البرمكي ؛ كان من أكثرهم
كرماً مع كرم البرامكة وسعة جودهم ، وكان أكرم من أخيه جعفر المقدم
ذكره٢ ، وكان جعفر أبلغ في الرسائل والكتابة منه ؛ وكان هارون الرشيد قد
ولاه الوزارة قبل جعفر، وأراد أن ينقلها إلى جعفر فقال لأبيها يحيى : يا أبت
- وكان يدعوه يا أبت - إني أريد أن أجعل الخاتم الذي لأخي الفضل لجعفر ،
وكان يدعو الفضل يا أخي ، فإنهما متقاربان في المولد ، وكانت أم الفضل قد
أرضعت الرشيد ، واسمها زبيدة من مولدات المدينة ، والخيزران أم الرشيد
أرضعت الفضل ، فكانا أخوين من الرضاع، وفي ذلك قال مروان بن أبي حفصة
يمدح الفضل :
كَفى لكَ فَضلاً أن أفضَلَ حرة غذتكَ بِثَدْيٍ والخليفَةَ واحِدٍ
لقد زِنتَ يحيى في المشاهد كلها كما زانَ يحيى خالداً في المشاهِدِ
قال الرشيد ليحيى٣ : وقد احتشمت من الكتاب إليه في ذلك فاكفنيه ،
فكتب والده إليه: ((قد أمر أمير المؤمنين بتحويل الخاتم من يمينك إلى شمالك))
فكتب إليه الفضل ((قد سمعت مقالة٤ أمير المؤمنين في أخي وأطعت ، وما
٥٢٧ - أخباره في ابن الأثير ( جـ: ٦) والطبري والوزراء والكتاب ومروج الذهب (جـ : ٣)
وزهر الآداب ٣٦٤ وتاريخ بغداد ١٢ : ٣٣٤ والنجوم الزاهرة ٢ : ١٤٠ وعبر الذهبي
١ : ٣٠٩ والشذرات ١ : ٣٣٠.
١ زاد في ن : ابن يزيد .
٢ ترجمة جعفر البرمكي في ( جـ ١ : ٣٢٨).
٣ والخيزران ... ليحيى: ورد في ر م والمختار .
٤ ر : ما قاله .
٢٧
٠

انتقلَتْ عني نعمةٌ صارت إليه، ولا غربت عني رتبة طلعت عليه)) فقال
جعفر: الله أخي ما أنفس نفسه، وأبين دلائل الفضل عليه، وأقوى منة العقل
فيه ، وأوسع في البلاغة ذَرْعَه .
وكان الرشيد قد جعل ولده محمداً في حجر الفضل بن يحيى ، والمأمونَ في
حجر جعفر، فاختص كل واحد منهما بمن في حجره ، ثم إن١ الرشيد قلد الفضل
بعمل خراسان ، فتوجه إليها وأقام بها مدة ، فوصل كتاب صاحب البريد
بخراسان إلى الرشيد ويحيى جالس بين يديه ومضمون الكتاب أن الفضل بن.
يحيى متشاغل بالصيد وإدمان اللذات عن النظر في أمور الرعية ، فلما قرأه
الرشيد رمى به إلى يحيى ، وقال له : يا أبت ، اقرأ هذا الكتاب واكتب إليه
بما يَرْدَعُه عن هذا، فكتب يحيى على ظهر كتاب صاحب البريد: ((حفظك الله
يا بني وأمتع بك، قد انتهى إلى أمير المؤمنين مما أنت عليه من التشاغل٢ بالصيد
ومداومة اللذات عن النظر في أمور الرعية ما أنكره ، فعاودْ ما هو أزين
بك، فإنه من عاد إلى ما يَزينه أو يَشِينه لم يعرفه أهل دهره إلا به ، والسلام»
وكتب في أسفله هذه الأبيات :
انصَبْ نهاراً في طِلاب العُلا واصبر على فَقدِ لقاء الحبيب
واسْتَتَرَت فيه وجوهُ العيوب
حق إذ الليل أتى مقبلا
فإنما الليل نهارُ الأريب
فكابدِ الليلَ بما تشتهي
يستقبلُ الليلَ بأمر عجيب
كم مِنْ فتى تحسِبهُ ناسكا
فبات في هو وعیشٍ خصيب
غطَّى عليه الليلُ أستاره
ولذةُ الْأحْمَقِ مكشوفَةٌ يَسعى بها كلُّ عدو رقيب
والرشيد ينظر إلى ما يكتب٣ ، فلما فرغ قال: أبلَغْتَ يا أبت، فلما ورد
١ وكان الرشيد ... ثم إن: ورد في رم والمختار؛ وجاء في سائر النسخ: وكان الرشيد قد
ولاه خراسان وأقام بها مدة ... الخ .
٢ ر : التغافل .
٣ ن : ما كتب، وسقطت من لي .
٢٨

الكتاب على الفضل لم يفارق المسجد نهاراً إلى أن انصرف من عمله١.
ومن مناقبه أنه لما تولى٢ خراسان دخل إلى بلخ وهو وطنهم ، وبها النوبهار
وهو بيت النار التي كانت المجوس تعبدها، وكان جَدُّهم برمك خادم ذلك البيت
- حسبما هو مشروح في ترجمة جعفر - فأراد الفضل هدم ذلك البيت ، فلم يقدر
عليه لإحكام بنائه ، فهدم منه ناحية وبنى فيها مسجداً .
وذكر الجهشياري في ((أخبار الوزراء))٣ أن الرشيد ولى جعفر بن يحيى
الغرب كله من الأنبار إلى أفريقية في سنة ست وسبعين ومائة ، وقَلَّد الفضل
الشرق كله من شروان٤ إلى أقصى بلاد الترك، فأقام جعفر بمصر° واستخلف على
عمله، وشخص الفضل إلى عمله في سنة ثمان وسبعين، فلما وصل إلى خراسان
أزال سيرة الجور ، وبنى المساجد والحياض والرُّبُطَ وأحرق دفاتر البقايا٦ وزاد
الجند ، ووصل الزوار والقواد والكتاب في سنية تسع بعشرة آلاف درهم ،
واستخلف على عمله ، وشخص في آخر هذه السنة إلى العراق ، فتلقاه الرشيد
وجمع له الناس وأكرمه غاية الإكرام ، وأمر الشعراء بمدحه والخطباء بذكر
فضله ، فكثر المادحون له ، ومدحه إسحاق بن إبراهيم الموصلي بأبيات منها :
لو كان بيني وبين الفضل معرفة فضل بن يحيى لأعداني على الزمن
هو الفتى الماجد الميمون طائره والمشتري الحمدَ بالغالي من الثمن
وكان أبو الهول الحميري٧ قد هجا الفضل، ثم أتاه راغباً إليه ، فقال له :
١ راجع هذه القصة المتقدمة في سرور النفس التيفاشي ، الورقة : ٤٥ - ٤٦.
٢ ر : ولي .
٣ الجهشياري : ١٩٠ .
: ٤ الجهشياري : النهروان .
٥ الجهشياري : بحضرة الرشيد .
٦ هكذا في المطبوعة والجهشياري، ولعل المعنى: الدفاتر التي تحتوي بقايا مستحقة من الضرائب ،
وفي المختار : مراكز البقايا ، وفي ر : مراكز البغايا .
٧ انظر طبقات ابن المعتز : ١٥٣ وتاريخ بغداد ١٢ : ٢٧٣ .
٢٩

ويلك ! بأي وجه تلقاني ؟ فقال : بالوجه الذي ألقى به الله عز وجل وذنوبي
إليه أكثر من ذنوبي إليك ، فضحك ووصَلَه١ .
ومن كلامه : ما سرور الموعود بالفائدة كسروري بالإنجاز .
وقيل له : ما أحسن كرمك لولا تِيهٌ فيك، فقال : تعلمت الكرم والتيه
من عمارة بن حمزة٢ . فقيل له: وكيف ذلك ؟ فقال : كان أبي عاملاً على بعض
كُوَرَ بلاد فارس ، فانكسرت عليه جملة مستكثرة ، فحُمل إلى بغداد ،
وطولب بالمال ، فدفع جميع ما يملكه ، وبقيت عليه ثلاثة آلاف ألف درهم لا
يعرف لها وجهاً ، والطلب عليه حثيث ، فبقي حائراً في أمره ، وكانت بينه
وبين عمارة بن حمزة منافرة ومواحشة ، لكنه علم أنه ما يقدر على مساعدته
إلا هو ، فقال لي يوماً وأنا صبي: امض إلى عمارة وسلم عليه عني وعَرِّفه
الضرورة التي قد صرنا إليها واطلب منه هذا المبلغ على سبيل القرض إلى أن
يسهّل الله تعالى باليسرة، فقلت له : أنت تعلم ما بينكما، وكيف أمضي إلى
عدوك بهذه الرسالة وأنا أعلم أنه لو قدر على إتلافك لأتلفك ؟ فقال : لا بد
أن تمضي إليه لعل الله يسخره ويوقع في قلبه الرحمة ، قال الفضل : فلم يمكني
معاودته٣ ، وخرجت وأنا أُقَدِّمُ رجلاً وأؤخرُ أخرى ، حتى أتيت داره
واستأذنت في الدخول عليه ، فأذن لي ، فلما دخلت وجدته في صدر إيوانه
متكئاً على مفارِشَ وثيرة ، وقد غلف شعر رأسه ولحيته بالمسك ، ووجهه إلى
الحائط وكان من شدة تيهه لا يقعد إلا كذلك ، قال الفضل : فوقفت° أسفل
الإيوان ، وسلمت عليه فلم يرد السلام ، فسلمت عليه عن أبي وقصصت عليه
.......
...
١ ومن مناقبه ... ووصله : ورد منه جزء يسير في م، وثبت جميعه في المختار والنسخة ر وسقط
من سائر النسخ .
٢ انظر عن عمارة بن حمزة، معجم الأدباء ١٥: ٢٤٢ والهدايا والتحف : ١٤٣ ومواضع
متفرقة من الجهشياري ؛ وقصة الفضل وتشبهه بعمارة في الفرج بعد الشدة ٢ : ٦٥.
٣ ر : مخالفته .
٤ ر والمختار : مقدم ... ومؤخر .
٥ ن : فمشيت إلى .
٣٠

القصة ، فسكت١ ساعة ثم قال: حتى ننظر، فخرجت من عنده نادماً على نقل
خُطاي إليه ، موقناً بالحرمان عاتباً على أبي كونَهُ كلّفني إذلال نفسي بما لا
فائدة فيه ، وعزمت على أن لا أعود إليه غيظاً منه ، فغبت عنه ساعة ثم جثته
وقد سكن ما عندي ، فلما وصلت إلى الباب وجدت أبغالاً محملة ، فقلت : ما
هذه ؟ فقيل: إن عمارة قد سيّر المال٢، فدخلت على أبي ولم أخبره بشيء مما
جرى لي معه كيلا أكدر عليه إحسانه ، فمكثنا قليلاً، وعاد أبي إلى الولاية
وحصَلَتْ له أموال كثيرة ، فدفع إلي ذلك المبلغ وقال : تحمله إليه ، فجئت
به ودخلت عليه ، فوجدته على الهيئة الأولى ، فسلمت عليه فلم يرد ، فسلمت
عليه عن أبي وشكرت إحسانه وعرفته بوصول المال ، فقال لي مجرّدٍ : ويحك
أَقَسْطاراً كنت لأبيك ؟ اخرج عني لا بارك الله فيك ، وهو لك ، فخرجت
ورددت المال إلى أبي وعجبنا من حاله ، فقال لي : يا بني ، والله ما تسمح نفسي
لك بذلك، ولكن خذ ألف ألف درهم واترك لأبيك ألفي ألف درهم، فتعلمت
منه الكرم والتيه .
[وحكى الجهشياري في ((أخبار الوزراء))٣ هذه الحكاية، لكن بين الحكايتين
اختلاف قليل ، وذكر أن جملة المال ألف ألف درهم ، وكان ذلك في أيام
المهدي ، وكان يحيى قد ضمن فارس فانكسر عليه المال ، وقال المهدي لمن
يطالبه بالمال : إن أدى لك المال قبل المغرب من يومنا هذا وإلا فأتني برأسه ،
وكان المهدي مُغْضَباً عليه]؛ .
والقَسْطار : الصير في° .
وعمارة المذكور من أولاد عكرمة مولى ابن عباس، وقد تقدم ذكره ، وكان
١ ر : وسكت فسكت .
٢ المختار: قد سير إلى يحيى المال.
٣ الجهشياري : ١٩٧ .
٤ ما بين معقفين ورد في ر وحدها .
٥ القسطار : تعريب للفظة اللاتينية quaestor وهو موظف كانت إليه جباية الخراج أو
أمانة المال .
٣١

كاتب أبي جعفر المنصور ومولاه ، وكان تائهاً معجباً، كريماً بليغاً فصيحاً ،
أعور . وكان المنصور وولده المهدي يقدمانه ، ويحتملان أخلاقه لفضله وبلاغته
ووجوب حقه ، وولي لهما الأعمال الكبار ، وله رسائل مجموعة من جملتها رسالة
الخميس١ التي تقرأ لبني العباس.
ويحكى أن الفضل دخل عليه حاجِبُه يوماً فقال له٢: إن بالباب رجلاً
زعم٣ أن له سبباً يمتُ به إليك، فقال: أدخله ، فأدخله فإذا هو شاب حسن
الوجه رث الهيئة ، فسلم، فأومأ إليه بالجلوس فجلس ، فقال له بعد ساعة : ما
حاجتك ؟ قال، أعلمتْكَ بها رثاثَةُ ملبسي٤، قال. نعم ، فما الذي تمتُّ به
إلي ؟ قال : ولادة تقرب من ولادتك ، وجوار يدنو من جوارك ، واسم مشتق
من اسمك ، قال الفضل : أما الجوار فيمكن ، وقد يوافق الاسم الاسم، ولكن
من أعلمك بالولادة ؟ قال : أخبرتني أمي أنها لما ولدتني قيل لها : قد ولد هذه
الليلة ليحيى بن خالد غلام وسمي الفضل ، فسمتني أمي فُضَيْلاً إكباراً لاسمك
أن تلحقني به ، وصغرته لقصور قدري عن قدرك ، فتبسم الفضل وقال له : كم
أتى عليك من السنين ؟ قال : خمس وثلاثون سنة ، قال : صدقت ، هذا المقدار
الذي أُعُدُّ ، قال: فما فغلت° أمك ؟ قال: ماتت، قال: فما منعك من
اللحاق بنا متقدماً ؟ قال: لم أرضَ نفسي للقائك، لأنها كانت في عامية معها
حَداثة تقعدني عن لقاء الملوك ، وعلق هذا بقلبي منذ أعوام ، فشغلت نفسي بما
يصلح للقائك حتى رضيت نفسي٦، قال: فما تصلح له ؟ قال: الكبير من الأمر
والصغير ، قال: يا غلام، أعطه لكل عام مضى من سِنْه ألفَ درهم، وأعطه
١ س ل: الجيش، ن: الحسن؛ ورسالة الخميس هذه مما احتفظ به ابن طيفور في كتابه ((المنظوم
والمنشور)) .
٢ انظر القصة في تمام المتون : ٢٦٥.
٣ ر : زعم .
٤ ن : حالي .
٥ ر : عملت .
٦ حتى ... نفسي : سقط من ر .
٣٢

عشرة آلاف درهم يحمل بها نفسه إلى وقت استعماله١. وأعطاه مركوباً سَريّاً.
ثم إن الرشيد لما قتل جعفراً - على ما تقدم في ترجمته - قبض على أبيه يحيى
وأخيه الفضل المذكور، وكان عنده، ثم توجه الرشيد إلى الرقة وهما معه وجميع
البرامكة في التوكيل غير يحيى، فلما وصلوا إليها وجه الرشيد إلى يحيى أن أقم
بالرقة أو حيث شئت ، فوجه٢ إليه : إني أحب أن أكون مع ولدي ، فوجه
إليه : أترضى بالحبس ؟ فذكر أنه يرضى به ، فحبس معهم ، ووسع عليهم ، ثم
كانوا حيناً يوسع عليهم وحيناً يُضَيق عليهم حسبما ينقل إليه عنهم ، واستصفى
أموال البرامكة٣ . ويقال: إن الرشيد سير٤ مسروراً الخادم إلى السجن ،
فجاءه فقال للمتوكل بها : أخرج إليّ الفضل ، فأخرجه ، فقال له : إن أمير
المؤمنين يقول لك : إني قد أمرتك أن تصدقني عن أموالكمْ ، فزعمت أنك قد
فعلت٦، وقد صح عندي أنك بقيت لك أموالاً كثيرة٧ ، وقد أمرني إن
لم تطلعني على المال أن أضربك مائتي سوطٍ ، وأرى لك أن لا تؤثر مالك على
نفسك ، فرفع الفضل رأسه٨ وقال: والله ما كذبت فيما أخبرت به ، ولو
خيرت بين الخروج من ملك الدنيا٩ وأن أُضرَبَ سوطاً واحداً لاخترت الخروج،
وأمير المؤمنين يعلم ذلك ، وأنت تعلم أنا كنا نصون أعراضنا بأموالنا ، فكيف
صرنا نصون أموالنا بأنفنسا ؟ فإن كنت قد أمرت بشيء فامض له ، فأخرح
مسرور أسواطاً كانت معه في منديل، وضربه مائتي سوط ، وتولى ضربه الخدم
١ ن : اشتغاله .
٢ ر : فأرسل .
٣ تم إن الرشيد ... البرامكة: ورد هذا النص بإيجاز شديد في س بر ل ن لي .
٤ ن : أرسل إليه .
٥ ر س : أموالك .
٦٠ ر : صدقت .
٧ ن لي والمختار : مالا كثيراً .
٨ ربر : رأسه إليه .
٩ ن : أن أخرج من الدنيا ؛ ر : مال الدنيا .
٣ - ٤
٣٣

فضربوه أشدّ الضرب، وهم لا يحسنون١ الضرب، فكادوا أن يتلفوه، وتركوه.
وكان هناك رجل بصير بالعلاج فطلبوه لمعالجته ، فلما رآه قال : يكون قد ضربوه
خمسين سوطاً ، فقيل : بل مائتي سوط ، فقال : ما هذا إلا أثر خمسين سوطاً
لا غير ، ولكن يحتاج أن يَنامَ على ظهره على بارِيَّةٍ وأدوس صدره ، فجزع
الفضل من ذلك ثم أجاب إليه ، فألقاه على ظهره وداسه ، ثم أخذ بيده
وجذبه عن البارية ، فتعلق بها من لحم ظهره شيء كثير ، ثم أقبل يعالجه ، إلى
أن نظر يوماً إلى ظهره ، فخر المعالج ساجداً لله تعالى ، فقيل له : ما بالك ؟
فقال : قد برىء وقد نَبتَ في ظهره لحم حي ، ثم قال : ألست قلت هذا
ضرب خمسين سوطاً، أما والله لو ضرب ألف سوط ما كان أثرها بأشدَّ من هذا
الأثر ، وإنما قلت ذلك حتى تقوى نفسه٢ فيعينني على علاجه٣ .
ثم إن الفضل اقترض من بعض أصحابه عشرة آلاف درهم؛ وسيرها لـ٥ ،
فردّها عليه ، فاعتقد أنه قد استقلها ، فاقترض عليها عشرة آلاف أخرى
وسيّرها فأبى أن يقبلها وقال : ما كنت لآخذ على معالجة فتى من الكرام
كراءً، والله لو كانت عشرين ألف دينار ما قبلتها ، فلما بلغ ذلك الفضل قال :
والله إن الذي فعله هذا أبلغ من الذي فعلناه في جميع أيامنا من المكارم ، وكان
قد بلغه أن ذلك المعالج كان في شدة وضائقة .
وكان الفضل ينشد وهو في السجن هذه الأبيات ، وأظنها لأبي العتاهية ،
ثم وجدتها لصالح بن عبد القدوس من جملة أبيات قالها وهو محبوس ، وقيل إنها
لعلي بن الخليل ، وكان هو وصالح المذكور يتهمان بالزندقة ، فحبسهما الخليفة
المهدي بن المنصور ، فقال هذه الأبيات٦:
١ ل : يحسبون .
٢ لي : يقوى على نفسه .
٣ لي : معالجته.
٤ ر : درهم أخرى .
٥ ن : وأرسلها إليه .
٦ ثم وجدتها ... الأبيات: سقط من س ل في بر .
٣٤

إِلى الله فيما نالنا نرفعُ الشكوى ففي يده كشفُ المضرة والبلوى
فلا نحن في الأموات فيها ولا الأحيا
خرجنا من الدنيا ونحن من اهلها
عجبنا وقلنا : جاء هذا من الدنيا١
إذا جاءنا السجان يوماً لحاجة
وقد مدح البرامكة جميع شعراء عصرهم ، فمن ذلك قول مروان بن أبي
حفصة ، وقيل إنها لأبي الحجناء في الفضل المذكور :
عندَ الملوكِ منافعٌ ومضرة وأرى البرامك لا تضرُ وتنفعُ.
إِن كان شرٌّ كان غيرهمُ له والخير منسوبٌ إليهم أجمع
وقديمهُ فانظر إلى ما يصنع
وإذا جهلتَ من امرىء أعراقه
إن العروق إذا استسر بها الندى أشب٢ النباتُ بها وطاب المزرع
وغضب الرشيد على العتابي الشاعر فشَفَع له الفضل فرضي عنه ، فقال :
ما زلتُ في غمراتِ الموتِ مُطَّرَحاً يضيقُ عني وسيعُ الرأي والحيلِ
فلم تزل دائماً تَسعى بلطفكَ لي حتى اختلستَ حياتي من يَدَي أجَلي
ومدحه أبو نواس بقصائد ، قال في بعضها :
سأشكو إلى الفضلِ بن يحيى بن خالدٍ هواكِ لعلَّ الفضلَ يجمعُ بينَنا
فقيل له : قد أسأت المقال في المخاطبة بهذا القول ، فقال : أردت جمع
تفضل لا جمع توصل ، وتبعه المتنبي بقوله :
علَّ الأمير يرى ذُلِّي فيشفَعَ لي إلى التي صيّرَتني في الهوى مَثَلا
وعمل فيه بعض الشعراء بيتاً واحداً وهو :
ما لقينا من جودٍ فضل بن يحيى تركَ الناس كلهم شعراء
١ هذا البيت متقدم على الذي قبله في ر .
٢ ر : أشر .
٣٥

فاستحسنوا منه ذلك وعابوا عليه كونه مفرداً، فقال [أبو] العذافر ورد
ابن سعد العمى ١ :
علَّم المفحمين أن ينظموا الأش عارَ منا والباخلين السخاءً
فاستحسنوا منه ذلك .
وكان الفضل كثير البر بأبيه ، وكان أبوه يتأذَّى من استعمال الماء البارد في
زمن الشتاء . فيحكى انهما لما كانا في السجن لم يقدرا على تسخين الماء ، فكان
الفضل يأخذ الإبريق النحاس وفيه الماء فيلصقه إلى بطنه زماناً عساه تنكسر
برودته بحرارة بطنه حتى يستعمله أبوه بعد ذلك .
وأخباره كثيرة . وكانت ولادته لسبع بقين من ذي الحجة سنة سبع٢
وأربعين ومائة [وذكر الطبري في تاريخه في أول خلافة هارون الرشيد أن مولد
الفضل بن يحيى سنة ثمان وأربعين، والله أعلم]٣. وتوفي بالسجن سنة ثلاث
وتسعين ومائة في المحرم غداة جمعة بالرقة ، وقيل إنه توفي في شهر رمضان سنة
اثنتين وتسعين ومائة ، رحمه الله تعالى .
ولما بلغ الرشيدَ موته قال : أمري قريب من أمره، وكذا كان ، فإنه توفي
بطوس سنة ثلاث وتسعين ومائة ليلة السبت لثلاث خلون من جمادى الآخرة ،
وقيل النصف منه ، وقيل ليلة الخميس النصف من جمادى الأولى ، وقال ابن
اللبان الفرضي : في شهر ربيع الآخر ، مع اتفاقهم على السنة وقد تقدم أنه كان
قرينه في الولادة أيضاً [وترتْبَ في الخلافة ولَدُه الأمين محمد والمأمون صاحب
خراسان]٣.
١ م: العذافر بن ورد بن سعد القمي وكذلك في المختار بإسقاط ((بن سعد)) وفي ر : العذافر بن
ورد التيمي ، وفي أصول البيان ١: ١٤٢ العذافر الكندي، وذكره المرزباني (الموشح:
١٨٥ والمعجم ٥١٢) بكنيته: (أبو العذافر الكندي) وكذلك ذكره البكري ( السمط :
٦٩٦ - ٦٩٧) والخبر الذي أورده المؤلف منقول عن الجهشياري : ١٩٥ وفيه: أبو العذافر
ورد بن سعد التيمي، وهو شاعر ترجم له ابن الجراح في الورقة : ٣ وكان قد صحب علي بن
عيسى بن ماهان إلى خراسان ثم اتصل بالفضل بن يحيى .
٢ هامش المختار : وقيل ثمان .
٣ ما بين معقفين انفردت به ر .
٣٦

٥٢٨
الفضل بن الربيع
أبو العباس الفضلُ بن الربيع بن يونس بن محمد بن عبد الله بن أبي فروة ،
واسمه كيسان ، مولى عثمان بن عفان ، رضي الله عنه ، وقد تقدم ذكر أبيه في
حرف الراء وشيء من أخباره مع المنصور أبي جعفر، فلما آل الأمر إلى الرشيد
واستوزر البرامكة ، كان الفضل بن الربيع يروم التشبه بهم ومعارضتهم ، ولم
يكن له من القدرة ما يدرك به اللحاق بهم١، فكان في نفسه منهم إِحَنٌ
وشَحْناء ، قال عبيد الله بن سليمان بن وهب: إذا أراد الله تعالى هلاك قوم
وزوال نعمتهم جعل لذلك أسباباً ، فمن أسباب زوال أمر البرامكة تقصيرهم
بالفضل بن الربيع وسعي الفضل بهم وتمكنه من المجالسة مع الرشيد٢ فأوغر
قلبه عليهم ومالأه على ذلك كاتبهُم إسماعيل بن صبيح٣ حتى كان ما كان .
ويحكى أن الفضل المذكور دخل يوماً على يحيى بن خالد البرمكي، وقد جلس
لقضاء حوائج الناس ، وبين يديه ولده جعفر يوقّعُ في القصص ، فعرض الفضل
عليه عشر رقاع للناس ، فتعلل يحيى في كل رقعة بعلة ولم يوقّع في شيء منها
٥٢٨ - أخباره وترجمته في تاريخ بغداد ١٢ : ٣٤٣ ومعجم المرزباني: ١٨٢ ومواضع متفرقة.
من الوزراء والكتاب والكامل لابن الأثير (ج: ٦) والنجوم الزاهرة ٢: ١٨٥ وزهر
الآداب: ٥٤١، ٥٤٥ وعبر الذهبي ١: ٣٥٥ والشذرات ٢: ٢٠ البداية والنهاية ١٠ :
٢٦٣ وإعتاب الكتاب: ٩٩، وهذه الترجمة كما أثبتناها وردت في ر والمختار وهي موجزة
في سائر النسخ .
١ ر : لحاقهم .
٢ المختار : وتمكن بالمجالسة من الرشيد .
٣ تجد أخبار إسماعيل في صفحات متفرقة من ((الوزراء والكتاب)) للجهشياري وإعتاب الكتاب:
١٠٢ ٠
٣٧

ألبتة، فجمع الفضل الرقاع وقال: ارجِعْنَ خائبات خاسات١، ثم خرج
وهو يقول :
عسى وعَسى٢ يَثني الزمان عنانَهُ بتصريفٍ حالٍ والزمانُ عَثُورُ
فتُقضَى لُبانات وتشفى حَسائف وتحدُثَ من بعد الأمور أمورُ
فسمعه يحيى وهو ينشد ذلك ، فقال له : عزمْتُ عليك يا أبا العباس إلا
رجعت، فرجع فوقّع له في جميع الرقاع . ثم ما كان إلا القليل حتى نُكبوا
على يده وتولى بعدهم وزارة الرشيد، وفي ذلك يقول أبو نواس وقيل أبو حزرة٣:
ما رَعى الدّهرُ آلَ برْمكَ لمَّا أنْ رَمى ملكهم بأمرٍ فظيع
إِنّ دَهراً لم يَرْعَ عَهداً لِيحيى غير راعٍ ذِمامَ آل الرّبيع
وتنازع يوماً جعفر بن يحيى والفضل بن الربيع بحضرة الرشيد ، فقال جعفر
الفضل : يا لقيط، إشارة إلى ما كان يقال عن أبيه الربيع: إنه لا يُعْرَف
نسبه وأبوه ، حسبما ذكرناه في ترجمته ، فقال الفضل : اشهد يا أمير المؤمنين ،
فقال جعفر للرشيد : تراه عند مَنْ يقيمك هذا الجاهل شاهداً يا أمير المؤمنين ،
وأنت حاكم الحكام .
ومات الرشيد والفضل مستمر على وزارته [وكان في صحبة الرشيد ، فقرر
الأمور للأمين محمد بن الرشيد، ولم يعرج على المأمون وهو بخراسان، ولا التفَتَ
إليه ، فعزم المأمون على إرسال طائفة من عسكره لأن يعترضوه في طريقه لما
انفصل عن موضع وفاة الرشيد ، وهو طوس حسبما ذكرته في ترجمة الفضل
ابن يحيى البرمكي ، فأشار عليه وزيره الفضل بن سهل أن لا يتعرض له ،
وخاف عاقبته .
١ ر : خاسرات .
٢ في سن كتب فوق لفظة عسى الأولى ((متى)) وإلى جانبها خ؛ وانظر الفرج بعد الشدة ١ : ٦٥.
٣ ر: أبو حرزة؛ وفي من عرف بكنيته عند المرزباني ( المعجم : ٥٠٩) أبو حزرة المصري ؛
وفي المختار : أبو خرزه .
٣٨

ثم إن الفضل بن الربيع خاف من المأمون إن انتهت الخلافة إليه ، فزيَّنَ
للأمين أن يخلع المأمون من ولاية العهد ، ويجعل ولي عهده موسى بن الأمين ،
وحصلت الوحشَةُ بين الأخوين إلى أن سير المأمون جيشاً من خراسان مُقَدَّمه
طاهر بن الحسين المقدم ذكره بإشارة وزيره الفضل بن سهل ، وأخرج الأمين من
بغداد جيشاً بإشارة وزيره الفضل بن الربيع المذكور ، مُقَدَّمه علي بن عيسى
ابن ماهانَ، فالتقيا، وقتل علي بن عيسى، وذلك في سنة أربع١ وتسعين ومائة.
ثم اضطربت أحوال الأمين وقويت شوكة المأمون ، فلما رأى الفضل ابن
الربيع الأمور مختلَّة استقر في رجب سنة ست وتسعين ومائة ، ثم ظهر لما
ادعى إبراهيم بن المهدي الخلافة ببغداد ، كما ذكرتُه في ترجمته ، واتصل به ابن
الربيع، فلما اختلَّ حالُ إبراهيم استقر ابن الربيع ثانياً، وشرحُ ذلك يطول .
وخلاصته أن طاهر بن الحسين سأل المأمون الرضا عنه ، فأدخله عليه ، وقيل
غير ذلك ، إلا أنه لم يزل بطالاً إلى أن مات ، ولم يكن له في دولة المأمون
حظ ، والله أعلم]٢ .
وكتب٣ إليه أبو نواس يعزيه في الرشيد ، ويهنئه بولاية ولده الأمين؛ :
تَعَزَّ أبا العباس عن خيرِ هالكٍ بأكرَم حيّ كان أو هو كائنٌ
حوادثُ أيامِ تدورُ صُرُوُفها لهنّ مَسَاوٍ مرّة ومَحاسن
وفى الحيُّ بالميت الذي غيَّبَ الثَّرى فلا أنتَ مغبونٌ ولا الموت غابن
وفيه أيضاً قال أبو نواس من جملة أبيات :
وليس الله بمستنكر أن يجمع العالم في واحد
١ ر : ست .
٢ ما بين معقفين انفردت به ر : ولم يأت في المختار من هذه الترجمة بعد ذلك سوى بيت أبي
نواس ((وليس لله ... الخ)) وسقط سائرها .
٣ في جميع النسخ ما عدا ر: فكتب ، لأن النص أصلا : ومات الرشيد والفضل مستمر على
وزارته فكتب . . . الخ .
٤ ديوان أبي نواس : ١٣٠.
٥ ر : ليس على الله .
٣٩

قال أبو بكر الصولي : ولقد أخذ أحمد بن يوسف الكاتب هذا المعنى وزاد
عليه، وكتبه إلى بعض إخوانه ، وقد ماتت له بَبغاء ، وله أخ كثير التخلف
يسمى عبد الحميد :
أنت تبقى ونحن طُرّاً فِداكا أحسن الله ذو الجلال عَزاكا
بمقاديرَ أُتلَفَتْ بَبَّغاكا
فلقد جل خطب دهرٍ أتاكا
وتخطَّتْ عبد الحميد أخاكا
عجباً للمنون كيف أنتها
كان عبدُ الحميد أصلَحَ للموت من البَبَّغا وأولى بذاكا
شملتنا المصيبتان جميعاً فَقْدُنا هذه ورؤية ذاكا
وقد تقدم في ترجمة ابن الرومي ذكر المقطوعين المقولين في الوزير أبي القاسم
عبيد الله وولَدَيه الحي والميت١، وذلك المعنى مأخوذ من هذه الأبيات وأبو
نواس هو الذي فتح لهم الباب ، ومنه أخذ الباقون ، وإن كان بينهم مغايرة ما
لكن المادة واحدة .
وكانت وفاة الفضل بن الربيع في ذي القعدة ، سنة ثمان ومائتين وسنه ثمان
وستون سنة، وقيل في شهر ربيع الآخر، رحمه الله تعالى؛ وفيه يقول أبو نواس
أبياته الدالية التي فيها ((والخير عادَه))٢ .
١ انظر جـ ٣ : ٣٦٢ .
٢ يشير إلى قوله (ديوانه : ١٠٨):
أنت يا ابن الربيع ألزمتني النسك وعودتنيه والخير عاده
٤٠