النص المفهرس
صفحات 421-440
وافى كتابُكَ يا ابن يوسُفَ معلناً بالود يخبر أن أصلك طاهرٌ غصبوا عليّاً حقَّه إذ لم يكن بعد النبي له بيثربَ ناصر فابشر فإن غداً عليه حسابهم واصبر فناصِرُك الإمام الناصِر وكانت ولادته يوم عيد الفطر وقت العصر سنة ست ، وقيل خمس وستين وخمسمائة بالقاهرة ، ووالده يومئذ وزير المصريين . وتوفي في صفر سنة اثنتين وعشرين وستمائة فجأة بسُمَيْساط ، رحمه الله تعالى ، ونقل إلى حلب ، ودفن في تربته بظاهر حلب بالقرب من مشهد الهروي . وسُمَيْساط: بضم السين المهملة وفتح الميم وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح السين الثانية وبعد الألف طاء مهملة ، وهي قلعة في بر الشام على الفرات في ناحية بلاد الروم بين قلعة الروم وملطية . ٤٨٧ ابن الفرات أبو الحسن علي بن محمد بن موسى بن الحسن بن الفُرات وزير المقتدر بالله بن المعتضد بالله ، وزَرَ له ثلاث دفعات ، فالأولى منهن لثمان خلون من شهر ربيع الأول ، وقيل لسبع بقين منه ، سنة ست وتسعين ومائتين ، ولم يزل وزيره إلى أن قَبَضَ عليه لأربع خلون من ذي الحجة سنة تسع وتسعين ومائتين ونكبه ونهب داره وأمواله، واستغل من أملاكه إلى أن عاد إلى الوزارة في المرة١ الثانية سبعة آلاف ألف دينار٢، وذكروا عنه أنه كتب إلى الأعراب أن يكبسوا بغداد، ٤٨٧ - أخباره في صلة عريب وتكلة الهمذاني وتجارب الامم وتاريخ ابن الاثير (جـ: ٨) والوزراء للصابي: ١١ وما بعدها واعتاب الكتاب: ١٨٠ وقد سقطت هذه الترجمة من س ل ن م والمسودة، ووقعت في لي بعد ترجمة الكيا الهراسي ، واثباتها هنا متابع لما جاء في لي في مجمله . ١ في المرة : سقط من ر . ٢ ر : سبعة آلاف دينار . ٤٢١ والله أعلم . ثم عاد إلى الوزارة يوم الاثنين لثمان خلون من ذي الحجة سنة أربع وثلثمائة ، وخُلع عليه سبع خلع ، وحمل إليه ثلثمائة ألف درهم لغلمانه وخمسون بغلًا لثقله وعشرون خادماً وغير ذلك من العدد والآلات ، وزاد في ذلك اليوم في ثمن الشمع في كل مَنّ قيراط ذهب لكثرة استعماله إياه ، وكان ذلك النهار١ شديد الحر، فسقي في ذلك النهار٢ وتلك الليلة في داره أربعون ألف رطل ثلج٣، ولم يزل على وزارته إلى أن قبض عليه يوم الخميس لثلاث بقين من جمادى الأولى سنة ست وثلثمائة ، ثم عاد إلى الوزارة يوم الخميس لسبع ليال بقين من ربيع الآخر سنة إحدى عشرة وثلثمائة ، وكان يوم خرج من الحبس مغتاظاً ، فصادر الناس، وأطلق يد ولده المحسن فقتل حامد بن العباس الوزير الذي كان قبل أبيه، وسفك الدماء ، ولم يزل وزيراً؛ إلى أن قبض عليه لتسع ليال خلون من ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وثلثمائة، [وقيل قبض عليه يوم الثلاثاء لتسع خلون من شهر ربيع الأول] . . ! وكان يملك أموالاً كثيرة تزيد على عشرة آلاف ألف دينار ، وكان يستغلّ من ضياعه في كل سنة ألفي ألف دينار ينفقها، قال أبو بكر محمد بن يحيى الصولي : مدحته بقصيدة ، فحصل لي في ذلك اليوم ستمائة دينار . وكان كاتباً كافياً خبيراً، قال الإمام المعتضد بالله لعبيد الله بن سليمان: قد دفعت إلى ملك مختل وبلاد خراب ومال قليل ، وأريد أعرف ارتفاع الدنيا لتجري النفقات عليه ، فطلب عبيد الله ذلك من جماعة من الكتّاب، فاستمهلوه شهراً، وكان أبو الحسن ابن الفرات وأخوه أبو العباس محبوسين منكوبين، فأعلما بذلك ، فعملاه في يومين وأنفذاه ، فعلم عبيد الله أن ذلك لا يخفى على المعتضد، فکلمه فيهما ووصفهما ، فاصطنعهما . وكانت في دار أبي الحسن ابن الفرات حجرة شراب يوجه الناس على اختلاف طبقاتهم إليها غلمانَهم٦ يأخذون منها الأشربة والفقاع والجلاب إلى دورهم. ١ ر : الزمان . ٤ ر : وزيره . ٢ ر : اليوم . • سقط من لي . ٣ ر: من الثلج. • ر : ثم انهم . ٤٢٢ وكان يجري الرزق على خمسة آلاف من أهل العلم والدين والبيوت والفقراء أكثرهم مائة درهم١ في الشهر ، وأقلهم خمسة دراهم ، وما بين ذلك . قال الصولي: ومن فضائله التي لم يُسْبق إليها أنه كان إذا رُفعت إليه قصة فيها سعاية خرج من عنده غلام فنادى : أين فلان بن فلان الساعي ؟ فلما عرف الناس ذلك من عادته امتنعوا من السعاية بأحد ، واغتاظ يوماً من رجل فقال: اضربوه مائة سوط ، ثم أرسل رسولا٢ً فقال: اضربوه خمسين ، ثم أرسل آخر وقال : لا تضربوه، وأعطوه عشرين ديناراً ، فكفاه ما مر به المسكين من الخوف . قال الصولي : قام من مرضه - وقد اجتمعت الكتب والرقاع عنده - فنظر في ألف كتاب ، ووقَّع في ألف رقعة ، فقلنا له: بالله لا يسمع بهذا أحد، خوفاً من العين عليه . قال الصولي : ورأيت من أدبه أنه دعا خاتم الخلافة٣ ليختم به كتاباً ، فلما رآه قام على رجليه تعظيماً للخلافة ، قال : ورأيته جالساً للمظالم ، فتقدم إليه خصمان في دكاكين في الكرخ ، فقال لأحدهما : رفعت إلي قصة في سنة اثنتين وثمانين ومائتين في هذه الدكاكين ، ثم قال : سنك يقصر عن هذا ، فقال له : ذاك كان أبي ، قال : نعم وقَّعْتُ له على قصة رفعها . وكان إذا مشى الناس بين يديه غضب وقال: أنا لا أكلف هذا غلماني فكيف أكلف أحراراً لا إحسان لي عليهم . وقتل نازوك صاحب الشرطة أبا الحسن ابن الفرات المذكور وابنه المحسن يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وثلثمائة . وقال بعض المؤرخين٤ : كان مولده لتسع خلون° من ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين ومائتين ، وكان عمر ابنه المحسن يوم قتل ثلاثاً وثلاثين سنة . قال الصاحب أبو القاسم ابن عباد المقدم ذكره : أنشدني أبو الحسن ابن أبي بكر العلاف - وهو المشهور بكثرة الأكل- قصيدة٦ أبيه أبي بكر في الهر وقال: ١ ر : دينار . ٣ ر : الخليفة . ٢ لي : آخر ؛ وقال ... المؤرخين : سقط من ر . ه ر : بقين . ٦ ر : قصائد . ٤٢٣ إنما كَنى بالهر عن المحسن بن أبي الحسن ابن الفرات أيام محنتهم ، لأنه لم يجسر أن يذكره ويرثيه. قلت : وقد سبق ذكر المرئية في ترجمة أبي بكر العلاف١ . ومن غرائب٢ الأخبار أن زوجة المحسن ابن الفرات أرادت أن تَخْتِنَ ابنها بعد قتل أبيه فرأت المحسن في منامها ، فذكرت له تعذر النفقة ، فقال لها : إن لي عند فلان عشرة آلاف دينار أودعته إياها ، فانتبهت ، وأخبرت أهلها فسألوا الرجل فاعترف وحمل المال عن آخره . (133) وكان أبو العباس أحمد بن محمد بن الفرات أخو أبي الحسن المذكور أكْتَبَ أهل زمانه، وأضبطهم للعلوم والآداب ، والبحتري فيه القصيدة التي أولها٣ : بتُّ أَبْدي وجْداً وأكتمُ وجدا لخيال قد بات لي منك يهدى وتوفي أبو العباس المذكور يوم الثلاثاء٤ منتصف شهر رمضان سنة إحدى وتسعين ومائتين . وأما أخوه أبو الخطاب جعفر بن محمد بن الفرات فإنه عرضت عليه الوزارة فأباها. (134) وتولاها ابنه أبو الفتح الفضل بن جعفر ، وكان كاتباً مجوداً ، وهو المعروف بابن حنزابة ، وهي أمه، وكانت جارية رومية ، قلده المقتدر الوزارة يوم الاثنين لليلتين بقيتا من ربيع الآخر سنة عشرين وثلثمائة [وقيل خلع عليه في أول شهر ربيع الآخر سنة عشرين وثلثمائة، والله أعلم]° ولم يزل وزيره إلى أن قتل المقتدر لأربع بقين من شوال سنة عشرين وثلثمائة ، وتولى الخلافة أخوه القاهر بالله ، فاستتر أبو الفتح ابن حنزابة ، فولى القاهرُ أبا علي محمد بن علي بن مقلة الكاتب - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - الوزارة ، ثم تولى أبو الفتح الدواوين في أيام القاهر أيضاً ، وخُلع القاهر وسُملت عيناه في يوم الأربعاء لست خلون من جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وثلثمائة . ١ انظر ج ٢ : ١٠٩. ٢ ر : غريب . ٣ ر: والبحتري المعروف فيه القصيدة المشهورة التي أولها، وانظر ديوان البحتري : ١ : ٥٦٩. ٥ سقط من لي . ٤ ر : ليلة السبت . ٤٢٤ وولي الخلافة الراضي بالله ابن المقتدر بالله المقدم ذكره ، فقلد أبا الفتح ابن حنزابة الشام ، فتوجه إليها ، ثم إن الراضي بالله ولاه الوزارة، وهو يومئذ مقيم بجلب ، وعقد له الأمر فيها يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من شعبان سنة خمس وعشرين وثلثمائة ، وكوتب بالمسير إلى الحضرة ، فوصل إلى بغداد يوم الخميس لست خلون من شوال من السنة، فأقام ببغداد قليلاًا ، فرأى الأمور مضطربة ، وقد استولى الأمير أبو بكر محمد بن رائق على الحضرة ، فتحدث أبو الفتح مع ابن رائق في أنه يعود إلى الشام، وأطمعه في حمل الأموال إليه من مصر والشام ، فعاد إليها في الثالث عشر من شهر ربيع الأول سنة ست وعشرين، فأدركه أجله بغزة، وقيل بالرملة، وجاءت الكتب إلى الحضرة بموته في يوم الأحد لثمان خلون من جمادى الأولى سنة سبع وعشرين وقيل ست وعشرين والأول أصحّ ودفن في داره بالرملة. وكان مولده في ليلة السبت لسبع٢ ليال بقين من شعبان سنة تسع وسبعين ومائتين ، وكانت الكتب تصدر باسمه في الشام . وأما ابنه أبو الفضل جعفر بن الفضل فقد سبق ذكره في حرف الجيم من هذا الكتاب٣ ، وتاريخ وفاته ومولده ، رحمهم الله تعالى أجمعين . وهذا الذي ذكرته في هذه الترجمة نقلته من عدة مواضع : منها كتاب ((أخبار الوزراء)) تأليف الصاحب ابن عباد، وكتاب ((عيون السير)) تأليف محمد بن عبد الملك الهمداني، وكتاب ((الوزراء)) تأليف أبي عبد الله محمد بن أحمد الفارسي٤ ، وما منهم أحد تعرض إلى قضية عبد الله بن المعتز . وترجمة ابن الفرات المذكور تترتب على قضية ابن المعتز فلا بد من ذكر شيء من أحوالها ، وأصح التواريخ نقلاً تاريخ أبي جعفر محمد بن جرير الطبري ، فنذكر ما قاله في حوادث سنة ست وتسعين ومائتين : إن القواد والكتّاب اجتمعوا على خلع الخليفة المقتدر ، وتناظروا فيمن يجعلونه موضعه ، فأجمعوه رأيهم على عبد الله بن المعتز، وناظروه في ذلك ، فأجابهم إليه على أنه لا يكون ١ ر: فوصل الى بغداد ليتولى الوزارة . ؛ لي : القادسي . ٢ ر: لتسع. ٣ المجلد الأول: ٣٤٦. ٥ ر : فاجتمع . ٤٢٥ 1 في ذلك سفك دم ولا حرب ، فأخبروه أن الأمر يسلم إليه عفواً ، وأن جميع مَنْ وراءهم من الجند والقواد والكتّاب قد رَضُوا ، فبايعهم على ذلك ، وكان الرأس في ذلك محمد بن داود بن الجراح وأبا المثنى أحمد بن يعقوب القاضي ، وواطأ محمد بن داود جماعة من القواد على الفتك بالمقتدر والعباس بن الحسن ؛ قلت : وكان وزير المقتدر يومئذ . قال الطبري : وكان العباس بن الحسن على ذلك قد واطأ جماعة من القواد على خلع المقتدر والبيعة لعبد الله بن المعتز، فلما رأى أمره مستوسقاً له مع المقتدر على ما يُحِب بدا له فيما كان قد عزم عليه من ذاك ، فحينئذ وثب به الآخرون فقتلوه ، يعني الوزير المذكور ، وقال الطبري : وكان الذي تولى قتله [بدر الأعجمي] والحسين بن حمدان ووصيف بن صوارتكين، وذلك يوم السبت لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول ، ولما كان من غد هذا اليوم ، وهو يوم الأحد، خلع المقتدرَ الكتّابُ والقواد وقضاة بغداد١، وبايعوا عبد الله بن المعتز ولقبوه الراضي بالله ، وكان الذي يأخذ البيعة له على القواد ويلي استحلافهم والدعاء بأسمائهم محمد بن سعيد الأزرق كاتب الجيش . وفي هذا اليوم كانت بين الحسين بن حمدان وبين غلمان الدار حرب شديدة من غدوة إلى انتصاف النهار ، وفي هذا اليوم انفضَّتِ الجموع التي كان ابن داود جمعها لبيعة ابن المعتز عنه، وذلك أن الخادم الذي يدعى مؤنساً حمل غلماناً من غلمان الدار في الشذوات - قلت : وهي عندهم المراكب - قال: فصاعد بها وهم فيها وهي في دجلة، فلما جاوزوا الدار٢ التي فيها ابن المعتز ومحمد بن داود صاحوا بهم ورشقوهم بالنشاب، فتفرقوا وهرب من كان في الدار من الجند والقواد والكتّاب وهرب ابن المعتز، ولحق بعض الذين بايعوا ابن المعتز بالمقتدر، فاعتذروا إليه بأنهم منعوا٣ من المصير إليه ، واستخفى بعضهم ، فطُلبوا وأُخذوا وقُتلوا وانتهبت العامة دور ابن داود ، وأُخذ ابن المعتز فيمن أخذ ؛ انتهى كلام؛ الطبري في ذلك . ١ لي : والقضاة . ٣ ر : بأنه منع . ٢° ر : الدكة . ٤ ر : ما ذكره . ٤٢٦ (135) فنذكر ما قال١ غيره ، جمعته من مواضع متفرقة ، حاصله أن عبد الله بن المعتز رتب للوزارة في ذلك اليوم محمد بن داود المذكور، وللقضاء أبا المثنى المذكور ، فلما انتقض أمره وأُخذ ابنُ المعتز استتر ابن داود ، وكان من فضلاء أهل عصره وله عدة تصانيف منها كتاب (( الورقة في أخبار الشعراء)) وكتاب ((الوزراء)) وغير ذلك ، ثم ظهر لمؤنس الخادم المذكور، وخافه أبو الحسن علي ابن الفرات المذكور ، فأشار على مؤنس بقتله ، فقتل وأُخرج وطرح في سقاية عند المأمونية، فحمل إلى منزله ، وكان قتله في شهر ربيع الآخر٢ من السنة ، ومولده في سنة ثلاث وأربعين ومائتين في الليلة التي توفي فيها إبراهيم بن العباس الصولي المقدم ذكره . ولما عاد أمر المقتدر إلى ما كان عليه وقد قتل وزيره العباس بن الحسن في التاريخ الذي ذكره الطبري استوزر أبا الحسن علي بن الفرات المذكور ، فأول ما ظهر٣ من محاسنه أنه حمل إليه من دار ابن المعتز صندوقان عظيمان ، فقال : أعلمتم ما فيهما ؟ قيل : نعم ، جرائد بأسماء؛ من بايعه ، فقال : لا تفتحوهما ، ودعا بنار فطرح الصندوقين٥ فيها ، فلما احترقا قال : لو فتحتهما وقرأت ما فيها٦ فسدَتْ نيات الناس بأجمعهم علينا، واستشعروا منا، ومع ما فعلناه قد هدأت القلوب وسكنت النفوس . ومما يتعلق بهذه الترجمة أن القاهر بالله لما خُلع وسُملت عيناه كما ذكرناه آل به الأمر ٧ إلى أن خرج إلى جامع المنصور ببغداد، فعَرَّفَ الناس بنفسه، وسألهم التصدّقَ عليه، فقام إليه ابن أبي موسى الهاشمي فأعطاه ألف درهم ، وفي ذلك عبرة لأولي الألباب . وقد سبق ذكر عبد الله بن المعتز في ترجمته ، لكن هذه الحاجة دعت إلى إعادتها هاهنا . ونقلت من كتاب ((الأعيان والأماثل)» تأليف الرئيس أبي الحسن هلال بن المحسن بن أبي إسحاق إبراهيم الصابي : وحدث القاضي أبو الحسين عبيد الله بن ١ ر : ذكره . ٥ ر : الصندوقان ٢ ر : الأول . ٦ لي : وقر أتها . ؛ لي : باسم. ٣ ظهر للناس . ٧ ر : الحال . ٤٢٧ عباس أن رجلً اتصلت عطلته ، وانقطعت مادته ، فزور كتاباً من أبي الحسن ابن الفرات إلى أبي زنبور المادرائي١ عامل مصر في معناه يتضمن الوصاة به والتأكيد في الإقبال عليه والإحسان إليه ، وخرج إلى مصر فلقيه به ، فاراب أبو زنبور في أمره لتغير الخطاب على ما جَرَتْ به العادة وكون الدعاء ألين٢ مما يقتضيه محله ، فراعاه مراعاة قريبة ووصله بصلة قليلة ، واحتبسه عنده على وعد وعده به ، وكتب إلى أبي الحسن ابن الفرات يذكر الكتاب الوارد عليه ، وأنفذه بعينه إليه واستثبته فيه ، فوقف ابن الفرات على الكتاب المزور ، فوجد فيه ذكر الرجل وأنه من ذوي الحرمات والحقوق الواجبة عليه ، وما يقال في ذلك مما قد استوفي الخطاب٣ فيه، وعرضه على كتّابه وعرفهم الصورة فيه ، وعجب إليهم منها ومما أقدم عليه الرجل ، وقال لهم : ما الرأي في أمر هذا الرجل عندكم ؟ فقال بعضهم : تأديبه أو حبسه ، وقال آخر : قطع إبهامه لئلا يعاود مثل هذا أو يقتدي به غيره فيما هو أكثر من هذا ، وقال أجملهم محضراً : يكشف لأبي زنبور قصته ويرسم له طرده وحرمانه ، فقال ابن الفرات: ما أبعدكم عن الخيرية والحرية وأنفر طباعكم منها ! رجلٌ توسَّل بنا وتحمّل المشقة إلى مصر في تأميل الصلاح يجاهنا ، واستمداد صنع الله عز وجل بالانتساب إلينا، يكون أحسن أحواله عند أحسنكم محضراً تكذيب ظنه وتخييب سعيه، والله لا كان هذا أبداً ! ثم إنه أخذ القلم من دواته وكتب؛ على الكتاب المزوّر ((هذا كتابي، ولست أعلم لم أنكرت أمره، واعترضتك شبهة فيه، وليس كل من خدَمَنا وأوجب حقّاً علينا تعرفه ، وهذا رجل خدمني في أيام نكبتي ، وما أعتقده في قضاء حقه أكثر مما كلفتك في أمره من القيام به ، فأحْسِنْ تفقُّّدَه ووفّر رفده وصَرَّفه فيما يعود عليه نفعه ويصل إلينا فيما يحقق ظنه ويبيّنْ موقعه)) ورَدَّه إلى أبي زنبور من يومه ، فلما مضت على ذلك مدة طويلة دخل على أبي الحسن ابن الفرات رجلٌ ذو هيئة مقبولة وبزّة ١ هامش لي: حاشية بالأصل هو أبو علي الحسين بن أحمد الماذرائي المعروف بأبي زنبور . ٣ لي : المقال . ٢ ر : أكثر . ٤ ر : ووقع . ه ر : ويؤمن . ٤٢٨ جميلة، وأقبل يدعو له ويُثني عليه ويبكي يده وويقبّل الأرض١ ، فقال له ابن الفرات : من أنت بارك الله فيك ؟ وكانت هذه كلمته ، فقال : صاحب الكتاب المزوّر إلى أبي زنبور الذي صححه كرم الوزير وتفضّلُه، فعَلَ الله به وصنع ، فضحك ابن الفرات وقال : كم وصل إليك منه ؟ قال : وصل إلي من ماله وتقسط قسطه على عماله ومعامليه وعمل صَرَّفني فيه عشرون ألف دينار، فقال ابن الفرات: الحمد لله، الزَمْنا، فإنا نُعرّضك إلى عمل يزداد٢ به صلاح حالك ، ثم اختبره فوجده كاتباً سديداً، فاستخدمه وأكسبه مالاً جزيلاً ، رحمه الله تعالى ورضي عنه . والفرات : بضم الفاء وبعد الراء ألف وبعدها تاء مثناة من فوقها . ونازوك : بالنون وبعد الألف زاء مضمومة وبعد الواو كاف . : ٤٨٨ ابن يونس المنجم صاحب الزيج الحاكمي أبو الحسن علي بن أبي سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس بن عبد الأعلى الصدفي المنجم المصري المشهور ، صاحب الزيج الحاكمي المعروف بزيج ابن يونس ، وهو زيج كبير رأيته في أربع مجلدات ، بسَطَ القول والعمل فيه وما أقصر في تحريره ، ولم أر في الأزياج على كثرتها أطول منه ، وذكر أن الذي أمره بعمله وابتدأه له العزيز أبو الحاكم صاحب مصر - وسيأتي ذكره في حرف النون إن شاء الله تعالى . ١ ر : ويقبل الأرض ويديه . ..... ٢ ر: لما يزداد . ٤٨٨ - ترجمته في طبقات صاعد: ٠٩ وأخبار الحكماء: ٢٣٠ والشذرات ٣: ١٥٦، وانظر تاريخ الفلك عند العرب لنلينو: ١٨٦، ٢٨١ وتراث العرب العلمي لقدري طوقان : ٢٤٣ - ٢٤٨. ٤٢٩ كان مختصّاً بعلم النجوم متصرفاً في سائر العلوم بارعاً في الشعر ، وعلى إصلاحه لزيج يحيى بن منصور تعويلُ أهل مصر في تقويم الكواكب ، وعَدّله القاضي أبو عبد الله محمد بن النعمان في جمادى الأولى سنة ثمانين وثلثمائة ، وخلف ولداً متخلفاً باع كتبه وجميع تصنيفاته بالأرطال في الصابونيين ، وكان قد أفنى عمره في الرصد والتسيير للمواليد وعمل فيها ما لا نظير له، وكان يقف للكواكب، قال الأمير المختار المعروف بالمسبّحي : أخبرني أبو الحسن المنجم الطبراني أنه طلع معه إلى جبل المقطم وقد وقف للزهرة ، فنزع ثوبه وعمامته ولبس ثوباً نساوياً أحمر ومقنعة حمراء تقنع بها ، وأخرج عوداً فضرب به ، والبخورُ بين يديه ، فكان عجباً من العجب١ . قال الأمير المختار في تاريخ مصر٢ : كان ابن يونس المذكور أبله مغفلً، يعتمّ على طرطور طويل ويجعل رداءه فوق العمامة ، وكان طويلاً ، وإذا ركب ضحك منه الناس لشهرته وسوء حاله ورثائة لباسه ، وكان له مع هذه الهيئة إصابة بديعة غريبة في النجامة لا يشاركه فيها غيره ، وكان أحد الشهود ، و کان متفنناً في علوم كثيرة٣ ، و کان یضرب بالعود على جهة التأدب ، وله شعر حسن فمنه قوله : أُحَمِّلُ نشر الريح عند هبوبه رسالةَ مشتاق لوجهٍ حبيبه ومن طابت الدنيا به وبطيبه بنَفْسيَ مَنْ تحيا النفوسُ بقُرْبهِ وغَيّبْتُها عني لطول مغيبه لعَمْري لقد عطلتُ كأسي بعدهُ سَرى مَوهناً في خفية من رقيبه وجدّد وجديطائف منه فيالکری وله شعر كثير . وقد تقدم ذكر والده في حرف العين وهو صاحب التاريخ - وسيأتي ذكر ١ كان مختصاً ... العجب: انفردت به ر، وفي موضعه في المسودة احالة على تخريجة . ٢ في النسخ: قال الأمير المختار المعروف بالمسبحي ؛ وقد ورد قبل قليل، والسبب في عدم ايجازه أن النصّ السابق غير موجود الا في ر . ٣ زاد هنا في لي ل س والمسودة : وكان قد أفنى ... لا نظير له ؛ وقد مر هذا النص قبل سطور. ٤٣٠ جده في حرف الياء إن شاء الله تعالى . ويحكى أن الحاكم العبيدي صاحب مصر قال وقد جرى في مجلسه ذكر ابن يونس وتغفله : دخل إلى عندي يوماً ومداسه بيده، فقبَّل الأرض وجلس وترك المداس إلى جانبه، وأنا أراه وأراها، وهو بالقرب مني، فلما أراد أن ينصرف١ قبّل الأرض وقدّم المداس ولبسه وانصرف . وإنما ذكر هذا في معرض غفلته وقلة اكتراثه . وقال المسبّحي : كانت وفاته بكرة يوم الاثنين لثلاث خلون من شوال سنة تسع وتسعين وثلثمائة٢ فجأة، رحمه الله تعالى، وصلى عليه في الجامع بمصر القاضي مالك بن سعيد [بن أحمد بن محمد بن سليمان بن ثواب]٣، ودفن بداره بالفرائين. ٤٨٩ الفقيه عمارة اليمني الفقيه أبو محمد عمارة بن أبي الحسن علي بن ريدان٤ بن أحمد" الحكمي اليمني، ١ لي : الانصراف . ٢ ن : وغالب ظني أنه توفي بمصر، ثم سقطت العبارة حتى لفظة «ثواب». ٣ انظر التعليق على نسب عمارة ، الحاشية رقم : ٤ فيما يلي . ٤٨٩ - ترجمته في الخريدة (قسم الشام) ٣: ١٠١ والروضتين ٢/١: ٥٧٢ وتاريخ ابن الاثير ١١: ٣٩٨ ومفرج الكروب ١: ٢١٢، ٢٣٨ ومرآة الزمان ٢٧٧، ٣٠٢ والسلوك ٥٣:١/١ والنجوم الزاهرة ٦: ٧ وعبر الذهبي ٤: ٢٠٨ والشذرات ٤: ٢٣٤ وصبح الأعشى ٣: ٥٢٦ وكشف الظنون: ١٧٧٧ وقد كتب أخباره على نحو سيرة ذاتية في كتابه «النكت العصرية» ؛ وهذه الترجمة أوردتها المسودة بكاملها . ؛ ريدان : بالراء المهملة في المسودة ، وبالزاي في ل ن وكذلك في النكت العصرية واليقيمة ؛ وفي ر : بدران . • أحمد : ثبتت في س ل لي ر ؛ وسقطت من ن ؛ وفي م : زيد بن ثواب الحكمي ، وفي المسودة تحشية مضللة، فإذا كان أحمد في نسب عمارة - وهو موجود حقاً - فتتمة النسب يجب أن تكون = ٤٣١ الملقب نجم الدين ، الشاعر المشهور ؛ نقلت من بعض تواليفه١ أنه من قَحطان ، ثم الحكم بن سعد العشيرة المذْحِجي، وأن وطنه من تهامة باليمن مدينة يقال لها مرطان من وادي وساع٢ وبُعدُها من مكة في مهب الجنوب أحد عشر يوماً ، وبها مولده ومَرباه، وأنه بلغ الحلم سنة تسع وعشرين وخمسمائة ، ورحل إلى زبيد سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة ، فأقام بها يشتغل بالفقه في بعض مدارسها مدة أربع سنين ، وأنه حج سنة تسع وأربعين وخمسمائة ، وسيّره قاسم بن هاشم ابن فليتة صاحب مكة شرفها الله تعالى رسولاً إلى الديار المصرية ، فدخلها في شهر ربيع الأول سنة خمسين وخمسمائة ، وصاحِبُها يومئذ الفائز بن الظافر ، والوزير الصالح ابن رُزّيك - المذكور في حرف الطاء - وأنشدهما في تلك الدفعة قصيدته الميمية ، وهي٣ : حَمْداً يقومُ بما أولَتْ من النَّعَم٤ِ الحمدُ للعيسِ بعد العَزْمِ والهمَمِ لا أجحَدُ الحقَّ عندي للركاب يَدٌ قَرَّبن بعد مزار العز من نظري ورُحن من كعبة البطحاء والحرم فهل دَرى البيتُ أني بعد فُرْقته حيث الخلافة مضروبٌ سُرادقها وللإمامة أنوارٌ مقدّسة والنبوة آيات تنصُ لنا تمْنَّتِ اللهُّجْمُ فيها رتبَةَ الخُطُم حتى رأيت إمام العصر من أَمَم وفداً إلى كعبة المعروف والكرم ما سِرْتُ من حَرَمٍ إلا إلى حَرَم بين النقيضين من عفو ومن نقم تجلو البغيضين من ظُلْ ومن ظُلَم على الخفيين٥ من حكم ومن حكم = («ابن أحمد بن محمد بن سليمان بن ثواب» فهذا هو المكتوب بأثر لفظة ريدان في المسودة ولكن بعض النسخ ألحقت « محمد بن سليمان بن ثواب» بنسب القاضي مالك بن سعيد (انظر آخر الترجمة السابقة) . ١ انظر النكت العصرية : ٧ وما بعدها . ٢ ذكر ياقوت أن «وساع» من قرى عثر باليمن؛ ن: زنباع؛ ر: يبتاع. ٣ النكت العصرية : ٣٢. ٤ س ل : أوليت من نعم . ٥ ر : الحقيقين . ٤٣٢ والعلا ألسنٌ تُثني محامدها ورايةُ الشرفِ البذاخ ترفَعُها أقسَمْتُ بالفائز المعصوم معتقداً لقد حَمى الدينَ والدنيا وأهلها اللابس الفخر لم تنسج غلائلَهُ وُجُوده أُوجَدَ الأيام ما اقترحت قد ملكته العوالي رِقِّ مملكة أرى مقاماً عظيم الشأن أوهمني يوم من العمر لم يخطر على أملي لیت الكواكب تدنو لي فأنظِمها ترى الوزارة فيه وهي باذلة والمكارم أعلامٌ تعلمنا مدحَ الجزيلين من بأس ومن كرم على الحميدين من فعل ومن شيم يدُ الرفيعين من مجدٍ ومن هم فوز النجاة وأجْرَ البر في القَسَم وزيرُهُ الصالح الفرّاج للغمم إلا يد الصَّنَعين السيف والقلم وَجَوده أعدَمَ الشاكين للعَدَم تُعِيرُ أنفَ الثريّا عزةَ الشَّمَم في يقظّ أنها من جملة الحلم ولا ترقَّتْ إليه رغبة الهمم عقود مدح فما أرضى لكم كلمي عند الخلافة نصحاً غير متهم قرابة من جميل الرأي لا الرَّحِيم ظلاً على مفرِقِ الإسلام والأمم عواطف علمتنا أن بينهما خليفة ووزير مَدَّ عدلهُما زيادة النيل نقص عند قبضهما فما عسى نتعاطى منةَ الديم فاستحسنا قصيدته وأجزلا صلته ، وأقام إلى شوال من سنة خمسين في أرغد عيش وأعز جانب ، ثم فارق مصر في هذا التاريخ وتوجه إلى مكة ومنها إلى زَبيد في صفر سنة إحدى وخمسين ، ثم حج من عامه فأعاده قاسم صاحب مكة المذكور في رسالة إلى مصر مرة ثانية ، فاستوطنها ولم يفارقها بعد ذلك . ورأيت في كتابه الذي جعله تاريخ اليمن أنه فارق بلاده في شعبان سنة اثنتين وخمسين، وكان فقيهاً شافعي المذهب شديد التعصب للسنّة ، أديباً ماهراً شاعراً مجيداً محادثاً ممتعاً ، فأحسن الصالح وبنوه وأهله إليه كل الإحسان ، وصحبوه مع اختلاف العقيدة لحسن صحبته، وله في الصالح وولده مدائح كثيرة ٢٨ - ٣ ٤٣٣ : - وقد تقدم طرف من خبره في ترجمة شاور السعدي والصالح١، وما رفاه به - وكانت بينه وبين الكامل بن شاور صحبة متأكدة قبل وزارة أبيه ، فلما وزر استحال عليه ، فكتب إليه٢ : وباعِدْ" إذا لم تنتفع بالأقاربِ إذا لم يُسالمك الزمانُ فحارِبٍ تموت الأفاعي من سمام العقارب ولا تحتقر كيداً ضعيفاً فربما فقد هدَّ قدماً عرشَ بلقيسَ هدهدٌ وَخَرَّبَ فأرٌ قبلَ ذَا سُدَّ مارب٣ إذا كان رأس المال عمرك فاحترز عليه من الإنفاق في غير واجب يكرُّ علينا جيشهُ بالعجائب فبين اختلاف الليل والصبح مَعرَك وما راعني غدرُ الشباب لأنني وغدرُ الفتى في عهده ووفائه ومنها : أنِستُ بهذا الخُلْقِ من كل صاحب وغدر المواضي في نُبُوّ المضارب فصولوه عن تقبيل راحة واهب إذا كان هذا الدرُّ معدنه فمي لديكم وحالي وحدها في نوادب عليّ وتأبى الأسدُ سَبْقَ الثعالب غدوت لكم فيهن أكرم نائب حديث الورى فيها بغَمْزِ الحواجب رأيت رجالاً أصبَحَتْ في مآدب تأخرتُ لما قدَّمَتْهُم عُلاكمُ تُرى أين كانوا في مواطنيَ التي لياليّ أتلو ذكركم في مجالس وزالت دولة المصريين وهو في البلاد . ولما ملك السلطان صلاح الدين، رحمه الله تعالى، مدحه ومدح جماعة من أهل بيته ، يتضمن ديوانه جميع ذلك ، وكتب إلى صلاح الدين قصيدة متضمنة شرح حاله وضرورته، وسماها (( شكاية المتظلم ونكاية المتألم )) وهي بديعة، ورثى ١ انظر الترجمتين رقم : ٢٨٥ و ٣١١ . ٢ النكت العصرية : ١٣٠. ٣ بهامش المسودة : مارب مدينة السدّ. ٤٣٤ أصحابَ القصر عند زوال ملكهم بقصيدة لامية طويلة أجاد فيها ، وغالبُ شعره جيد . ثم إنه شرع في أمور وأسباب من الاتفاق مع جماعة من رؤساء البلد على التعصب للمصريين وإعادة دولتهم ، فأحسَّ بهم السلطانُ صلاح الدين ، وكانوا ثمانية من الأعيان ومن جملتهم الفقيه عمارة المذكور، وشَنّقَهم في يوم السبت ثاني شهر رمضان سنة تسع وستين وخمسمائة بالقاهرة ، رحمهم الله تعالى، وكان قبضهم يوم الأحد السادس والعشرين من شعبان من السنة . وله تواليف منها كتاب ((أخبار اليمن)) وفيه فوائد، ومنها ((النكت العصرية في أخبار الوزراء المصرية » وغير ذلك . وقال العماد الأصبهاني في كتاب ((الخريدة))١: إنه صُلب في جملة الجماعة الذين نسب إليهم التدبير عليه ، يعني السلطان صلاح الدين ، ومكاتبة الفرنج واستدعاؤهم إليه ، حتى يُجْلسوا ولداً للعاضد ، وكانوا أدخلوا معهم رجلاً من الأجناد ليس من أهل مصر، فحضر عند صلاح الدين وأخبره بما جرى، فأحضرهم فلم ينكروا الأمر ولم يروه منكراً ، فقطع الطريق على عُمْر عمارة ، وأعيض بجَرابهِ عن العمارة ، ووقعت اتفاقات عجيبة ، فمن جملتها أنه نسب إليه بيت من قصيدة ذكروا أنه يقول فيها : قد كان أول هذا الدين من رجل سعى إلى أن دعَوْه سيدَ الأمم ويجوز أن يكون البيت معمولاً عليه ، فأفقى فقهاء مصر بقتله ، وحرضوا السلطان على المُثْلَة بمثله، ومنها أنه كان في النوبة التي لا تقال عثرتها ، ولا يحترم الأديب فيها ولو أنه في سماء النظم والنثر نثرتها ، ومنها أنه كان قد هجا أميراً فعد ذلك من كبائره ، وجرى عليه الرّدى في جرائره ؛ ثم قال في آخر ترجمته٢: والعجب من عمارة أنه تأبَّى في ذلك المقام عن الانتماء إلى القوم [وترك]، وغطى القدر على بصره حتى أراد أن يتعصب لهم ويعيد دولتهم ١ الخريدة ٣ : ١٠٣ وما بعدها . ٢ الخريدة ٣ : ١٤٠ - ١٤١ . ٤٣٥ 11- فهلك ؛ وإنما قال العماد هذا لأجل الأبيات التي كتبها الصالح بن رُزِّيك يرغبه في التشيّع ، وهي في الورقة التي هي قربها١ . والمَذْحِجي : بفتح الميم وسكون الذال المعجمة وكسر الحاء المهملة وبعدها جيم، هذه النسبة إلى مَذْحِج، واسمه مالك بن أدد بن زيد بن يشجب ، وإنما قيل له مذحج لأنه ولد على أكمَة حمراء باليمن يقال لها مذحج فسمي بها ، وقيل غير ذلك ، والله أعلم . ٤٩٠ عمر بن أبي ربيعة المخزومي أبو الخطاب عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة ابن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يَقَظة بن مرة ، القرشي المخزومي الشاعر المشهور ؛ لم يكن في قريش أشعر منه، وهو كثير الغزل والنوادر والوقائع والمجون والخلاعة، وله في ذلك حكايات مشهورة . وكان يتغزل في شعره بالثريا ابنة علي بن عبد الله بن الحارث ابن أمية الأصغر بن عبد شمس بن عبد مناف الأموية، وقال السهيلي في ((الروض الأنُفِ)): هي الثريا ابنة عبد الله، ولم يذكر عليّاً، ثم قال: وقُتَيلة ابنة ١ يعني أن القصيدة التي كتبها الصالح يرغب فيها عمارة بالتشيع موجودة في الورقة السابقة للتي ورد فيها تعليق العماد ، ومن تلك القصيدة : ١ اقبل نصيحة من دعاك إلى الهدى قل حطة" وادخل الينا البابا تلق الأئمة شافعين ولا ترى إلا لديهم سنة وكتابا وانظر النكت : ٤٥ . ٤٩٠ - ترجمته وأخباره مبثوثة في كثير من كتب الأدب، انظر مثلاً الأغاني ١ : ٧١ - ٢٣٠ والشعر والشعراء: ٤٥٧ والخزانة ١: ٢٤٠ والموشح: ٢٠١ وسرح العيون: ١٩٨ وشرح شواهد المغني: ١١ وزهر الآداب : ٢٤٦ - ٢٥٧ والشذرات ١ : ١٠١. ٤٣٦ ٠ النضر جَدَّتُها ، لأنها كانت تحت الحارث بن أمية ، وعبد الله ولدها وهو والد الثريا، وهذه قُتَيلة١ هي التي أنشدتْ رسولَ الله ، صلى الله عليه وسلم، عقيب وقعة بدر الأبياتَ القافيّةَ، وكان قد قتل أباها النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي القرشي العبدري، وقيل كان أخاها، ومن جملة الأبيات : أمحمد ولأنت ضنء٢ نجيبةٍ من قومها والفحلُ فحلٌ مُعْرَقُ ما كان ضَرَّك لو مَنَنْتَ وربما مَنَّ الفتى وهو المَغِيظُ المحنَق فالنّضْر أقربُ من تركت وسيلةٌ وأحقُّهم إن كان عتق يُعْتَق فقال عليه السلام : لو سمعت شعرها قبل أن أقتله لما قتلته ؛ وكان شديد العداوة لرسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فأسره في يوم بدر ، فلما رجع إلى المدينة أمر علي بن أبي طالب ، وقيل المقداد بن الأسود بقتله ، فقتله صبراً بين يديه بالصفراء ، وهي مكان بين المدينة وبدر ؛ وهذه الأبيات من جملة أبيات مذكورة في كتاب (( الحماسة))٣ في باب المرائي . وكانت الثريا موصوفةٌ بالجمال ، فتزوجها سُهَيل بن عبد الرحمن بن عَوْق الزهري ، رضي الله عنه ، ونقلها إلى مصر، فقال عمر المذكور في زواجها يضرب المثل في الثريا وسهيل النجمين المعروفين؛ : أيها المنكِحُ الثريّا سُهَيْلاَ عَمْرَكَ الله كيف يلتقيانِ هي شامية إذا ما استَقَلَّتْ وسُهَيْلٌ إذا استقلَّ يماني وهذه الثريا وأختها عائشة أعتقتا الغريض المغني المشهور" صاحب معبد، ......... ١ انظر ترجمتها وقصيدتها القافية في أسد الغابة ٥ : ٥٣٣ والاصابة ٨ : ١٦٩. ٢ الضنء - بالفتح ويكسر - الولد؛ وكتب فوقها في المسودة ((تجل)» ولفظة «معاً»؛ وفي ن : ٣ شرح المرزوقي (الحماسية رقم: ٣٣٢). ابن ؛ ر : أنت ابن خير . ٤ ديوان عمر : ٤٣٨. ٥ أخبار الغريض في الأغاني ٢ : ٣١٨ . ٤٣٧ واسمه عبد الملك وكنيته أبو زيد ، وسمي الغريض باسم الطَّلْع ، ويقال فيه الغَريض والاغريض ، وإنما سمي به لنقاء لونه ، وقيل إنما سمي به لطراوته. [يروى أن يزيد بن معاوية لما أراد توجيه مسلم بن عقبة إلى المدينة اعترض الناس ، فمر به رجل من أهل الشام [بترس] قبيح ، فقال له : يا أخا الشام ، مجنّ ابن أبي ربيعة أحسن من مجنّك ، يريد قول ابن أبي ربيعة: وكان مجنّي دون من كنت أتقي ثلاث شخوص : كاعبان ومعصرُ وهذا البيت من جملة قصيدة ، وهي من ظريف شعره ، فمن جملتها : فحييت إذ فاجأتها فتلهفت وكادت بمكتوم التحية تجهرُ وقالت وعضت بالبنان : فضحتَني وأنت امرؤ ميسور أمرك أعسر رقيباً وحولي من عدوك حُضّر أريتَك إن هُنّا عليك ولم تخف فوالله ما أدري أتعجيل حاجة فقلت لها : بل قادني الشوق والهوى فلما تقضَّى الليل إلا قليله أشارت بأن الحيّ قد حان منهم فما راعني إلا منادٍ برحلة فلما رأت من قد تنوّر منهمُ فقلت : أُباديهم فإما أفوتهم فقالت : أتحقيقاً لما قال كاشح وإن كان ما لا بد منه فغيره أقصّ على اختيّ بدء حديثنا لعلها ان يبغيا لك مخرجاً سرت بك أم قد نام من كنت تحذر إليكِ وما عين من الناس تنظر وكادت توالي نجمه تتغوّر هبوب ولكن موعد لك عَزْوَرَ وقد لاح مفترًّ من الصبح أشقر وأيقاظهم قالت : أشر كيف تأمر وإما أسلّ السيف ثأراً فيثأر علينا وتصديقاً لما كان يؤثر من الأمر أدنى للخفاء وأستر وما فيَ من أن يعلما متأخر وأن يَرْحبا سرباً بما كنتُ أحصر فقالت لأختيها : أعينا على فتى أتى زائراً والأمر للأمر يقدر فأقبلتا فارتاعتا ثم قالتا : اقلّي عليك اللوم فالخطب أيسر ٤٣٨ يقوم فيمشي بيننا متنكراً فلا سرنا يفشو ولا هو يظهر وكان مجنّي دون من كنت أتقي ثلاث شخوص كاعبان ومعصر]! ومن شعر عمر المذكور أيضا٢ً : حَيَّ طَيفاً من الأحبة زارا بعدما صَرّع الكَرى السُّمّارا طارقاً في المنام تحتَ دُجى اللهـ ـل ضنيناً بأن يزورَ نَهارا قلتُ ما بالُنا جُفينا وكنّا قبلَ ذاك الأسماعَ والأبصارا قال إِنا كما عهدتَ ولكن شغَلَ الحليَ أهله أن يعارا وكانت ولادته في الليلة التي قُتِل فيها عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، وهي ليلة الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين للهجرة . وغزا في البحر فأحرقوا السفينة فاحترق في حدود سنة ثلاث وتسعين للهجرة وعمره مقدار سبعين سنة ، رحمه الله تعالى ، وقال الهيثم بن عدي : مات سنة ثلاث وتسعين للهجرة ، وعمره ثمانون سنة ، والله أعلم . وقتل والده عبد الله في سنة ثمان وسبعين للهجرة بسجستان . وكان الحسن البصري ، رضي الله عنه ، إذا جرى ذكر ولادة عمر بن أبي ربيعة في الليلة التي قتل فيها عمر ، رضي الله عنه ، يقول : أي حق رفع ؟ وأي باطل وضع ؟ وكان جده أبو ربيعة يلقب ذا الرمحين، واسمه عمرو، وقيل حذيفة ، وقيل اسمه كنيته . وكان أبوه عبد الله أخا أبي جَهْل ابن هشام المخزومي لأمه ، وأمهما أسماء بنت مخرِّبة ، من بني مخزوم ، وقيل من بني نهشل ، وهما ابنا عم ، يجمعهما المغيرة بن عبد الله . ويَقَظَة : بفتح الياء المثناة من تحتها والقاف والظاء المعجمة . ١ القصيدة في الديوان: ١٢٠ - ١٢٧، وهذه زيادة من ر وحدها، وليس في المسودة أدنى إشارة توحي بهذه الزيادة ، وفي بعض رواية القصيدة اختلاف عما في الديوان لم نشر اليه . ٢ ديوانه : ٢٠٩ . ٤٣٩ ٤٩١ عمر بن شبة أبو زيد عمر بن شَبَةَ، واسمه زيد وشبة لقب١، ابن عَبيدة بن زيد ، ويقال ابن رايطه٢ ، النميري البصري ؛ كان صاحب أخبار ونوادر ورواية واطلاع كثير، وصنف ((تاريخ البصرة)). روى القراءة عن جَبَلَة بن مالك عن المفضل عن عاصم بن أبي النَّجُود ، وسمع الحروف من محبوب بن الحسن ، وروى عن عبد الوهاب الثقفي وعمرو بن علي ، وروى القراءة عنه عبدُ الله بن سليمان وعبد الله بن عمرو الوراق وأحمد بن فرج، وسمع منه أبو محمد ابن الجارود وسئل عنه أبو حاتم الرازي فقال : صَدُوق ، وروى عنه الحافظ محمد بن ماجه صاحب السنن وغيره . وقد تقدم ذكره في ترجمة العباس بن الأحنف٣ . وكانت ولادته يوم الأحد مستهلّ رجب سنة ثلاث وسبعين ومائة . وتوفي يوم الاثنين لست بقين ، وقيل يوم الخميس لأربع بقين من جمادى الآخرة سنة اثنتين ، وقيل ثلاث وستين ومائتين بسُرَّ من رأى ، رحمه الله تعالى. وشَبَّة : بفتح الشين وتشديد الباء الموحدة . والنتُمَيري : بضم النون وفتح الميم وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها راء ، هذه النسبة إلى نُمَير بن عامر بن صعصعة ، وهي قبيلة كبيرة ينسب إليها جماعة من العلماء وغيرهم . ٤٩١ - ترجمته في نور القبس: ٢٣١ والفهرست: ١١٢ - ١١٣ وتاريخ بغداد ١١: ٢٠٨ ومعجم الأدباء ١٦: ٦٠ وبغية الوعاة: ٣٦١ وتهذيب التهذيب ٧: ٤٦٠ وعبر الذهبي ١ : ٣٦٢ والشذرات ٢ : ١٤٦، وقد استوفت المسودة هذه الترجمة . ١ قيل انه لقب به لأن أمه كانت ترقصه وتقول: يا بأبي وشبّا ... الخ. ٢ نور القبس : ريطة . ٣ انظر الترجمة رقم : ٣١٩ . ٤٤٠