النص المفهرس

صفحات 341-360

لواحد منهم نَوْبة إلا بعد زمان، ورأيته مراراً يركب بهيمة وهو يصعد إلى
جبل الصالحيين١ وحوله اثنان وثلاثة وكل واحد يقرأ ميعاده في موضع غير الآخر،
والكل في دفعة واحدة ، وهو يردُّ على الجميع . ولم يزل مواظباً على وظيفته
إلى أن توفي بدمشق ليلة الأحد ثاني عشر جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين
وستمائة ، وقد نيَّفَ على تسعين سنة ، رحمه الله تعالى .
ولما حضرته الوفاة أنشد لنفسه٢ :
وينزل الركبُ بِغناهُمُ
قالوا غداً نأتي ديار الحمى
أصبح مسروراً بلقياهُم
وكل من كان مُطيعاً لهم
بأيِّ وجه أُتَلَقَّاهُم
قلت : فلي ذنبٌ فما حيلتي
قالوا: أليس العفو من شانهم لا سيما عمن ترجّاهُم
ثم ظفرت بتاريخ مولده في سنة ثمان وخمسين وخمسمائة بسَخا ، والله أعلم .
والسَّخاوي : بفتح السين المهملة والخاء المعجمة وبعدها ألف ، هذه النسبة
إلى سخا ، وهي بُليدة بالغربية من أعمال مصر ، وقياسه سَخَوي ، لكن
الناس أطبقوا على النسبة الأولى .
١ كذا في المسودة وهو معدّل، إذ كان مكتوباً من قبل «الصالحية)».
٢ زاد في لي : هذه الأبيات .
٣٤١

٤٥٧
ابن البواب الكاتب
أبو الحسن علي بن هلال المعروف بابن البواب الكاتب المشهور ؛ لم يوجد في
المتقدمين ولا المتأخرين من كتَبَ مثله ولا قاربه ، وإن كان أبو علي ابن مقلة
أول من نقل هذه الطريقة من خط الكوفيين ، وأبرزها في هذه الصورة وله
بذلك فضيلة السبق وخطه أيضاً في نهاية الحسن ، لكن ابن البواب هذب
طريقته ونقحها وكساها طلاوة وبهجة . وقيل إن صاحب الخط المنسوب
المشهور ليس أبا علي المذكور ، وإنما هو أخوه أبو عبد الله الحسن - وهو
مذكور في ترجمة أخيه أبي علي المذكور في المحمدين فليُنظر هناك - ولما شاهد
أبو عبيد البكري الأندلسي صاحب التصانيف خط ابن مقلة أنشد :
خط ابن مقلة من أرعاه مُقْلَتَهُ ودَّتْ جوارحه لو أصبحت مُقَلا
والكل معترفون لأبي الحسن بالتفرد ، وعلى منواله ينسجون ، وليس فيهم
من يلحق شأوه ولا يدعي ذلك ، مع أن في الخلق من يدعي ما ليس فيه ، ومع
هذا فما رأينا ولا سمعنا أن أحداً ادعى ذلك ، بل الجميع أقروا له بالسابقة
وعدم المشاركة. ويقال له (( ابن الستري)) أيضاً ، لأن أباه كان بواباً، والبواب
ملازم ستر الباب ، فلهذا نسب إليه .
(122) وكان شيخه في الكتابة ابن أسدٍ الكاتب المشهور١، وهو أبو عبد الله
محمد بن أسد بن علي بن سعيد القارىء الكاتب البزاز البغدادي [سمع أبا بكر أحمد بن
٤٥٧ - ترجمته في المنتظم ٨: ١٠ ومعجم الادباء ١٥: ١٨ وشروح السقط : ١١٩٨ وعبر
الذهبي ٣: ١١٣ والشذرات ٣: ١٩٩ والبداية والنهاية ١٢: ١٤ وتحفة أولي الالباب :
٤٩ والنجوم الزاهرة ٤: ٣٥٧ وصبح الأعشى ٣ : ١٣.
١ انظر ترجمة ابن أسد في تاريخ بغداد ٢: ٨٣ والمنتظم ٧ : ٢٩٦ وبغية الوعاة : ٣٤٣.
٣٤٢

سليمان النجاد وعلي بن محمد بن الزبير الكوفي وجعفر الخلدي وعبد الملك بن
الحسن السقطي ، وجماعة من هذه الطبقة، وكان صدوقاً ؛ مات محمد بن أسد في
يوم الاحد لليلتين خلتا من المحرم سنة عشر وأربعمائة، ودفن بالشونيزي]١.
وتوفي ابن البواب يوم الخميس ثاني جمادى الأولى سنة ثلاث وعشرين ، وقيل
ثلاث عشرة وأربعمائة ببغداد ، ودفن جوار الإمام أحمد بن حنبل ، رضي الله
عنه .
وأنشدني بعض العلماء بيتين ذكر أنه رُتي بها ابن البواب وهما :
اسْتَشْعَر الكتّابُ فقدَكَ سالفاً وقَضَتْ بصحّة ذلك الأيامُ
فلذاك سُؤَّدَتِ الدويُّ كآبةً أسفاً عليك وشُقَّتِ الأقلامُ
وهذا معنى حسن جدّاً .
وسألني بعض الفقهاء بمدينة حلب عن قول بعض المتأخرين من جملة أبيات في
صفة كتاب :
كتابٌ كَوَشي الروض خَطّتْ سطوره يَدُ ابنِ هلالٍ عن فم ابن هلالٍ
فقلت له : هذا يقول إن خطه في الحسن مثل خط ابن البواب وفي بلاغة ألفاظه
مثل رسائل الصابىء ، لأنه ابن هلال أيضاً - كما تقدم في ترجمته٢ - ثم سألت
الفقيه المذكور عن بقية الأبيات التي منها هذا البيت ، فأنشدنيها ، وهي :
ولما أتى منك الكتابُ الذي حَوى قلائِدَ سحرٍ للبيان حلالٍ
وقوفي بريع للأحبة خال
وقفتُ على رَبْعٍ من الفضل آهل
وأسأل أطلالاً تجيبُ سؤالي
أرقرقُ من دمعي وأُدْمِن٣ لثمه
وهِمْتُ بِهِ حتى تَوَهَّمْتُ لفظَه نجومُ ليالٍ أم سُمُوطُ الآلي
١ ما بين معقفين انفردت به ر .
٢ المجلد الاول : ٥٢ .
٣ لي : أرقرق دمعي ثم أدمن .
٣٤٣

كتاب كوَشي الروض خَطّتْ سطوره يد ابن هلال عن فم ابن هلال
ومما يتعلق بالكتابة١ أن أول من خط بالعربي إسماعيلُ عليه السلام،
والصحيح عند أهل العلم أنه مرامر بن مَرْوَة من أهل الأنبار ، وقيل إنه من
بني مرة ، ومن الأنبار انتشرت الكتابة في الناس . قال الأصمعي : ذكروا أن
قريشاً سئلوا : من أين لكم الكتابة ؟ فقالوا : من الحِيرَة ، وقيل لأهل الحيرة:
من أين لكم الكتابة ؟ فقالوا : من الأنبار٢ .
وروى ابنُ الكلبي والهيثم بن عدي أن الناقل لهذه الكتابة من الحِيرَة إلى
الحجاز هو حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي ، وكان
قدم الحيرة فعاد إلى مكة بهذه الكتابة ، وقالا : قيل لأبي سفيان ابن حرب :
ممن أخذ أبوك هذه الكتابة ؟ فقال : من أسلم بن سدرة، وقال : سألت أسلم :
ممن أخذتَ هذه الكتابة ؟ فقال : من واضعها مرامر بن مُرّة ، فحدوث هذه
الكتابة قبل الإسلام بقليل . وكان لحمير كتابة تسمى المسند ، وحروفها منفصلة
غير متصلة، وكانوا يمنعون العامة من تعلمها، فلا يتعاطاها أحد إلا بإذنهم، فجاءت
ملة الإسلام وليس يجميع اليمن من يقرأ ويكتب .
وجميعُ كتابات الأمم من سكان الشرق والغرب اثنتا عشرة كتابة ، وهي :
العربية والحميرية واليونانية والفارسية والسريانية والعبرانية والرومية والقبطية
والبربرية والأندلسية والهندية والصينية٣، فخمس منها اضمحلت وبطل استعمالها
وذهب من يعرفها ، وهي : الحميرية واليونانية والقبطية والبربرية والأندلسية ،
وثلاث قد بقي استعمالها في بلادها وعُدِمٍ من يعرفها في بلاد الإسلام ، وهي :
الرومية والهندية والصينية ، وحصلت أربع هي مستعملات في بلاد الإسلام ،
وهي : العربية والفارسية والسريانية والعبرانية .
١ قارن بما في الفهرست: ٤ - ٥ وأكثر النص متابع لما جاء في التنبيه لحمزة: ١٩ - ٢٠.
٢ هنا تنتهي الترجمة في س ل .
٣ هنا تنتهي الترجمة في لي والمسودة ؛ وأحال المؤلف في المسودة على (تخريجة)» لم ترد.
٣٤٤

٤٥٨
شيخ الإسلام
أبو الحسن علي بن أحمد بن يوسف بن جعفر بن عرفة الهكاري الملقب شيخ
الإسلام ؛ هو من ولد عُتبة بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية، وكان كثير
الخير والعبادة ، وطاف البلاد واجتمع بالعلماء والمشايخ وأخذ عنهم الحديث ،
ورجع إلى وطنه وانقطع به وأقبل الناس عليه وكان لهم فيه اعتقاد حسن ،
ولقي الشيخ أبا العلاء المعري وسمع منه ، فلما انفصل عنه سأله بعض أصحابه
عما رآه منه وعن عقيدته ، فقال: هو رجل من المسلمين . وسمعت أن بعض
الأكابر قال له : أنت شيخ الإسلام، فقال: بل أنا شيخ في الإسلام، وخرج
من أولاده وحَفَدَته جماعة تقدموا عند الملوك وعلت مراتبهم ، منهم فقهاء
ومنهم أمراء .
وكانت ولادته سنة تسع وأربعمائة . وتوفي في أول المحرم سنة ست وثمانين
وأربعمائة ، رحمه الله تعالى .
والهكاري : بفتح الهاء وتشديد الكاف وبعد الألف راء ، هذه النسبة إلى
قبيلة من الأكراد لهم معاقل وحصون وقرى من بلاد الموصل من جهتها الشرقية .
٤٥٨ - ترجمته في المنتظم ٩: ٧٩ وابن الاثير ١٠: ٢٢٦ واللباب: (الهكاري) وعبر الذهبي
٣ : ٣١٢ والشذرات ٣: ٣٧٨؛ وما ورد هنا مطابق للمسودة.
٣٤٥

٤٥٩
الشيخ علي الهروي السائح
أبو الحسن علي بن أبي بكر بن علي الهروي الأصل الموصلي المولد ، السائح
المشهور نزيل حلب ؛ طاف البلاد وأكثر من الزيارات ، وكاد يطبق الأرض
بالدوران ، فإنه لم يترك برّاً ولا بحراً ولا سهلاً ولا جبلً من الأماكن التي يمكن
قصدها ورؤيتها إلا رآه، ولم يصل إلى موضع إلا كتب خطه في حائطه ، ولقد
شاهدت ذلك في البلاد التي رأيتها مع كثرتها ، ولما سار ذكره بذلك واشتهر به
ضُرب به المثل فيه ، ورأيت لبعض المعاصرين، وهو ابن شمس الخلافة١ جعفر
- المقدم ذكره٢ - بيتين في شخص يستجدي من الناس بأوراقه وقد ذكر
فيها هذه الحالة وهما :
أوراقُ كُدْيَتِهِ فِي بَيتِ كلِّ فَتّى على اتفاقِ مَعَانٍ واختلافٍ رَوي
٤٥٩ - ترجم له المنذري شيخ ابن خلكان في التكملة لوفيات النقلة (انظر الاعلام ٥ : ٧٣) وتخص
ابن العماد في الشذرات (٤٩:٥) ما أورده ابن خلكان، وتعدّ هذه الترجمة معتمد كل من كتب
عن الهروي (انظر بروكلمان ١: ٤٧٨ والتكملة ١: ٨٧٩ والأدب الجغرافي عند العرب :
٣٢٠ - ٣٢٢)؛ وقد سجل الهروي في كتابه «الإشارات)» بعضاً من الشئون المتصلة به ،
فنراه في فلسطين سنة ٥٦٩ يزور القدس والخليل وغيرهما (ص: ٣١) ويصل إلى ثغر عسقلان
في العام التالي (٣٢) وفي العام نفسه كان في الإسكندرية يسمع الحديث عن السلفي (٣٠)
ويتجول في الديار المصرية حتى أسوان، ويحلّ عام ٥٧٢ وهو لا يزال في مصر (٥١) ؛ وقد
حملة التطواف إلى شمال إفريقية وصقلية ، وفي هذه الجزيرة شاهد بركان اتنا، واجتمع إلى
أحد زعماء المسلمين هنالك وهو أبو القاسم ابن حمود المعروف بابن الحجر الذي أرسل معه رسائل
إلى السلطان صلاح الدين يحثه فيها على أخذ صقلية من يد النورمان، لكن المركب غرق وركب
الهروي في مركب آخر إلى قبرس (٥٥)؛ وفي عام ٥٨٨ أخذ الفرنج كتبه في نوبة الوقعة
بخويلقة ، ثم إن ملك الانكتار أرسل الهروي رسولاً يطلب الاجتماع به ووعده برد كتبه ،
ولكنه لم يمض اليه (٣٠) ؛ والترجمة المثبتة هنا هي عين ما أوردته المسودة .
١ لي: ورأيت لابن شمس الخلافة ...
٢ المجلد الاول : ٣٦٢.
٣٤٦

قد طبَّقَ الأرضَ من سَهْلٍ إِلى جَبَلٍ كأنهُ خَطُ ذاكَ السائحِ الهَرَوي
وإِنما ذكرت البيتين استشهاداً بهما على ما ذكرته من كثرة زياراته وكتب
خطه . وكان مع هذا فيه فضيلة، وله معرفة بعلم السيمياء، وبه تقدم عند الملك
الظاهر ابن السلطان صلاح الدين صاحب حلب ، وأقام عنده ، وكان كثير
الرعاية له ، وبنى له مدرسة بظاهر حلب وفي ناحية منها قبة هو مدفون بها ،
وبتلك المدرسة بيوت كُتِبَ على باب كل بيت ما يليق به ، ورأيته كتب على
باب الميضأة (( بيت المال في بيت الماء))، ورأيت في قبته معلقاً عند رأسه غصناً
وهو حلقة خِلْفية١ ليس فيه صنعة ، وهو أعجوبة، وقيل إنه رآه في بعض
سياحاته فاستصحبه وأوصى أن يكون عند رأسه ليعجب٢ منه مَنْ يراه .
وله مصنفات: منها كتاب ((الإشارات في معرفة الزيارات)) وكتاب
((الخطب الهروية)) وغير ذلك٣.
ورأيت في حائط الموضع الذي تُلقى فيه الدروس من المدرسة المذكورة.
بيتين مكتوبين بخط حسن ، وكأنهما كتابة رجل فاضل نزل هناك قاصداً الديار
المصرية ، فأحببت ذكرهما لحسنهما وهما :
رحمَ اللهُ من دعا لأناسٍ نزلوا هامنا يريدون مِصْرا
أزقَ البين عُدْنَ بالدمع حُمْرا
نزلوا والخدودُ بيضٌ فلما
وتوفي في شهر رمضان في العَشْر الوسط سنة إحدى عشرة وستمائة في مدرسته
المذكورة ودفن في القبة ، رحمه الله تعالى .
والهَرَوي : بفتح الهاء والراء وبعدها واو ، هذه النسبة إلى مدينة هَراة،
وهي أحد كراسي مملكة خراسان ، فإنها مملكة عظيمة ، وكراسيها أربعة :
١ ر : علقت خليقة .
٢ لي : ليتعجب .
٣ يقول الهروي في ختام الإشارات (ص ١٠٠) إنه ألف كتاباً سماه («منازل الأرض ذات الطول
والعرض » .
٣٤٧

نيسابور ومرْوُ وبَلْخُ وهَراة، والباقي مدن كبار ، لكنها ما تنتهي إلى هذه
الأربعة ؛ وهَراة بناها الإسكندر ذو القرنين عند مسيره إلى المشرق .
٤٦٠
عز الدين ابن الأثير الجزري
أبو الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد
الشَّيباني ، المعروف بابن الأثير الجَزَريّ، الملقب عز الدين؛ ولد بالجزيرة ونشأ
بها، ثم سار إلى الموصل مع والده وأخويه - الآتي ذكرهما إن شاء الله تعالى -
وسكن الموصل وسمع بها من أبي الفضل عبد الله بن أحمد الخطيب الطوسي ومَنْ
في طبقته ، وقدم بغداد مراراً حاجّاً ورسولاً من صاحب الموصل وسمع بها من
الشيخين أبي القاسم يعيش بن صدقة الفقيه الشافعي وأبي أحمد عبد الوهاب بن
علي الصوفي وغيرهما ، ثم رحل إلى الشام والقدس وسمع هناك من جماعة ، ثم
عاد إلى الموصل ولزم بيته منقطعاً إلى التوفر على النظر في العلم والتصنيف ،
وكان بيته مجمع الفضل لأهل الموصل والواردين عليها .
وكان إماماً في حفظ الحديث ومعرفته وما يتعلق به ، وحافظاً للتواريخ
المتقدمة والمتأخرة ، وخبيراً بأنساب العرب وأخبارهم وأيامهم ووقائعهم، صنف
في التاريخ كتاباً كبيراً سماه ((الكامل)» ابتدأ فيه من أول الزمان إلى آخر
سنة ثمان وعشرين وستمائة وهو من خيار التواريخ، واختصر كتاب ((الأنساب))
لأبي سعد عبد الكريم بن السمعاني، واستدرك عليه فيه مواضع ونبه على أغلاط
٤٦٠ - ترجمته في ذيل الروضتين: ١٦٢ والبدر السافر، الورقة: ٢٥ وطبقات السبكي ١٢٧:٥
وعبر الذهبيه: ١٢٠ والشذرات ٥ : ١٣٧، وانظر كشف الظنون: ٨٢، ١٣٨٠،
وصفحات متفرقة من الاعلان بالتوبيخ للسخاوي، وذكر مؤلف الأعلام (٥: ١٥٣) أن له
ترجمة في التكملة للمنذري ؛ وهذه الترجمة هي ما أوردته المسودة .
٣٤٨

ـع
وزاد أشياء أهملها ، وهو كتاب مفيد جدّاً ، وأكثر ما يوجد اليوم بأيدي
الناس هذا المختصر ، وهو في ثلاث مجلدات، والأصل في ثمان وهو عزيز الوجود
ولم أره سوى مرة واحدة بمدينة حلب ، ولم يصل إلى الديار المصرية سوى
المختصر المذكور. وله كتاب (( أخبار الصحابة))١، رضوان الله عليهم، في ست
مجلدات كبار .
ولما وصلت إلى حلب في أواخر سنة ست وعشرين وستمائة كان عز الدين
المذكور مقيماً بها في صورة الضيف عند الطواشي شهاب الدين طُفْريل الخادم
أتابك الملك العزيز ابن الملك الظاهر صاحب حلب، وكان الطواشي كثير الإقبال
عليه حسن الاعتقاد فيه مكرماً له ، فاجتمعت به فوجدته رجلً مكملاً في
الفضائل وكرم الأخلاق وكثرة التواضع ، فلازمت الترداد إليه ، وكان بينه
وبين الوالد ، رحمه الله تعالى ، مؤانسة أكيدة ، فكان بسببها يبالغ في الرعاية
والإكرام . ثم إنه سافر إلى دمشق في أثناء سنة سبع وعشرين ، ثم عاد إلى
حلب في أثناء سنة ثمان وعشرين ، فجريت معه على عادة الترداد والملازمة ،
وأقام قليلاً ثم توجه إلى الموصل .
وكانت ولادته في رابع جمادى الأولى سنة خمس وخمسين وخمسمائة يجزيرة
ابني عُمرَ ، وهم من أهلها . وتوفي في شعبان سنة ثلاثين وستمائة، رحمه الله
تعالى ، بالموصل .
وسيأتي ذكر أخويه مجد الدين أبي السعادات المبارك ، وضياء الدين أبي
الفتح نصر الله ، إن شاء الله تعالى .
والجزيرة المذكورة أكثر الناس يقولون : إنها جزيرة ابن عمر ، ولا أدري
مَنْ ابن عمر [وقيل إنها منسوبة إلى يوسف بن عمر الثقفي أمير العراقين]٢، ثم
إني ظفرت بالصواب في ذلك، وهو أن رجلاً من أهل برْقَعيد من أعمال
الموصل بناها وهو عبد العزيز بن عمر فأضيفت إليه . ورأيت في بعض التواريخ
أنها جزيرة ابني عمر أوسٍ وكاملٍ ، ولا أدري أيضاً مَنْ هما، ثم رأيت في
١ هو الكتاب المسمى «أسد الغابة)).
٢ ما بين معقفين قيّد في حاشية المسودة ثم شطب .
٣٤٩

تاريخ ابن المستوفي في ترجمة أبي السعادات المبارك بن محمد أخي أبي الحسن
المذكور أنه من جزيرة أوس وكامل ابني عمر بن أوس التغلي .
٤٦١
العكوَّك
أبو الحسن علي بن جَبَلَةَ بن مسلم بن عبد الرحمن ، المعروف بالعَكَوِّك
الشاعر المشهور١؛ أحد فحول الشعراء المبرزين [قال الجاحظ في حقه : كان
أحسن خلق الله إنشاداً، ما رأيت مثله بدويّاً ولا حضريّاً]٢ وكان من الموالي،
وولد أعمى ، وكان أسود أبرص ، ومن مشهور شعره قوله :
بأبي من زارني مكتتماً خائفاً من كل شيء جَزِعا
زائرٌ نَمْ عليه حُسنُهُ كيف يُخفي الليلُ بدراً طلعا
ورَعى السامِرَ حتى هجَعا
رصَدَ الغفلةَ حتى أمكنَت
ثم ما سَلَّمَ حتى ودَّعا
ركب الأهوالَ في زَوْرَتِهِ
[ومن قوله في الحسن بن سهل :
أعطيتني يا وليّ الحق مبتدئاً عطيةً كافأتْ شعري ولم ترني
ما شِمْتُ برقَكَ إِلا نلتُ رَيِّقَهُ كأنما كنتَ بالجدوى تبادرني]٣
٤٦١ - ترجمته في الورقة: ١٠٦ والشعر والشعراء: ٧٤٢ وطبقات ابن المعتز: ١٧١ والاغاني
١٩: ٢٨٧ ونكت الهميان: ٢٠٩ وتاريخ بغداد ١١: ٣٥٩ والشذرات ٢ : ٣٠
وبروكمان ٢ : ٣٧ (الترجمة العربية) .
١ ر : خراساني أموي مشهور، وأحد فحول ... الخ .
٢ ما بين معقفين سقط من لي والمسودة .
٣ انفردت ربما بين معقفين .
٣٥٠

وله في أبي دُلَف العجلي وأبي غانم حُمَيد بن عبد الحميد الطوسي غُرّ
المدائح ، فمن قصائده الفائقة في أبي دُلف القصيدة التي أولها :
ذادَ وِرْدَ الغيِّ عن صَدَرِهِ فَارْعَوَى واللهوُ من وطَرِهِ
يقول في مدحها :
إنما الدنيا أبو دُلَفٍ بين مغزاه١ ومحتضره
فإذا ولّى أبو دلف ولَّت الدنيا على أثره
ومنها :
كلُّ من في الأرض مِن عَرَبٍ بين باديه إلى حَضَرِهِ
مستعيرٌ منكَ مَكْرُمَةٌ يكتسيها يومَ مُفْتَخَرِهِ
وهي طويلة عددها ثمانية وخمسون بيتاً، ولولا خوف الإطالة لأثبتها كلها
لأجل حسنها .
ولقد سئل شرف الدين بن عنين - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - وكان
من أخبر الناس بنقد الشعر ، عن هذه القصيدة وقصيدة أبي نواس الموازنة
لها التي أولها :
أيها المنتاب من عُفُرِهِ لستَ من ليلي ولا سَمَبرِهِ
وهي من نوادر الشعر أيضاً ، فلم يفضّل إحداهما على الأخرى ، وقال : ما
يصلح أن يفاضل بين هاتين إلا شخصٌ يكون في درجة هذين الشاعرين .
ورأيت لأبي العباس المبرد كلاماً في وصف قصيدة أبي نواس المذكورة ، فإنه
قال بعد ذكر القصيدة : ما أحسب شاعراً جاهلياً ولا إسلامياً يبلغ هذا المبلغ
فضلاً أن يزيد عليه جزالة وفخامة .
[وقال محمد بن خلف بن محمد الطائي: قلت لعلي بن جبلة: عارضت أبا نواس
١ ر : مبداه .
٣٥١

بقصيدتك هذه ((ذاد ورد الغيِّ عن صدَره )) في قصيدته]١.
ويحكى أن العَكَوَّكَ مدح حميد بن عبد الحميد الطوسي بعد مدحه لأبي
دلف بهذه القصيدة فقال له حميد : ما عسى أن تقول فينا وما أبقيت لنا بعد
قولك في أبي دلف : إنما الدنيا أبو دلف ... وأنشد البيتين ، فقال: أصلح الله
الأمير ، قد قلت فيك ما هو أحسن من هذا ، قال : وما هو ؟ فأنشد :
إنما الدنيا حُميد وأياديه الجسامُ
فإذا ولَّى حميد فعلى الدنيا السلامُ
قال : فتبسم ولم يحر جواباً ، فأجمع من حضر المجلس من أهل المعرفة والعلم
بالشعر أن هذا أحسن مما قاله في أبي دلف ، فأعطاه وأحسن جائزته .
[وحكي أنه مدح المأمون بقصيدة أجاد فيها ، وتوسل بحميد الطوسي في
إيصالها إليه ، فقال له المأمون : خيِّره بين أن نجمع بين قوله هذا وبين قوله
فيك وفي أبي دلف ، فإن وجدنا قوله فينا خيراً منه أجزناه عشرة آلاف ، وإلا
ضربناه مائة سوط ، فخيّره حميد فاختار الإعفاء]٢.
وقال ابن المعتز في ((طبقات الشعراء)) ٣: ولما بلغ المأمون خبر هذه القصيدة
غضب غضباً شديداً وقال : اطلبوه حيثما كان وائتوني به ، فطلبوه فلم يقدروا
عليه لأنه كان مقيماً بالجبل ، فلما اتصل به الخبر هرب إلى الجزيرة الفُراتية ،
وقد كانوا كتبوا إلى الآفاق أن يُؤخذ حيث كان ، فهرب من الجزيرة حتى توسط
الشامات، فظفروا به فأخذوه وحملوه مقيّداً إلى المأمون، فلما صار بین یدیه قال
له : يا ابن اللَّخْناء، أنت القائل في قصيدتك للقاسم بن عيسى، وهو أبو دلف :
كل من في الأرض من عَرَب
وأنشد البيتين ، جعلتنا ممن يستعير المكارم منه والافتخار به ، قال : يا أمير
١ زيادة من ر .
٢ ما بين معقفين لا وجود له في أصل المؤلف وسائر النسخ الخطية.
٣ طبقات ابن المعتز : ١٧٢ وفي النقل بعض اختلاف .
٣٥٢

المؤمنين : أنتم أهل بيت لا يقاس بكم لأن الله اختصكم لنفسه عن عباده وآناكم
الكتاب والحُكْمَ وآتاكم ملكاً عظيماً، وإنما ذهبتُ في قولي إلى أقران
وأشكال القاسم بن عيسى من هذا الناس ، فقال: والله ما أبقيت أحداً ، ولقد
أدخلتنا في الكل ، وما أستحل دمك بكلمتك هذه ، ولكني أستحله بكفرك
في شعرك حيث قلت في عبد ذليل مهين فأشركت بالله العظيم وجعلت معه
مالكاً قادراً ، وهو :
أنت الذي تُنزِل الأيامَ منزلها وتنقُلُ الدهْرَ من حال إلى حالٍ
وما مدَدتَ مدَى طَرْفٍ إلى أحد إلا قضيتَ بأرزاق وآجالٍ
ذاك الله عز وجل يفعله ، أخرجوا لسانه من قفاه ، فأخرجوا لسانه من
قفاه فمات ، وكان ذلك في سنة ثلاث عشرة ومائتين ببغداد. ومولده سنة ستين
ومائة ، وقيل إنه أصابه الجدري وهو ابن سبع سنين فذهب بصره منه ، وهذا
خلاف ما قيل في الأول .
قلت : هكذا ذكر ابن المعتز هذه القصة ، وكذلك قال أيضاً أبو الفرج
الأصبهاني في كتاب ((الأغاني))١، ورأيت في كتاب ((البارع في أخبار الشعراء
المولدين )) تأليف أبي عبد الله ابن المنجم هذين البيتين مع بيت ثالث ، وهو :
تَزْوَرُّ سُخْطَاً فَتُمْسي البيضُ راضية" وتستهلُّ فتبكي أعينُ المال
لخلف بن مرزوق مولى علي بن ريطة ، والله أعلم بالصواب .
ومن مديحه حميداً قوله :
تكفّلَ ساكِنِي الدنيا حميدٌ فقد أضحَوْا له فيها عِيالا
كأن أباه آدمَ كَان أَوْصَى إِليه أن يَعُولَهُمْ فَعالا
وقوله أيضاً فيه :
١ الاغاني ١٩ : ٣١٧ .
٢ المسودة : حميد .
٢٣ - ٣
:
٣٥٣

دجلةُ تَسْقي وأبو غانمٍ يُطعِمُ مَن تسقي من الناس
فالناسُ جسْمٌ وإمام الهدى رأس ، وأنت العين في الراس
ولما مات حميد في يوم عيد الفطر سنة عشر ومائتين رفاه بقصيدة من جملتها:
فأدَّبنا ما أدّبَ الناسَ قبلنا ولكنه لم يبقَ للصبرِ موضعُ
ورفاه أبو العتاهية بقوله :
أبا غانم أمّا ذَرَاكَ فواسعٌ وقَبَركَ معمور الجوانب محكمْ
وما ينفع المقبورَ عُمْرانُ قبرهِ إِذا كان فيه جِسْمُهُ يتهدَّمُ
وأخبار العكوك كثيرة ، ونقتصر منها على هذا القدر .
والعكوك : بفتح العين المهملة والكاف وتشديد الواو وبعدها كاف ثانية ،
وهو السمين القصير مع صلابة ، رحمه الله تعالى .
وجَبَلة : بفتح الجيم والباء الموحدة واللام وبعدها هاء ساكنة١ .
وأما حميد الطوسي فإن الطبري ذكر في تاريخه تاريخَ وفاته كما ذكرته
هاهنا ، وغالب ظني أنه توفي بفم الصلح ، لأنه كان مع المأمون لما توجه إليها
للدخول على بُوران، حسبما شرحته في ترجمتها في هذا التاريخ٢.
١ هنا تنتهي الترجمة في س ل لي م .
٢ انظر المجلد الاول : ٢٨٧.
٣٥٤

٤٦٢
علي بن الجهم
أبو الحسن علي بن الجهم بن بدر بن الجهم بن مسعود بن أسيد بن أُذينة بن
كرّار بن كعب بن جابر بن مالك بن عتبة بن [جابر]١ بن الحارث بن قطن بن
مدلج بن قطن بن أحزم٢ بن ذهل بن عمرو بن مالك بن عبيدة بن الحارث بن سامة
ابن لؤي بن غالب القرشي السامي الشاعر المشهور٣ ؛ أحد الشعراء المجيدين ،
هكذا ساق الخطيب في ((تاريخ بغداد))٤ نسبه في ترجمة والده الجهم ، وذكره
أيضاً في ترجمة مفردة، فقال°: له ديوان شعر مشهور ، وكان جيد الشعر عالماً
بفنونه ، وله اختصاصٌ بجعفر المتوكل ، وكان متديناً فاضلاً ؛ انتهى كلامه .
وكان - مع انحرافه عن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه، وإظهاره
التسنن - مطبوعاً مقتدراً على الشعر عذب الألفاظ . وكان من ناقلة خراسان
إلى العراق ثم نفاه المتوكل إلى خراسان في سنة اثنتين وثلاثين ، وقيل تسع
وثلاثين ومائتين ، لأنه هجا المتوكل ، وكتب إلى طاهر بن عبد الله بن طاهر بن
الحسين أنه إذا ورد عليه صلبه يوماً ، فوصل إلى شاذياخ نيسابور، فحبسه طاهر
ثم أخرجه فصلبه مجرداً نهاراً كاملاً ، فقال في ذلك٦:
لم ينصبوا بالشاذياخ صبيحةَ ال إثنين مَسْبُوقاً ولا مجهولا
٤٦٢ - ترجمته في معجم المرزباني: ١٤٠ وطبقات ابن المعتز: ٣١٩ والأغاني ١٠ : ٢١٥ وانظر
مقدمة محقق الديوان .
١ سقطت من تاريخ بغداد، وضبب عليها المؤلف في المسودة ؛ وفي ر : عامر .
٢ غير منقوطة في المسودة .
٣ جاءت سلسلة النسب ناقصة في ر س .
٤ تاريخ بغداد ٧ : ٢٤٠ .
• تاريخ بغداد ١١ : ٣٦٧.
٦ ديوانه : ١٧١، ٠٢١٥
٣٥٥

نصَبُوا بحمد الله ملء قلوبهم شرفاً وملء صدورهم تَبْجيلا
وهي أبيات كثيرة مشهورة١ ، ثم رجع إلى العراق ثم خرج إلى الشام ،
وبعد ذلك ورد على المستعين كتاب من صاحب البريد بحلب أن علي بن
الجهم خرج من حلب متوجهاً إلى العراق ، فخرجت عليه وعلى جماعة معه خيل
من بني كلب ، فقاتلهم قتالاً شديداً، ولحقه الناس وهو جريح بآخر رمق ،
فكان مما قال٢ :
أزِيدَ في الليل ليلُ أمْ سالَ بالصبحِ سَيْلُ
ذكَرْتُ أهلَ دُجَيْلٍ وأين مني دُجَيلُ
وكان منزله ببغداد في شارع الدجيل ، وكان ورود الكتاب في شعبان سنة
تسع وأربعين ومائتين ، وتوفي في وقته ، ولما نزعت ثيابه بعد موته وجدت
فيها رقعة وقد كتب فيها٣ :
يا رَحْمَتا للغريبِ في البلدِ النازح ماذا بنفسه صَنَعا
فارَقَ أحبابه فما انتَفَعُوا بالعيش من بعده ولا انتَفَعا
وكانت بينه وبين أبي تمام مودة أكيدة ، وإليه كتب أبو تمام الأبيات التي
يودعه فيها التي أولهاء :
هي فرقة من صاحب لك ماجد فغداً إراقةُ كلِّ دمع جامد
وديوان شعره صغير ، فمنه قوله وهو معنى مليح° :
١ لأنه هجا ... مشهورة : سقط من س ل لي ؛ والنص موجز في م .
٢ ديوانه : ١٧٠ .
٣ ر : رقعة فيها مكتوب؛ وانظر البيتين في ديوانه : ١٥٤.
٤ ديوان أبي تمام ١: ٤٠٦، وفيه : فغداً إذابة .
٥ ديوان ابن الجهم : ١٨٧.
٣٥٦
١

بَلاء ليس يَعْدِلِه بلاء عداوة غير ذي حسب ودِينِ
ويرتع منك في عِرض مَصُونٍ
يبيحك منه عرضاً لم يَصُنْه
وهذان البيتان قالهما في مروان بن أبي حفصة لما عمل فيه :
لعمرك ما الجهم بن بدر بشاعر وهذا عليِّ بعده يَدَّعي الشعرا
ولكنْ أبي قد كان جاراً لأمه فلما ادَّعى الأشعار أو همني أمرا
وهذا المعنى مأخوذ من قول كثير عزة ، وقد أنشد الفرزدق شعراً له
فاستحسنه فقال له : يا أبا صخر ، هل كانت أمك ترد البصرة ؟ فقال : لا ،
ولكن كان أبي كثيراً ما يردها .
وله وقد حُبِس أبياته المشهورة التي أولها١ :
قالت حُبِستَ فقلت ليس بضائري حَبْسي، وأيُّ مهنَّد لا يُغْمَدُ
وهي أبيات جيدة في هذا المعنى لم يُعمل مثلها ، ولولا طولها لذكرتها .
وله أيضاً :
يا ذا الذي بعذابي ظل مفتخرا هل أنت إلا مليك جار إذ قدَرا
لولا الهوى لتجارينا على قدر فإن أُفِقْ منه يوماً ما فسوف ترى
وله أشياء حسنة .
والسامي : بفتح السين المهملة وبعد الألف ميم ، هذه النسبة إلى سامة بن
لؤي المذكور في نسبه ، ويتصحف على كثير من الناس بالشامي ، بالشين
المعجمة ، وهو غلط .
ودُجَيل: بضم الدال المهملة وفتح الجيم وسكون الياء المثناة من تحتها٣
١ ديوانه : ٤١ .
٢ ديوانه: ١٤١؛ وقد سقط البيتان من ر، وروى صاحب الأغاني نسبتها لغيره .
٣ إلى هنا تنتهي الترجمة في لي م .
٣٥٧

[وبعدها لام]١ - تصغير دجلة، تصغير ترخيم - وهو نهر بأعلى بغداد ، مخرجه
من دجلة ، مقابل القادسية في الجانب الغربي بين تكريت وبغداد ، عليه مدن
وقری ، وهو غیر دجیل الأهواز، وهو أيضاً نهر علیه قرى ومدن ومخرجه من
جهة أصبهان ، حفره أردشير بن بابك بن ساسان أول ملوك الفرس .
٤٦٣
ابن الرومي
أبو الحسن علي بن العباس بن جُرَيج ، وقيل جُورجيس ، المعروف بابن
الرومي، مولى عبيد الله بن عيسى بن جعفر بن المنصور بن محمد بن علي بن عبد
الله بن العباس بن عبد المطلب ، رضي الله عنه ؛ الشاعر المشهور صاحب النظم
العجيب ، والتوليد الغريب ، يغوص على المعاني النادرة فيستخرجها من مكامنها
ويبرزها في أحسن صورة ، ولا يترك المعنى حتى يستوفيه إلى آخره ولا يبقي
فيه بقية، وكان شعره غير مرتب، ورواه عنه المسيبي٣ّ ، ثم عمله أبو بكر
الصولي ورتبه على الحروف ، وجمعه أبو الطيب وراق ابن عبدوس من جميع
النسخ ، فزاد على كل نسخة مما هو على الحروف وغيرها نحو ألف بيت . وله
١ سقط من س والمسودة .
٤٦٣ - ترجمته في تاريخ بغداد ١٢: ٢٣ ومعجم المرزباني: ١٤٥ ومروج الذهب ٤ : ٢٨٣
ورسالة الغفران: ٤٦٨ ومعاهد التنصيص ١٠٨:١ وزهر الآداب : ٢٩٥ وصفحات أخرى،
وفي العمدة لابن رشيق (في صفحات متفرقة)؛ وقد كتبت عنه في العصر الحديث دراسات
متعددة .
٢ انظر الفهرست: ١٦٥؛ وقد تصحفت لفظة («المسيبي)» في المطبوعة المصرية إلى («المتنبي))،
وذلك تصحيف طريف؛ وهناك من اسمه محمد بن إسحاق المسيبي المدني وهو مقرئء مشهور توفي
سنة ٢٣٦ (غاية النهاية ٢: ٩٨)، فلا أدري إن كان هو الذي روى ديوان ابن الرومي أو
هو مسيبي آخر ، فإن المقرىء معاصر أيضاً لابن الرومي.
٣٥٨

القصائد المطولة والمقاطيع البديعة ، وله في الهجاء كل شيء ظريف ، وكذلك
في المديح ، فمن ذلك قوله :
المنعمون وما منهُوا على أحدٍ يَوْمَ العطاء ولو منتُوا لما مانُوا
كم ضَنَّ بالمال أقوامٌ وعندَهُمُ وفر، وأعطى العطايا وهو يَدّانُ
وله أيضاً ، وقال : ما سبقني إلى هذا المعنى أحد :
آراؤكم ووجوهكم وسيوفكم في المحادثات إذا دجَوْنَ نجومُ
تجلو الدجى والأخرياتُ رُجومُ
منها معالم الهدى ومصابح
ومن معانيه البديعة قوله١ :
وأطال فيه فقد أراد هجاءه
وإذا امرؤ مدحَ امرءاً لنواله
عند الورود لما أطال رشاءه
لو لم يُقَدِّر فيه بُعد المستَقَى
وكذلك قوله في ذم الخضاب ، قال أبو الحسين جعفر بن علي الحمداني :
ما سبقه أحد إلى هذا المعنى٢:
شَبيبَتُهُ ظُنَّ السوادُ خِضابا
إذا دام للمرءِ السواد وأُخْلَقَتْ
يُظَنُّ سواداً أو يُخال شبابا
فكيفَ يظنُّ الشيخُ أن خِضابه
[وقوله :
كم يَعِدُ القِرنَ باللقاء وكم يكذبُ في وعده ويخلفُهُ
لا يعرف القِرنُ وجهه ويرى قفاه من فرسخٍ فيعرفُهُ
أخذ هذا المعنى الأخير من قول الخارجي وقد قال المنصور: أي أصحابنا أشدّ
١ ديوانه : ٩٧ .
٢ ديوانه : ٣٣٩؛ وكذا ترتيب القول في المسودة، وفي ر : ينصرف قول الحمداني إلى البيتين
السابقين .
٣٥٩

إقداماً في مبارزتكم ؟ فقال : ما أعرف وجوههم ولكن أعرف أقفاءهم ، فقل
لهم يقبلوا فأعرفهم .
وقال رجل لابن الرومي وهو يمازحه: ما أنت والشعر وقد نلت منه حظّاً
جسيماً وأنت من العجم ؟ أراك عربياً أو مدعياً في الشعر ، قال : بل أنت
دعيّ إذا كنت تُنْسبُ عربياً ولا تحسن من ذلك شيئاً، وأنشده١:
إياك يا ابن بويب أن يستثار بويبُ
قد تحسنُ الرومُ شعراً ما أحسنته العُرَيبُ
وكان كثير الطيرة، وربما أقام المدة الطويلة لا يتصرف تطيّراً لسوء ما يراه
أو يسمعه حتى إن بعض إخوانه من الأمراء افتقده وعرف بحاله في الطيرة فبعث
إليه خادماً اسمه إقبال ليتفاءل به ، فلما أخذ أهبة ركوبه قال للخادم : انصرف
إلى مولاك]٢ .
وله في بعض الرؤساء وقد سأله حاجة فقضاها له وكان لا يتوقع منه خيراً :
على أنني ما خلت أنك تَفعَلُ
سألتك في أمر فجُدْتَ بِبَذْلِهِ
عليّ من الحرمان أدْهى وأعْضَل
وألزمتني بالبَذْل شكراً وإنه
إلى أن أرى في الناس مثلكَ يُسأل
وما خِلتُ أن الدهر يَثني بصَرفِهِ
لقد ساءني إذ أنت ممن يؤمَّل
لئن سَرَّني ما نلتُ منك فإنه
وهذه الأبيات تنسب إلى ابن وكيع التنيسي أيضاً - وقد سبق ذكره
واسمه الحسن - والله أعلم٣ .
وبالجملة فإن محاسنه كثيرة فلا حاجة إلى الإطالة. وكانت ولادته يوم الأربعاء
بعد طلوع الفجر لليلتين خلَتا من رجب سنة إحدى وعشرين ومائتين ببغداد ،
١ ديوانه : ٢٣٤ .
٢ زيادة من ر، ولم يبين وجه الطيرة، وقد قلب ابن الرومي اسم ((اقبال)) فإذا هو ((لا بقا))
فتطير منه .
٣ وهذه الابيات ... أعلم : سقط من س ل لي م؛ وانظر ترجمة ابن وكيع رقم : ١٧١.
٣٦٠