النص المفهرس

صفحات 441-460

الدين في موكبه ، فلم يتجاسر أحد عليه إلا صلاح الدين، فإنه تلقّاه وسار إلى
جانبه وأخذ بتلابيبه وأمر العسكر بقصد أصحابه ، ففروا ونهبهم العسكر ،
وأنزل شاور في خيمة مفردة ، وفي الحال جاء توقيع على يد خادم خاص من
جهة المصريين يقول: لا بد من رأسه، جرياً على عادتهم مع وزرائهم، فحزً
رأسه وأنفذه إليهم، وسير إلى أسد الدين خِلَعَ الوزارة فلبسها، وسار ودخل
القصر وترتب وزيراً ، وذلك في سابع عشر شهر ربيع الآخر من السنة
المذكورة .
وذكر الحافظ ابن عساكر في تاريخه أن شاور وصل إلى نور الدين مستجيراً
فأكرمه واحترمه وبعث معه جيشاً فقتلوا خَصْمه ولم يقع منه الوفاء بما ورد
من جهته، ثم إن شاور بعث إلى ملك الفرنج واستنجده وضمن له أموالاً ،
فرجع عسكر نور الدين إلى الشام ، وحدث ملك الفرنج نفسه بملك مصر ،
فحضر إلى بلبيس وأخذها وخيّم عليها ، فلما بلغ نورَ الدين ذلك جهز عسكراً
إليها ، فلما سمع العدو بتوجُّه الجيش رجعوا خائبين ، واطلع من شاور على
المخامرة، وأنفذ يراسل العدو طمعاً منه في المظافرة، فلما خيف من شره تمارض
أسد الدين فجاءه شاور عائداً له فوثب جرديك وبُرغش مَوْلَيا نور الدين فقتلا
شاور، وكان ذلك برأي الملك الناصر صلاح الدين ، فإنه أول من تولى القبض
عليه ومد يده بالمكروه إليه ، وصفا الأمر لأسد الدين ، وظهرت السُّنة بالديار
المصرية ، وخطب فيها بعد اليأس للدولة العباسية .
وللفقيه عمارة اليمني - الآتي ذكره - فيه مدائح ، من جملتها قوله من جملة
قصيد :
ضجر الحديدُ من الحديدِ وشاورٌ مِنْ نَصر دين محمد لم يضْجرِ
حلف الزمان ليأتينَ بمثله حنثت يمينك يا زمان فكَفِّرٍ
وحكى الفقيه عمارة المذكور١ أنه لما تم الأمر لشاور وانقرضت دولة بني
١ راجع النكت العصرية : ٦٩ .
٤٤١

رُزِّيكَ جلس شاور وحوله جماعة من أصحاب بني رزيك وممن لهم عليهم
إِحسان وإنعام ، فوقعوا في بني رُزِّيكَ تقرُّباً إلى قلب شاور، وكان الصالح بن
رزيك وابنه العادل قد أحسنا إلى عمارة عند دخوله إلى الديار المصرية ، قال :
فأنشدته :
صحَّتْ بدولتك الأيام من سَقَمِ وزال ما يشتكيه الدهر من ألمٍ
والحمد والذم فيها غيرُ منصرم
زالت ليالي بني رزیڭ وانصر مت
كأن صالحهم يوماً وعادلهم
هم حركوها عليهم وهيَ ساكنة
كنا نظنُّ وبعضُ الظن مأئمة
فمذ وقعْتَ وقوعَ النسر خانهُمُ
ولم يكونوا عدُوّاً ذلَّ جانبه
وما قصدتُ بتعظيمي عِداكَ سوى
ولو شكرتُ لياليهم محافظةٌ
ولو فتحت فَمي يوماً بذمِّهِمُ
في صَدر ذا الدَّستِ لم يقعد ولم يقم
والسّلم قد ينبت الأوراق في السَّم
بأن ذلك جَمْعٌ غير منهزم
من كان مجتمعاً من ذلك الرخَم١
وإنما غرِقِوا في سَيْلِك العَرِيمِ
تعظيم شأنك فاعذرني ولا تلم
لعهدها لم يكن بالعهد من قِدَم
لم يرض فضلك إلا أن يسد فَمي
والله يأمر بالإحسان عارفةً منه وينهى عن الفحشاء في الكلم
قال عمارة : فشكرني شاور وولداه على الوفاء لبني رُزِّيكَ.
(49) وأما الملك٢ المنصور أبو الأشبال ضرغام بن سَوَّار اللَّخمي المذكور
فانه لما وصل شاور من الشام بالعساكر خرج من القاهرة وقتل يوم الجمعة الثامن
والعشرين من شهر جمادى الآخرة ، وقيل في رجب سنة تسع وخمسين وخمسمائة،
وكان قتله عند مشهد السيدة نفيسة رضي الله عنها ، فيما بين القاهرة ومصر ،
وحزُّوا رأسه وطافوا به على رمح ، وبقيت جثته هناك ثلاثة أيام تأكل منها
الكلاب ، ثم دفن عند بركة الفيل وعمر عليه قبة ، هكذا وجدته في بعض
١ بعد هذا البيت جاء في ج: ومنها، وأشار إلى من كان حاضراً ...
٢ هذه الفقرة لم ترد في س ، حتى قوله : المذكورة .
٤٤٢

التواريخ ، وعلى البركة قبة ، وغالب ظني أنها هي المذكورة .
وواحات : بفتح الواو وبعد الألف حاء مهملة وبعد الألف الثانية تاء مثناة
من فوقها ، وهي بلاد بنواحي الديار المصرية مستطيلة في طول صعيدها داخل
البرِّيَّة مما يلي أرض بَرْقَةَ وطريق المغرب .
وتَرَوْجَةَ : بفتح التاء المثناة من فوقها والراء وبعد الواو الساكنة جيم ثم
هاء ساكنة، وهي قرية بالقرب من الإسكندرية أكثر زراعة أهلها الكَرَويا.
ونقلتُ نسبه على هذه الصورة من شجرة أحضرها إليَّ أحد حَفَدَتِهِ.
٢٨٥ ب
شاور بن مجير الوزير المصري
[بعد النسب المتقدّم في الترجمة السابقة ] وزير العاضد صاحب مصر ، ولي
الوزارة له سنة ثمان وخمسين وخمسمائة في صفر منها ، وكان ابتداء امره أنه كان
يخدم الصالح بن رزيك ، فأقبل عليه وولاه الصعيد وهو أكبر الأعمال بعد
الوزارة ، وظهرت منه كفاءة عظيمة وتقدم واستمال الرعية والمقدمين من العرب
وغيرهم ، فعسر أمره على الصالح ولم يمكنه عزله ، فاستدام استعماله لثلا يخرج
عن طاعته . ولما جرح الصالح وأشرف على الوفاة كان يعد لنفسه ثلاث غلطات
إحداها تولية شاور. ولما حضر الصالحَ الموتُ كان من جملة وصيته للعادل رزيك
ولده : انك لا تغير على شاور فإنني أنا أقوى منك وقد ندمت على استعماله ولم
يمكنتي عزله فلا تغيروا عليه فيكون لكم ما تكرهون . فلما توفي الصالح وتولى
ابنه العادل الوزارة حسَّن له أهله عزل شاور واستعمال بعضهم مكانه وخوفوه
...
٢٨٥ ب - هكذا وردت هذه الترجمة في النسخة ص، وقد آثرنا فصلها عن ترجمة شاور السابقة
لما بينهما من اختلاف .
٤٤٣

منه ان اقره على عمله، فأرسل إليه بالعزل فجمع جموعاً كبيرة وقدم من الصعيد
على واحات واخترق تلك البراري الى ان قدم عند تروجة من الاسكندرية
وتوجه الى القاهرة ، فهرب منه العادل بن رزيك فأخذ وقتل . وكانت مدة
وزارته ووزارة ابيه تسع سنين وشهراً واحداً وأياماً .
وصار شاور وزيراً وتلقب بأمير الجيوش ، وكان ذا شهامة ونجابة وفروسية.
ثم ان الضرغام جمع جموعاً كبيرة ونازع شاور في الوزارة ، وفي شهر رمضان
ظهر أمره وانهزم شاور منه الى الشام وصار ضرغام وراءه . فكان في هذه
السنة مصير ثلاثة وزراء : العادل بن رزيك وشاور وضرغام . فلما تمكن ضرغام
من الوزارة ، قتل كثيراً من الامراء المصريين لتخلو له البلاد من منازع . ثم ان
شاور لما نازعه ضرغام في الوزارة قصد نور الدين محمود بن زنكي ملتجئاً إليه
مستجيراً به ، فأكرم مثواه واحسن إليه وانعم عليه ، وطلب منه إرسال
العساكر معه الى مصر ليعود الى منصبه ، ويكون لنور الدين ثلث خراج مصر
بعد اقطاعات العساكر ، ويكون شيركوه مقيماً بعساكره في مصر ويتصرف
بأمر نور الدين واختياره . فبقي نور الدين يقدم الى هذا العرض رجلاً ويؤخر
أخرى ، فتارة تحمله رعاية قصد شاور به وطلب الزيادة في الملك والتقوّي على
الفرنج ، وتارة يمنعه خطر الطريق من أجل الفرنج وخوفاً من أن شاور ان
استقرت قاعدته ربما لا يفي ؛ ثم قوي عزمه على ارسال الجيوش ، فتقدم
بتجهيزها وازاحة عللها . وكان هوى أسد الدين في ذلك وعنده من الشجاعة
وقوة النفس ما لا يبالي بمخافة ، فتجهز وساروا جميعاً وشاور صحبتهم في جمادى
الأولى سنة تسع وخمسين ، وتقدم نور الدين ألى شير كوه أن يعيد شاور الى
منصبه وينتقم له ممن نازعه ، ووصل أسد الدين والعساكر الى مدينة بلبيس ،
فخرج إليهم ناصر الدين أخو ضرغام بعسكر المصريين ولقيهم فانهزم وعاد الى
القاهرة مهزوماً ، ووصل أسد الدين الى القاهرة أواخر جمادى الآخرة ، فخرج
الملك المنصور ابو الأشبال ضرغام بن عامر بن سوار الملقب فارس المسلمين اللخمي
المنذري - المذكور أول الترجمة - من القاهرة سلخ الشهر ، فقتل عند مشهد
السيدة نفيسة وبقي يومين ثم حمل ودفن بالقاهرة . وقتل أخوه ناصر الدين، وخلع
٤٤٤

على شاور مستهلَّ رجب واعيد الى الوزارة وتمكن منها ، والقصة مشهورة ...!
وحدث ملك الفرنج نفسه بملك مصر وأخذ بلبيس وحكم عليها ، وكان
استقر بينهم وبين المصريين أن يكون لهم بالقاهرة شحنة٢ وتكون أسوارها بيد
فرسانهم ليمتنع نور الدين من ايفاد عسكر إليهم ويكون لهم من دخل مصر كل
سنة مائة ألف دينار ، وهذا كله استقر مع شاور فان العاضد لم يكن له معه
حكم ، قد حجر عليه وحجبه عن الأمور كلها .
وعاد الفرنج الى بلاد الساحل الشامي وتركوا بمصر جماعة من مشاهير
فرسانهم . وكان الكامل شجاع بن شاور قد ارسل الى نور الدين مع بعض
الأمراء ينهي إليه محبته وولاءه ويسأله الدخول في طاعته ، وضمن على نفسه انه
يجمع الكلمة بمصر على طاعته وبذل مالاً يحمله كل سنة ، فأجابه الى ذلك وحملوا
إليه مالاً جزيلاً ، فبقي الأمر على ذلك إلى أن قصد الفرنج مصر سنة أربع
وستين .
وفي ربيع الاول من هذه السنة، سار أسد الدين شيركوه الى ديار مصر
ومعه العساكر النورية ، وسبب ذلك ما ذكرناه من تمكن الفرنج وانهم جعلوا
لهم في القاهرة شحنة وتسلموا ابوابها وجعلوا فيها جماعة من فرسانهم وحكموا
على المسلمين حكماً جائراً ، فلما رأوا ذلك وان البلاد ليس فيها من يردهم ،
ارسلوا إلى ملك الفرنج بالشام ، وهو مري ، ولم يكن للفرنج منذ ظهروا
بالشام مثله شجاعة ومكراً ودهاءً ، يستدعونه ليملكها واعلموه خلوها من
بمانع وهونوا عليه أمرها ، فلم يجبهم الى ذلك ، فاجتمع عنده فرسان الفرنج
وذوو الرأي وأشاروا عليه بقصدها، فقال لهم: الرأي عندي أنّا لا نقصدها ،
فإنها طعمة لنا وأموالها تساق إلينا نتقوى بها على نور الدين، وان نحن قصدناها
لنملكها فإن صاحبها وعساكره وعامة بلاده لا يسلمونها إلينا ويقاتلوننا دونها
ويحملهم الخوف على تسليمها الى نور الدين ، وان أخذها وصار له فيها مثل أسد
١ تتفق هذه الترجمة مع السابقة بعد ذلك حتى قوله: «فرجع عسكر نور الدين إلى الشام» ،
وقد تضمنت النقل عن بهاء الدين ابن شداد والفقيه عمارة والحافظ ابن عساكر .
٢ الشحنة : ذخيرة الحرب .
٤٤٥

الدين فهو هلاك الفرنج وإجلاؤهم من ارض الشام ، فلم يقبلوا قوله وقالوا انها لا
مانع فيها ولا حامي ، والى ان يجهز نور الدين عسكراً نكون قد ملكناها
وفرغنا من أمرها وحينئذ يتمنى نور الدين منا السلامة . فسار معهم على كره
وشرعوا يتجهزون ويُظهرون أنهم يقصدون مدينة حمص . فلما سمع نور الدين
شرع أيضاً في جمع عسكره . وجدّ الفرنج في السير الى مصر ونازلوا مدينة
بلبيس وملكوها قهراً ونهبوا فيها وأسروا وسبوا . وكان جماعة من أعيان
المصريين قد كاتبوا الفرنج ووعدوهم النصرة عداوة منهم لشاور، منهم ابن الخياط
وابن مرجلة ، فقوي جنان الفرنج بهم ، وساروا من بلبيس الى مصر فنزلوا على
القاهرة وحصروها ، فخاف الناس منهم واقبلوا على الامتناع فحفظوا البلد
وقاتلوا عليه وبذلوا جهدهم في حفظه . فلو أن الفرنج أحسنوا السيرة في بلبيس
لملكوا مصر والقاهرة، ولكن الله حسَّن لهم ما فعلوا ليقضي الله أمراً كان مفعولاً.
وأمر شاور باحراق مدينة مصر، وأمر أهلها بالانتقال منها الى القاهرة وأن
ينهب البلد ، فانتقلوا وبقوا على الطرق ونهبت المدينة وافتقر أهلها وذهبت
أموالهم ونعمتهم قبل نزول الفرنج عليهم بيوم أو يومين خوفاً ان يملكها الفرنج،
وبقيت النار فيها اربعة وخمسين يوماً . فأرسل الخليفة العاضد الى نور الدين
يستغيث به ويعرفه ضعف المسلمين عن دفع الفرنج ، وأرسل في الكتب شعور
النساء وقال : هذه شعور نسائي من قصري تستغيث بك لتنقذهم من الفرنج .
فشرع في تجهيز الجيوش .
وأما الفرنج فانهم اشتدوا في حصار القاهرة وضيقوا على أهلها وشاور هو
المتولي للأمر والعساكر والقتال ، فضاق به الأمر وضعف عن ردهم ، فأخذ في
إعمال الحيلة، فأرسل إلى ملك الفرنج يعرفه مودته له ومحبته القديمة ، وأن هواه
معه لخوفه من نور الدين ومن العاضد، وأن المسلمين لا يوافقونه على التسليم إليه ،
وبشر بالصلح على أن يعطيه ألف ألف دينار مصرية ، يعجل البعض ويؤخر
الباقي ، فاستقرت القاعدة على ذلك . ورأى الفرنج أن البلاد قد امتنعت عليهم
وربما سلمت الى نور الدين ، فاجابوا الى ذلك فقالوا : نأخذ المال ونتقوى به
ونعاود البلاد بقوة لا نبالي معها بنور الدين ، ومكروا ومكر الله والله خير
٤٤٦

الماكرين . فعجل لهم شاور مائة ألف دينار وسألهم الرحيل عنهم ليجمع لهم
المال ، فرحلوا وشرع شاور يجمع المال من أهل القاهرة ومضى فلم يتحصل له
إلا قدر يسير لا يبلغ خمسة آلاف دينار وتنبه أن أهل مصر أُحرقت دورهم بما
فيها وما سلم نهب وهم لا يقدرون على الأقوات فضلاً عن الاقساط ، وأما أهل
القاهرة فالأغلب فيهم الجند وغلمانهم فلهذا تعذر جمع المال ، وهم في خلال هذا
يراسلون نور الدين بما الناس فيه وبذلوا له ثلث خراج ديار مصر وأن يكون
أسد الدين مقيماً عندهم في عسكر يكون مقطعاً في الديار المصرية خارجاً عن
الثلث المختص به .
فأسرَّ نور الدين لأسد الدين بالتجهز الى مصر واعطاه مائتي ألف دينار
سوى الثياب والأسلحة والدواب وغير ذلك وحكمه في العسكر والخزائن ،
فاختار من العسكر الفي فارس وأخذ المال وجمع ستة آلاف فارس وسار بهم
هو وصلاح الدين ابن أخيه . فلما قرب أسد الدين من مصر رحل الفرنج عنها
عائدين إلى بلادهم بخفّ حُنين . فلما وصل أسد الدين الى القاهرة دخل الى
العاضد فخلع عليه وعاد الى الخيم بالخلعة وفرح بها أهل مصر وأجريت عليه
وعلى عسكره الجرايات الكثيرة والاقامات الوافرة . ولم يمكن شاور المنع من
ذلك لأنه رأى العساكر كثيرة مع شيركوه وهوى العاضد معهم ، فلم يتجاسر
على إظهار ما في نفسه وشرع يماطل أسد الدين في تقدير ما كان بذل لنور الدين
من المال وإقطاع الجند وهو يركب كل يوم إلى أسد الدين ويسير معه ويعده
ويمنيه . ثم انه عزم على أن يعمل دعوة يدعو لها أسد الدين وجماعة من الأمراء
الذين معه ويقبض عليهم ويستخدم من معهم من الجند فَتُمْنَع بهم البلاد من
الفرنج ، فنهاه ابنه الكامل وقال : والله لئن عزمت على هذا لأعرّفن شير كوه ،
فقال له أبوه: والله لئن لم نفعل هذا لنُقتلن جميعاً، فقال: صدقت ولكن نُقتل
ونحن مسلمون خير من أن نُقتل وقد ملكها الفرنج ، فإنه ليس بينك وبين عود
الفرنج الا أن يسمعوا بالقبض على شيركوه ، وحينئذ لو مشى العاضد الى نور
الدين لم يرسل معه فارساً واحداً ويملكون البلاد ؛ فترك ما كان عزم عليه .
ولما رأى العسكر النوري مطل شاور خافوا شره، واتفق صلاح الدين .
٤٤٧

ومن معه من الأمراء منهم عز الدين جرديك على قتل شاور ، وأعلموا أسد
الدين ، فنهاهم عنه فسكتوا وهم على العزم . فاتفق أن شاور قصد عسكر أسد
الدين على عادته في الخيام فلم يجده - وكان قد مضى لزيارة قبر الإمام الشافعي
رضي الله عنه - فمضى إليه ومعه صلاح الدين وجرديك في جمع من العسكر
فساروا جميعاً ، فتناوله صلاح الدين وجرديك وألقياه الى الأرض عن فرسه ،
فهرب عنه أصحابه وأُخذ أسيراً ، ولم يمكنهم قتله بغير أمر أسد الدين ، فوكلوا
به وسيروا أعلموا أسد الدين بالحال ، فحضر ولم يمكنه إلا اتمام ما عملوه. وسمع
العاضد الخبر فأرسل الى أسد الدين وطلب إيفاد رأس شاور وبايع الرسل
بذلك ، فقُتل كما تقدم في هذه الترجمة .
أما الكامل بن شاور فانه لما قُتل ابوه دخل إلى القصر هو واخوته معتصمين
به فكان آخر العهد بهم . فكان شيركوه يتأسف كيف عدم لانه بلغه ما كان
منه مع أبيه في منعه من قتل شيركوه . وكان يقول : وددت لو بقي لأحسن
إليه جزاء الصنيعة .
وصفا الامر لاسد الدين وظهرت السُّنة بالديار المصرية وخطب فيها بعد اليأس
للدولة العباسية .
٢٨٦
الأفضل ابن أمير الجيوش
;
أبو القاسم شاهنشاه الملقب الملك الافضل ابن أمير الجيوش بَدْر الجَمالي .
(50) كان بدر١ المذكور أر منيّ الجنس، اشتراه جمَال الدولة بن عمَّار، وتربّى
عنده وتقدم بسببه ، وكان من الرجال المعدودين في ذوي الآراء والشهامة وقوة
٢٨٦ - أخبار الأفضل ابن أمير الجيوش في اتعاظ الحنفا: ٢٨١ وما بعدها، وصفحات متفرقة
من الدرة المضية (جـ ٦)، وابن الأثير، والاشارة إلى من ثال الوزارة : ٥٧.
١ انظر أخبار بدر في الاشارة : ٠٥ .
٤٤٨
٤

العزم، واستنابه المستنصر صاحب مصر بمدینة صور، وقیل عكا ، فلما ضعف حال
المستنصر واختلت دولته - كما سيأتي في ترجمته في حرف الميم إن شاء الله تعالى -
وُصف له بدر الْجَمَالي المذكور، فاستدعاه وركب البحر في الشتاء١ في وقت
لم تجر العادة بركوبه في مثله، ووصل إلى القاهرة عشية يوم الاربعاء لليلتين
بقيتا من جمادى الاولى ، وقيل الآخرة ، سنة ست وستين وأربعمائة ، فولاه
المستنصر تدبير أموره ، وقامت بوصوله الحرمة وأصلح الدولة ؛ وكان وزير
السيف والقلم ، وإليه قضاء القضاة والتقدم على الدعاة ، وساس الامور أحسن
سياسة ، ويقال: إن وصوله كان أول سعادة المستنصر وآخر قطوعه ٢ ، وكان
يلقب ((أمير الجيوش))؛ ولما دخل على المستنصر قرأ قارىء بين يدي
المستنصر ﴿ولقد نصركم الله ببدر﴾ (آل عمران: ١٢٣) ولم يتم الآية ٣، فقال
المستنصر: لو أتمها ضربت عنقه، وجاوز ثمانين سنة ، ولم يزل كذلك إلى أن توفي
في ذي القعدة، وقيل في ذي الحجة ، سنة ثمان وثمانين وأربعمائة ، رحمه الله تعالى.
[قال علقمة العليمي : قصدت بدراً الجمالي بمصر فرأيت الناس وكبراءهم
وشعراءهم على بابه قد طال مقامهم ولم يصلوا إليه ؛ قال : فبينا أنا كذلك إذ
خرج بدر يريد الصيد ، فخرج علقمة في إثره ، فلما رجع وقف على نشز من
الأرض وأومأ برقعة في يده وأنشأ يقول :
دُرَرٌ، وجودُ يمينك المبتاعُ
نحن التجار وهذه أعلاقنا
هي جوهرٌ تختاره الأسماع
قلّبْ وفتّشها بسمعك إنما
قلَّ النَّفاق تعطّلَ الصناع
كسدت علينا بالشام وكلما
ومطيُّها الآمالُ والأطماع
فأتاك يحملها إليك تِجَارها
فوهبتَ ما لم يعطه في دهره هرمٌ ولا كعبٌ ولا القعقاع
وسبقتَ هذا الناس في طلب العلا فالناسُ بعدك كلهم أتباع
١ أج : فركب في الشتاء البحر .
٢ أج: خموله ؛ والقطوع: الإدبار والنحس .
٣ تمام الآية : وأنتم أذلة .
٢٩ - ٢
٤٤٩

يا بدرُ أُقسم لو بك اعتصم الورى ولجوا إليك بأسرهم ما ضاعوا
وكان على يد بدر بازيّ فألقاه وانفرد عن الجيش وجعل يسترد الأبيات إلى أن
استقر في مجلسه ثم قال لجماعة غلمانه وخاصته : من أحبني فليخلع على هذا
الشاعر ، فخرج من عنده ومعه سبعون بغلاً تحمل الخلع وأمر له بعشرة آلاف
درهم وخرج من عنده وفرق كثيراً من ذلك على الشعراء]١.
وهو الذي بنى الجامع الذي بثغر الإسكندرية المحروس الذي في سوق
العطارين ، وكان فراغه من عمارته في شهر ربيع الأول سنة تسع وسبعين
وأربعمائة ، وبنى مشهد الرأس بعَسْقَلان .
ولما مرض واشتدّ مرضه في شهر ربيع الأول من سنة سبع وثمانين ، وزر
ولده الأفضل المذكور موضعه في حياته ، وقضيته مع نزار بن المستنصر وغلامه
أفتكين الأفضلي والي الإسكندرية مشهورة في أخذهما وإحضارهما إلى القاهرة
المحروسة ، ولم يظهر لهما خبر بعد ذلك ، وكان ذلك في سنة ثمان وثمانين وأربعمائة
- وكان المستنصر قد مات في التاريخ المذكور في ترجمته ، وأقام الأفضل ولده
المستعلي أحمد المقدم ذكره مقامه واستمر على وزارته - فأما أفتكين فإنه قتل
ظاهراً، وأما نزار فيقال : إن أخاه المستعلي أحمد - المقدم ذكره - بنى في
وجهه حائطاً فمات ، والله أعلم ، وقد سبق طرف من خبره في ترجمة المستعلي ،
وأفتكين كان غلام الأفضل المذكور، ونزار المذكور إليه تنتسب ملوك الإسماعيلية
أصحاب الدعوة أرباب قلعة الالموت وما معها من القلاع في بلاد العجم .
وكان الأفضل المذكور حَسَنَ التدبير فَحْل الرأي ، وهو الذي أقام الآمر
ابن المستعلي موضع أبيه في المملكة بعد وفاة أبيه كما فعل مع أبيه ، ودبر دولته
وحجر عليه ومنعه من ارتكاب الشهوات ، فإنه كان كثير اللعب - كما سيأتي
في ترجمته إن شاء الله تعالى - فحمله ذلك على أن عمل على قتله ، فأوثب عليه
جماعة ، وكان يسكن بمصر في دار الملك التي على بحر النيل ، وهي اليوم دار
الوكالة ، فلما ركب من داره المذكورة وتقدم إلى ساحل البحر وثبوا عليه
١ زيادة من ص وحدها .
.......
٤٥٠

فقتلوه ، وذلك في سَلْخ رمضان المعظم عشية يوم الأحد سنة خمس عشرة
وخمسمائة ، رحمه الله تعالى .
وهو والد أبي علي أحمد بن شاهنشاه - الآتي ذكره في ترجمة الحافظ أبي
الميمون عبد المجيد العُبَيْدِي صاحب مصر، وما اعتده في حقه إن شاء الله
تعالى - .
وقد تقدم في ترجمة المستعلي أحمد صاحب مصر وفي ترجمة أرتق التركاني طر فٌ
من حديث الأفضل المذكور وما فعل في أخذ القدس من سكان وإيل غازي
ابني أرتق التركاني .
ثم رأيت بعد ذلك في كتاب (( الدول المنقطعة)) في ترجمة المستعلي شيئاً آخر
فألحقته هاهنا ، فإنه قال : إن الأفضل تسلم القدس في يوم الجمعة لخمس بقين من
شهر رمضان من سنة إحدى وتسعين وأربعمائة ، وولّ فيه من قبله ، فلم يكن
لمن فيه طاقة بالفرنج ، فأخذوه بالسيف في شعبان سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة،
ولو ترك في يد الأرتقية لكان أصلح للمسلمين، فندم الأفضل حين لم ينفعه الندم.
وخلف الأفضل من الأموال ما لم يُسْمَع بمثله١؛ قال صاحب (( الدول
المنقطعة)): خلف ستمائة ألف ألف دينار عيناً، ومائتين وخمسين إردبّاً دراهم نقد
مصر ، وخمسة وسبعين ألف ثوب ديباج أطلس ، وثلاثين راحلة أحقاق ذهب
عراقي ، ودواة ذهب فيها جوهر قيمته اثنا عشر ألف دينار ، ومائة مسمار من
ذهب وزن كل مسمار مائة مثقال ، في عشرة مجالس في كل مجلس عشرة مسامير
على كل مسمار منديل مشدود مذهب بلون من الألوان أيما أحب منها لبسه ،
وخمسمائة صندوق كسوة لخاصّه من دق تِنّيسَ ودمياط، وخلف من الرقيق
والخيل والبغال والمراكب والطيب والتجمل والحلي ما لم يعلم قدره إلا الله
سبحانه وتعالى، وخلف خارجاً عن ذلك من البقر والجواميس والغنم ما يُستحيا
من ذكر عدده ، وبلغ ضمان ألبانها في سنة وفاته ثلاثين ألف دينار ، ووجد في
تر كته صندوقان كبيران فيها إبر ذهب برسم النساء والجواري .
١ المسودة : بمثلها .
٤٥١

٢٨٧
شاهنشاه بن أيوب
الأمير نور الدولة شاهنشاه بن نجم الدين أيوب بن شاذي بن مروان ، أخو
السلطان صلاح الدين رحمه الله تعالى ؛ كان أكبر الإخوة ، وهو والد عز الدين
فَرُّوخ شاه والد الملك الأيجد صاحب بعلبك ووالد الملك المظفر تقي الدين عمر
صاحب حماة - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى - .
وقتل شاهنشاه المذكور في الواقعة التي اجتمع فيها الفرنج سبعمائة ألف ما بين
فارس وراجل على ما يقال ، وتقدموا إلى باب دمشق ، وعزموا على قصد بلاد
المسلمين قاطبة ، ونصر الله سبحانه وتعالى عليهم ، وكان قتله في شهر ربيع
الأول سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة ، رحمه الله تعالى .
(51) [وفي من خرج إلى القتال واستشهد الفقيه حجة الدين يوسف بن
درباس الفندلاوي المغربي ، وكان شيخاً كبيراً فقيهاً عالماً زاهداً صالحاً ، فلما
رآه معين الدين مقدّم العسكر وهو راجل قصده وسلم عليه وقال : يا شيخ ،
أنت معذور لكبر سنك، ونحن نقوم بالذبّ عن المسلمين ، وسأله أن يعود فلم
يفعل وقال له : قد بعتُ واشتريَ مني ، فوالله لا أُقيله ولا أستقيله، يريد
قوله تعالى ﴿ ان الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة﴾
(التوبة : ١١١) وتقدم فقاتل الفرنج إلى أن قُتل عند النيرب. ورئي الفندلاوي
في النوم فقيل له : ما فعل الله بك وأين أنت ؟ فقال : غفر لي وأنا في جنات
عدن على سرر متقابلين ، رحمه الله تعالى]١ .
(52) وأما عز الدين أبو سعيد فَرُّوخ شاه٢ فكان يُنْعَت بالملك المنصور، وكان
ـة
١ زيادة من ص وحدها، وانظر الباهر : ٨٩.
٢ له دور في الحروب الصليبية أيام ولايته على دمشق إذ غلب الهنفري سنة ٥٧٤ وفي السنة التالية
أعطاه صلاح الدين بعلبك وبعد سنتين (٥٧٧) استنابه بدمشق فخرج إلى طبرية وعكا ودبورية =
٤٥٢

سَريّاً نبيلاً جليلاً، واستخلفه السلطان صلاح الدين بدمشق لما عاد إلى الديار
المصرية من الشام ، فقام بضبط أمورها وإصلاح أحوالها أحسن قيام ، ثم توفي
في آخر جمادى الأولى سنة ثمان وسبعين وخمسمائة بدمشق ، هكذا قال العماد
الأصبهاني في ((البرق الشامي))، وقال ابن شداد في ((سيرة صلاح الدين)): إِن
السلطان بلغه وفاة ابن أخيه عز الدين فَرُّوخ شاه في رجب سنة سبع وسبعين
والعماد أخبر بذلك ، والله أعلم .
(53) وكان لشاهنشاه المذكور بنت تسمى عذرا وهي التي بنت المدرسة
العذراوية بمدينة دمشق ، وإليها تنسب ، وماتت عذرا المذكورة عاشر المحرم
سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة .
(54) وأما الملك الأمجد مجد الدين أبو المظفر بهرام شاه بن فَرُّوخ شاه!
فإن صلاح الدين أبقى عليه بعلبك ، وكان فيه فضل وله ديوان شعر ، وأخذ
الأشرف بن العادل منه بعلبك فانتقل إلى دمشق ، وقتله مملوكه في داره ليلة
الأربعاء ثاني عشر شوال سنة ثمانٍ وعشرين وستمائة ٢ .
= والتقى بهم في معركة كان النصر فيها حليفه، وعاد إلى دمشق ، وتوفي سنة ٥٧٨ (انظر
ترجمته في مرآة الزمان: ٣٧٢ والخريدة مقدمة قسم الشام : ١١٣).
١ أبقاه صلاح الدين في بعلبك بعد وفاة والده، وشارك سنة ٥٩٤ في صد هجوم الفرنج على
تبنين، وأقام ببعلبك حتى سنة ٦٣٧ حيث حصره الأشرف وأخرجه منها بمساعدة شيركوه
صاحب حمص . وكان المملوك الذي قتله قد اتهم بسرقة أشياء ثمينة (مرآة الزمان : ٦٦٦ -
٦٦٨) وهذه الفقرة عن الأمجد لم ترد في م.
٢ في النسخ ما عداد : ٦٠٨، وهو خطأ .
٤٥٣

٢٨٨
شبيب الخارجي
أبو الضحاك شَبِيبُ بن يزيد بن نعيم بن قيس بن عمرو بن الصلب بن قيس بن
شَراحيل بن مُرَّة بن همام بن ذهْل بن شَيْبَان بن ثعلبة - وبقية النسب
معروف - الشيباني الخارجي ؛ كان خروجه في خلافة عبد الملك بن مروان ،
والحجاج بن يوسف الثقفي بالعراق يومئذ ، وخرج بالموصل، فبعث إليه الحجاج
خمسة قُوَّاد ، فقتلهم واحداً بعد واحد ، ثم خرج من الموصل يريد الكوفة ،
وخرج الحجاج من البصرة يريد الكوفة أيضاً ، وطمع شبيبٌ أن يلقاه قبل أن
يصل إلى الكوفة ، فأقحم الحجاج خيله فدخلها قبله ، وذلك في سنة سبع
وسبعين للهجرة ، وتحصن الحجاج في قصر الإمارة ، ودخل إليها شبيب وأمه
جَهِيزَة وزوجته غَزالة عند الصباح، [فوجد باب القصر مغلقاً والحجاج فيه ،
فقتل الحرس ثم دنا من الباب فعالجه هو وأصحابه فأعياهم فتحه ، فضربه شبيب
بعمود كان في يده فنقب الباب ، فيقال إن ذلك النقب لم يزل في الباب إلى أن
خرب قصر الإمارة وفيه ضربة شبيب]١. وقد كانت غزالة نذرَتْ أن تدخل
مسجدَ الكوفة فتصلي فيه ركعتين تقرأ فيهما سورة البقرة وآل عمران ، فأتوا
الجامع في سبعين رجلاً فصلَّت فيه الغداة وخرجت من نذرها [فقيل فيها :
وفت الغزالة نذرها يا رب لا تغفر لها]٢
وكانت غزالة من الشجاعة والفروسية بالموضع العظيم ، وكانت تقاتل في
٢٨٨ - وردت أخبار شبيب الخارجي مفصلة في الطبري وابن الاثير واليعقوبي وابن خلدون والبداية
والنهاية (٩: ٢٠) .
١ زيادة من ص وحدها .
٢ زيادة من ص وحدها .
٤٥٤

الحروب بنفسها ، وقد كان الحجاج هرب في بعض الوقائع مع شبيب من غزالة
فعيره ذلك بعضُ الناس بقوله١ :
أسدٌ عليّ وفي الحروب نَعامةٌ فَتْخاءُ تَنفِر من صفير الصّافِرِ
هَلاَ برزْتَ إلى غزالة في الوَغى بل كان قلبك في جَناحَيْ طائِرٍ
وكانت أمه جهيزة أيضاً شُجاعة تشهد الحروب٢ ، وكان شبيب قد ادعى
الخلافة ، ولما عجز الحجاج عن شبيب بعث عبد الملك إليه عساكر كثيرة من
الشام عليها سفيان بن الأبرد الكلبي ، فوصل إلى الكوفة ، وخرج الحجاج أيضاً
وتكاثروا على شبيب فانهزم وقُتِلت غزالة وأُمه ونجا شبيب في فوارس من
أصحابه ، واتبعه سفيان في أهل الشام ، فلحقه بالأهواز فولى شبيب فلما
حصل على جسر دُجَيْل نفر به فرسه وعليه الحديد الثقيل من دِرْع ومِغفر
وغيرهما فألقاه في الماء فقال له بعض أصحابه : أغَرَقاً يا أمير المؤمنين ؟ قال :
ذلك تقدير العزيز العليم ، فألقاه دُجَيل ميتاً في ساحله، فحُمل على البريد إِلى
الحجاج ، فأمر الحجاجُ بشق بطنه واستخراج قلبه ، فاستُخرج فإذا هو كالحجر
إذا ضُرب به الأرض نبا عنها ، فشُقَّ فكان في داخله قلب صغير كالكرة ،
فشُقّ فأصيب علقة الدم في داخله .
وقال بعضهم : رأيت شبيباً وقد دخل المسجد وعليه جُبَّة طيالسة عليها
نقط من أثر المطر، وهو طويل أشمط جَعْد آدم ، فجعل المسجد يرتج له .
وكان مولده يوم عيد النحر سنة ست وعشرين للهجرة ، وغرق بدُجَيل كما
تقدم سنة سبع وسبعين للهجرة ، رحمه الله تعالى .
١ ج: أسامة بن زيد البجلي؛ والشعر ينسب لعمران بن حطان (شعر الخوارج: ٢٥ وتخريجها
ص : ١٥٦) .
٢ زاد في أ هنا :
وبلغنا أنه كان ينعى إليها في وقائعه فلا تصدق حتى بلغها أنه غرق في دجيل فسكتت ،
وقالت : الآن علمت أنه قد هلك ، فقيل لها : وكيف ذلك ؟ فقالت : لأني رأيت عند حملي به
أن شهاباً قد خرج مني فبلغ أقطار الأرض وعنان السماء وليس يطفىء النار غير الماء فلذلك
صدقت بذهابه .
٤٥٥

(55) ولما غرق أُحضر إلى عبد الملك رجل يرى رأي الخوارج وهو عِتْبان
الحَرُوري ابن أصيلة ، ويقال وصيلة ، وهي أُمه ، وهي من بني محلّم وهو من
بني شيبان من شراة الجزيرة ، وقد عمل قصيدة وهي أبيات عديدة ذكرها
المرزباني في ((المعجم)) فقال له: ألست القائل ١ يا عدوّ الله:
فإنْ يَكُ منكم كانَ مَرْوانُ وابنُهُ وعَمْرو ومنكم هاشمٌ وحبيبُ
فمنّا حُصينٌ والبَطِينُ وقَعْنبٌ ومنّا أميرُ المؤمنين شَبيبُ
فقال: لم أقل كذا يا أمير المؤمنين ، وإنما قلت :
ومنّا أميرَ المؤمنين شبيبُ
فاستحسن قوله ، وأمر بتخلية سبيله .
وهذا الجواب في نهاية الحسن، فإنه إذا كان ((أمير)) مرفوعاً كان مبتدأ
فيكون شبيب أمير المؤمنين ، وإذا كان منصوباً فقد حذف منه حرف النداء
ومعناه يا أمير المؤمنين منا شبيب ، فلا يكون شبيب أمير المؤمنين ، بل
يكون منهم .
وذكر الحافظ أبو القاسم المعروف بابن عساكر الدمشقي في ((تاريخ دمشق)»
في أواخر كتابه المذكور في جملة تراجم أرباب الكُنى ما مثاله : أبو المنهال
الخارجي ، شاعر وفد على عبد الملك بن مروان مستأمناً بعدما كان قال
لعبد الملك٢ :
وذو النصح لو يُدْعى إليه قريبُ
المؤمنين رسالة
امير
ابلغ
يقوم عليها من ثقيفَ خطيب
فلا صُلْحَ ما دامت منابر أرضنا
١ معجم المرزباني: ٢٦٦ وشعر الخوارج: ٦٣ ، وعتبان هو ابن شراحيل بن شريك بن عبد
الله بن الحصين الشيباني .
٢ مختصر تاريخ دمشق ٢٩: ١٣٢ وأوردها المسعودي في المروج ٥ : ٤٤١ (ط. باريس)
منسوبة لمصقلة بن عتبان .
1
٤٥٦

وإنك إِنْ لا تُرْضِ بكر بن وائل يَكُنْ لك يومٌ بالعراق عصيب
وبعد هذه الأبيات الثلاثة البيتان المذكوران . وأبو المنهال كنية عِتْبان بن
وصيلة المذكور. وقوله (( من ثقيف خطيب)) يريد به الحجاج بن يوسف الثقفي
المقدم ذكره .
وجَهيزة : بفتح الجيم وكسر الهاء وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الزاي
وبعدها هاء ساكنة، وهي التي يُضرب بها المثل في الحمق فيقال ((أحمق من
جهيزة))، ذكر ذلك يعقوب بن السِّكِّيت في كتاب ((إِصلاح المنطق)» في باب
ما تضعه العامة في غير موضعه١، وقال : كان أبو شبيب من مهاجرة الكوفة ،
فغزا سلمان بن ربيعة الباهلي في سنة خمس وعشرين للهجرة ، فأتوا الشام ،
فأغاروا على بلاد وأصابوا سَبْياً وغنموا ، وأبو شبيب في ذلك الجيش، فاشترى
جارية من السبي حمراء طويلة جميلة ، فقال لها : أسْلِمِي ، فأبت ، فضربها فلم
تُسلم ، فواقعها فحملت ، وتحرك الولد في بطنها فقالت : في بطني شيء ينقز٢ ،
فقيل: أحمق من جهيزة، ثم أسلمت فولدت شيباً سنة ست وعشرين يوم النحر،
فقالت لمولاها : إني رأيت قبل أن ألد كأني ولدتُ غلاماً فخرج مني شهاب
من نار فسطع بين السماء والأرض ثم سقط في ماءٍ فخبا ، وقد ولدته في يوم
أريق فيه الدماء وقد زَجَرْتُ أن ابني يعلو أمره ويكون صاحب دماء يهريقها؛
هذا آخر كلام ابن السكيت .
ودُجَيْل: بضم الدال المهملة وفتح الجيم وسكون الياء المثناة من تحتها
وبعدها لامٍ ، وهو نهر عظيم بنواحي الأهواز وتلك البلاد ، عليه قرى ومدن ،
ومخرجه من جهة أصبهان، وحفره أردشير بن بابك أوّل ملوك بني ساسان ملوك
الفرس بالمدائن ، وهو غير دُجَيْل بغداد فإن ذلك مخرجه من دجلة مقابل
القادسية في الجانب الغربي بين تكريت وبغداد ، عليه كورة عظيمة .
وعِتْبان : بكسر العين المهملة وسكون التاء المثناة من فوقها وفتح الباء
١ انظر اصلاح المنطق : ٣٢٤ .
٢ ينقز: يثب، وفي المسودة ((ينقر)» بالراء المهملة، وهو كذلك في بعض أصول ابن السكيت.
٤٥٧

الموحدة وبعد الألف نون .
والحَروري : بفتح الحاء المهملة وضم الراء وسكون الواو وبعدها راء، هذه
النسبة إلى حَرُوراء ، بالمد ، وهي قرية بناحية الكوفة ، كان أوّل اجتماع
الخوارج بها فنسبوا إليها .
٢٨٩
شبيب بن شيبة
أبو معمر شبيب بن شيبة الخطيب المنقري البصري ؛ حدث عن الحسن
ومعاوية بن قرة وعطاء بن أبي رباح وغیرم ، وروى عنه عیسی بن یونس وأبو
بدر شجاع بن الوليد وغيرهما ، وكان له لسن وفصاحة . وقدم بغداد في أيام
المنصور فاتصل به وبالمهدي من بعده ، وكان كريماً عليهما أثيراً عندهما .
٢٨٩ - انفردت النسخة ص بهذه الترجمة؛ وشبيب بن شيبة من مشاهير الخطباء ، كانت بينه وبين
خالد بن صفوان منافسة ، لما اتفق لهما من المشاركة في الصناعة والقرابة والمجاورة ، وكان يقال
لولا أنهما أحكم تميم لتباينا تباين الأسد والنمر (البيان ١ : ٤٧) وقد قيل: ان أي خطيب بلدي
يكون في أول أمره متكلفاً مستثقلاً الى أن يحرز الاجادة بالدربة ؛ إلا شبيب بن شيبة فانه
ابتدأ بحلاوة ورشاقة وسهولة وعذوبة، حتى صار ايجازه يغني عن اسهاب المكثرين (١١٢:١ -
١١٣)؛ وقد نسب إليه الجاحظ مقامه بين يدي المنصور لما خطب صالح بن المنصور فأحسن
(راجع الترجمة رقم ٢٣٥ في هذا الكتاب). ومن أقواله: «اطلب الأدب فإنه دليل على المروءة
وزيادة في العقل وصاحب في الغربة وصلة في المجلس)) (١: ٣٥٢) وله نصائح في البلاغة
تدل على ذوق أدبي وقدرة نقدية منها : « الناس موكلون بتفضيل جودة الابتداء وبمدح صاحبه،
وأنا موكل بتفضيل جودة القطع وبمدح صاحبه . وحظ جودة القافية وان كانت كلمة واحدة
أرفع من حظ سائر البيت». وقوله في نصحه للخطيب: «فإن ابتليت بمقام لا بد لك فيه من
الاطالة فقدم إحكام البلوغ في طلب السلامة من الخطل قبل التقدم في إحكام البلوغ في شرف
التجويد، واياك أن تعدل بالسلامة شيئاً، فإن قليلاً كافياً خير من كثير غير شاف» (١١٢:١).
وانظر ترجمته في تاريخ بغداد ٩ : ٢٧٤.
١٠٠
٤٥٨

قال شبيب : كنت أسير في موكب أمير المؤمنين أبي جعفر فقلت : يا أمير
المؤمنين رويداً فإني أمير عليك، فقال : ويلك، أمير عليّ ؟ قلت : نعم ،
حدثني معاوية بن قرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أقطف القوم
دابة أميرهم ، فقال أبو جعفر: [أعطوه دابة فهو] أهون من أن يتأمر علينا .
وقال أيضاً : قال لي أبو جعفر وكنت في سمّاره : يا شبيب عظني وأوجز ،
فقلت : يا أمير المؤمنين إن الله عز وجل قسم الدنيا فلم يرض لك إلا بأرفعها
وأشرفها فلا ترض لنفسك من الآخرة إلا مثل الذي رضي لك من الدنيا ،
وأوصيك بتقوى الله عز وجل فإنها عليكم نزلت وعنكم أقبلت واليكم صدرت .
قال : لقد أوجزت وقصرت . قلت : والله لئن قصرت فما بلغت كنه النعمة
فيك .
وخرج شبيب من دار المهدي فقيل له : كيف تركت الناس ؟ قال : تركت
الداخل راجياً والخارج راضياً .
وقال حماد بن سلمة : كان شبيب بن شيبة يصلي بنا في المسجد الشارع في مربعة
أبي عبيد الله ، فصلى يوماً الصبح فقرأ بالسجدة و ﴿هل أتى على الإنسان ﴾
فلما قضى الصلاة قام رجل فقال : لا جزاك الله عني خبراً فإني كنت غدوت
لحاجة فلما أقيمت الصلاة دخلت أصلي فأطلتَ حتى فاتتني حاجتي . قال : وما
حاجتك ؟ قال : قدمت من الثغر في شيء من مصلحته وكنت وعدت البكور
إلى الخليفة لأتنجز ذلك ، قال : فأنا أركب معك ، وركب معه ودخل على
المهدي فأخبره الخبر وقصَّ عليه القصة ، قال : فتريد ماذا ؟ قال : قضاء
حاجته ، فقضى حاجته وأمر له بثلاثين ألف درهم فدفعها الى الرجل ، ودفع له
شبيب من ماله أربعة آلاف درهم وقال له : لم تضرك يا أخي السورتان .
وقال الأصمعي : كان شبيب بن شيبة رجلاً شريفاً يفزع إليه أهل البصرة في
حوائجهم ، وكان يغدو في كل يوم ويركب ، فإذا أراد أن يغدو أكل من
الطعام شيئاً ثم يركب ، فقيل له : إنك تباكر الغداء ، فقال : أجل أطفىء به
فورة الجوع وأقطع به خلوف فمي وأبلغ به في قضاء حاجتي ، فاني وجدت
خلاء الجوف وشهوة الطعام يقطعان الحكيم عن بلوغ حاجته ويحمله ذلك على
٤٥٩
١

التقصير فيما به الحاجة ، وإني رأيت النهم لا مروءة له ، ورأيت الجوع داءً،
فخذ من الطعام ما يُذهب عنك النهم وتداوي به الداء .
قيل إن شبيباً أتى سليمان بن علي الأمير في حاجة ، فقال له سليمان : قد
حلفت أني لا أقضي هذه الحاجة ، فقال: أيها الأمير إن كنت لم تحلف بيمين
قط فحنثت فيها فما أحب أن أكون أول من أحنثك ، وإن كنت ترى غيرها
خيراً منها فكفر ، فقال : أستخير الله ، ثم قضاها .
وكان يقول : من سمع كلمة يكرهها فسكت انقطع عنه ما يكره ، فإن
أجاب سمع أكثر مما يكره١ .
٢٩٠
القاضي شريح
أبو أُمية شُريح بن الحارث بن قيس بن الجهم بن معاوية بن عامر بن الرائش
ابن الحارث بن معاوية بن ثور بن مُرَتْع - بتشديد التاء المثناة من فوقها
وكسرها - الكندي ، وثور بن مُرَتْع هو کِنْدَة ، وفي نسبه اختلاف کثیر ،
وهذه الطريق أصحها٢ ؛ كان من كبار التابعين ، وأدرك الجاهلية ، واستقضاه
عمر بن الخطاب رضي الله عنه على الكوفة ، فأقام قاضياً خمساً وسبعين سنة لم
يتعطل فيها إلا ثلاث سنين امتنع فيها من القضاء في فتنة ابن الزبير ، واستعفى
الحجاج بن يوسف من القضاء فأعفاه ، ولم يقض بين اثنين حتى مات .
١ قلت: ليست هذه الترجمة على شرط المؤلف لأنه لم يحدد السنة التي توفي فيها شبيب .
٢٩٠ - ترجمة القاضي شريح في طبقات ابن سعد ٦: ١٣١ وطبقات الشيرازي، الورقة: ٢١
وحلية الأولياء ٤: ١٧٢ والشذرات ١: ٨٥ والمعاوف: ٤٣٣ وتذكرة الحفاظ : ٥٩
والعقد ١ : ٨٩ - ٩١، ٥ : ١٠.
٢ هذا هو النسب الذي أورده ابن سعد أيضاً .
٤٦٠