النص المفهرس

صفحات 201-220

فإن كنتُ بالببغاء قِدماً ملقباً فكم لقبٍ بالجور لا العدل مُخْتَرَص
وبعدُ فما أخشى تقنّصَّ جارحٍ وقلبك لي وكرٌ ورأيك لي قفص
فانتهى الابتداء والجواب الى عضد الدولة فأعجب بها واستظرفهما ، وكان ذلك
أحد أسباب إطلاق أبي إسحاق من اعتقاله . ثم اتصلت بينهما المودة والكتابة .
وحكى القاضي أبو علي التنوخي قال: دخل أبو الفرج عبد الواحد الببغاء
على الوزير أبي نصر سابور بن أردشير وقد نثرت عليه دنانير وجواهر ، فأنشد
بديهاً :
نثروا الجواهرَ واللجينَ وليس لي شيء عليه سوى المدائح أنثرُ
بقصائدٍ كالدر" إن هيّ أُنشدت وثنا إذا ما فاح فهو العنبرُ]
ومن شعره :
يا سادتي هذه روحي تُوَدِّعكم إذ كان لا الصَّبرُ يُسْليها ولا الجَزَعُ
قد كنت أطمع في رَوْحِ الحياة لها فالآن إذ بنتُمُ لم يبقَ لي طَمَع
لا عَذْب الله روحي بالبقاء فما أظنُها بعدكم بالعيش تنتفع
وله٢ :
وأرأفُ بالمحبِّ المستَهامِ
خَيَالُكَ مِنكُ أعْرَفُ بالغرامِ
ولو يَسطيعُ حين حظَرْتَ نومي عليَّ لزار في غَيرِ المَنامِ
وله أيضاً :
خِلَعَ الملاحةِ طُرِّزَتْ بعذارِهِ
ومهفهفٍ لما اكتَسَتْ وجَنَاتُه
لما انتصرتُ على أليمِ جَفائِهِ بالقلب كان القلبُ من أنصاره
١ انفردت وبهذه الزيادة .
٢ سقط البيتان من ل .
٢٠١

كَمُلَتْ محاسنُ وجههِ فكأنما اقـ تبس الهلالُ النورَ من أنواره
وإذا ألحّ القلبُ في هِجرانهِ قال الهوى لا بدَّ منه فَداره
وله في التشبيه وقد أبدع فيه :
للناظرين أهلَّةً في الجالمَدِ
وكأنما نقشَتْ حوافرُ خيلهِ
جُعِلَ الغبارُ له مكانَ الإثمِدِ
وكأن طرفَ الشَّمس مظروفٌ وقد
وله في سعيد الدولة بن سيف الدولة بن حمدان :
لا غيثُ نعماه في الورى خُلَّبُ الب برق ولا وِرْدُ جوده وشَلُ
جاد إلى أنْ لم يُبْقِ نائلهُ مالاً ولم يَبْقَ للورى أُمَلُ
وقد سبق نظير هذا المعنى في شعر أبي نصر ابن نباتة السعدي. وأكثر
شعر أبي الفرج المذكور جيد ومقاصده فيه جميلة . وكان قد خدم سيف الدولة
ابن حَمْدان مدة ، وبعد وفاته تنقل في البلاد .
وتوفي يوم السبت سلخ شعبان سنة ثمان وتسعين وثلثمائة ، وقال الخطيب في
تاريخه : توفي في ليلة السبت لثلاث بقين من شعبان سنة ثمان وتسعين وثلثمائة، والله
أعلم، رحمه الله تعالى . وقال الثعالبي وسمعت الأمير أبا الفضل الميكاني يقول
عند صدوره من الحج ودخوله بغداد في سنة تسعين وثلثمائة : رأيت بها أبا
الفرج الببغاء شيخاً عالي السن متطاول الأمد ، قد أخذت الأيام من جسمه وقوته
ولم تأخذ من ظَرْقِهِ وأدبه .
والبَبَّغاء : بفتح الباء الأولى وتشديد الباء الثانية وفتح الغين المعجمة وبعدها
ألف ، وهو لقب ، وإنما لقب به لحسن فصاحته ، وقيل : للثغة كانت في لسانه.
ووجد بخط أبي الفتح ابن جني النحوي الففغاء ، بفاءين ، والله أعلم بالصواب .
٢٠٢

٣٩٢
أبو منصور البغدادي
الأستاذ أبو منصور عبد القاهر بن محمد البغدادي الفقيه الشافعي الأصولي
الأديب ؛ كان ماهراً في فنون عديدة خصوصاً علم الحساب ، فإنه كان متقناً له
وله فيه تواليف نافعة، منها كتاب (( التكملة))، وكان عارفاً بالفرائض والنحو ،
وله أشعار١، وذكره الحافظ عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي في (( سياق
تاريخ نيسابور))٢، وقال: (( ورد مع أبيه نيسابور، وكان ذا مال وثروة
وأنفقه على أهل العلم والحديث ولم يكتسب بعلمه مالاً، وصنف في العلوم وأربى
على أقرانه في الفنون ودرَّس في سبعة عشر فنّاً، وكان قد تفقه على أبي إسحاق
الإسفرايني وجلس بعده للإملاء في مكانه بمسجد عقيل فأملى سنين ، واختلف
إليه الأئمة فقرأُوا عليه، مثل ناصر المَرْوَزِي وزين الإسلام القُشَيري
وغيرهما )) .
وتوفي سنة تسع وعشرين وأربعمائة بمدينة إسفراين ، ودفن إلى جانب شيخه
الأستاذ أبي إسحاق ، رحمهما الله تعالى .
٣٩٢ - ترجمته في انباه الرواة ٢: ١٨٥ وطبقات السبكي ٣: ٢٣٨ وتبيين كذب المفتري: ٢٥٣
وبغية الوعاة: ٣١٠ والفوات ١ : ٦١٣؛ وما هنا مطابق لما في المسودة .
١ ر : أشعار كثيرة.
٢ انظر histories: (المختصر الأول، الورقة: ٠٠).
٢٠٣

٣٩٣
أبو النجيب السهروردي
أبو النجيب عبد القاهر بن عبد الله بن محمد بن عَمُّويَه ، واسمه عبد الله ، بن
سعد بن الحسين بن القاسم بن علقمة بن النضر بن معاذ بن عبد الرحمن بن القاسم بن
محمد بن أبي بكر الصديق ، رضي الله عنه ، الملقب ضياء الدين السُّهْرَ وَرْدِي .
وقال محب الدين بن النجار في ((تاريخ بغداد )): نقلت نسب الشيخ أبي النجيب
من خطه وهو : عبد القاهر بن عبد الله بن محمد بن عمويه ، واسمه عبد الله ، بن
سعد بن الحسين بن القاسم بن النضر بن سعد بن النضر بن عبد الرحمن بن القاسم
ابن محمد بن أبي بكر الصديق ، رضي الله عنه ، وإذا كان بخطه هكذا فهو أصح.
كان شيخ وقته بالعراق ، وولد بسُهْرَ وَرْدَ سنة تسعين وأربعمائة تقريباً ،
وقدم بغداد وتفقه بالمدرسة النظامية على أسعد الميهني - المقدم ذكره - وغيره ،
ثم سلك طريق الصوفية وحُبِّبَ إليه الانقطاع والعزلة فانقطع عن الناس مدة
مديدة ، وأقبل على الاشتغال بالعمل الله تعالى وبذل الجهد في ذلك ، ثم رجع
ودعا جماعة إلى الله تعالى، وكان يعظ ويذكر ، فرجع بسببه خلق كثير إلى الله
تعالى . وبنى رباطاً على الشط من الجانب الغربي ببغداد ، وسكنه جماعة من
أصحابه الصالحين ، ثم نُدِب إلى التدریس بالمدرسة النظامية فأجاب ودر ◌ّس بها
مدة، وظهرت بركته على تلامذته ، وكانت ولايته في السابع والعشرين من
المحرم سنة خمس وأربعين وخمسمائة ، وصُرف عنها في رجب سنة سبع وأربعين.
وروى عنه الحافظ أبو سعد السمعاني وذكره في كتابه .
وقدم الموصل مجتازاً إلى الشام لزيارة البيت المقدس في سنة سبع وخمسين
وخمسمائة ، وعقد بها مجلس الوعظ بالجامع العتيق ، ثم توجه إلى الشام فوصل إلى
٣٩٣ - ترجمته في طبقات السبكي ٤: ٢٥٦ ومعجم البلدان واللباب (سهرورد) وعبر الذهبي ٤ :
١٨١ والشذرات ٤: ٢٠٨؛ وما هنا مطابق لنص المسودة .
٢٠٤

دمشق ، ولم تتفق له الزيارة لانفساخ الهدنة بين المسلمين والفرنج ، خذلهم الله
تعالى ، فأكرم الملك العادل نور الدين محمود صاحب الشام مَورِده ، وأقام
بدمشق مدة يسيرة وعقد بها مجلس الوعظ وعاد إلى بغداد ، وتوفي بها يوم
الجمعة وقت العصر سابع عشر جمادى الآخرة سنة ثلاث وستين وخمسمائة ، ودفن
بكرة الغد في رباطه . وكان مولده تقديراً سنة تسعين وأربعمائة ، كذا ذكره
ابن أخيه شهاب الدين في مشيخته .
وهو عم شهاب الدين أبي حفص عمر السُّهْرَ وَرْدِي ، وسيأتي اسمه ،
رحمهما الله تعالى .
وعَمُّويَه : بفتح العين المهملة وتشديد الميم المضمومة وسكون الواو وفتح
الياء المثناة من تحتها .
وسُهْرَ وَرْدُ : بضم السين المهملة وسكون الهاء وفتح الراء والواو وسكون
الراء الثانية وفي آخرها دال مهملة، وهي بُليدة عند زَنْجانَ من عراق العجم.
٣٩٤
أبو القاسم القشيري
أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن طلحة بن محمد القُشَيِريُّ
الفقيه الشافعي ؛ كان علاًّمة في الفقه والتفسير والحديث والأصول والأدب
والشعر والكتابة وعلم التصوف ، جمع بين الشريعة والحقيقة ، أصله من ناحية
أُسْتُوا من العرب الذين قدموا خراسان ، توفي أبوه وهو صغير ، وقرأ الأدب
٣٩٤ - ترجمة القشيري في تاريخ بغداد ١١: ٨٣ ودمية القصر: ١٩٤ وتبيين كذب المفتري :
٢٧١ والمنتظم ٨: ٢٨٠ واللباب (قشيري) وتاريخ ابن الأثير ١٠: ٨٨ وانباه الرواة ٢ :
١٩٣ وطبقات السبكي ٣: ٢٤٣ والنجوم الزاهرة ٩١:٥ وطبقات المفسرين: ٢١ والشذرات
٣ : ٣١٩ وعبر الذهبي ٣ : ٢٥٩.
٢٠٥

في صباه ، وكانت له قرية مُثْقلة الخراج بنواحي أُستوا فرأى من الرأي
أن يحضر إلى نيسابور يتعلم طرفاً من الحساب ليتولى الاستيفاء ويحمي قريته من
الخراج ، فحضر نيسابور على هذا العزم ، فاتفق حضوره مجلس الشيخ أبي علي
الحسن بن علي النيسابوري المعروف بالدقاق ، وكان إمام وقته ، فلما سمع كلامه
أعجبه ووقع في قلبه ، فرجع عن ذلك العزم ، وسلك طريق الإرادة ، فقبله
الدقاق، وأقبل عليه، وتَفَرَّسَ فيه النجابة فجذبه بهمته، وأشار عليه
بالاشتغال بالعلم ، فخرج إلى درس أبي بكر محمد بن أبي بكر الطُّوسي ،
وشرع في الفقه حتى فرغ من تعليقه ، ثم اختلف إلى الأستاذ أبي بكر ابن
فورك ، فقرأ عليه حتى أتقن علم الأصول ، ثم تردد إلى الأستاذ أبي إسحاق
الإسفرايني، وقعد يسمع درسه أياماً، فقال الأستاذ: هذا العلم لا يحصّل بالسماع،
ولا بد من الضبط بالكتابة ، فأعاد عليه جميع ما سمعه منه تلك الأيام ، فعجب
منه وعرف محله فأكرمه ، وقال له : ما تحتاج إلى درس بل يكفيك أن تطالع
مصنفاتي ، فقعد وجمع بين طريقته وطريقة ابن فورك ، ثم نظر في كتب القاضي
أبي بكر ابن الطيب الباقلاني ، وهو مع ذلك يحضر مجلس أبي علي الدقاق ،
وزَوَّجَه ابنته مع كثرة أقاربها .
وبعد وفاة أبي علي سلك مسلك المجاهدة والتجريد وأخذ في التصنيف ،
فصنَّف التفسير الكبير قبل سنة عشر وأربعمائة، وسماه ((التيسير في علم
التفسير)) وهو من أجود التفاسير، وصنف ((الرسالة)) في رجال الطريقة،
وخرج إلى الحج في رفقة فيها الشيخ أبو محمد الجويني والد إمام الحرمين وأحمد بن
الحسين البيهقي وجماعة من المشاهير ، فسمع معهم الحديث ببغداد والحجاز .
وكان له في الفروسية واستعمال السلاح يد بيضاء ، وأما مجالس الوعظ
والتذكير فهو إمامها ، وعقد لنفسه مجلس الإملاء في الحديث سنة سبع وثلاثين
وأربعمائة . وذكره أبو الحسن علي الباخرزي في كتاب ((دمية القصر)) وبالغ
في الثناء عليه ، وقال في حقه: لو قرَعَ الصَّخْرَ بصوتٍ تحذيره لذاب، ولو
رَبَطَ إِبليسَ في مجلسه لتاب .
وذكره الخطيب في تاريخه وقال : قدم علينا - يعني إلى بغداد - في سنة
٢٠٦

ثمان وأربعين وأربعمائة وحدث ببغداد وكتبنا عنه ، وكان ثقة وكان يقص وكان
حسن الوعظ مليح الإشارة ، وكان يعرف الأصول على مذهب الأشعري ،
والفروع على مذهب الشافعي . وذكره عبد الغافر الفارسي في تاريخه ١ . وقال
أبو عبد الله محمد بن الفضل الفراوي : أنشدنا عبد الكريم بن هوازن القشيري
لنفسه :
وثَغْرُ الهوى في روضة الأنسِ ضاحِكُ
سقى الله وقتاً كنت أخلو بوَجْهِكم
أقَمْنا زماناً والعيونُ قريرة وأصبَحْتُ يوماً والجفونُ سوافِكُ
وقال أبو الفتح محمد بن محمد بن علي الواعظ الفراوي : وكان أبو القاسم
القشيري كثيراً ما ينشد لبعضهم وهو ذو القرنين ابن حمدان المقدم ذكره في
حرف الذال :
لو كنتَ ساعة بيننا ما بيننا وشهدتَ كيف تُكرر التوديعا
أيقَنتَ أنَّ من الدموع مُحَدِّثاً وعلمتَ أن من الحديث دُمُوعا
ولد في شهر ربيع الأول سنة ست وسبعين وثلثمائة ؛ وتوفي صبيحة يوم
الأحد قبل طلوع الشمس سادس عشر ربيع الآخر سنة خمس وستين وأربعمائة
بمدينة نيسابور ، ودفن بالمدرسة تحت شيخه أبي علي الدقاق ، رحمه الله تعالى ،
ورأيت في كتابه المسمى بـ ((الرسالة)) بيتين أعجباني ، فأحببت ذكرهما٢:
ومَنْ كان في طول الهَوى ذاق سَلْوةً فإنيَ من ليلى لها غيرُ ذائِقٍ
وأكثر شيء نلْتُه من وصالها أمانيُّ لم تَصْدُق كخَطْفَة بارقٍ
(100) وكان ولده أبو نصر٣ عبد الرحيم إماماً كبيراً أشبه أباه في علومه
١ انظر Histories : (المختصر الاول، الورقة ٤٩) وأورد له عدداً آخر من المقطعات الشعرية.
٢ الرسالة القشيرية : ٦١٧ .
٣ أخبار أبي نصر القشيري في تبيين كذب المفتري: ٣٠٨ والبداية والنهاية ١٢: ١٨٧ وطبقات
السبكي ٤ : ٢٤٩ وتاريخ عبد الغافر (الملخص الثاني، الورقة: ٩٣) وأخبار ما جرى له مع
الحنابلة في المنتظم وتاريخ ابن الأثير .
٢٠٧

ومجالسه ، ثم واظب دروس إمام الحرمين أبي المعالي حق حَصَّل طريقته في
المذهب والخلاف ثم خرج للحج فوصل إلى بغداد ، وعقد بها مجلس وعظ ،
وحصل له قبول عظيم وحضر الشيخ أبو إسحاق الشيرازي مجلسه ، وأطبق علماء
بغداد على أنهم لم يرَوْا مثله ، وكان يعظ في المدرسة النظامية ورباط شيخ
الشيوخ ، وجرى له مع الحنابلة خصام بسبب الاعتقاد لأنه تعصب للأشاعرة ،
وانتهى الأمر إلى فتنة قُتل فيها جماعة من الفريقين ، وركب أحد أولاد نظام
الملك حتى سكنها ، وبلغ الخبر نظام الملك وهو بأصبهانَ ، فسيّر إليه
واستدعاه ، فلما حضر عنده زاد في إکرامه ثم جهزه إلی نیسابور ، فلما وصلها
لازم الدرس والوعظ إلى أن قارب انتهاء أمره فأصابه ضعف في أعضائه ، وأقام
كذلك مقدار شهر ، ثم توفي ضحوة نهار الجمعة الثامن والعشرين من جمادى
الآخرة سنة أربع عشرة وخمسمائة بنيسابور ، ودفن بالمشهد المعروف بهم ، رحمه
الله تعالى .
وكان يحفظ من الشعر والحكايات شيئاً كثيراً، ورأيت له في بعض المجاميع
هذه الأبيات ، وذكرها السمعاني في ((الذيل)) أيضاً :
القلب نحوَكَ نازعُ والدهر فيك مُنازعُ
ما للقضيةِ وازع
جرتِ القضيَّةُ بالنّوى
الله يعلم أنني لفراق وجهك جازع
وتوفي شيخه أبو علي الدقاق المذكور في سنة اثنتي عشرة وأربعمائة .
والقُشَيري : بضم القاف وفتح الشين المعجمة وسكون الياء المثناة من تحتها
وبعدها راء ، هذه النسبة إلى قُشَير بن كعب ، وهي قبيلة كبيرة .
وأُسْتُوا : بضم الهمزة وسكون السين المهملة وضم التاء المثناة من فوقها أو
فتحها وبعدها واو ثم ألف ، وهي ناحية بنيسابور كثيرة القرى خرج منها
جماعة من العلماء .
٢٠٨

٣٩٥
ابن السمعاني
تاج الإسلام أبو سعد١ عبد الكريم بن أبي بكر محمد بن أبي المظفر المنصور بن
محمد بن عبد الجبار بن أحمد بن محمد بن جعفر بن أحمد بن عبد الجبار بن الفضل
ابن الربيع بن مُسلم بن عبد الله بن عبد المجيب التميمي السمعاني المروزي الفقيه
الشافعي الحافظ الملقب قوام الدين؛ ذكره الشيخ عز الدين أبو الحسن علي بن الأثير
الجزري في أول مختصره فقال٢ : كان أبو سعد واسطة عقد البيت السمعاني وعينهم
الباصرة ويدهم الناصرة، وإليه انتهت رياستهم، وبه كملت سيادتهم ، رَحَل في
طلب العلم والحديث إلى شرق الأرض وغربها وشمالها وجنوبها، وسافر إلى ما وراء
النهر وسائر بلاد خراسان عدة دفعات، وإلى قُومَسَ والريّ وأصبهان وهَمَذان
وبلاد الجبال والعراق والحجاز والموصل والجزيرة والشام وغيرها من البلاد التي
يطول ذكرها ويتعذر حصرها ، ولقي العلماء وأخذ عنهم وجالسهم وروى عنهم
واقتدى بأفعالهم الجميلة وآثارهم الحميدة ، وكان عدة شيوخه تزيد على أربعة
آلاف شيخ، وذكر في بعض أماليه فقال : ودعني عبد الله بن محمد بن غالب أبو
محمد الجيلي الفقيه نزيل الأنبار ، وبكى وأنشدني :
ولما بَرَزْنا لَتَوْدِيعِهمْ بكوْا لُؤُلُؤاً وبكينا عَقيقا
وهَيْهات من سكرِهِا أن نُفِيقا
أدارُوا علينا كؤوسَ الفراقِ
فصاحوا الغريقَ فصحتُ الحريقا
تَوَلَّوْا فَأَتَبَعْتُهُم أدمعي
٣٩٥ - ترجمته في طبقات السبكي ٤: ٢٥٩ وتذكرة الحفاظ: ١٣١٦ وعبر الذهبي ٤ : ١٧٨
والشذرات ٤: ٢٠٥ والنجوم الزاهرة ٥ : ٥٦٣، وانظر مقدمة الأنساب (تحقيق الشيخ
عبد الرحمن اليماني)؛ قلت : وهذه الترجمة مستوفاة في المسودة .
١ بعد هذا في المطبوعة المصرية : ويقال أبو سعيد ، ولا وجود لهذا في النسخ الخطية .
٢ اللباب ١ : ٩.
١٤ - ٣
٢٠٩

[ومما قيل في المعنى:
تنَفَّسْتُ الغَدَاةَ غَداة ولَّوْا وعيرُهُمُ معارضة الطريقِ
فصاحوا بالحريق ، فظلت أبكي فصاحوا بالحريق وبالغريقٍ ]١
وصنف التصانيف الحسنة الغزيرة الفائدة٢، فمن ذلك (( تذييل تاريخ بغداد))
الذي صنعه الحافظ أبو بكر الخطيب وهو نحو خمسة عشر مجلداً ، ومن ذلك
((تاريخ مرو)) يزيد على عشرين مجلداً، وكذلك ((الأنساب)) نحو ثماني مجلدات
وهو الذي اختصره عز الدين المذكور واستدرك عليه ، وهو في ثلاث مجلدات ،
والمختصر هو الموجود بأيدي الناس والأصل قليل الوجود .
ذكر أبو سعد السمعاني المذكور في ترجمة والده أن أباه حج سنة سبع
وتسعين وأربعمائة ، ثم عاد إلى بغداد وسمع بها الحديث من جماعة من المشايخ ،
وكان يعظ الناس في المدرسة النظامية ، ويقرأ عليه الحديث ، ويحصل الكتب،
وأقام كذلك مدة ، ثم رحل إلى أصبهان فسمع بها من جماعة كبيرة ، ثم رجع
إلى خراسان وأقام بمرو إلى سنة تسع وخمسمائة ، وخرج إلى نيسابور .
قال أبو سعد : وحملني وأخي إِليها ، وسمعنا الحديث من أبي بكر عبد
الغفار بن محمد الشيروي وغيره من المشايخ ، وعاد إلى مرو ، وأدركته المنية
وهو شاب ابن ثلاث وأربعين سنة٣ .
وكانت ولادة أبي سعد المذكور بمرو يوم الاثنين الحادي والعشرين من شعبان
سنة ست وخمسمائة . وتوفي بمرو في ليلة غرة شهر ربيع الأول سنة اثنتين وستين
وخمسمائة ، رحمه الله تعالى .
(101) وكان أبوه محمد؛ إماماً فاضلاً مناظراً محدثاً فقيهاً شافعياً حافظاً ،
وله الإملاء الذي لم يُسبق إلى مثله ، تكلم على المتون والأسانيد ، وأبان
.....
١ ما بين معقفين سقط من النسخ الخطية ووستنفيلد ، وثبت في المطبوعة المصرية .
٢ ر : الغزيرة الحسنة الفائقة.
٣ ذكر أبو سعد ... وأربعين سنة : هو في هامش المسودة وقد سقط من س وثبت في ل .
٤ ترجمته في طبقات السبكي ٤ : ١٨٦.
٢١٠

مشكلاتها١، وله عدة تصانيف ، وكان له شعر غَسَلَه قبل موته ، وكانت
ولافته في جمادى الأولى سنة ست وستين وأربعمائة ، وتوفي وقت فراغ الناس
من صلاة الجمعة ثاني صفر سنة عشر وخمسمائة ، ودفن يوم السبت عند والده أبي
المظفر بسفحوان إحدى مقابر مرو ، رحمه الله تعالى .
(102) وكان جده المنصور٢ إمام عصره بلا مدافعة ، أقرَّ له بذلك الموافق
والمخالف ، وكان حنفي المذهب متعيناً عند أئمتهم ، فحج في سنة اثنتين وستين
وأربعمائة وظهر له بالحجاز ما اقتضى٣ انتقاله إلى مذهب الإمام الشافعي ، رضي
الله عنه ، فلما عاد إلى مرو لقي بسبب انتقاله محناً وتعصباً شديداً ، فصبر على
ذلك ، وصار إمام الشافعية بعد ذلك يدرّس ويفي، وصنف في مذهب الشافعي
رضي الله عنه وفي غيره من العلوم تصانيف كثيرة، منها ((منهاج أهل السنة))
و ((الانتصار)) و((الرد على القدرية)) وغيرها. وصنف في الأصول ((القواطع))
وفي الخلاف ((البرهان)) يشتمل على قريب من ألف مسألة خلافية، و((الأوسط))
و «الاصطلام)» رد فيه على أبي زيد الدبوسي، وأجاب عن الأسرار التي جمعها،
وله تفسير القرآن العزيز ، وهو كتاب نفيس ، وجمع في الحديث ألف حديث
عن مائة شيخ، وتكلم عليها فأحسن، وله وعظ مشهور بالجودة، وكانت ولادته
في سنة ست وعشرين وأربعمائة في ذي الحجة، وتوفي في شهر ربيع الأول
سنة تسع وثمانين وأربعمائة بمرو ، رحمه الله تعالى .
وفي بيتهم جماعة كثيرة علماء رؤساء .
والسَّمعاني : بفتح السين المهملة وسكون الميم وفتح العين المهملة وبعد الألف
نون، هذه النسبة إلى سمعان ، وهو بطن من تميم ، وسمعت بعض العلماء يقول :
يجوز بكسر السين أيضاً .
١ في المسودة : مشكلاته .
٢ ترجمته في طبقات السبكي ٤: ٢١ و Histories (المختصر الاول، الورقة ٨٨ ب) والأنساب:
« السمعاني » .
٣ ل : مقتضى؛ وقد قص السبكي أنه رأى الله في المنام بعد أن اختلج في ذهنه اتباع الشافعي ،
يقول له: ((عد إلينا أبا المظفر)) فرأى أن ذلك يعني التحول إلى مذهب الشافعي .
:
٢١١
1

(103) وكان لأبي سعد عبد الكريم ولد يقال له أبو المظفر عبد الرحيم١
بَكّر به والده في سماع الحديث وطاف به في بلاد خراسان وما وراء النهر
وأسمعه الحديث وحصَّل له النسخ وجمع له معجماً لمشايخه في ثمانية عشر جزءاً،
وعوالي في مجلدين ضخمين ، وشغله بالفقه والأدب والحديث حتى حصَّل من كل
واحد طرفاً صالحاً، وحدث بالكثير ورحل إليه الطلاب، وكان محترماً ببلاده،
ومولده في ليلة الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة سبع وثلاثين
وخمسمائة بنيسابور، وتوفي بمرو ما بين٢ سنة أربع عشرة وستمائة، رحمه الله تعالى.
٣٩٦
ابن حمديس الشاعر الصقلي
أبو محمد عبد الجبار بن أبي بكر ابن محمد بن حمديس الأزدي الصقلي الشاعر
المشهور ؛ قال ابن بسام في حقه : هو شاعر ماهر يُقَرطِس أغراض المعاني
البديعة ، ويعبّر عنها بالألفاظ النفيسة الرفيعة ، ويتصرف في التشبيه المصيب ،
ويغوص في بحر الكلم٣ على در المعنى الغريب ، فمن معانيه البديعة قوله في
صفة نهر٤ :
١ ترجمته في الشذرات ٥ : ٧٥ والعبر ٥ : ٦٨ .
٢ كذا في ر وقد طمس في هامش المسودة، وفيه نقص على ما يبدو؛ وقد جعل صاحب الشذرات
وفاته سنة ٦١٧، وفي مقدمة كتاب («الانساب)» ترجمة له منقولة عن تقييد ابن نقطة (انظر
الانساب ١: ٢٣) وفيها: انقطعت عنا أخباره من سنة سبع عشرة وستمائة وظهور الترك
(التتر) بخراسان .
٣٩٦ - انظر مقدمة ديوانه (بيروت ١٩٦١) والمصادر المذكورة هنالك؛ وقد أحاطت المسودة بما
جاء في هذه الترجمة .
٣ ر ل : الكلام .
٤ ديوانه : ١٨٦ .
٢١٢

ومطَّرَد الأجزاء تَصْقُلُ مَتَنَهُ صَبَأَ أعلنت للعين ما في ضميرهِ
عليها شَكا أوجاعَه بخَريره
جریحٌ بأطراف الحصی کلما جرى
فأقبَلَ يُلقي نفسَه في غديره
كأن حُباباً ريعَ تحت حَبابه
وقد كُلِلَتْ حافاته ببدورها
كأن الدجى خَطّ المجرّةَ بيننا
شَربْنا على حافاته دَوْرَ سكره وأقتلُ سكراً منه عَينا مُديره
وله من قصيد٢ :
بتُّ منها مستعيداً قُبَلاَ كُنَّ لي منها على الدهر اقتراحْ
وأروّي غلَلَ الشوق بما لم يكن في قدرة الماء القَراحْ
قوله (( وأروّي غلل الشوق)) مأخوذ من قول البحتري٣:
وبي ظمأ لا يملكُ الماءُ دفعه إلى نَهْلة من ريقها البارد العَذْبِ
وقوله (( جريح بأطراف الحصى )) مأخوذ من قول المتنبي * :
وذكيّ رائحة الرياض كأنها تُلقي الثناء على الحيا فيَفُوحُ
جَهْد المقلّ فكيف بابن كريمة توليه خيراً واللسانُ فصيحُ
وله من قصيدة أولها° :
قم هاتها من كف ذات الوشاحِ فقد نَعى الليلَ بشيرُ الصباحِ
باكر إلى اللذات واركب لها سوابقَ اللهو ذوات المراح
من قبل أن ترشفَ شمسُ الضحى ريقَ الغوادي من ثغور الأقاح
١ سقط هذا البيت والذي يليه من س ل .
٢ ديوانه : ٨٢ .
٣ ديوان البحتري : ١ : ١٠٤ .
٤ ديوان المتنبي : ٦٢ .
٥ ديوان ابن حمديس : ٨٩ .
٢١٣

ومن معانيه النادرة قوله١ :
زادت على كحَلِ الجفون تكثُلاً ويُسَمُّ نَصْلُ السهم وهو قَتُولُ
وله من جملة قصيد يتشوق صقلية٢:
ذكرتُ صَقَلْيَةٌ والأسى يجدّد٣ للنفس تذكارها
فإنْ كنت أُخْرِجْتُ من جَنَّةٍ فإني أُحَدَّث أخبارَها
ولولا ملوحة ماء البكاءِ حسبتُ دموعيَ أنهارَها
وكان قد دخل إلى الأندلس سنة إحدى وسبعين وأربعمائة ، ومدح المعتمد
ابن عباد فأحسن إليه وأجزل عطاياه ، ولما قبض المعتمد وحبس بأغمات -
كما سيأتي في ترجمته إن شاء الله تعالى - سمع ابنُ حمديس المذكور له أبياتاً عملها
[المعتمد]٤ في الاعتقال ، فأجابه عنها بقوله:
أتيأسُ من يوم يناقضُ أمسَه وشُهْبُ الدراري في البروجِ تَدورُ
وقتُلقِلَ رَضْوَى منكمُ وثَبير
ولما رَحَلْتُمْ بالنَّدى في أكفّكم
رفعت لساني بالقيامة قد دنت فهذي الجبالُ الراسيات تسير
وقد ألمّ في البيت الأخير بقول عبد الله بن المعتز في مرئيته للوزير أبي القاسم
عبيد الله بن سليمان بن وهب :
قد استوى الناس ومات الكمال وقال صَرْقُ الدهر أين الرجالْ
هذا أبو القاسم في نَعْشِهِ قوموا انظروا كيف تزول الجبال
١ ديوانه : ٥٥٨ ٠
٢ ديوانه : ١٨٣.
٣ هامش المسودة : خ : يهيج .
٤ زيادة من ر .
٥ ديوانه : ٢٦٨ .
٢١٤

وله ديوان شعر أكثره جيد .
وتوفي في شهر رمضان سنة سبع وعشرين وخمسمائة يجزيرة ميورقة ودفن إلى
جنب قبر ابن اللبانة الشاعر المشهور ، وكان قد عمي ، وقيل ببجاية ، وأبياته
الميمية التي في الشيب والعصا١ تدل على أنه بلغ الثمانين، رحمه الله تعالى .
وحَمْديس : بفتح الحاء المهملة وسكون الميم وكسر الدال المهملة وسكون
الياء المثناة من تحتها وبعدها سين مهملة .
والصَّقَلِيُّ : بفتح الصاد المهملة والقاف وبعدها لام مشددة - هذه النسبة
إلى جزيرة صَقَلية ، وهي في بحر المغرب بالقرب من إفريقية انتزعها الفرنج من
المسلمين في سنة أربع وستين وأربعمائة .
٣٩٧
أبو طالب المعافري
أبو طالب عبد الجبار بن محمد بن علي بن محمد المعافري المغربي ؛ كان إماماً
في اللغة وفنون الأدب ، جاب البلاد وانتهى إلى بغداد وقرأ بها ، واشتغل عليه
خلق كثير وانتفعوا به ، ودخل الديار المصرية في سنة إحدى وخمسين وخمسمائة،
وقرأ عليه بها الشيخ العلامة أبو محمد عبد الله بن بري - المقدم ذكره - وكتب
بخطه كثيراً ، وهو حسن الخط على طريق المغاربة ، وأكثر ما كتب في
الأدب ، ورأيت منه شيئاً كثيراً، وقد أتقن ضبطه غاية الإتقان ، ورأيت٢
١ هي التي يقول فيها (الديوان : ٤٨٢) :
كأنني وهي في كفي أهش بها على ثمانين عاماً لا على غنمي
٣٩٧ - ترجمته في بغية الوعاة: ٢٩٤ والتكملة رقم : ١٧٧٩.
٢ ورأيت ... المحمدين: سقط من س ل م وثبت في ر؛ وكتب عند موضعه في المسودة: (هاهنا
تكتب التخريجة » .
٢١٥

بخطه على ظهر كتاب ((المذيل١)) في اللغة بيتين وهما:
أقسم بالله على كلِّ من أبصَرَ خطي حيثما أبصَرَهْ
أن يَدْعُوَ الرحمن لي مخلصاً بالعفو والتوبة والمغْفِرَهْ
وكتاب ((المسلسل)) للشيخ أبي الطاهر محمد بن يوسف بن عبد الله التميمي
وهو يروي الكتاب عن مؤلفه - وقد ذكرت ذلك في ترجمة أبي الطاهر
المذكور في حرف الميم في ترجمة المحمدين .
وتوفي في سنة ست وستين وخمسمائة وهو عائد إلى المغرب من الديار المصرية،
رحمه الله تعالى .
والمتعافِري٢ : بفتح الميم والعين المهملة وبعد الألف فاء مكسورة ثم راء ،
هذه النسبة إلى المعافر بن يَعْفُر ، وهي قبيل كبير ، عامتهم بمصر .
٣٩٨
عبد الرزاق الصنعاني
1
أبو بكر عبد الرزاق بن حمّام بن نافع الصنعاني ، مولى حِمْيَر ؛ قال أبو
سعد ابن السمعاني : قيل ما رَحَل الناس إلى أحد بعد رسول الله صلى الله
عليه وسلم مثل٣ ما رحلوا إليه . يروي عن معمر بن راشد الأزدي مولاهم البصري
والأوزاعي وابن جُرَيج وغيرهم ، وروى عنه أئمة الإسلام في ذلك العصر منهم
١ كذا في ر، ولعل الصواب («المسلسل)».
٢ قد تقدم هذا الضبط ، انظر الترجمة رقم : ٣٨٠.
٣٩٨ - ترجمته في طبقات الحنابلة ١: ٢٠٩ ونكت الهميان: ١٩١ وطبقات ابن سمرة : ٦٧
وميزان الاعتدال ٢ : ٦٠٩ وعبر الذهبي ١: ٣٦٠ وتهذيب التهذيب ٦: ٣١٠ والشذرات
٢ : ٠٢٧
٣ ل : بمثل .
٢١٦

سفيان بن عُيَيْنة وهو من شيوخه وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهم .
وكانت ولادته في سنة ست وعشرين ومائة . وتوفي في شوال سنة إحدى
عشرة ومائتين باليمن ، رحمه الله تعالى .
والصَّنْعاني : بفتح الصاد المهملة وسكون النون وفتح العين المهملة وبعد الألف
نون ، هذه النسبة إلى مدينة صَنْعاء ، وهي من أشهر مدن اليمن ، وزادوا
النون في النسبة إليها ، وهي نسبة شاذة، كما قالوا في بَهْراء : بَهْراني .
وقال أبو محمد عبد الله بن الحارث الصنعاني : سمعت عبد الرزاق يقول :
من يصحبِ الزمان يرّ الهوان ، قال : وسمعته ينشد :
فذاك زمان لَعِبْنا به وهذا زمان بنا يَلْعَبُ!
/
٣٩٩
ابن الصباغ صاحب الشامل
أبو نصر عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن جعفر ، المعروف
بابن الصباغ ، الفقيه الشافعي ؛ كان فقيه العراقين في وقته ، وكان يضاهي الشيخ
أبا إسحاق الشيرازي ، وتقدم عليه في معرفة المذهب . وكانت الرحلة إليه من
البلاد، وكان تقيّاً حجة صالحاً، ومن مصنفاته كتاب (( الشامل)) في الفقه ،
وهو من أجود كتب أصحابنا ، وأصحّها نقلاً وأثبتها أدلة ، وله كتاب
((تذكرة العالم والطريق السالم))٢ و((العدة)) في أصول الفقه، وتولى التدريس
بالمدرسة النظامية ببغداد أولَ ما فتحت ، ثم عُزل بالشيخ أبي إسحاق ، وكانت
١ وقال أبو محمد ... يلعب: ثبت في ر، وفي موضعه من المسودة: «بعد ذلك التحريجة)».
٣٩٩ - ترجمته في المنتظم ٩: ١٢ ونكت الهميان: ١٩٣ وطبقات السبكي ٣: ٢٣٠ وعبر
الذهبي ٣ : ٢٨٧ والشذرات ٣ : ٣٥٠، وهذه الترجمة مطابقة لما في المسودة.
٢ ل س : وطريق السالم .
٢١٧

ولايته لها عشرين يوماً ، ولما توفي أبو إسحاق أعِيدَ لها أبو نصر المذكور .
وذكر أبو الحسن محمد بن هلال بن الصابىء في تاريخه أن المدرسة النظامية
بُدِىء بعمارتها في ذي الحجة من سنة سبع وخمسين وأربعمائة ، وفتحت يوم
السبت عاشر ذي القعدة من سنة تسع وخمسين ، وكان نظام الملك أمر أن
يكون المدرس بها أبا إسحاق الشيرازي ، وقرروا معه الحضور في هذا اليوم
للتدريس ، فاجتمع الناس ولم يحضر ، وطُلب فلم يوجد ، فنفذ إلى أبي نصر
ابن الصباغ فأحضر ورتب بها مدرساً ، وظهر الشيخ أبو إسحاق في مسجده ،
ولحق أصحابه من ذلك ما بان عليهم وفَتَرُوا عن حضور درسه وراسلوه إن
لم يدرّس بها مضوا إلى ابن الصباغ وتركوه ، فأجاب إلى ذلك ، وعزل ابن
الصباغ ، وجلس أبو إسحاق يوم السبت مستهلَّ ذي الحجة فكان مدة تدريس
ابن الصباغ عشرين يوماً .
وقال ابن النجار في ((تاريخ بغداد)): ولما مات أبو إسحاق تولى أبو سعد
المتولي ثم صرف في سنة ست وسبعين ، وأعيد ابن الصباغ ثم صرف في سنة سبع
وسبعين ، وأعيد أبو سعد إلى أن مات ، وقد ذكرت ذلك في ترجمته . وقد
سبق في ترجمة الشيخ أبي إسحاق في حرف الهمزة طَرّف من هذه القضية .
وكانت ولادته سنة أربعمائة ببغداد ، وكُفَّ بصره في آخر عمره .
وتوفي في جمادى الأولى سنة سبع وسبعين وأربعمائة ببغداد ، وقيل بل توفي
يوم الخميس منتصف شعبان من السنة المذكورة ، رحمه الله تعالى .
٢١٨

٤٠٠
القاضي عبد الوهاب المالكي
القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر بن أحمد بن الحسين بن هارون
ابن مالك بن طَوْق التغلبي البغدادي الفقيه المالكي ، وهو من ذرية مالك بن
طوق التغلبي صاحب الرحبة ؛ كان فقيهاً أديباً شاعراً ، صنف في مذهبه
كتاب (( التلقين)) وهو مع صغر حجمه من خيار الكتب وأكثرها فائدة ، وله
كتاب (المعونة)) و((شرح الرسالة)) وغير ذلك عدة تصانيف .
ذكره الخطيب في ((تاريخ بغداد )) فقال١ : سمع أبا عبد الله ابن العسكري
وعمر بن محمد بن سبنك٢ وأبا حفص ابن شاهين ، وحدث بشيء يسير . كتبت
عنه ، وكان ثقة، ولم يلق من المالكيين أحداً أفقه منه ، وكان حسن النظر
جيد العبارة ، وتولى القضاء ببادرايا وباكسايا ، وخرج في آخر عمره إلى مصر
فمات بها .
وذكره ابن بسام في كتاب ((الذخيرة» فقال٣ : كان بقية الناس ، ولسان
أصحاب القياس ، وقد وجدت له شعراً معانيه أجلى من الصبح ، وألفاظه
أحلى من الظفر بالنتُّجْح، ونَبَتْ به بغدادُ كعادة البلاد بذوي فضلها، وعلى
حكم الأيام في محسني أهلها ، فخلع أهلها ، وودع ماءها وظلها ، وحُدِّثْتُ
أنه شيَّعَه يوم فَصَلَ عنها من أكابرها وأصحاب محابرها جملة موفورة وطوائف
٤٠٠ - ترجمته في طبقات الشيرازي ، الورقة : ٩؛ وتبيين كذب المفتري : ٢٤٩ وترتيب المدارك
٤: ٦٩١ والديباج المذهب: ١٥٩ والمرقبة العليا: ٤٠ والبداية والنهاية ١٢: ٣٢ والشذرات
٣: ٢٢٣ وقد ترجم له الكتبي في الفوات (٢: ٤٤) والزركشي في عقود الجمان (جـ ٢،
الورقة : ٢٠٢) رغم أنهما يستدركان على المؤلف .
١ تاريخ بغداد ١١ : ٣١ .
٢ ل س : سنبك .
٣ ترجمته في القسم الاخير من الذخيرة الخاص بالمشارقة .
٢١٩

كثيرة ، وأنه قال لهم : لو وجدت بين ظهرانيكم رغيفين كل غداة وعشية ،
ما عدلت ببلدكم بلوغ أمنية ، وفي ذلك يقول :
سَلامِ على بَغْدادَ في كل موْظِنٍ وحُقَّ لها مني سلامٌ مضاعَفُ
وإني بشَطَّيْ جانبيها لعارِفٍ
فوالله ما فارقتها عن قِلّ لها
ولم تكن الأرزاقُ فيها تساعِف
ولكنَّها ضاقت علي بأسرِها
وكانت كخلٍ كنت أهوى دنُوَّهُ وأخلاقه تنأى به وتخالِف
واجتاز في طريقه بمَعَرَّةِ النعمان ، وكان قاصداً مصر ، وبالمعرة يومئذ أبو
العلاء المعري فأضافه، وفي ذلك يقول من جملة أبيات١ :
والمالكيُ ابنُ نصرٍ رَارَ في سفَرٍ بلادَنا٢ فحمدنا النأيَ والسَّفَرا
إذا تفقَّهَ أحيا مالكاً جَدَلاً وينشر الملك الضليل إِن شَعَرا
ثم توجه إلى مصر فحمل لواءها ، وملأ أرضها وسماءها ، واستتبع سادتها
وكبراءها، وتناهت إليه الغرائب ، وانثالت في يديه الرغائب ، فمات لأول
ما وصلها من أكلة اشتهاها فأكلها ، وزعموا أنه قال وهو يتقلب ، ونفسه
يتصعد ويتصوب : لا إله إلا الله ، إِذا عشنا متنا .
وله أشعار رائقة طريفة ، فمن ذلك قوله :
ونائمة قَبَّلتُها فتنبهت فقالت تعالَوْا واطلبوا اللص بالحدّ
وما حكموا في غاصبٍ بسوى الردّ
فقلت لها إني فديتكِ غاصِبٌ
وإن أنت لم ترضّي فألفاً على العدّ
خُذِيها وكُفي عن أثيمٍ ظُلامَةً
على كَبَدِ الجاني ألذ من الشهدِ
فقالت : قصاص يشهد العقل أنه
وباتت يساري وهي واسطة العقد
فباتت يميني وهي هِمْيانُ خصرها
١ شروح السقط : ١٧٤٠ .
٢ ر : زار بلدتنا في سفرة .
٣ الديوان : أعيا .
٢٢٠