النص المفهرس

صفحات 281-300

أبان فيه عن فَضل غزير واطلاع كثير ومادة متوفرة .
وذكر الحاكم أبو عبد الله ابن البَيِّع في ((تاريخ النيسابوريين))١ أنه توفي في
سلخ صفر سنة ست وستين وثلثمائة بنيسابور وعمره ست وسبعون سنة ، رحمه
الله تعالى ، وقال غيره : إنه كان حسن السيرة في قضائه صدوقاً، ورَدَ به
أخوه محمد نيسابور في سنة سبع وثلاثين وثلثمائة وهو صغير غير بالغ ، وسمعا من
سائر الشيوخ ، ومات بالري وهو قاضي القضاة في سنة اثنتين وتسعين وثلثمائة ،
وحمل تابوته إلى جُرْجان ودفن بها، ونَقلُ الحاكم أثبت وأصح .
وجُرْجانُ : بضم الجيم وسكون الراء وفتح الجيم الثانية وبعد الألف نون ،
وهي مدينة عظيمة من ناحية خراسان .
٤٢٧
ابن المرزبان
أبو الحسن علي بن أحمد بن المرزُبان البغدادي الفقيه الشافعي ؛ كان فقيهاً
ورِعاً من جلَّةِ العلماء ، أخذ الفقه عن أبي الحسين ابن القطان، وعنه أخذ الشيخ
أبو حامد الإسفرايني أوَّلَ قدومه بغداد. وحُكي عنه أنه قال: ما أعلم أن لأحد
عليَّ مظلمة، وقد كان فقيهاً يعلم أن الغيبة من المظالم، وكان مدرّساً ببغداد وله وجه
في مذهب الشافعي . وتوفي في رجب سنة ست وستين وثلثمائة ، رحمه الله تعالى.
والمَرْزُبان: بفتح الميم وسكون الراء وضم الزاي وفتح الباء الموحدة وبعد
الألف نون ، وهو لفظ فارسي معناه صاحب الحد ، ومرز هو الحد ، وبان
صاحب ، وهو في الأصل اسم لمن كان دون الملك .
١ لي : في تاریخ نيسابور ؛ ر : في تاريخه .
٤٢٧ - ترجمته في طبقات الشيرازي، الورقة: ٣٤ وطبقات السبكي ٢: ٢٤٥ وتاريخ بغداد ١١:
٣٢٥ والشذرات ٣: ٥٦؛ وما هنا مطابق لما في المسودة.
٢٨١

٤٢٨
الماوردي
أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري ، المعروف بالماوردي ، الفقيه
الشافعي ؛ كان من وجوه الفقهاء الشافعية ومن كبارهم ، أخذ الفقه عن أبي
القاسم الصَّيْمري١ بالبصرة ، ثم عن الشيخ أبي حامد الإسفرايني ببغداد ، وكان
حافظاً للمذهب وله فيه كتاب ((الحاوي)) الذي لم يُطالعه أحد إلا وشهد له
بالتْبَحُر والمعرفة التامة بالمذهب . وفُوَّضَ إليه القضاء ببلدان كثيرة ،
واستوطن بغداد في درب الزَّعفراني وروى عنه الخطيب أبو بكر صاحب
((تاريخ بغداد ))٢ وقال: كان ثقة.
وله من التصانيف غير ((الحاوي)) ((تفسير القرآن الكريم))٣ و((النكت
والعيون)) و((أدب الدين والدنيا)) و((الأحكام السلطانية)) و((قانون الوزارة))
و ((سياسة الملك)) و((الإقناع)) في المذهب ، وهو مختصر، وغير ذلك،
وصنف في أصول الفقه والأدب وانتفع الناس به .
وقيل : إنه لم يُظهر شيئاً من تصانيفه في حياته ، وإنما جمع كلها في موضع ،
فلما دنت وفاته قال لشخص يثق إليه : الكتب التي في المكان الفلاني كلها
تصنيفي ، وإنما لم أظهرها لأني لم أجد نية خالصة لله تعالى لم يَشُبْها كدر ،
فإن عاينتُ الموتَ ووقعت في النزع فاجعل يدك في يدي ، فإن قبضت عليها
وعصرتها فاعلم أنه لم يُقبل مني شيء منها ، فاعمد إلى الكتب وألقِها في دجلة
٤٢٨ - ترجمته في طبقات السبكي ٣: ٣٠٣ واللباب: (الماوردي) وطبقات الشيرازي ، الورقة :
٣٩ والمنتظم ٨: ١٩٩ وميزان الاعتدال ٣: ١٠٥ وطبقات المفسرين: ٢٥ والشذرات ٣:
٢٨٥؛ وأوردت المسودة هذه الترجمة كاملة .
١ وضع فوق الميم في المسودة فتحة وضمة وكتب فوقهما « معاً)).
٢ تاريخ بغداد ١٢ : ١٠٢ .
٣ ر: سماه النكت والعيون .
٢٨٢

ليلاً ، وإن بسطت يدي ولم أقبض على يدك فاعلم أنها قبلت وأني قد ظفرت بما
كنت أرجوه من النية الخالصة . قال ذلك الشخص : فلما قارب الموت وضعت
يدي في يده فبسطها ولم يقبض على يدي ، فعلمت أنها علامة القبول ، فأظهرت
كتبه بعده .
وذكر الخطيب في أول ((تاريخ بغداد))١ عن الماوردي المذكور، قال:
كتب أخي إليّ من البصرة وأنا ببغداد :
طيب الهواء ببغداد يُشَوّقني قدماً إليها وإن عاقَتْ مقاديرُ
طيب الهواءين ممدود ومقصورٌ
فكيف صبريَ عنها الآن إذ جمَعَتْ
وقال أبو العز أحمد بن عبيد الله بن كادش : أنشدني أبو الحسن الماوردي ،
قال : أنشدنا أبو الخير الكاتب الواسطي بالبصرة لنفسه :
جرى قلم القضاء بما يكونُ فسيّانِ التحرُّكُ والسكونُ
جنونٌ منك أن تسعى لرزقٍ ويُرزق في غشاوته الجنينُ
ويقال إن أبا الحسن الماوردي لما خرج من بغداد راجعاً إلى البصرة كان ينشد
أبيات العباس بن الأحنف - المقدم ذكره - وهي٢ :
أقمنا كارهين لها فلا ألِفِناها خرَجنا مكرهينا
أُمَرُ العيشَ فرقَةُ من ھَوينا
وما حُبُّ البلاد بنا ولكن
وخلفتُ الفؤاد بها رهينا
خرجتُ أقرَّ ما كانت لعيني
وإنما قال ذلك لأنه من أهل البصرة وما كان يؤثر مفارقتها ، فدخل بغداد
كارهاً لها ثم طابت له بعد ذلك ونسي البصرة فشق عليه فراقها ، وقد قيل إن
هذه الأبيات لأبي محمد المزني الساكن بما وراء النهر، كذا قال السمعاني، والله أعلم.
١ تاريخ بغداد ١ : ٥٤ .
٢ انظر تاريخ بغداد ١ : ٥٣ وديوان العباس: ٢٨٠.
٢٨٣

وتوفي يوم الثلاثاء سلخ شهر ربيع الأول سنة خمسين وأربعمائة ، ودفن من
الغد في مقبرة باب حرب ببغداد ، وعمره ست وثمانون سنة ، رحمه الله تعالى.
والماوردي : نسبة إلى بيع الماورد ، هكذا قاله الحافظ ابن السمعاني .
٤٢٩
أبو الحسن الأشعري
أبو الحسن علي بن إسماعيل بن أبي بشر إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله
ابن موسى بن بلال بن أبي بُرْدَةَ عامر بن أبي موسى الأشعري صاحب رسول الله،
صلى الله عليه وسلم ؛ هو صاحب الأصول والقائم بنُصْرة مذهب السنّة، وإليه
تنسب الطائفة الأشعرية ، وشهرته تغني عن الإطالة في تعريفه ، والقاضي أبو
بكر الباقلاني ناصر مذهبه ومؤيد اعتقاده ، وكان أبو الحسن يجلس أيام الجمع في
حلقة أبي إسحاق المروزي الفقيه الشافعي في جامع المنصور ببغداد . ومولده
سنة سبعين ، وقيل ستين ومائتين بالبصرة . وتوفي سنة نيف وثلاثين وثلثمائة ،
وقيل : سنة أربع وعشرين وثلثمائة ، وقيل : سنة ثلاثين [ فجأة ]١ - حكاه
ابن الهمذاني في (( ذيل تاريخ الطبري ))٢ ببغداد ودفن بين الكرخ وباب البصرة ،
رحمه الله تعالى .
[قال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في كتاب ((تبيين كذب المفتري فيما
٤٢٩ - ترجمته في الأنساب ١: ٢٦٦ وتاريخ بغداد ١١: ٣٤٦ والمنتظم ٦: ٣٣٢ وطبقات
السبكي ٢: ٢٤٥ والجواهر المضية ١: ٣٥٣ والخطط المقريزية ٢: ٣٥٩ والديباج المذهب:
١٩٣ والبداية والنهاية ١١: ١٨٧ وعبر الذهبي ٢ : ٢٠٢؛ وتبيين كذب المفتري لابن
عساكر في الدفاع عنه .
١ فجأة : لم ترد في المسودة .
٢ تكملة تاريخ الطبري : ١٣٠.
٢٨٤

نسب للشيخ أبي الحسن الأشعري))١ - بعد أن حكى في تاريخ وفاته أقوالاً -:
وقال بعض البصريين : مات سنة ثلاث وثلاثين ، وهذا القول أراه صحيحاً ،
والأصح أنه مات سنة أربع وعشرين ، وكذلك ذكره أبو بكر ابن فورك ؛
انتهى]٢ .
وقد تقدم ذكر جده أبي بردة في أول حرف العين .
والأشعري : بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة وفتح العين المهملة وبعدها
راء ، هذه النسبة إلى أشْعَرَ، واسمه نبت بن أدد بن زيد بن يَشْجُبَ،
وإنما قيل له أشعر لأن أمه ولدته والشَّعْرُ على بدنه، هكذا قاله السمعاني ،
والله أعلم .
وقد صنف الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في مناقبه مجددا٣ً .
وكان٤ أبو الحسن الأشعري أولاً معتزلياً، ثم تاب من القول بالعَدْل وخَلْق
القرآن في المسجد الجامع بالبصرة يوم الجمعة ، ورقي كرسيّاً ونادى بأعلى صوته :
من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا أعرّفه بنفسي ، أنا فلان بن فلان ،
كنت أقول بخلق القرآن وأن الله لا تراه الأبصار وأن أفعال الشر أنا أفعلها ،
وأنا تائب مقلع ، معتقد للرد على المعتزلة مخرج لفضائحهم ومعايبهم .
وكان فيه دُعابة ومزاح كثير، وله من الكتب كتاب (( اللمع)) وكتاب
((الموجز)) وكتاب ((إيضاح البرهان)) وكتاب (( التبيين عن أصول الدين))
وكتاب ((الشرح والتفصيل في الرد على أهل الإفك والتضليل)) وهو صاحب
الكتب في الرد على الملاحدة وغيرهم من المعتزلة والرافضة والجهمية والخوارج ،
وسائر أصناف المبتدعة .
١ التبيين : ١٤٦ - ١٤٧ والنقل غير دقيق .
٢ ما بين معقفين زيادة من ر .
٣ هو تبيين كذب المفتري، المذكور آنفاً. وعند هذا الموضع انتهت الترجمة في س وبها ينتهي
الجزء الاول من هذه المخطوطة ، وفي آخره : بلغ مقابلة وتصحيحاً بالنسخة الكبرى ولله الحمد ؛
وعند هذا الموضع أيضاً تنتهي الترجمة في ل لي م .
٤ من هنا إلى آخر الترجمة ورد في ر، وكتب في المسودة في موضعه « هاهنا التخريجة».
٢٨٥
١

ودفن في مشرعة الروايا في تربة إلى جانبها مسجد وبالقرب منها حمام وهو
عن يسار المار من السوق إلى دجلة . وكان يأكل من غَلَّة ضَيْعة وقَفَها جده
بلال بن أبي بردة ابن أبي موسى على عقبه ، وكانت نفقته في كل يوم سبعة عشر
درهماً ، هكذا قاله الخطيب . وقال أبو بكر الصيرفي : كانت المعتزلة قد رفعوا
رؤوسهم حتى أظهر الله الأشعري فجحرهم في أقماع السمسم. وقال أبو محمد علي
ابن حزم الأندلسي : إن أبا الحسن له من التصانيف خمسة وخمسون تصنيفاً ! .
٤٣٠
الكيا الهراسي
أبو الحسن علي بن محمد بن علي الطبري ، الملقب عماد الدين ، المعروف بالكِيا
الهراسي الفقيه الشافعي ؛ كان من أهل طبرستان ، وخرج إلى نيسابور وتفقه
على إمام الحرمين أبي المعالي الجُوَيْنِي مدة إلى أن برع ، وكان حسن الوجه
جهوري الصوت فصيح العبارة حلو الكلام ، ثم خرج من نيسابور إلى بَيْهَقَ
ودرَّس بها مدة، ثم خرج٢ إلى العراق وتولى تدريس المدرسة النظامية ببغداد
إلى أن توفي .
وذكره الحافظ عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي - المقدم ذكره٣ - في
((سياق تاريخ نيسابور»٤ فقال: كان من رؤوس مُعِيدي إمام الحرمين في
١ ر : خمسة عشر تصنيفاً.
٤٣٠ - ترجمته في تبيين كذب المفتري: ٢٨٨ والمنتظم ٩: ١٦٧ ومرآة الزمان : ٣٧ وابن
الأثير ١٠: ٤٨٤ وطبقات السبكي ٤: ٢٨١ وعبر الذهبي ٤: ٨ والشذرات ٤ : ٨.
٢ ر : إلى أن خرج .
٣ انظر الترجمة رقم : ٤٠٢ .
٤ انظر Histories (المختصر الاول، الورقة: ٧٢).
.
٢٨٦

الدرس . وكان ثاني أبي حامد الغزالي، بل آصل وأصلح وأطيب في الصوت
والنظر ، ثم اتصل بخدمة مجد الملك بَرْكيارُوقَ بن ملك شاه السلجوقي -
المذكور في حرف الباء١ - وحظي عنده بالمال والجاه وارتفع شأنه، وتولى
القضاء بتلك الدولة ، وكان محدثاً يستعمل الأحاديث في مناظراته ومجالسه .
ومن كلامه : إذا جالَتْ فُرْسان الأحاديث في ميادين الكفاح ، طارت رؤوس
المقاييس في مَهاب٢ الرياح.
وحدث الحافظ أبو طاهر السّلَفي قال : استفتيت شيخنا أبا الحسن
المعروف بالكيا الهراسي ببغداد في سنة خمس وتسعين وأربعمائة لكلام جرى
بيني وبين الفقهاء بالمدرسة النظامية، وصورة الاستفتاء: (( ما يقول الإمام وفَّقه
الله تعالى في رجل أوصى بثلث ماله العلماء والفقهاء ، هل تَدْخُلُ كَتَبَةُ
الحديث تحت هذه الوصية أم لا؟)) فكتب الشيخ تحت السؤال (( نعم ، كيف
لا وقد قال النبي ، صلى الله عليه وسلم : من حفظ على أُمتي أربعين حديثاً
من أمر دينها بعثه الله يوم القيامة فقيهاً عالماً ؟))
وسئل الكيا أيضاً عن يزيد بن معاوية فقال : إنه لم يكن من الصحابة لأنه
ولد في أيام٣ عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، وأما قول السلف ففيه لأحمد
قولان تلويح وتصريح ، ولمالك قولان تلويح وتصريح ، ولأبي حنيفة قولان
تلويح وتصريح ، ولنا قول واحد التصريح دون التلويح ، وكيف لا يكون
كذلك وهو اللاعب بالفرد والمتصيد بالفهود ومدمن الخمر ، وشعره في الخمر
معلوم ، ومنه قوله :
وداعي صَبَاباتِ الهَوَى يترَنَّمُ
أَقُولُ لصحْبٍ ضَمَّتِ الكاسُشْلَهُمْ
فكلٌّ وإن طالَ المدى يتَصَرَّم
خُذوا بنصيبٍ من نَعيمٍ ولذةٍ
فربَّ غَدٍ يأتي بما ليسَ يُعلَم]؛
[ولا تترُكوا يومَ السُّرُورِ إلى غدٍ
١ انظر الجزء الاول : ٢٦٨.
٢ لي : مهب .
٣ لي : زمان .
٤ لم يرد البيت في المخطوطات؛ والأبيات الثلاثة في تمام المتون: ٨٢.
٢٨٧

وكتب فصلاً طويلاً، ثم قلب الورقة وكتب : لو مُدِدْتُ ببياضٍ لمددْت
العنان في مخازي١ هذا الرجل ؛ وكتب فلان بن فلان .
وقد أفتى الإمام أبو حامد الغزالي، رحمه الله تعالى ، في مثل هذه المسألة
بخلاف ذلك ، فإنه سئل عمن صرح بلعن يزيد٢ : هل يحكم بفسقه أم هل يكون
ذلك مرخصاً فيه؟ وهل كان مريداً قتلَ الحسين، رضي الله عنه، أم كان قصده
الدفع؟ وهل يسوغ الترحم عليه أم السكوت عنه أفضل؟ يُنعم بإزالة الاشتباه
مثاباً ، فأجاب : لا يجوز لعن المسلم أصلاً، ومن لعن مسلماً فهو الملعون، وقد قال
رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ((المسلم ليس بلَعَّانٍ)) وكيف يجوز لعن المسلم
ولا يجوز لعن البهائم وقد ورد النهي عن ذلك ، وحرمة المسلم أعظم من حرمة
الكعبة بنص النبي، صلى الله عليه وسلم. ويزيد صَحَّ إسلامه، وما صح قتله
الحسين ، رضي الله عنه، ولا أمره ولا رضاه بذلك ، ومهما لم يصح ذلك منه
لا يجوز أن يظن ذلك به فإن إساءة الظن بالمسلم أيضاً حرام ، وقد قال تعالى
﴿اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ﴾ ( الحجرات: ١٢) وقال النبي،
صلى الله عليه وسلم: ((إن الله حَرَّمَ من المسلم دمه وماله وعرضه وأن يظن به
ظن السوء)) ومن زعم أن يزيد أمر بقتل الحسين ، رضي الله عنه ، أو رضي به
فينبغي أن يُعلم به غاية حماقة، فإن من قتل من الأكابر والوزراء والسلاطين في
عصره لو أراد أن يعلم حقيقة من الذي أمر بقتله ومن الذي رضي به ومن الذي
كرهه لم يقدر على ذلك ، وإن كان قد قتل في جواره وزمانه وهو يشاهده ،
فكيف لو كان في بلد بعيد وزمن قديم قد انقضى ، فكيف يُعلم ذلك فيما انقضى
عليه قريب من أربعمائة سنة في مكان بعيد ؟ وقد تطرق التعصب في الواقعة
فكثرت فيها الأحاديث من الجوانب ، فهذا أمرٌ لا تعرف حقيقته أصلاً ، وإذا
لم يُعرف وجب إِحسان الظن بكل مسلم يمكن إحسان الظن به، ومع هذا
فلو ثبت على مسلم أنه قتل مسلماً فمذهب أهل الحق أنه ليس بكافر ، والقتل
ليس بكفر بل هو معصية ، وإذا مات القاتل فربما مات بعد التوبة ، والكافر
١ لي : خزي .
٢ م: وسئل الغزالي هل يجوز لعن يزيد وقد فعل كذا وكذا فأجاب.
-
٢٨٨

لو تاب من كفره لم تجز لعنته ، فكيف من تاب عن قتل؟ وبِمَ يعرف أن
قاتل الحسين، رضي الله عنه، مات قبل التوبة؟ وهو الذي يقبل التوبة عن عباده،
فإذن لا يجوز لعن أحد ممن مات من المسلمين ، ومن لعنه كان فاسقاً عاصياً لله
تعالى، ولو جاز لعنه فسكت لم يكن عاصياً بالإجماع ، بل لو لم يلعن إبليس
طول عمره لا يقال له يوم القيامة : لِمَ لم تلعن إبليس، ويقال للاعن: لم لعنت ؟
ومن أين عرفت أنه مطرود ملعون ؟ والملعون هو المبعد من الله عز وجل ،
وذلك غيب لا يعرف إلا فيمن مات كافراً فإن ذلك علم بالشرع ، وأما الترحم
عليه فهو جائز، بل هو مستحب، بل هو داخل في قولنا في كل صلاة (( اللهم
اغفر للمؤمنين والمؤمنات)) فإنه كان مؤمناً ، والله أعلم ؛ كتبه الغزالي .
وكانت ولادة الكِيا في ذي القعدة سنة خمسين وأربعمائة . وتوفي يوم الخميس
وقت العصر مستهلَّ المحرم سنة أربع وخمسمائة ببغداد ، ودفن في تربة الشيخ
أبي إسحاق الشيرازي ، رحمه الله تعالى ، وحضر دفنه الشيخ أبو طالب الزيني
وقاضي القضاة أبو الحسن ابن الدامغاني ، وكانا مقدمي الطائفة الحنفية ، وكان
بينه وبينهما في حال الحياة مُنافسة ، فوقف أحدهما عند رأسه والآخر عند
رجليه ، فقال ابن الدامغاني متمثلاً :
وما تُغْنِي النَّوادِب والبواكي وقد أصبَحتَ مثلَ حديثٍ أمس
وأنشد الزيني متمثلاً أيضاً :
عَقِمَ النساءُ فما يَلِدنَ شبيههُ إِن النساءَ بمثله عُقْمُ
ولم أعلم لأي معنى قيل له الكيا، وفي اللغة العجمية الكيا هو الكبير القدر
المقدم بين الناس ، وهو بكسر الكاف وفتح الياء المثناة من تحتها وبعدها ألف .
وكان في خدمته بالمدرسة النظامية أبو إسحاق إبراهيم بن عثمان الغَزِّي
الشاعر المشهور - المقدم ذكره في حرف الهمزة١ - فرقاه ارتجالاً بهذه الأبيات
على ما حكاه الحافظ ابن عساكر في تاريخه الكبير ، وهي :
: ١ انظر المجلد الاول : ٥٧ .
١٩ - ٣
٢٨٩

لوْ كانَ يُنْجِي عِلُوْ مِنْ بَوائِقها
قلْ للجَبَانِ الذي أمْسى على حَذَرٍ
بكى على شمسِهِ الإسلامُ إِذْ أَفَلَتْ
حَبْرٌ عَهَدْناهُ طَلَقَ الوَجْهِ مُبْتَسِماً
لئن طوَتْهُ المنايا تحتَ أخمصِها
سَقى ثراك عمادَ الدين كلَّ ضحِّى
عند الورى من أسّى أيقنته خَبَرٌ
أحيا ابن إدريسَ دَرْسٌ كنت تُوردهُ
مَنْ فازَ مِنْهُ بتعليقٍ فقد عَلِقَتْ
كأنما مشكلاتُ الفقه يُوضِحها
ولو عرفتُ له مِثْلًاً دعوتُ لهُ
هيَ الحوادِثُ لا تُبْقي ولا تَذَرُ ما للبرِيّةِ مِنْ مَحْتومِها وَزَرُ
لم تُكسِّ الشمسُ بل لم يُحسَفِ القمر
مِنَ الحِمامِ متىُ رَدَّ الرّدّى الحَذَر
بأدْمُعِ قَلَّ في تَشبيهِها المَطَر
والبِشْرُ أَحْسَنُ ما يُلقَى بِهِ البَشَر
فعِلِمُهُ الجمّ في الآفاقِ منتَشِير
صَوْبَ الغمامِ مُلِثُ الوَدْقِ مُنْهَمِرا
فهل أناك من استِيحاشِهِمْ خبر
تَحارُ في نظمهِ الأذهانُ والفِكر
يمينهُ بشِهابٍ ليس يَنكَدِر
جِياهُ دُهْمٍ لها من لفظه غُرر
وقلت دهري إلى شرواه٢ مُفْتَقِر
٤٣١
الحافظ المقدسي
أبو الحسن علي بن الأنجب أبي المكارم المفضل بن أبي الحسن علي بن أبي الغيث
مفرج بن حاتم بن الحسن بن جعفر بن إبراهيم بن الحسن اللخمي المقدسي الأصل ،
الاسكندراني المولد والدار ، المالكي المذهب ؛ كان فقيهاً فاضلاً في مذهب الإمام
١ هنا تنتهي الترجمة في لي .
٢ شرواه : نظيره؛ وقد سقط البيتان الأخيران من س .
٤٣١ - ترجمته في تذكرة الحفاظ: ١٣٩٠ والبدر السافر، الورقة: ٣٣ وعبر الذهبي ٥ : ٣٨
والشذرات ٥ : ٤٧ وفيل الابتهاج (بهامش الديباج): ٢٠٠ .
٢٩٠

مالك ، رضي الله عنه ، ومن أكابر الحفاظ المشاهير في الحديث وعلومه ١ ،
صحب الحافظ أبا الطاهر السَّلَفي الأصبهاني نزيل الاسكندرية، رحمه الله تعالى،
وانتفع به ، وصحبه شيخنا الحافظ العلامة زكي الدين أبو محمد عبد العظيم بن
عبد القوي بن عبد الله المنذري ، ولازم صحبته وبه انتفع وعليه تخرج ، وذكر
عنه فضلاً غزيراً وصلاحاً كثيراً، وأنشدني له مقاطيع عديدة ؛ فما أنشدني
قال ، أنشدني الحافظ أبو الحسن المقدسي المذكور لنفسه :
تجاوَزْتُ ستِّينِ مِنْ مَوَلِدِي فَأَسْعَدُ أيّامِيَ المُشتَرَكْ
يسائلني زائري حالتي وما حال منْ حَلَّ في المُعترك
وأنشدني أيضاً قال ، أنشدني الحافظ لنفسه٢ :
أيا نفسُ بالمأثورِ عن خيرِ مِرْسَلٍ وأصحابهِ والتابعينَ تَمَسَّكي
بما طاب من نَشْرٍ له أن تمسكي
عساكِ إِذا بالفْتِ في نشر دينه
وخافي غداً يومَ الحساب جهنماً إذا لفحتْ نيرانُها أن تمسكٍ
وأنشدني أيضاً قال ، أنشدني لنفسه :
ثلاثُ باءات بُلينا بها: البَقُّ والبُرْغوثُ والبَرْغَشُ
ثلاثةٌ أَوْحَشُ ما في الوَرى ولستُ أدْري أيها أَوْحشُ
وأنشدني أيضاً قال ، أنشدني لنفسه :
ولَمْياءَ تحي من تُحَيِّي بريقها كأنَّ مزاج الراحِ بالمسكِ في فِيها
وما ذُقْتُ فاها غيرَ أني رَوَيْتُهُ عنِ الثقةِ المِسواك وهْوَ موافِيها
وهذا معنى مستعمل قد سار في كثير من أشعار المتقدمين والمتأخرين ، فمن
......
١ لي: وفي العلوم ؛ ر : والعلوم .
٢ سقطت الأبيات التالية من ل .
٢٩١

ذلك قول بشار بن برد من جملة أبيات١:
يا أطيب الناس ريقاً غيرَ مختبر إلا شهادة أطرافٍ المساويك
وقول الأبيوردي من جملة أبيات :
وأخبرني أتْرابُها أن ريقها على ما حكى عُودُ الأراك لذيذُ
ونقتصر على هذا القدر .
وكان الحافظ المذكور ينوب في الحكم بثغر الاسكندرية المحروس ، ودرّس
به بالمدرسة المعروفة به هناك ، ثم انتقل إلى مدينة القاهرة المحروسة ودرّس بها
بالمدرسة الصاحبية ، وهي مدرسة الوزير صفي الدين أبي محمد عبد الله بن علي
المعروف بابن شكر ، واستمر بها إلى حين وفاته .
وكانت ولادته ليلة السبت الرابع والعشرين من ذي القعدة سنة أربع
وأربعين وخمسمائة بالثغر المحروس . وتوفي يوم الجمعة مستهلَّ شعبان سنة إحدى
عشرة وستمائة بالقاهرة ، رحمه الله تعالى .
(112) وتوفي٢ والده القاضي الأنجب أبو المكارم المفضل في رجب سنة أربع
وثمانين وخمسمائة ، وكان مولده في سنة ثلاث وخمسمائة ، رحمهما الله تعالى .
والمَقدسي : بفتح الميم وسكون القاف وكسر الدال المهملة وفي آخرها سين
مهملة ، هذه النسبة إلى بيت المَقدِس .
واللخمي : تقدم الكلام عليه .
١ ديوانه (ط.بيروت) : ١٧٣.
٢ عند هذا الموضع في المسودة («هاهنا التخريجة)»، حتى قوله: («رحمهما الله تعالى))، وقد ثبت
في ر .
٢٩٢

٤٣٢
السيف الآمدي
أبو الحسن علي بن أبي علي بن ١ محمد بن سالم التغلبي٢ الفقيه الأصولي ، الملقب
سيف الدين الآمدي ؛ كان في أول اشتغاله حنبلي المذهب ، وانحدر إلى بغداد
وقرأ بها على ابن المني أبي الفتح نصر بن فتيان الحنبلي٣ ، وبقي على ذلك مدة
ثم انتقل إلى مذهب الإمام الشافعي ، رضي الله عنه ، وصحب الشيخ أبا القاسم
ابن فَضْلان واشتغل عليه في الخلاف وتميز فيه ، وحفظ طريقة الشريف وزوائد
طريقة أسعد الميهني - المقدم ذكره٤ - ثم انتقل إلى الشام واشتغل بفنون
المعقول وحفظ منه الكثير وتمهر فيه وحَصَّل منه شيئاً كثيراً، ولم يكن في
زمانه أحفظ منه لهذه العلوم . ثم انتقل إلى الديار المصرية وتولى الإعادة بالمدرسة
المجاورة لضريح الإمام الشافعي ، رضي الله عنه ، التي بالقرافة الصغرى، وتصدر
بالجامع الظافري بالقاهرة مدة ، واشتهر بها فضله واشتغل عليه الناس وانتفعوا
به ، ثم حسده جماعة من فقهاء البلاد وتعصبوا عليه ونسبوه إلى فساد العقيدة
وانحلال الطوية والتعطيل ومذهب الفلاسفة والحكماء ، وكتبوا محضراً يتضمن
ذلك ، ووضعوا فيه خطوطهم بما يستباح به الدم ؛ وبلغني عن رجل منهم فيه
عقل ومعرفة أنه لما رأى تحاملهم عليه وإفراط التعصب كتب في المحضر وقد
حمل إليه ليكتب فيه مثل ما كتبوا فكتب :
٤٣٢ - ترجمته في طبقات السبكيه: ١٢٩ ولسان الميزان ٣: ١٣٤ وعبر الذهبيه : ١٢٤
والشذراته : ١٤٤؛ وهذه الترجمة مستوفاة في المسودة .
١ كذا في ربي والمسودة والسبكي، بثبوت لفظة («ابن» هنا. وسقط أكثر النسب من س ل.
٢ هكذا في المسودة ، وفي ر لي م والمصادر : الثعلبي .
٣ كتب بعده في س ل: الآتي ذكره إن شاء الله تعالى، والعبارة في المسودة مشطوبة ، مما يدل
على أن المؤلف عدل عن إيراد ترجمته وعرَّف به في هذه الترجمة .
؛ انظر المجلد الأول : ٢٠٧.
٢٩٣

حَسَدُوا الفتى إذ لم ينالوا سعْيَهُ فالقومُ أعداءٌ له وخُصُومُ
والله أعلم ، وكتب فلان بن فلان . ولما رأى سيف الدين تألبهم عليه وما
اعتمدوه في حقه ، ترك البلاد وخرج منها مستخفياً وتوصل إلى الشام ،
واستوطن مدينة حماة .
وصنف في أصول الفقه والدين والمنطق والحكمة والخلاف ، وكل تصانيفه
مفيدة. فمن ذلك كتاب ((أبكار الأفكار)) في علم الكلام١ واختصره في كتاب
سماه ((منائح القرائح)) و((رموز الكنوز)) وله ((دقائق الحقائق)) و((لباب
الألباب)) و((منتهى السول في علم الأصول))، وله طريقة في الخلاف ، ومختصر
في الخلاف أيضاً ، وشرح جدل الشريف ، وله مقدار عشرين تصنيفاً .
وانتقل إلى دمشق ودرّس بالمدرسة العزيزية وأقام بها زماناً ، ثم عزل عنها
لسبب اتهم فيه وأقام بطالاً في بيته . وتوفي على تلك الحال في رابع صفر يوم
الثلاثاء سنة إحدى وثلاثين وستمائة ودفن بسفح جبل قاسيون . وكانت ولادته
في سنة إحدى وخمسين وخمسمائة ، رحمه الله تعالى .
والآمدي : بالهمزة الممدودة والميم المكسورة وبعدها دال مهملة، هذه النسبة
إلى آمد ، وهي مدينة كبيرة في ديار بكر مجاورة لبلاد الروم٢ .
(113) وكان أبو الفتح نصر بن فتيان بن المني المذكور٣ فقيهاً محدثاً ، انتفع
به جماعة كبيرة . ومولده سنة إحدى وخمسمائة ، وتوفي خامس شهر رمضان
سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة ، رحمه الله تعالى .
........
.....
١ لي س : في الحكمة .
٢ هنا تنتهي الترجمة في س ل م .
٣ كان فقيه العراق وشيخ الحنابلة في عصره، وكان زاهداً ورعاً متعبداً على منهاج السلف (عبر
الذهبي ٤: ٢٥١ وذيل ابن رجب : ٣٥٨).
٢٩٤
٠

٤٣٣
الكسائي
أبو الحسن علي بن حمزة بن عبد الله بن بهمن١ بن فيروز، الأسدي بالولاء
الكوفي المعروف بالكسائي ؛ أحد القراء السبعة ٢، كان إماماً في النحو واللغة
والقراءات ، ولم تكن له في الشعر يد ، حتى قيل : ليس في علماء العربية
أجهل من الكسائي بالشعر؛ وكان يؤدب الأمين بن هارون الرشيد ويعلمه الأدب،
ولم يكن له زوجة ولا جارية ، فكتب إلى الرشيد يشكو العزبة في هذه
الأبيات :
قل للخليفة ما تقول لمن أمسى إليك بحرمة يُدْلي
عَبْدي يدي ومطيقي رجلي
ما زلت مذ صار الأمين معي
من نومتي وقيامُهُ(٣ قبلي
وعلى فراشي مَنْ ينبهني
موفورة مني بلا رجل؛
أسعى برجل منه ثالثة
قدام سرجي راكب° مثلي
وإذا ركبت أكون مرتدفاً
فامنن علي بما يسكنه عني وأهْدِ الغمد للنَّصْلِ
فأمر له الرشيد بعشرة آلاف درهم وجارية حسناء يجميع آلاتها وخادم
وبرذون يجميع آلته .
٤٣٣ - ترجمته في انباه الرواة ٢: ٢٥٦ وفي الحاشية ذكر لعدد كبير من المصادر الأخرى؛ وانظر
نور القبس: ٢٨٣ وصفحات كثيرة من «مجالس العلماء)»؛ وقد وردت الترجمة بكاملها في المسودة.
١ بهمن : سقط من ل و ؛ س : عثمن الأسدي.
٢ زاد في س : وهو من ولد بهمن بن فيروز، وهو أصل المسودة لكنه شطب .
٣ نور القبس : بقيامه .
٤ نور القبس : نقصت زيادتها من الرجل .
• ر : راكباً .
٢٩٥

واجتمع يوماً بمحمد بن الحسن الفقيه الحنفي في مجلس الرشيد فقال الكسائي:
مَنْ تبَحّر في علم تهدَّى إِلى جميع العلوم ، فقال له محمد : ما تقول فيمن سَها
في سجود السهو ، هل يسجد مرة أخرى ؟ قال الكسائي : لا ، قال : لماذا ؟
قال : لأن النحاة تقول : التصغير لا يصغر، هكذا وجدت هذه الحكاية في عدة
مواضع؛ وذكر الخطيب في ((تاريخ بغداد))١ أن هذه القضية جرت بين محمد
ابن الحسن المذكور والفراء - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - وهما ابنا خالة ،
والله أعلم بالصواب .
رجعنا إلى بقية الحكاية :
فقال محمد : فما تقول في تعليق الطلاق بالملك ؟ قال : لا يصح ، قال : لم ؟
قال : لأن السيل لا يسبق المطر .
وله مع سيبويه وأبي محمد اليزيدي مجالس ومناظرات - سيأتي ذكر بعضها
في تراجم أربابها إن شاء الله تعالى .
روى الكسائي عن أبي بكر ابن عَيّاش وحمزة الزيات وابن عُيَينة وغيرهم
وروى عنه الفراء وأبو عُبَيد القاسِمُ بن سلام وغيرهما . وتوفي سنة تسع وثمانين
ومائة بالري وكان قد خرج إليها صحبة هارون الرشيد . قال السمعاني : وفي
ذلك اليوم توفي محمد بن الحسن المذكور بالريّ أيضاً - كما سيأتي في ترجمته إن شاء
الله تعالى - وكذا قال ابن الجوزي في ((شذور العقود))، توفي برَنْبَوَيْه٢ قرية
من قرى الريّ - ورنبويه مذكورة في ترجمة محمد بن الحسن - وقال السمعاني
أيضاً: وقيل إن الكسائي مات بطوس سنة اثنتين أو ثلاث وثمانين ومائة ، والله
أعلم ، ويقال إن الرشيد كان يقول : دفنت الفقه والعربية بالري .
والكسائي : بكسر الكاف وفتح السين المهملة وبعدها ألف ممدودة ، وإنما
قيل له الكسائي لأنه دخل الكوفة وجاء إلى حمزة بن حبيب الزيات وهو ملتف
١ تاريخ بغداد ١٤ : ١٥١ .
٢ تصحفت في النسخ كثيراً، وأثبتنا ما في المسودة وضبط المؤلف .
٢٩٦

بكساء ، فقال حمزة : من يقرأ ؟ فقيل له : صاحب الكساء ، فبقي عليه١ ،
وقيل بل أحرم في كساء فنسب إليه ، رحمه الله تعالى .
٤٣٤
الدار قطني
أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي البغدادي الدار قطني الحافظ المشهور؛
كان عالماً حافظاً فقيهاً على مذهب الإمام الشافعي ، رضي الله عنه ، أخذ الفقه
عن أبي سعيد الإصطخري الفقيه الشافعي ، وقيل بل أخذه عن صاحب لأبي
سعيد، وأخذ القراءة عَرْضاً وسماعاً عن محمد بن الحسن النقاش وعليّ بن سعيد
القزاز ومحمد بن الحصين الطبري ومن في طبقتهم ، وسمع من أبي بكر ابن مجاهد
وهو صغير ، وانفرد بالإمامة في علم الحديث في دهره ، ولم ينازعه في ذلك أحد
من نظرائه ، وتصدّر في آخر أيامه للإقراء ببغداد . وكان عارفاً باختلاف الفقهاء
ويحفظ كثيراً من دواوين العرب ، منها ديوان السَّيِّد الحميري، فنسب إلى التشيّع
لذلك. وروى عنه الحافظ أبو نعيم الأصبهاني صاحب ((حلية الأولياء)» وجماعة
كثيرة ، وقبل القاضي ابن معروف شهادته في سنة ست وسبعين وثلثمائة ، فندم
على ذلك وقال : كان يقبل قولي على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بانفرادي،
فصار لا يقبل قولي على نقلي إلا مع آخر .
وصنف كتاب ((السنن)) و((المختلف والمؤتلف)» وغيرهما، وخرج من بغداد
١ لي : فبقي عليه لقب .
٤٣٤ - ترجمته في الأنساب ٥: ٢٧٣ واللباب: (الدارقطني) والمنتظم ٧ : ١٨٣ وتاريخ بغداد
١٢ : ٣٤ وطبقات السبكي ٢: ٣١٠ وتذكرة الحفاظ: ٩٩١ وعبر الذهبي ٣: ٢٨ وغاية
النهاية ١: ٥٥٨ والشذرات ٣: ١١٦ وصفحات متفرقة من الرسالة المستطرفة؛ وهذه الترجمة
بكاملها في المسودة .
٢٩٧

إلى مصر قاصد أبااً الفضل جعفر بن الفضل المعروف بابن حنزابة وزير كافور
الإخشيدي - المذكور في حرف الجيم١ - فإنه بلغه أن أبا الفضل عازم على
تأليف مسند فمضى إليه ليساعده عليه ، وأقام عنده مدة ، وبالغ أبو الفضل
في إكرامه وأنفق عليه نفقة واسعة وأعطاه شيئاً كثيراً وحصل له بسببه مال
جزيل٢ . ولم يزل عنده حتى فرغ المسند ، وكان يجتمع هو والحافظ عبد الغني
ابن سعيد - المقدم ذكره٣ - على تخريج المسند وكتابته إلى أن نجز .
وقال الحافظ عبد الغني المذكور؛ : أحسن الناس كلاماً على حديث رسول
الله، صلى الله عليه وسلم، ثلاثة: علي بن المديني° في وقته، وموسى بن هارون٦
في وقته ، والدارقطني في وقته .
وسأل الدار قطنيّ يوماً أحدُ أصحابه : هل رأى الشيخ مثل نفسه ؟ فامتنع
من جوابه، وقال: قال الله تعالى ﴿فلا تزكوا أنفسكم﴾ (النجم: ٣٢)
فألح عليه ، فقال : إن كان في فن واحد فقد رأيت مَنْ هو أفضل مني ،
وإن كان من اجتمع فيه ما اجتمع فيَّ فلا، وكان مفنّناً في علوم كثيرة وإماماً
في علوم القرآن .
وكانت ولادة الحافظ المذكور في ذي القعدة سنة ست وثلثمائة . وتوفي يوم
الأربعاء لثمان خلون من ذي القعدة ، وقيل ذي الحجة ، سنة خمس وثمانين
وثلثمائة ببغداد ، وصلى عليه الشيخ أبو حامد الإسفرايني الفقيه المشهور المقدم
ذكره . ودفن قريباً من مَعْرُوفٍ الكرخي ، في مقبرة باب الدير ، رحمه
الله تعالى .
والدارقطني : بفتح الدال المهملة وبعد الألف راء مفتوحة ثم قاف مضمومة
١ انظر المجلد الأول : ٣٤٦.
٢ ل : كثير .
٣ ترجمة الحافظ عبد الغني رقم : ٤٠١ .
٤ قارن بما في تذكرة الحفاظ : ٩٩٤ .
ه علي بن عبد الله بن جعفر الديني ولد سنة ١٦١ وتوفي بسامرا سنة ٢٣٤ (تذكرة الحفاظ :
٤٢٨) .
٦ موسى بن هارون الجمال الحافظ الحجة البغدادي محدث العراق، توفي سنة ٢٩٤ (تذكرة
الحفاظ : ٦٦٩).
٢٩٨

وبعدها طاء مهملة ساكنة ثم نون ، هذه النسبة إلى دار القُطن وكانت محلة
كبيرة ببغداد .
٤٣٥
الرماني
أبو الحسن علي بن عيسى بن علي بن عبد الله الرماني النحوي المتكلم ؛ أحد
الأئمة المشاهير ، جمع بين علم الكلام والعربية ، وله تفسير القرآن الكريم ، أخذ
الأدب عن أبي بكر ابن دُرَيد وأبي بكر ابن السّرّاج، وروى عنه أبو القاسم
التنوخي وأبو محمد الجوهري وغيرهما . وكانت ولادته ببغداد سنة ست
وتسعين ومائتين، وتوفي ليلة الأحد حادي عشر جمادى الأولى سنة أربع وثمانين،
وقيل اثنتين وثمانين وثلثمائة، رحمه الله تعالى؛ وأصله من سُرْ من رأى .
والرماني : بضم الراء وتشديد الميم وبعد الألف نون ، هذه النسبة يجوز أن
تكون إلى الرمان وبَيْعِه ، ويمكن أن تكون إلى قصر الرمان ، وهو قصر
بواسط معروف ، وقد نسب إلى هذا وهذا خلق كثير ، ولم يذكر١ السمعاني
أن نسبة أبي الحسن المذكور إلى أيهما ، والله أعلم .
٤٣٥ - ترجمته في انباه الرواة ٢ : ٢٩٤ ومعها ثبت بمصادر أخرى في الحاشية، وانظر أيضاً
الامتاع والمؤانسة ١ : ١٣٣؛ والترجمة كاملة في المسودة .
١ لي : ولم يدر .
٢٩٩

٤٣٦
الحوفي صاحب التفسير
أبو الحسن علي بن إبراهيم بن سعيد بن يوسف الحَوفي النحوي ؛ كان عالماً
بالعربية وتفسير القرآن الكريم ، وله تفسير جيد ، واشتغل عليه خلق كثير
وانتفعوا به ، ورأيت خطه على كثير من كتب الأدب قد قرئت عليه وكتب
لأربابها بالقراءة كما جرت عادة المشايخ . وتوفي بُكْرَةَ يوم السبت مستهل ذي
الحجة سنة ثلاثين وأربعمائة ، رحمه الله تعالى .
والحوفي : بفتح الحاء المهملة وسكون الواو وفي آخرها فاء ، هذه النسبة إلى
حَوْف ، قال السمعاني : ظني أنها قرية بمصر ، حتى قرأت في تاريخ البخاري
أنها من عمان منها أبو الحسن المذكور ، ثم قال : وكان عنده من تصانيف
النحاس أبي جعفر المصري قطعة كثيرة .
قلت : قوله قرية بمصر، ليس كذلك ، بل الناحية المعروفة بالشرقية التي
قَصبتها مدينة بُلْبَيس جميع ريفها يسمونه الحَوْف ، ولا أعلم ثم قرية يقال لها
حوف ، والله أعلم ، وأبو الحسن من حوف مصر١ .
وبعد أن فرغت من ترجمة أبي الحسن الحوفي على هذه الصورة ظفرت بترجمته
مفصلة ، وذلك أنه٢ من قرية يقال لها شُبْرا النجة٣ من أعمال الشرقية
٠٠٫٠٢٠٠
٤٣٦ - كتب المؤلف في المسودة عند هذه الترجمة: « له ترجمة في كتاب المنتظم فتنظر فيه في
موضعين)» وفوق هذا الكلام شطب خفيف جداً ، ولم أجد له ترجمة في الكتاب المذكور ،
وقد ترجم له القفطي في الانباه ٢: ٢١٩ وكتب المحقق أسماء مصادر أخرى في الحاشية ؛ ولم
تخلّ المسودة بشيء من هذه الترجمة.
١ انتهت الترجمة في م .
٢ هذا النقل متابع لما أورده القفطي.
٣ كذا بخط المؤلف وضبطه ، وكذلك ورد الأسم في س ر ل لي والقفطي؛ وقد ذكرها ابن دقماق
(الانتصار ٥ : ٦٢) كما أثبتها المؤلف .
٣٠٠
- --