النص المفهرس

صفحات 501-520

ادع إليه، يعني الملوك، ولا حللت حبوتي١ إلى ما يقوم الناس إليه .
ومن كلامه : ألا أدلكم على المحمدة بلا مرزئة ؟ الخلق السجيح والكف عن
القبيح ، ألا أخبركم بأدوإ الداء ؟ الخلق الدنيء واللسان البذيء .
ومن كلامه : ما خان شريف ولا كذب عاقل ولا اغتاب مؤمن . وقال :
ما ادخرت الآباء للأبناء ولا أبقت الموتى للأحياء أفضل من اصطناع معروف
عند ذوي الأحساب والآداب . وقال : كثرة الضحك تُذهب الهيبة ، وكثرة
المزاح تُذهب المروءة ، ومن لزم شيئاً عُرف به .
وسمع الأحنف رجلاً يقول : ما أُبالي أمُدحت أم ذُمت ، فقال له : لقد
استرحت من حيث تعب الكرام .
ومن كلامه : جنّبوا مجلسنا ذكر النساء والطعام ، فإني أبغض الرجل
يكون وَصَّافاً لفرجه وبطنه، وإن من المروءة أن يترك الرجل الطعام وهو
يشتهيه .
وقال هشام بن عقبة أخو ذي الرمة الشاعر المشهور : شهدت الأحنف بن
قيس وقد جاء إلى قوم يتكلمون في دم ، فقال : احكموا ، فقالوا : نحكم
بدِيَتَيْنِ . قال: ذلك لكم، فلما سكتوا قال : أنا أعطيكم ما سألتم غير أني
قائل لكم شيئاً ، إن الله عز وجل قصى بدية واحدة ، وإن النبي صلى الله عليه
وسلم قضى بدية واحدة ، وأنتم اليوم طالبون ، وأخشى أن تكونوا غداً مطلوبين،
فلا يرضى الناس منكم إلا بمثل ما سننتم لأنفسكم ، فقالوا : فردّها إلى دية واحدة؟
فحمد الله وأثنى عليه وركب .
وسئل عن الحلم ما هو فقال : هو الذل مع الصبر . وكان يقول إذا عجب
الناس من حلمه : إني لأجد ما تجدون ، ولكني صبور . وكان يقول : وجدت
الحلم أنصر لي من الرجال . وكان يقول : ما تعلمت الحلم إلا من قيس بن عاصم
المنقري، لأنه قَتّلَ ابنُ أخ له بعضَ بنيه فأتي بالقاتل مكتوفاً يقاد إليه ،
فقال: ذَعَرتم الفتى، ثم أقبل على الفتى فقال: يا بني، بئس ما صنعت: نقصت
١ كتب فوقها في المسودة (« معاً)» أي بضم الحاء وفتحها.
٥٠١

عددك وأوهنت عضدك وأشمتَ عدوَّك وأسأت بقومك ؛ خلوا سبيله ، واحملوا
إلى أم المقتول ديته فإنها غريبة . ثم انصرف القاتل وما حل قيس حبوته ولا
تغير وَجْهُه١ .
وكان٢ زياد بن أبيه في مدة ولايته العراقين كثير الرعاية لحارثة بن بدر
الغُدَاني وللأحنف ، وكان حارثة مكبّاً على الشراب ، فوقع أهل البصرة فيه
عند زياد ولاموا زياداً في تقريبه ومعاشرته ، فقال لهم زياد: يا قوم ، كيف
لي باطراح رجل هو يسايرني منذ دخلت العراق، ولم یصک ر کابيّ رکاباه قط"،
ولا تقدمني فنظرت إلى قفاه ، ولا تأخر عني فاويت إليه عنقي ، ولا أخذ علي
الرَّوْح في صيف قط ، ولا الشمس في شتاء قط ، ولا سألته عن شيء من
العلوم إلا وظننته لا يحسن سواه ، ثم وجدت هذا الكلام في كتاب ((ربيع
الأبرار )) تأليف الزمخشري في باب معاشرة الناس على هذه الصورة ، والله أعلم.
وأما الأحنف فلم يكن فيه ما يقال . فلما مات زياد وتولى ولده عبيد الله
قال لحارثة : إما أن تترك الشراب أو تبعد عني ، فقال له حارثة : قد علمتَ
حالي عند والدك ، فقال عبيد الله : إن والدي كان قد برع بروعاً لا يلحقه
معه عيب ، وأنا حدث ، وإنما أنسب إلى من يغلب علي ، وأنت رجل تديم
الشراب فمتى قربتك فظهرت رائحة الشراب منك لم آمَنْ أن يُظَنّ بي ،
فدع النبيذ وكن أول داخل علي وآخر خارج عني ، فقال له حارثة : أنا لا أدعه
لمن يملك ضري ونفعي ، أفأدعه للحال عندك ؟ قال: فاختر من عملي ما شئت،
قال: توليني سُرَّق فقد وصف لي شرابها، وتضم إليها رامَ هُرْمُز، فولاه إياهما،
فلما خرج شيعه الناس ، فقال له أنس بن أبي أنس ، وقيل أبو الأسود الدؤلي٣ :
أحارٍ بِنَ بدرٍ قد وَليتَ إمارة فكن جُرذاً فيها تخون وتَسْرِقُ
ولا تحتقر يا حارِ شيئاً وجَدْتَهُ فحظك من مال العراقين سُرَّق
١ وسمع الأحنف ... ولا تغير وجهه: سقط من س وبعضه من ص والمسودة ؛ وانظر الجمان لابن
ناقيا : ٢٥٣ .
٢ قارن بما في الاغاني ٢٣ : ٤٤٦ .
٣ رواها أبو الفرج (٢٣: ٤٧١) لأبي الأسود الدؤلي .
٥٠٢

وباهِ تميماً بالغنى إن للغنى لساناً به المرء الهيُوبَةُ يَنْطِقِ
يقول بما تهوى وإما مصدق
فإن جميع الناس إما مكذّب
يقولون أقوالاً ولا يعلمونها ولو قيل هاتوا حَقّقُوا لم يحققوا
وأما الأحنف فإنه تغيرت منزلته عند عبيد الله أيضاً ، وصار يقدم عليه من
لا يساويه ولا يقاربه .
ثم إن عبيد الله جمع أعيان العراق وفيهم الأحنف وتوجه بهم إلى الشام
للسلام على معاوية ، فلما وصلوا دخل عبيد الله على معاوية وأعلمه بوصول رؤساء
العراق، فقال: أدخلهم إليّ أولاً فأول١ على قدر مراتبهم عندك. فخرج إليهم
وأدخلهم على الترتيب كما قال معاوية ، وآخر من دخل الأحنف . فلما رآه
معاوية - وكان يعرف منزلته ويبالغ في إكرامه لتقدمه وسيادته - قال له :
إليّ يا أبا بحر ، فتقدم إليه فأجلسه معه على مرتبته وأقبل عليه يسأله عن حاله
ويحادثه وأعرض عن بقية الجماعة ؛ ثم إن أهل العراق أخذوا في الشكر من
عبيد الله والثناء عليه، والأحنفُ ساكت، فقال له معاوية: لم لا تتكلم يا أبا
بحر ؟ فقال : إن تكلمتُ خالفتهم ، فقال لهم معاوية : اشهدوا عليَّ أنني قد
عزلت عبيد الله عنكم، قوموا انظروا في أمير أوليه عليكم وترجعون إليَّ بعد
ثلاثة أيام. فلما خرجوا من عنده كان فيهم جماعة يطلبون الإمارة لأنفسهم وفيهم
من عيَّنَ غيره وسَعَوا في السر مع خواصّ معاوية أن يفعل لهم ذلك ، ثم
اجتمعوا بعد انقضاء الثلاثة كما قال معاوية، والأحنفُ معهم ، ودخلوا عليه
فأجلسهم على ترتيبهم في المجلس الأول ، وأخذ الأحنف إليه كما فعل أولاً وحادثه
ساعة ، ثم قال : ما فعلتم فيما انفصلتم عليه ؟ فجعل كل واحد يذكر شخصاً ،
وطال حديثهم في ذلك وأفضى إلى منازعة وجدال ، والأحنفُ ساكت ، ولم
يكن في الايام الثلاثة تحدّث مع أحد في شيء ، فقال له معاوية : لم لا تتكلم
يا أبا بحر ؟ فقال الاحتف : إن وليتَ أحداً من أهل بيتك لم تجد من يَعْدِل
عبيد الله ولا يسدُّ مسدَّه، وإن وليت من غيرهم فذلك إلى رأيك. ولم يكن في
١٠ كذا في المسودة .
٥٠٣

الحاضرين الذين بالغوا في المجلس الاول في الثناء على عبيد الله مَنْ ذكره في هذا
المجلس ولا سأل عَوْدَهُ إليهم ، فلما سمع معاوية مقالة الأحنف قال للجماعة :
اشهدوا عليَّ أني أعدت عبيد الله إلى ولايته، فكلٌّ منهم ندم على عدم تعيينه ،
وعلم معاوية أن شكرهم لعبيد الله لم يكن لرغبتهم فيه ، بل كما جرت العادة في
حق المتولّي . فلما فَصلَ الجماعة من مجلس معاوية خلا بعبيد الله وقال له :
كيف ضيعت مثل هذا الرجل - يعني الأحنف - فإنه عزلك وأعادك إلى الولاية
وهو ساكت، وهؤلاء الذين قدمتهم عليه واعتمدت عليهم لم ينفعوك ولا عَرَّجُوا
عليك لما فوضتُ الأمر إليهم، فمثل الأحنف مَنْ يتخذه الانسان عوناً وذُخراً.
فلما عادوا إلى العراق أقبل عليه عبيد الله وجعله بِطانَتَه وصاحب سره .
ولما جرت لعبيد الله تلك الكائنة المشهورة لم ينفعه فيها سوى الأحنف، وتخلى
عنه الذين كان يعتقدهم أعوانا١ً.
وبقي الأحنف إلى زمن مصْعَب بن الزبير ، فخرج معه إلى الكوفة ، فمات
بها سنة سبع وستين للهجرة ، وقيل إحدى وسبعين ، وقيل سبع وسبعين ، وقيل
ثمان وستين عن سبعين سنة ، والأول أشهر ، رضي الله عنه، وكان قد كبر
جدّاً ، ودفن بالثّوِيَّة عند قبر زياد .
وحكى عبد الرحمن بن عمارة بن عُقْبة بن أبي معيط قال : حضرت جنازة
الأحنف بن قيس بالكوفة ، فكنت فيمن نزل قبره ، فلما سويته رأيته قد فُسح
له مَدَّ بصري، فأخبرت بذلك أصحابي، فلم٢ يروا ما رأيت ؛ ذكر ذلك
ابن يونس في ((تاريخ مصر)) المختص بالغرباء في ترجمة عبد الرحمن المذكور .
وهو أحد [السادات]٣ الطلس، كما تقدم في أخبار٤ القاضي شريح.
[وحدث الكندي عن أبيه قال : ان معاوية بن أبي سفيان بينا هو جالس
وعنده وجوه الناس فيهم الأحنف بن قيس إذ دخل رجل من أهل الشام
فقام خطيباً ، فكان آخر كلامه أن سب عليّاً رضي الله عنه ، فأطرق الناس ،
١ هـ : اخواناً .
٢ في المسودة : فلما .
٣ زيادة من ص .
٤ ص : ترجمة .
٥٠٤

وتكلم الأحنف فقال: يا أمير المؤمنين، إن هذا القائل آنفاً لو يعلم أنَّ رضاك في
لعن المرسلين لفعل؛ فاتَّقِ الله ودع عنك عليّاً فقد لقي ربه وأُفرد في قبره
وخلا بعمله ، وكان والله المبرز سيفه ، الطاهر ثوبه ، الميمون نقيبته ، العظيم
مصيبته . فقال معاوية: يا أحنف لقد أغضيت العين عن القذى وقلت فيا ترى،
وايم الله لتصعدنّ المنبر ولتلعننَّه طوعاً أو كرهاً. فقال له الأحنف : يا أمير
المؤمنين ، إن تعفني فهو خير لك وإن تجبرني فوالله لا تجري به شفتاي أبداً .
قال: قم فاصعد، قال الأحنف: اما والله مع ذلك لأنصفنّك في القول والفعل،
قال : وما أنت قائل يا أحنف ان انصفتني ؟ قال : أصعد المنبر فأحمد الله تعالى
بما هو أهله وأصلي على نبيّه صلى الله عليه وسلم ثم أقول : أيها الناس ، ان أمير
المؤمنين معاوية أمرني أن ألعن عليّاً ، ألا وإن عليّاً ومعاوية اقتتلا واختلفا
فادعى كل منهما انه مبغيِّ عليه وعلى فئته، فإذا دعوت فأمّنوا رحمكم [الله]،
ثم اقول : اللهم العن أنت وملائكتك وأنبياؤك وجميع خلقك الباغيَ منهما على
صاحبه ، والعن الفئةَ الباغية لعناً كثيراً ، أَمنوا رحمكم الله ؛ يا معاوية
لا ازيد على هذا حرفاً ، ولا انقص منه حرفاً، ولو كان فيه ذهاب نفسي . فقال
معاوية : إذن نعفيك أبا بحر . ومثل هذا ما قال معاوية أيضاً لعقيل بن أبي
طالب رضي الله عنه: ان عليّاً قد قَطَعَكَ ووَصَلْتُكَ ، ولا يرضيني منك
إلا أن تلعنه على المنبر، قال : أفعل ، قال : فاصعد المنبر ، فصعد ، ثم قال
بعد أن حمد الله وأثنى عليه: أيها الناس أمرني أن ألعن عليّ بن أبي طالب أميرُ
المؤمنين معاوية بن أبي سفيان فالعنوه ، فعليه لعنة الله والملائكة والناس اجمعين ،
ثم نزل ، فقال له معاوية : انك لم تبيّن ، قال : والله لا زدت حرفاً ولا نقصت
آخر ، والكلام على نية المتكلم .
وكان الأحنف بن قيس يقول : عجبت لمن جرى في مجرى البول كيف
يتكبر ؛ وكان يقول : اكرموا سفهاءكم فإنهم يكفونكم العار والنار . وقال
الأحنف : شكوت إلى عمي مصيبةٌ نزلت" بي فأسكتني ثلاثاً ثم قال لي : يا أبا
بحر ، لا تشكُ الذي نزل بك إلى مخلوق فإنما هو صديق تسوءه أو عدو
تسره .
٥٠٥

وقال رجل للأحنف : أخبرني الثقة عنك بسوء ، قال: الثقة لا يمُّ]١.
ووُلد ملتزق الأليتين حتى شُقّ، أحنفَ الرّجلِ يطأ على وحْشِيِّها ولذلك
قيل له الأحنف ، وذهبت عينه عند فتح سمرقند ، ويقال بل ذهبت بالجدري ؛
وكان متراكب الأسنان صغير الرأس مائل الذقن، وقَتَلَ عنترةُ بن شداد
العبسي الفارس المشهور جَدَّه معاوية بن حصين في يوم الفَرُوق ، وهو أحد أيام
وقائع العرب المشهورة .
وهاهنا ألفاظ تحتاج إلى تفسير، فالأحنف: المائل، ووحشيّ الرِّجْل:
ظهرها .
والغُداني : بضم الغين المعجمة وفتح الدال المهملة وبعد الالف نون ، هذه
النسبة إلى غُدانة بن يَرْبُوع ، بطنٍ من تميم .
ورامَ هُرْمز : مشهورة لا حاجة إلى ضبطها ، وهي من بلاد الأهواز من
إقليم خوزستان الذي بين البصرة وفارس .
وسُرَّق : بضم السين المهملة وفتح الراء المشددة وبعدها قاف ، من كور
الاهواز أيضاً ومدينتها دَوْرَق : بفتح الدال المهملة وسكون الواو وفتح الراء
وبعدها قاف ، ويقال لها : دورق الفرس .
والثَّوَيَّة : بفتح الثاء المثلثة وكسر الواو وتشديد الياء المثناة من تحتها ،
وتصغر أيضاً فيقال لها الثُّوَيَّة ، اسم موضع بظاهر الكوفة فيه قبور جماعة من
الصحابة وغيرهم رضي الله عنهم ، وفيه ماء .
(65) وكان للأحنف ولد يقال له بحر ، وبه كُني ، وكان مضعوفاً، قيل
له : لم لا تتأدب بأخلاق أبيك ؟ فقال : الكسل . ومات وانقطع عقبه.
.......
١ زيادة من ص .
٥٠٦

عَرفُ الظَّاء

٣٠٦
طاوس
أبو عبد الرحمن طاوس بن كَيْسانَ الخَوْلاني الهَمْداني اليماني ، من أبناء
الفرس ؛ أحد الاعلام التابعين ، سمع ابن عباس وأبا هريرة رضي الله عنهما ،
وروى عنه مجاهد وعمرو بن دينار ، وكان فقيهاً جليل القدر نبيه الذكر . قال
ابن عُيَينة : قلت لعبيد الله بن يزيد : مع من تدخل على ابن عباس ؟ قال :
مع عطاء وأصحابه . قلت: وطاوس ؟ قال : أيْهَاتَ ، كان ذلك يدخل مع
الخواص . وقال عمرو بن دينار : ما رأيت أحداً قط مثل طاوس .
ولما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة كتب إليه طاوس المذكور : إن أردت
أن يكون عملك خيراً كله فاستعمل أهل الخير ، فقال عمر : كفى بها موعظة .
وتوفي حاجًاً بمكة قبل يوم التروية بيوم ، وصلى عليه هشام بن عبد الملك
وذلك في سنة ست ومائة رضي الله عنه ، وقيل سنة أربع ومائة ، والله أعلم .
قال بعض العلماء : مات طاوس بمكة فلم يتهيأ إخراج جنازته لكثرة الناس ،
حتى وجّه إبراهيم بن هشام المخزومي أمير مكة بالحرس ، فلقد رأيت عبد الله
ابن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنهم ، واضحَ السرير على
كاهله، وقد سقطت قَلَنْسُوة كانت على رأسه ومُزّق رداؤه من خلفه .
ورأيت بمدينة بَعْلَبَك داخلَ البلد قبراً يزار، وأهل البلد يزعمون أنه
طاوس المذكور ، وهو غلط .
٣٠٦ - ترجمة طاوس بن كيسان في طبقات ابن سعد ٧ : ٥٣٧ وتذكرة الحفاظ: ٩٠ وصفة
الصفوة ٢: ١٦٠ وحلية الأولياء ٤: ٣ وتهذيب التهذيب ٥ : ٨ وعبر الذهبي ١ : ١٣٠
والعقد الثمين ٥ : ٥٩ وطبقات الشيرازي، الورقة : ١٩ :
٥٠٩

قال أبو الفرج ابن الجوزي في كتاب ((الألقاب)) إن اسمه ذكْوان، وطاوس
لقبه وإنما لقب به لأنه كان طاوسَ القراء ، والمشهور أنه اسمه .
[وحكي أن هشام بن عبد الملك قدم حاجًاً إلى بيت الله الحرام ، فلما دخل
الحرم قال : إِيتوني برجل من الصحابة ، فقيل : يا أمير المؤمنين قد تفانوا ،
قال : فمن التابعين ، فأتي بطاوس اليماني ، فلما دخل عليه خلع نعليه بحاشية
بساطه ولم يسلم بإمرة المؤمنين ولم يكنّه وجلس إلى جانبه بغير إذنه وقال :
كيف أنت يا هشام؟ فغضب من ذلك غضباً شديداً حتى همَّ بقتله، فقيل: يا أمير
المؤمنين أنت في حرم الله وحرم رسوله صلى الله عليه وسلم ؛ لا يمكن ذلك، فقال
له : يا طاوس ، ما حملك على ما صنعت ؟ قال: وما صنعت ؟ فاشتدَّ غضبه له
وغيظه وقال : خلعتَ نعليك بحاشية بساطي ولم تسلّم عليّ بإمرة المؤمنين ولم
تكنني وجلست بإزائي بغير إذني وقلت : يا هشام كيف أنت ؟ قال : أمّا خلع
نعليَّ بحاشية بساطك فإني أخلعهما بين يدي رب العزة كلَّ يوم خمس مرات فلا
يعاتبني ولا يغضب علي ؛ وأما ما قلت : لم تسلّم علي بإمرة المؤمنين فليس كل
المؤمنين راضين بإمرتك فخفت أن أكون كاذباً ؛ وأما ما قلت : لم تكنّي فإن
الله عز وجل سمَّى أنبياءه، قال : يا داود يا يحيى يا عيسى، وكنَّ أعداءه
فقال: ﴿تبت يدا أبي لهب وتب﴾؛ وأما قولك: جلست بإزائي، فإني
سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: إذا أردت أن تنظر
إلى رجل من أهل النار فانظر إلى رجل جالسٍ وحوله قوم قيام ؛ فقال له :
عظني ، قال : إني سمعت أمير المؤمنين رضي الله عنه يقول: إن في جهنم حيّات
كالقلال وعقارب كالبغال تلدغ كلَّ أمير لا يعدل في رعيته . ثم قام وخرج .
قالت امرأة ماجنة : ما بقي أحد إلا فتنته ما خلا طاوس فإني تعرضت له
فقال : إذا كان وقت كذا فتعالي ، فجئت ذلك الوقت فذهب بي إلى المسجد
الحرام فقال: اضطجعي، فقلت : هاهنا ؟ فقال: الذي يرانا هنا يرانا ثَمَّ.
وقال رجل لطاوس : ادعُ لي، قال: ادعُ أنت لنفسك فإنه يجيب المضطر
إذا دعاه .
ابن جريج قال ، قال لي عطاء : جاءني طاوس فقال لي : يا عطاء ، إياك أن
٥٠
٥١٠

ترفع حوائجك إلى من أغلق دونك بابه ، وعليك بطلب حوائجك إِلى مَنْ بابه
مفتوح لك إلى يوم القيامة ، طَلَبَكَ أن تدعوه ووعدك الإجابة .
وقال عبد الله بن طاوس : قال لي أبي: يا بنيَّ صاحب العقلاء تُنسب إليهم
وإن لم تكن منهم ، ولا تصاحب الجهال فتنسب إليهم وإن لم تكن منهم ،
واعلم أن لكل شيء غاية ، وغايةُ المرء حسن عقله]١.
وروي أن أمير المؤمنين أبا جعفر المنصور استدعى عبد الله بن طاوس
المذكور ومالك بن أنس رحمهما الله تعالى ، فلما دخلا عليه أطرق ساعة ، ثم
التفت إلى ابن طاوس ، وقال له : حدثني عن أبيك ؟ فقال : حدثني أبي أن
أشدَ الناس عذاباً يوم القيامة رجل أشر كه الله تعالى في سلطانه فأدخل عليه
الجور في حكمه، فأمسك أبو جعفر ساعة ؛ قال مالك : فضممتُ ثيابي خوفاً أن
يصيبني دمه . ثم قال له المنصور: ناولني تلك الدواة ، ثلاثَ مراتٍ، فلم يفعل،
فقال له : لم لا تناولني؟ فقال: أخاف أن تكتب بها معصية فأكون قد شاركتك
فيها ، فلما سمع ذلك قال : قوما عني ، قال : ذلك ما كنا نبغي . قال مالك:
فما زلت أعرف لابن طاوس فضله من ذلك اليوم .
والخَوْلاني : بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو وبعدها لام ألف ثم نون ،
هذه النسبة إلى خَولان ، واسمه أفكل بن عمرو بن مالك ، وهي قبيلة كبيرة
نزلت بالشام .
والهمْداني : بسكون الميم وفتح الدال المهملة ، قد تقدم الكلام عليه
ونسبته إليهم بالولاء .
...............
.....
١ زيادة من ص .
٥١١

٣٠٧
أبو الطيب الطبري
أبو الطيب طاهر بن عبد الله بن طاهر بن عمر الطبري القاضي الفقيه الشافعي؛
كان ثقة صادقاً ديّناً ورعاً عارفاً بأصول الفقه وفروعه ، محققاً في علمه ، سليم
الصدر حسن الخلق صحيح المذهب ، يقول الشعر على طريقة الفقهاء .
[ومن شعره ما أورده له الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد السلفي - المقدم
ذكره - في الجزء الذي وضعه في أخبار أبي العلاء المعري ، فقال مسنداً عنه:
كتبتُ إلى أبي العلاء المعري الأديب حين وافى بغداد ، وكان قد نزل في سويقة
غالب :
وما ذاتُ دَرّ لا يحلُّ لحالِبٍ تناولهُ واللحمُ مِنِها مُحَلْلُ
ومَنْ شاءَ شُرْبَ الدَّرِّ فهو مُضلل
لمنْ شاءَ في الحالين حياً وميتاً
وآكلهُ عِندَ الجميعِ مُغَفّل
إذا طعنَتْ في السن فاللحمُ طيِّبٌ
فما لحصيفِ الرأي فيهنَّ مأكل
وخرفانها للأكل فيها كَزازة
وما يحتني معناهُ إِلا مبرِّز عليمٌ بأسرار القلوب حصِّل
فأجابني وأملى على الرسول في الحال ارتجالاً :
جَوابانِ عنْ هذا السؤال كِلاهما صَوَابٌ، وبعضُ القائلين مضلل
ومنْ ظنهُ نخلاً فليسَ يجهَّل
فمَنْ ظنهُ كَرْماً فليسَ بكاذِب
هوَ الحلّ، وَالدَّرُ الرَّحيقُ المسلسل
لحومهما الأعتابُ والرُّطَبُ الذي
ولكنْ ثِمارُ النّخل وهي غضيضةٌ تمرُّ وغضُّ الكرم يُجْنى ويؤكل
٣٠٧ - ترجمة أبي الطيب الطبري في طبقات الشيرازي، الورقة: ٣٧ وطبقات السبكي ٣ : ١٧٦.
٥١٢

يكلفني القاضي الجليلُ مَسائِلاً هيَ النجم قدراً بل أعزّ وأطول
ولوْ لَمْ أجبْ عنها لكنتُ يجهلها جديراً ولكنْ من يَوَدّكَ مُقبِل
فأجبته عنه ، وقلت :
أثارَ ضميري مَنْ يعزُّ نظيرُه من الناس طُرّاً سابعُ الفضل مكملُ
ومَنْ قلبهُ كتبُ العلوم بأسْرِها وخاطرُهُ في حِدّةِ النارِ مشعل
ومعضلها بادٍ لدَيْهِ مفصَّل
أسيراً بأنواع البيان يُكبَّل
وإيضاحهِ حتى رآهُ المغفّل
ومُرْتجلّاً مِنْ غيرِ ما يتمهّل
جلالاً إلى حيثُ الكواكب تنزل
تساوَى لهُ سِرُّ المعاني وجهرُها
ولمّا أنارَ الحبّ قادَ منيعهُ
وقرَّبِهُ مِنْ كلِّ فهمٍ بكشفهِ
وأعجبُ منهُ نظمهُ الدّرّ مُسرعاً
فیخر ◌ُجُ من بحرٍ ويسمو مكانه
فهنأهُ الله الكريمُ بفضلهِ محاسِنه والعمرُ فيها مطوّل
فأجاب مرتجلاً وأملى على الرسول :
ألا أيها القاضي الذي بدهائِهِ
فؤادكَ مَمْهُورٌ من العلم آهلٌ
فإن كنتَ بين الناس غير موّل
إذا أنتَ خاطبتَ الخصوم مجادلاً
كأنكَ مِنْ في الشافعيِّ مخاطب
و کیف یُری علم ابن إدريس دارساً
تفضلت حتی ضاق ذرعي بشکر ما
سُبُوْفٌ على أهل الخلاف تُسَكَّلُ
وجدُكَ في كل المسائِلِ مقبل
فأنتَ من الفهم المصون مُمَوّل
فأنتَ، وهُمْ مثل الحمائم ، أجدلُ
ومِنْ قلبهِ تعملي فما تتَمَهّل
وأنتَ بإيضاحِ الهُدى متكفّل
فعَلتَ وكَفي عن جوابك أجمل
لأنكَ في كنه الثريا فصاحةً وأعلى ومن يبغي مكانكَ أسفل
بفضلك فالإنسان يسهُو ويذهل
هيَ المجدُ لي منها أخيرٌ وأوَّل
"فعذرُكَ في أني أجبتكَ واثقاً
وأخطأتُ في إنفاذ رُقعتكَ التي
ولكن عَداني أن أرومَ احتفاظها رَسولكَ وهوَ الفاضلُ المتفضّل
٣٣ - ٢
٥١٣

ومن حقها. أن يصبحَ المسكُ عامراً لها وهي في أعلى المواضع تجعل
فمن كانَ في أشعارِهِ مُتمثلا فأنت امرؤ في العلم والشعر أمثل
تَجَمَلَتِ الدُّنيا بأنكَ فوقها ومِثْلكَ حقّاً مَنْ بهِ تتجمّل
وذكر السمعاني في ((الذيل)) في ترجمة أبي الحسن عليّ بن أحمد بن الحسين بن
أحمد بن الحسين بن محمويه اليزدي أنه كان له عمامة وقميص بينه وبين أخيه ؛ إذا
خرج ذاك قعد هذا في البيت ، وإذا خرج هذا احتاج ذلك أن يقعد . قال
السمعاني : وسمعته يقول يوماً ، وقد دخلت عليه مع علي بن الحسين الغزنوي
الواعظ مسلماً داره، فوجدناه عرياناً ، متأزراً بمئزر ، فاعتذر من العُرْي وقال :
نحن إذا غسلنا ثيابنا نكون كما قال القاضي أبو الطيب الطبري :
قَوْمٌ إِذا غَسَلُوا ثِيَابَ جَمَالِهِمْ لَبَسُوا البيوتَ إلى فراغ الغاسلِ]١
عاش مائة سنة وسنتين، لم يختلّ عقله ولا تغير فهمه ، يُفتي ويستدرك على
الفقهاء الخطأ ويقضي ببغداد ويحضر المواكب في دار الخلافة إلى أن مات .
تفقه بآمُلَ على أبي علي الزجاجي صاحب ابن القاصِ ، وقرأ على أبي سعد
الإسماعيلي وأبي القاسم بن كَجّ يجرجان، ثم ارتحل إلى نيسابور، وأدرك أبا
الحسن الماسرجسي فصحبه أربع سنين وتفقه عليه ، ثم ارتحل إلى بغداد وحضر
مجلس الشيخ أبي حامد الاسفرايني . وعليه اشتغل الشيخ أبو إسحاق الشيرازي ،
وقال في حقه: (( لم أر فيمن رأيت أكمل اجتهاداً وأشد تحقيقاً وأجود نظراً
منه )) .
وشرح مختصر المزني وفروع أبي بكر ابن الحداد المصري، وصنّف في الأصول
والمذهب والخلاف والجدل كتباً كثيرة .
وقال الشيخ أبو إسحاق: ((لازمت مجلسه بضع عشرة سنة، ودرّستُ
أصحابه في مسجده سنين بإذنه ، ورتبني في حلقته))٢.
١ ومن شعره ... إلى فراغ الغاسل : سقط من ص س م والمسودة.
٢٠٠
٢ طبقات الشيرازي: وسألني أن أجلس في مسجد للتدريس ففعلت ذلك في سنة ثلاثين وأربعمائة.
٥١٤

واستوطن بغداد وولي القضاء برُبْع الكَرْخ بعد موتِ أبي عبد الله
الصيمري ، ولم يزل على القضاء إلى حين وفاته .
وكان مولده بآمُلَ سنة ثمان وأربعين وثلثمائة، وتوفي في شهر ربيع الأول
يوم السبت لعشر بقين منه سنة خمسين وأربعمائة، رحمه الله تعالى ، ببغداد ،
ودفن من الغد في مقبرة باب حرب وصُلي عليه في جامع المنصور .
والطبري : قد تقدم الكلام عليه أنه منسوب إلى طبرستان .
وآمُل : بمد الهمزة وضم الميم وبعدها لام ، مدينة عظيمة هي قصبة
طبرستان .
٣٠٨
ابن بابشاذ النحوي
أبو الحسن طاهر بن أحمد بن بابشاذ النحوي ؛ يقال إن أصله من الدّيلم١ ،
وكان هو بمصر إمامَ عصره في علم النحو ، وله المصنفات المفيدة ، منها :
((المقدمة)) المشهورة، وشرحها، و((شرح الجمل)) للزجاجي، و((شرح كتاب
الأصول)) لابن السراج ، وجمع في حال انقطاعه شكة٢ كبيرة في النحو ، يقال
إنها لو بُيضَتْ قاربت خمس عشرة مجلدة، وسماها النحاة بعده الذين وصلت إليهم
((تعليق الغرفة)) [وانتقلت هذه التعليقة إلى تلميذه أبي عبد الله محمد بن بركات
السعدي ٣ النحوي اللغوي المتصدر موضعه، ثم انتقلت منه إلى صاحبه : أبي
محمد عبد الله بن بَرِّي النحوي المتصدر في مكانه ، ثم انتقلت بعده إلى صاحبه
٣٠٨ - ترجمة ابن بابشاذ النحوي في معجم الأدباء ١٢: ١٧ وبغية الوعاة ٥ : ٢٧٢ وانباه الرواة
٢ : ٩٥ والشذرات ٣: ٣٣٣ والنجوم الزاهرة ٥ : ١٠٥.
١ القفطي: أصله من العراق ، وكان جده أو أبوه قدم مصر تاجراً .
٢ الشكة: لم أجد لها معنى مناسباً في المعاجم، وهي تفيد هنا مجموعة جذاذات .
٣ القفطي : السعيدي .
٥١٥

أبي الحسين النحوي المنبوز بثلط الفيل ، المتصدر في موضعه ، وقيل : إن كل
واحد من هؤلاء كان يهبها لتلميذه ويعهد إليه بحفظها١. ولقد اجتهد جماعة
من الطلبة في نَسْخها، فلم يتمكنوا من ذلك]٢.
وانتفع الناس بعلمه وتصانيفه . وكانت وظيفته بمصر أن ديوان الإنشاء
لا يخرج منه كتاب حتى يُعرض عليه ويتأمله ، فإن كان فيه خطأ من جهة
النحو أو اللغة أصلحه كاتبه ، وإلا استرضاه فسيروه إلى الجهة التي كتب إليها ،
وكان له على هذه الوظيفة راتب من الخزانة يتناوله في كل شهر ، وأقام على
ذلك زماناً .
ويحكى أنه كان يوماً في سطح جامع مصر وهو يأكل شيئاً وعنده ناس ،
فحضرهم قطٌّ فرموا له لقمة ، فأخذها في فيه وغاب عنهم ثم عاد إليهم ، فرموا
له شيئاً آخر ففعل كذلك ، وتردّد مراراً كثيرة وهم يرمون له وهو يأخذه
ويغيب به ثم يعود من فَوْره ، حتى عجبوا منه ، وعلموا أن مثل هذا الطعام
لا يأكله وحده لكثرته، فلما استرابوا حاله تبعوه فوجدوه يَرْقَى إلى حائط
في سطح الجامع ، ثم ينزل إلى موضع خالٍ صورة بيت خراب ، وفيه قط آخر
أعمى ، وكل ما يأخذه من الطعام يحمله إلى ذلك القط ويضعه بين يديه وهو
يأكله . فعجبوا من تلك الحال ، فقال ابن بابشاذ : إذا كان هذا حيواناً أخرس
قد سخر الله سبحانه وتعالى له هذا القط ، وهو يقوم بكفايته ولم يحرمه الرزق ،
فكيف يُضيّع مثلي؟ ثم قطع الشيخ علائقه واستعفى من الخدمة ونزل عن راتبه
ولازم بيته واشتغاله متوكلا على الله سبحانه وتعالى . وما زال محروساً محمول
الكلفة إلى أن مات عشية اليوم الثالث من رجب سنة تسع وستين وأربعمائة
بمصر ، ودفن في القرافة الكبرى ، رحمه الله تعالى ، وزرت بها قبره ، وقرأت
تاريخ وفاته على حجر عند رأسه ، كما هو هاهنا .
وكان سبب موته أنه لما انقطع وجمع أطرافه وباع ما حوله وأبقى ما لا
١ ذكر القفطي أنه أرسل من حلب من يشتري له تلك التعليقة بأي ثمن بلغت ، فذكر له الشخص
المرسل أنها صارت إلى الملك الكامل محمد بن العادل .
٢ ما بين معقفين لم يرد في المسودة .
٥١٦

بُدَّ له منه ، كان انقطاعه في غرفة يجامع عمرو بن العاص ، وهو الجامع العتيق
بمصر ، فخرج ليلة من الغرفة إلى سطح الجامع، فزلَّتْ رجله من بعض الطاقات
المؤدية للضوء١ إلى الجامع ، فسقط وأصبح ميتاً .
وبابشاذ : بباءين موحدتين بينهما ألف ثم شين معجمة وبعد الألف الثانية
ذال معجمة ، وهي كلمة عجمية تتضمن الفرح والسرور .
٣٠٩
٠
طاهر بن الحسين
أبو الطيب طاهر بن الحسين بن مُصْعَب بن رزيق٢ بن مَاهَانَ، ورأيت في
مكان آخر : رزيق بن أسعد بن رادويه ، وفي مكان آخر : أسعد بن زاذان
- والله أعلم - وقيل مصعب بن طلحة بن رزيق الخزاعي بالولاء الملقب ذا
اليمينين ؛ كان جده رزيق بن ماهان مولى طَلْحة الطلحات الخزاعي المشهور
بالكرم والجود المفرط ، وكان طاهر من أكبر أعوان المأمون ، وسيره من
مَرْوَ كرسِيٍّ خراسانَ لما كان المأمون بها إلى محاربة أخيه الأمين ببغداد لما خلع
المأمون بيعته ، والواقعة مشهورة ، وسير الأمين أبا يحيى علي بن عيسى بن
ماهان لدفع طاهر عنه ، فتواقعا وقُتل علي في المعركة .
ذكر ابن العظيمي الحلبي٣ في تاريخه أن الأمين وَجَّه عليَّ بن عيسى بن
١ ص : إلى النور .
٣٠٩ - أخبار ذي اليمينين في كتب التاريخ كالطبري وابن الأثير (جـ: ٦) والعيون والحدائق:
٣٣٢ - ٤٦٣ والبداية والنهاية ١٠: ٢٦٥ والديارات: ٩١ والنجوم الزاهرة ٢ : ١٤٩
والشذرات ٢: ١٦١ وتاريخ بغداد ٩: ٣٥٣ وكتاب بغداد لابن طاهر: في صفحات مختلفة .
وانظر التمثيل والمحاضرة: ٢٩١ والجهشياري : ٢٩٠.
٢ س ص : زريق .
٣ مر التعريف به في ترجمة عماد الدين زنكي .
٥١٧

ماهان لملاقاة طاهر بن الحسين ، فلقيه بالري فقُتل علي بن عيسى لسبع١ خلون
من شعبان سنة خمس وتسعين ومائة . قلت : وذكر الطبري في تاريخه٢ هذه
الواقعة في سنة خمس وتسعين ، ولم يعين الشهر، لكنه قال : إنه قتل في الحرب،
وسير طاهر بالخبر إلى مرو ، وبينهما نحو مائتين وخمسين فرسخاً ، فسار الكتاب
ليلة الجمعة وليلة السبت وليلة الأحد، ولم يذكر في أي شهر، فوصلهم يوم الأحد،
ثم قال بعد هذا٣ : وخرج علي بن عيسى من بغداد لسبع ليال خلون من شعبان
من سنة خمس وتسعين . والظاهر أن ابن العظيمي اشتبه عليه يوم قتل علي بن
عيسى بيوم خروجه من بغداد . ثم قال بعد هذا؛: إن الخبر وصل إلى بغداد
بقتله يوم الخميس النصف من شوال من السنة ، فيحتمل أنه قتل لسبع أو التسع
من شوال ، وتصحَّف على الناسخ شوال بشعبان ، فيكون كما قال الطبري خرج
من بغداد في شعبان ، وقتل في شوال أو في رمضان ، والله أعلم .
: وتقدم طاهر إلى بغداد وأخذ ما في طريقه من البلاد ، وحاصر بغداد
والأمين بها، وقتله يوم الأحد لست أو أربع خلون من صفر سنة ثمان وتسعين
ومائة ، ذكره الطبري في تاريخه ؛ وقال غيره : إن طاهراً سير إلى المأمون
يستأذنه في أمر الأمين إذا ظفر به ، فبعث إليه بقميص غير مُقَوَّر ، فعلم أنه
يريد قتله، فعمل على ذلك، والله أعلم؛ وحمل رأسه إلى خراسان ووضع بين يدي
المأمون ، وعقد للمأمون على الخلافة ، فكان المأمون يرعاه لمناصحته وخدمته .
وقيل لطاهر ببغداد لما بَلَغ ما بلغ: لِيَهْنِكَ ما أدركته من هذه المنزلة
التي لم يدركها أحد من نظرائك بخراسان ، فقال : ليس يهنيني ذلك ، لأني لا
أرى عجائز بُوشَنْج يتطلعن إليَّ من أعالي سطوحهن إذا مررت بهن ، وإنما
قال ذلك لأنه ولد ونشأ بها، وكان جده مصعب والياً عليها وعلى هَراة .
١. ص : لتسع .
٢ تاريخ الطبري (حوادث: ١٩٥) ج ١٠: ١٤١ (من الطبعة المصرية: ١٣٢٦).
٣٠ ص : ١٤٩ من المصدر السابق.
؛ نص ما قاله الطبري (ص: ١٥٣): ومشى القواد بعضهم إلى بعض وذلك يوم الخميس للنصف
من شوال سنة ١٩٥ فقالوا ان علياً (يعني علي بن عيسى بن ماهان) قد قتل .
٥١٨

وكان شجاعاً أديباً ، وركب يوماً ببغداد في حَرّاقته، فاعترضه مُقَدِّسُ
ابن صيفي الخلوقي الشاعر ، وقد أُدنيت من الشط ليخرج، فقال : أيها الأمير،
إن رأيت أن تسمع مني أبياتاً ، فقال : قل ، فأنشأ يقول١ :
عجبتُ لحرّقة ابن الحسين لا غرقَتْ كيف لا تَغْرَقُ
وبَحْرانِ: من فوقها واحدٌ وآخرُ من تحتها مُطبقُ
وأعجبُ منَ ذاك أعْوادُها وقد مسَّها كيف لا تُورِقُ؟
فقال طاهر : أعطوه ثلاثة آلاف دينار٢ ، وقال له : زدنا حتى نزيدك ،
فقال : حسبي .
ولبعض الشعراء في بعض الرؤساء ، وقد ركب البحر ، وما أقصر فيه :
ولما امتطى البحرَ ابتهلْتُ تضرُّعاً إلى الله يا مُجري الرياحِ بلطفهِ
جعلْتَ الندَى من كفّهِ مثلَ موْجْهٍ فسلِّمه واجعلْ مؤْجه مثل كفِّهِ
وكان طاهر قد احتاج إلى الأموال عند محاصرة بغداد ، فكتب إلى المأمون
يطلبها منه ، فكتب له إلى خالد بن جيلويه الكاتب ليقرضه ما يحتاج إليه ،
فامتنع خالد من ذلك ، فلما أخذ طاهر بغداد أحضر خالداً وقال له : لأقتلنك
شر قتلة، فبذل من المال شيئاً كثيراً فلم يقبله منه، فقال خالد : قد قلتُ
شيئاً فاسمعه ، ثم شأنك وما أردت ، فقال طاهر : هاتٍ ، وكان يعجبه
الشعر ، فأنشده :
زعَمُوا بأن الصّقْر٣ صادفَ مرةً عصفور برّ ساقَه المقدورُ؛
فتكلّ العصفورُ تحتَ جناحهِ والصقرُ مُنقضِّ عليه يطير
١ س: فأنشده، والأبيات منسوبة لعوف بن محلم في طبقات الشعراء: ١٨٩.
٢ ر : درهم .
٣ م : نبئت أن الباز.
٤ أ : التقدير .
٥١٩

ما كنتُ يا هذا لمثلك لقمة١ً ولئن شُويت٢ُ فإنني لحقير
فتهاوَنَ الصقرُ المدِلُّ بصيده٣ٍ كَرَماً فأفْلتَ ذلك العصفور
فقال طاهر : أحسنت ، وعفا عنه .
وكان طاهر بفرد عين ، وفيه يقول عمرو بن بانة - الآتي ذكره إن شاء
الله تعالى - :
يا ذا اليمينينِ وعينٍ واحده نقصانُ عينٍ ويمينٌ زائدَهْ
ويحكى أن إسماعيل بن جرير البجلي كان مدّاحاً لطاهر المذكور، فقيل له:
إنه يسرق الشعر ويمدحك به ، فأحبّ طاهر أن يمتحنه ، فقال له : تهجوني ،
فامتنع ، فألزمه بذلك ، فكتب إليه :
رأيتُكَ لا ترى إلا بعيْنٍ وعينُكَ لا ترى إلا قليلا
فأما إذا أصبت بفرْد عينٍ فخذ من عينك الأخرى كفيلا
بظهر الكف تلتمس السبيلا
فقد أيقنت أنك عن قریب
فلما وقف عليها قال له : احذر أن تنشدها أحداً ، ومزق الورقة .
ولما استقل المأمون بالأمر بعد قتل أخيه الأمين كتب إلى طاهر بن الحسين
المذكور وهو مقيم ببغداد والمأمون مقيم بخراسان بأن يسلم إلى الحسن بن سَهل
- المقدم ذكره - جميع ما افتتحه من البلاد ، وهي العراق وبلاد الجبل وفارس
والأهواز والحجاز واليمن، وأن يتوجه هو إلى الرقة ، وولاه الموصل وبلاد
الجزيرة الفُراتية والشام والمغرب ، وذلك في بقية سنة ثمان وتسعين ومائة .
وأخبار طاهر كثيرة - وسيأتي ذكر ولده عبد الله وحفيده عبيد الله في
حرف العين إن شاء الله تعالى - .
١ هـ : مثلي لمثلك لا يفيد بأكله .
٢ هـ : أكلت .
٣ ج : بنفسه .
٥٢٠