النص المفهرس

صفحات 401-420

حدث محمد بن جرير ، قال عيسى بن موسى لابن أبي ليلى : اجمع الفقهاء ؛
قال : فجمعهم ، فجاء الأعمش في جبة وفرو وقد ربط وسطه بشريط فأبطأوا
فقام الأعمش فقال: إن أردتم أنْ تعطونا شيئاً وإلا فخلوا سبيلنا، فقال
عيسى المذكور : قلت لك تأتي بالفقهاء فتجيء بهذا ؟ فقال : هذا سيدنا ،
هذا الأعمش .
حدثنا أحمد بن علي بن ثابت بإسناد له عن وكيع : كان الأعمش قريباً من
سبعين سنة لم تفته التكبيرة الأولى، واختلفت إليه أكثر من ستين سنة فما رأيته
يقضي ركعة .
وقال الأعمش : كنت آتي مجاهداً فيقول : لو كنت أطيق المشي لأتيتك .
وجرى بينه وبين زوجته كلام ، وكان يأتيه رجل يقال له أبو ليلى مكفوف
فصيح يتكلم بالإعراب يتطلب الحديث منه ، فقال : يا أبا ليلى ، امرأتي نشزت
علي وأنا أحب أن تدخل عليها فتخبرها مكاني من الناس وموضعي عندهم، فدخل
عليها وكانت من أجمل أهل الكوفة فقال : يا هنتاه إن الله قد أحسن قسمك ،
هذا شيخنا وسيدنا وعنه نأخذ أصل ديننا وحلالنا وحرامنا فلا يغرنك عموشة
عينيه ولا حموشة ساقيه ، فغضب الأعمش وقال : يا أعمى يا خبيث ، أعمى الله
قلبك كما أعمى عينيك ، قد أخبرتها بعيوبي كلها ؛ اخرج من بيتي .
وأراد إبراهيم النخعي أن يماشيه فقال الأعمش : إن الناس إذا رأونا معاً
قالوا : أعور وأعمش ، قال النخعي : وما عليك أن نؤجر ويأثموا ؟ فقال له
الأعمش : وما عليك أن يسلموا ونسلم ؟
وجاء رجل يطلبه في منزله ووصل وقد خرج مع امرأته إلى المسجد فجاء
فوجدهما في الطريق فقال: أيكما الأعمش ؟ فقال الأعمش : هذه، وأشار إلى
المرأة .
ودخل الحمام يوماً وجاء رجل حاسر ، فقال له الرجل : متى ذهب بصرك ؟
فقال : مذ بدت عورتك .
قال محمد بن حميد ، حدثنا جرير قال : جئنا الأعمش يوماً فوجدناه قاعداً
في ناحية فجلسنا في ناحية أخرى وفي الموضع خليج من ماء المطر، فجاء الأعمشَ
٢٦ - ٢
٤٠١

رجلٌ عليه سواد، فلما بصر بالأعمش وعليه فروة حقيرة قال : قم فعبرني هذا
الخليج ، وجذب يده وأقامه وركبه وقال: ﴿سبحان الذي سخّر لنا
هذا وما كنا له مقرنين﴾ (الزخرف: ١٣) فمضى به الأعمش حتى توسط به
الخليج فرمى به وقال: ﴿رب أنزلني منزلاً مباركاً وأنت خير المنزلين ﴾
( المؤمنون : ٢٩) ثم خرج وترك الأسود يخبط في الماء .
وكان الأعمش إذا رأى ثقيلاً قال: كم غرضك تقيم في هذه البلدة ؟]١.
وكان لطيف الخلق مَزّاحاً ، جاءه أصحاب الحديث يوماً ليسمعوا عليه ،
فخرج إليهم ، وقال : لولا أن في منزلي مَنْ هو أبغض إليَّ منكم ما خرجت
إليكم٢.
وقال له داود بن عمر الحائك : ما تقول في الصلاة خلف الحائك ؟ فقال :
لا بأس بها على غير وضوء، فقال: ما تقول في شهادة الحائك ؟ فقال : تُقبل
مع عَدْلين . ويقال إن الإمام أبا حنيفة رضي الله عنه عاده يوماً في مرضه ،
فطوّل القعود عنده ، فلما عزم على القيام قال له : ما كأني إلا ثقلت عليك ،
فقال: والله إنك لتثقل عليَّ وأنت في بيتك . وعاده أيضاً جماعة فأطالوا
الجلوس عنده فضجر منهم ، فأخذ وسادته وقام وقال : شفى الله مريضكم
بالعافية ؛ وقيل عنده يوماً: قال صلى الله عليه وسلم: ((من نام عن قيام الليل
بال الشيطان في أذنه)) فقال: ما عمشت عيني إلا من بول الشيطان في أُذني.
وكانت له نوادر كثيرة .
[وقال٣ أبو معاوية الضرير: بعث هشام بن عبد الملك إلى الأعمش أن اكتب
في مناقب عثمان ومساوىء علي ، فأخذ الأعمش القرطاس وأدخلها في فم شاة
فلاكتها ، وقال لرسوله : قل له هذا جوابك ، فقال له الرسول : إنه قد آلى
أن يقتلني إن لم آته يجوابك، وتحمَّلَ عليه بإخوانه٤، فقالوا له : يا أبا محمد
١ زيادة من ر د .
٢ بعد هذا الموضع ترد حكاية الأعمش وزوجه موجزة ، وقد وردت من قبل في المزيد من رد .
٣ هذه الفقرة بين معقفين لم ترد في م والمسودة .
٤ ص : بأصحابه .
٤٠٢

افتده من القتل، فلما الحوا عليه كتب له « بسم الله الرحمن الرحيم ، أما بعد
يا أمير المؤمنين ، فلو كانت لعثمان رضي الله عنه مناقب أهل الأرض ما نفعتك،
ولو كانت لعليّ رضي الله عنه مساوىء أهل الأرض ما ضرّتك ، فعليك
بخُوَيْصة نفسك ، والسلام))].
[وكتب إلى بعض إخوانه يعزيه :
إنا نعزيك لا أنا على ثقة من البقاء ولكن سنّة الدين
فلا المعزّى بباقٍ بعد ميّته ولا المعزّي وإن عاشا إلى حينٍ]
ومولده سنة ستين للهجرة ، وقيل إنه ولد يوم مقتل الحسين رضي الله عنه ،
وذلك يوم عاشوراء سنة إحدى وستين، وكان أبوه حاضراً مقتل الحسين، وعدّ.
ابن قتيبة في كتاب ((المعارف))٢ في جملة مَن حملت به أُمه سبعة أشهر .
وتوفي في سنة ثمان وأربعين ومائة في شهر ربيع الأول ، وقيل سنة سبع
وأربعين ، وقيل سنة تسع وأربعين ، رحمه الله تعالى .
وقال زائدة بن قدامة : تبعت الأعمش يوماً ، فأتى المقابر فدخل في قبر
محفور فاضطجع فيه ، ثم خرج منه وهو ينفضُ التراب عن رأسه ويقول :
واضِيقَ مسكناه .
ودُنْبَاوَنْدُ : بضم الدال المهملة وسكون النون وفتح الباء الموحدة وبعد
الألف واو مفتوحة ثم نون ساكنة وبعدها دال مهملة ، وهي ناحية من رستاق
الريّ في الجبال، وبعضهم يقول ((دماوند)) والأول أصح، وقد تقدم ذكرها
قبل هذا .
١ زيادة من ص وحدها .
٢ لم يرد هذا في فصل « من قصّر به عن وقت الحمل)» من الكتاب المذكور .
٤٠٣
٤

٢٧٢
أبو داود السجستاني
أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شدّاد بن عمرو بن عمران
الأزدي السجستاني ؛ أحد حفاظ الحديث وعلمه وعلله، وكان في الدرجة العالية
من النسك والصلاح ، طوّف البلاد وكتب عن العراقيين والخراسانيين والشاميين
والمصريين والجزريين، وجمع كتاب ((السنن)) قديماً وعرضه على الإمام أحمد بن
حنبل ، رضي الله عنه، فاستجاده واستحسنه ، وعدَّه الشيخ أبو إسحاق
الشيرازي في ((طبقات الفقهاء))١ من جملة أصحاب الإمام أحمد بن حنبل، وقال
إبراهيم الحربي لما صنف أبو داود كتاب ((السنن)): أُلِينَ لأبي داود الحديثُ كما
ألين لداود الحديد .
وكان يقول : كتبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسمائة ألف حديث
انتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب - يعني ((السنن)) - جمعت فيه أربعة آلاف
وثمانمائة حديث ، ذكرتُ الصحيح وما يشبهه ويقاربه ، ويكفي الإنسان لدينه
من ذلك أربعة أحاديث: أحدها قوله صلى الله عليه وسلم ((إنما الأعمال بالنيات))
والثاني قوله ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) والثالث قوله ((لا يكون
المؤمن مؤمناً حتى يرضى لأخيه ما يرضاه لنفسه)) والرابع قوله ((الحلال بيِّن
والحرام بيِّن ، وبين ذلك أمور مشتبهات)) الحديث بكماله .
وجاءه سهل بن عبد الله التُّستَري فقيل٢ له: يا أبا داود ، هذا سهل بن
عبد الله قد جاءك زائراً، قال: فرحْبَ به وأجلَسَه، فقال: يا أبا داود لي إليك
٢٧٢ - ترجمة أبي داود السجستاني في تاريخ بغداد ٩: ٥٥ وتهذيب ابن عساكر ٦: ٢٤٤
وطبقات الحنابلة! ١١٨ وتذكرة الحفاظ : ٥٩١ .
١ طبقات الشيرازي ، الورقة : ٥٠ .
٢ في المسودة : فقال .
٤٠٤

حاجة ، قال : وما هي ؟ قال : حتى تقول قضيتُها مع الإمكان ، قال : قد
قضيتها مع الإمكان ، قال : أخرج لي لسانك الذي حدثت به عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم حتى أقبِّله ، قال : فأخرج له لسانه فقبَّله .
[وكان لأبي داود كم واسع وكم ضيق ، فقيل له : يرحمك الله ما هذا ؟ فقال :
الواسع للكتب والآخر لا نحتاج إليه . وكان يقول: الشهوة الخفية حب الرياسة.
وكان في أيام حداثته وطلب الحديث جلس في مجلس بعض الرواة يكتب ، فدنا
رجل إلى محبرته وقال له : أستمد من هذه المحبرة ؟ فالتفت إليه وقال : أما
علمت أن من شرع في مال أخيه بالاستئذان فقد استوجب بالحشمة الحرمان ؟
فسمي ذلك اليوم حكيماً]١.
وكانت ولادته في سنة اثنتين ومائتين، وقدم بغداد مراراً ثم نزل إلى البصرة
وسكنها ، وتوفي بها يوم الجمعة منتصف شوال سنة خمس وسبعين ومائتين ،
رحمه الله تعالى .
(48) وكان ولده أبو بكر عبد الله بن أبي داود سليمان٢ من أكابر الحفاظ
ببغداد، عالماً متفقاً عليه، إمام ابن إمام، وله كتاب ((المصابيح)) وشارك
أباه في شيوخه بمصر والشام ، وسمع ببغداد وخراسان وأصبهان وسجستان
وشيراز . وتوفي في سنة ست عشرة وثلثمائة ، واحتج به ممن صنف الصحيح أبو
علي الحافظ النيسابوري وابن حمزة الأصبهاني .
والسُّجِسْتاني : بكسر السين المهملة والجيم وسكون السين الثانية وفتح التاء
المثناة من فوقها وبعد الألف نون ، هذه النسبة إلى سجستان ، الإقليم المشهور ،
وقيل بل نسبته إلى سجستان أو سجستانة ، قرية من قرى البصرة ، والله
أعلم بذلك .
١ زيادة بعضها عن ص وجميعها عن د.
٢ ترجمة عبد الله بن أبي داود في تاريخ بغداد ٩: ٤٦٤ وميزان الاعتدال ٢ : ٤٣٣ ويروون
أن أباه قال فيه: « ابني عبد الله كذاب»؛ قال ابن عدي: « وأما كلام أبيه فيه فما أدري
ايش تبين له منه. والاكثرون مجمعون على توثيقه)). قال صالح بن أحمد الحافظ : أبو بكر ابن
أبي داود إمام العراق، كان في وقته ببغداد مشايخ أسند منه ولم يبلغوا في الآلة والاتقان ما بلغ.
٤٠٥

٢٧٣
أبو موسى الحامض
أبو موسى سليمان بن محمد بن أحمد النحوي البغدادي المعروف بالحامض ؛
كان أحد المذكورين من العلماء بنحو الكوفيين ، أخذ النحو عن أبي العباس
ثعلب ، وهو المقدم من أصحابه ، وجلس موضعه وخَلَفه بعد موته ، وصنف
كتباً حساناً في الأدب، وروى عنه أبو عمر الزاهد وأبو جعفر الأصبهاني المعروف
ببرزويه غلام نفطويه . وكان دَيِّناً صالحاً، وكان أوحد الناس في البيان والمعرفة
بالعربية واللغة والشعر ، وكان قد أخذ عن البصريين أيضاً ، وخلط النّحوَين،
وكان حسن الوراقة في الضبط ، وكان يتعصب على البصريين فيما أخذ عنهم في
عربيتهم، وله عدة تصانيف: فمنها كتاب ((خلق الإنسان)) وكتاب ((السبق
والنضال)) وكتاب ((النبات)) وكتاب ((الوحوش)) وكتاب في النحو مختصر ،
وغير ذلك .
وتوفي ليلة الخميس لسبع بقین من ذي الحجة سنة خمس وثلثائة ببغداد ، ودفن
بمقبرة باب التبن١ ، رحمه الله تعالى .
وإنما قيل له الحامض لأنه كانت له أخلاق شَرسَة ، فلقب الحامض لذلك ،
ولما احتضر أوصى بكتبه لأبي فاتك المقتدري، بخلا بها أن تصير إلى أحد
من أهل العلم .
٢٧٣ - ترجمة أبي موسى الحامض في معجم الأدباء ١١: ٢٥٣ وانباه الرواة ٢: ٢١ وبغية الوعاة:
٢٦٢ وتاريخ بغداد ٩: ٦١ (ومصادر أخرى في حاشية الانباه). والترجمة مستوفاة في
المسودة .
١ س: المتين ، وموضعها بياض في ص ر .
٤٠٦

٢٧٤
أبو القاسم الطبراني
أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب بن مُطَير اللخمي الطبراني ؛ كان حافظ
عصره ، رحل في طلب الحديث من الشام إلى العراق والحجاز واليمن ومصر
وبلاد الجزيرة الفراتية ، وأقام في الرحلة ثلاثاً وثلاثين سنة ، وسمع الكثير ،
وعَدَدُ شيوخه ألف شيخ ، وله المصنفات الممتعة النافعة الغريبة منها المعاجم
الثلاثة: ((الكبير)) و((الأوسط)) و((الصغير)) وهي أشهر كتبه ، وروى
عنه الحافظ أبو نعيم والخلق الكثير .
ومولده سنة ستين ومائتين بطَبرِيَّة الشام ، وسكن أصبهان إلى أن توفي بها
يوم السبت لليلتين بقيتا من ذي القعدة سنة ستين وثلثمائة ، وعمره تقديراً مائة
سنة، رحمه الله تعالى ، وقيل إنه توفي في شوال ، والله أعلم ، ودفن إلى جانب
حمعة الدَّوْسيِّ صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والطبراني : بفتح الطاء المهملة والباء الموحدة والراء وبعد الألف نون ، هذه
النسبة إلى طبرية ، والطبري نسبة إلى طبرستان ، وقد تقدم ذلك .
واللَّخْمي: بفتح اللام وسكون الخاء المعجمة وبعدها ميم ، هذه النسبة إلى
لَخْم، واسمه مالك بن عديّ ، وهو أخو جُذام ، وقد تقدم القول في تسميتهما
بهذين الاسمين لِمَ كان .
ومُطير : تصغير مطر .
٢٧٤ - ترجمة الطبراني في تهذيب ابن عساكر ٦: ٢٤٠ والنجوم الزاهرة ٤ : ٥٩ وتذكرة
الحفاظ: ٩١٢ وعبر الذهبي ٢: ٣١٥؛ وأول سماعه سنة ٢٧٣ بطبرية ورحل أولاً إلى
القدس سنة ٢٧٤ ثم الى قيسارية سنة ٢٧٥ ثم الى حمص وجبلة ومدائن الشام وحج ودخل
اليمن وورد مصر ثم رحل الى العراق وأصبهان وفارس. قلت: وهذه الترجمة كاملة في المسودة.
٤٠٧

٢٧٥
أبو الوليد الباجي
أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب بن وارث التشجِييُّ المالكي
الأندلسي الباجي؛ كان من علماء الأندلس وحُفّاظها ، سكن شرق الأندلس
ورحل إلى المشرق سنة ست وعشرين وأربعمائة أو نحوها ، فأقام بمكة مع أبي
ذرّ الهَروي ثلاثة أعوام وحج فيها أربع حجج، ثم رحل إلى بغداد فأقام بها
ثلاثة أعوام يدرّس الفقه ويقرأ الحديث، ولقي بها سادةٌ من العلماء كأبي الطيب
الطبري الفقيه الشافعي والشيخ أبي إسحاق الشيرازي صاحب ((المهذب )) وأقام
بالموصل مع أبي جعفر السَّمْناني عاماً يدرس عليه الفقه ، وكان مقامه بالمشرق
نحو ثلاثة عشر عاماً، وروى عن الحافظ أبي بكر الخطيب، وروى الخطيبُ
أيضاً عنه ، قال: أنشدني أبو الوليد الباجي لنفسه [يرني ابنيه، ومانا مقترنين١:
لئن غُيِّبًا عن ناظري وتبوَّءًا فؤادي لقد زاد التباعد في القربِ
يقرّ بعيني أن أزور ثراهما وألصق مكنون الترائب بالقربِ ]٢
وروى الخطيب أيضاً عنه قال : أنشدني أبو الوليد الباجي لنفسه٣ :
إذا كنتُ أعلم علماً يقيناً بأنَّ جميع حياتي كَساعه
٢٧٥ - ترجمة أبي الوليد الباجي في الذخيرة (قسم ٣٨/٢ من مخطوطة بغداد) والقلائد: ١٨٨
والصلة : ١٩٧ وبغية الملتمس (رقم: ٧٧٧) والمغرب ١: ٤٠٤ والديباج المذهب: ١٢٠
والمرقبة العليا: ٩٥ ونفح الطيب ٢: ٦٧ (رقم: ٤٥) وتهذيب ابن عساكر ٦: ٢٤٨
ومعجم الأدباء ١١ : ٢٤٦ وتذكرة الحفاظ: ١١٧٨ وشذرات الذهب ٣ : ٣٣٤.
١ انظر النفح : ٧٤ .
٢ زيادة ليست في المسودة.
٣ النفح: ٧٥ والروض المعطار (باجة).
٤٠٨

فلِمْ لا أكونُ ضنيناً بها وأجْعَلُها في صَلاح وطاعَهْ
وصنف كتباً كثيرة منها كتاب ((المنتقى)) وكتاب (( إحكام الفصول في
أحكام الأصول)) وكتاب ((التعديل والتجريح فيمن روى عنه البخاري في
الصحيح )) وغير ذلك . وهو أحد أئمة المسلمين، وكان يقول : سمعت أبا ذر عبد
ابن أحمد الهروي يقول : لو صحت الإجازة لبطلت الرحلة . وكان قد رجع إلى
الأندلس وولي القضاء هناك، وقد قيل إنه ولي قضاء حلب أيضاً ، والله أعلم .
ومولده يوم الثلاثاء النصف من ذي القعدة سنة ثلاث وأربعمائة بمدينة
بَطَلْيَوْسَ، وتوفي بالمرية ليلة الخميس بين العشاءين تاسعة عشرة رجب سنة أربع
وسبعين وأربعمائة ، ودفن يوم الخميس بعد صلاة العصر بالرّباط على ضفة
البحر، وصَلّى عليه ابنُه القاسم .
وأخذ عنه أبو عمر ابن عبد البر صاحب («الاستيعاب))، وبينه وبين
أبي محمد ابن حزم المعروف بالظاهري مجالس ومناظرات وفصول يطول شرحها.
والباجي : بفتح الباء الموحدة وبعد الألف جيم، هذه النسبة إلى باجَةَ ،
وهي مدينة بالأندلس١، وثَمَّ باجة أخرى وهي مدينة بإفريقية، وباجة
أخرى ، قرية من قرى أصبهان .
وبَطَلْيَوْسُ يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى. والمرية قد تقدم الكلام عليها.
١ باجة (Beja) من أقدم المدائن الأندلسية، نزل فيها جند مصر. وتقع اليوم في البرتغال على بعد
١٤٠ كم إلى الجنوب الشرقي من لشبونه .
٤٠٩

٢٧٦
أبو أيوب المورياني
أبو أيوب سليمان بن أبي سليمان مخلد١ - وقيل داود - المورياني الخوزي؛
كان وزير أبي جعفر المنصور، تولى وزارته بعد خالد بن بَرْمَك جد البرامكة
وتمكن منه غاية التمكن ، وسبب ذلك أنه كان يكتب لسليمان بن حبيب بن
المهلتب بن أبي صُفْرة الأزدي ، وكان المنصور قَبْلَ الخلافة ينوب عن سليمان
المذكور في بعض كُوَر فارس ، فاتهمه بأنه احتجَن٢َ المالَ لنفسه ، فضربه
بالسياط ضرباً شديداً وأغرمه المال ، فلما ولي الخلافة ضَرَبَ عنقه ، وكان
سليمانُ قد عزم على هتكه عقيب ضربه ، فخلصه منه كاتبه أبو أيوب المذكور ،
فاعتدّها المنصور له واستوزره، ثم إنه فسدت نيته فيه ونَسَبه إلى أخذ
الأموال ، وهمّ أن يوقع به فتطاول ذلك، فكان كلما دخل عليه ظن أنه سيوقع
به ثم يخرج سالماً ، فقيل إنه كان معه شيء من الدهن قد عُمل فيه سحر فكان
يدهن به حاجبيه إذا دخل على المنصور ، فسار في العامة دُهْنُ أبي أيوب .
ومن مُلَح أمثاله أن خالد بن يزيد الأرقط قال : بينا أبو أيوب المذكور
جالسٌ في أمره ونهيه أناه رسول المنصور فتغير لونه ، فلما رجع تعجبنا من
حالته ، فضرب مثلاً لذلك وقال : زعموا أن البازي قال للديك: ما في الارض
حيوان أقل وفاء منك، قال : وكيف ذلك ؟ قال : أخذك أملُك بيضةً
فحَضنوك ، ثم خرجت على أيديهم وأطعموك في أكفهم ونشأت بينهم ، حتى إذا
كبرت صرت لا يدنو منك أحد إلا طرت هاهنا وهاهنا وصَوَّتَّ، وأُخِذْتُ
أنا مسناً من الجبال، فعلموني وألفوا بي، ثم يخلّى عني فآخذ صيداً في الهواء
٢٧٦ - ترجمة أبي أيوب المورياني في الفخري : ١٥٧ والجهشياري : ٩٧ وما بعدها ؛ وأخباره في
كتب التاريخ كالطبري وابن الاثير والمسعودي ... الخ .
١ في أصل المسودة: مجالد، وفوقها «مخلد)).
٢ ر: احتجز؛ س : اختزن .
٤١٠
ـت

وأجيء به إلى صاحبي، فقال له الديك: إنك لو رأيتَ من البُزاة في سَفافيدم.
المعدَّة للشيّ مثلَ الذي رأيتُ من الديوك لكنت أنفَرَ مني، ولكنكم أنتم لو
علمتم ما أعلم لم تتعجبوا من خوفي مع ما ترون من تمكن حالي .
ثم إنه أوقع به سنة ثلاث وخمسين ومائة ، وعذبه وأخذ أمواله . ومات
سنة أربع وخمسين ومائة ، رحمه الله تعالى .
[وكان سبب ذلك ما حكاه المعافى بن زكريا في كتاب ((الجليس والانيس))
قال : كان أبو جعفر المنصور في بعض أسفاره في أيام بني أمية تزوج امرأة من
الأزد بالموصل عن ضرٍّ شديد أصابه، حتى أكرى نفسه مع الملاحين يمدّ في
الحبل ، أو فعل ذلك لأمرٍ خافه على نفسه ، فتنكر وأكرى نفسه
في مدّادي السفن، فخطب هذه المرأة ورغَّبها في نفسه ووعدها ومنّاها ،
وأخبرها أنه جليل القدر وأنه من أهل بيت شرف، وأنها إن تزوجته سعدت،
ولم يزل يمنتيها حتى أجابته، وأقام معها يختلف في أسبابه ويجعل طريقه عليها
بما رزقه الله تعالى ؛ ثم اشتملت على حمل فقال لها : أيتها المرأة ، هذه رقعة
مختومة عندك لا تفتحيها حتى تضعي ما في بطنك ، فإن ولدتِ ابناً فسميه
جعفراً وكنّيه أبا عبد الله، وإن ولدت بنتاً فسمّيها فلانة ، وأنا عبد الله بن
محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ، فاستري أمري فإنّا قومٍ
مطلوبون ، والسلطان إلينا سريع، وودّعها وخرج؛ فقضي أنها ولدت ذكراً ،
فأخرجت الرقعة فقرأت ما فيها ، وسمته جعفراً ، وضرب الدهر على ذلك ،
ما تسمع له خبراً ، ونشأ الصبي مع أخواله وأهل بيت أمّه ، وكان كيّساً ذهناً
لقناً. واستخلف أبو العباس ، فقيل للمرأة : إن كنتِ صادقة في رقعتك وكان
من كتبها صادقاً فإن زوجك الخليفة أمير المؤمنين . قالت: ما أدري، صفوا لي
صفة هذا الخليفة، قالوا: غلام حين بقل وجهه، قالت: ليس هو هو، [قالوا]:
فاستري أمرك ، ولم يلبث أبو العباس أن مات واستحكم عندها اليأس ، وأقبل
ابنها على الأدب فتأدّب وكتب ونزعت به همته إلى بغداد فدخل ديوان أبي
أيوب كاتب المنصور وانقطع إلى بعض أهله فأتى عليه زمان يتقوت بالكسب
ويزيد في أدبه وفهمه وخطه حتى صار يكتب بين يدي أبي أيوب ، إلى أن تهيأ
٤١١

أن خرج خادم يوماً إلى الديوان يطلب كاتباً يكتب بين يدي المنصور ، فقال
أبو أيوب للغلام : خذ دواتك وقم واكتب بين يدي أمير المؤمنين ، فدخل
الغلام فكتب، وكان يتهيأ من أبي جعفر إليه النظرة بعد النظرة يتأمله، وألقيت
عليه محبته واستجاد خطه واسترشق فهمه ، فكتب زماناً واستراح أبو أيوب
إلى مكانه، ورأى أنه قد حمل عنه ثقلاً ، وبرَّ الغلام ووصله وكساه كسوة
تصلح أن يدخل بها على أمير المؤمنين ؛ ثم إن أبا جعفر قال للغلام يوماً : ما
اسمك ؟ قال : جعفر، قال : ابن من؟ فسكت متحيراً ، قال : ابن من ويحك ؟
قال : ابن عبد الله ، قال : وأين أبوك ؟ قال: لم أره ولم أعرفه، ولكنَّ أمي
أخبرتني أن أبي شريف وأنّ عندها رقعة بخطه فيها نسبه : عبد الله بن محمد بن
علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، فساعة ذكر الرقعة تغير وجه المنصور
فقال : وأين أمك ؟ قال : في موضع كذا ، قال : أتعرف فلاناً ؟ قال : نعم ،
هو إمام مسجد محلتنا ، قال : أتعرف فلاناً ؟ قال : نعم ، خياط في مسجدنا ،
قال : أفتعرف فلاناً ؟ قال : نعم في سكتنا ، فلما رأى الغلام أبا جعفر ينزع
بأسماء قوم يعرفهم أدركته هيبة له وجزع وتدمع ، فأدركت أبا جعفر الرقة
عليه ، فلم يتمالك أن قال : فلانة بنت فلانة من هي منك؟ قال : أمي ، قال:
فلانة ؟ قال : خالتي، قال : فلان ؟ قال : خالي ، فضمه إليه وبكى ، وقال :
يا غلام لا تُعلمنّ أبا أيوب ولا أحداً ما دار بيني وبينك ، انظر انظر ، احذر
احذر ، فنهض الغلام وخرج ، فقال له أبو أيوب : لقد احتبست عند أمير
المؤمنين ، قال: كتبت كتباً كثيرة أملاها عليّ، قال: فأين هي ؟ قال : جعلها
نسخاً يردد فيها نظره حتى يحكمها ، ثم خرج إلى الديوان .
ثم إن أبا جعفر جعل يقول في بعض الأيام لأبي أيوب : هذا الغلام الذي
يكتب بين يديّ استوصِ به، فاتهم أبو أيوب الغلام أنه يلقي إلى أبي جعفر
الشيء بعد الشيء من خبره ، ثم لم يلبث أن سأله مرة بعد مرة ، فقذف في قلب
أبي أيوب بغض الغلام وأنه يقوم مقامه إن فقده أبو جعفر ، وأبو جعفر يزداد
ولها إلى الغلام ويجن به جنوناً وليس يمنعه من إدنائه وإظهار أمره إلا أمرٌ
يريده الله ، فلما رأى أبو أيوب ذلك احتبسه عنده عناداً ، ثم قال المنصور
٤١٢

٠
للخادم : اخرج إلى الديوان فجئني بفلان ، فإن بعث معك بغيره فقل : أمرني
أمير المؤمنين لا يدخل عليه غيره، ففعل الخادم ذلك، واستحكم في قلب أبي أيوب
ما حذره وحدثته به نفسه ، فقال الغلام : يا أمير المؤمنين قد تعرفت من أبي
أيوب البغض وله غوائل لا يحيط بها علمي وأنا أخاف على نفسي ، فقال له أبو
جعفر : يا بنيَّ قد حاك [ذلك] في صدري ، فإذا كان الغد فتعرض لأن يغلظ
لك فإذا أغلظ فقم وانصرف كأنك مغضب ولا تعد إلى الديوان ، واجعل
وجهك إلى أمك وأوصل إليها هذا العقد وهذا الكيس وكتابي هذا واحمل
أمك ومن اتبعها من قرابتك وأقبل فانزل في موضع كذا فإني منفذ إليك خادماً
يتفقد أمورك ويعرف خبرك ، فلا تطلعن أحداً من الخلق على ما معك وامضٍ
بهذا المال وهذا العقد وأحرزه أولاً قبل رجوعك إلى الديوان ؛ ثم قال للخادم:
أخرجه من باب كذا وكذا ، فخرج الغلام فأحرز ما كان معه ثم رجع إلى
الديوان وأبو أيوب في فكره من احتباسه عند المنصور ، ورجع الغلام بوجه
بهج مسرور لا يخفى ذلك عليه وظهر الفرح في وجهه وشمائله ، فقال أبو أيوب:
أحلف بالله لقد رجع هذا الغلام بغير الوجه الذي مضى به ، ولقد دار بينه وبين
أمير المؤمنين من ذكري ما سره، فاستشعر الوحشة منه وصرف أكثر عمله عنه، ثم
لم ينشب أن أغلظ له فقال الغلام: أنا إنسان غريب أطلب الرزق وأنت تستخفُ
بي فكأني قد ثقلت عليك فأتنحى عنك قبل أن تطردني ، ثم قام وانصرف
فافتقده أبو أيوب أياماً ورأى أن أبا جعفر لا يسأل عنه ولا يذكره ، ثم إن
نفس أبي أيوب نازعته إلى علم حقيقة خبره فأرسل من يسأل عنه في الموضع
الذي كان نازلاً به ، فقيل له إنه قد تهيأ وتجهز جهازاً حسناً وشخص إلى أهله
بالموصل ، فقال أبو أيوب في نفسه : ومن أين له ما يتجهز به ، وكم مبلغ ما
ارتزق معي وارتفق به لهذا الأمر ؟ وجعلت نفسه تزداد وحشة منه ومن خبره
إلى أن قيل له : قد كان أبو جعفر وصله بمال ووهب له شيئاً، فقال في نفسه :
هذا الذي ظننت ، وقد نصبه مكاني ، ويجوز أن يكون استأذنه في أن يخرج
إلى أهله فيسلم عليهم ثم يرجع إليه فيقلده مكاني، فقال لرجل من أصحابه: اخرج
إلى طريق الموصل قرية قرية برّاً وبحراً فإذا عرفت موضعه فاقتله وجئني
٤١٣
١

بما معه ، فشخص .
وإن الغلام لما خرج من بغداد رأى أنه قد أمن في مسيره ، وكان يقيم في
الموضع الذي يستطيبه اليوم واليومين والأكثر والأقل ، فلحقه رسول أبي أيوب
وعرفه فبانا في قرية فقام الرسول إليه فخنقه وطرحه في بئر وأخذ خرجه
وخرائط كانت معه وركب دابة له ورجع إلى أبي أيوبٍ فسلم ذلك إليه وشرح
له الخبر، ففتش أبو أيوب متاعه فإذا المال والعقد فعرفه ، وإذا كتاب المنصور
بخطه إلى أمه ، فوجم أبو أيوب وندم ، وعلم أنه قد عجل وأخطأ وأن الخبر
لم يكن كما ظن، وعزم على الحلف والمكابرة إنْ عثر على شيء من أمره .
وأبطأ خبر الغلام واستبطأه في الوقت الذي ضربه له فدعا خادماً من ثقاته
ورجلاً من خاصته وقال لهما : استقريا المنازل إلى الموصل منزلاً منزلاً وقرية قرية
وأعطيا صفة الغلام حتى تدخلا ثم اقصدا موضع كذا من الموصل فاسألا عن
فلانة - ووصف لهما كل ما أراد - ففعلا ، فلما انتهيا إلى الموضع الذي أصيب
فيه الغلام أعلما خبره، وذكرا الوقت الذي أصيب فيه فإذا التاريخ بعينه، ثم مضيا
إلى الموصل فسألا عن أمه فوجداها أشد الخلق ولها على ابنها وحاجتها إلى علم
خبره ، فأطلعاها على حاله وأمراها أن تستر نفسها ، ولم ترد الدنيا بعده ،
فكان المنصور يذكره فيكاد ذكره يصدع قلبه ؛ وأجمع أبو جعفر على الإيقاع
بأبي ايوب عند ذلك واستصفى امواله واموال أهل بيته ثم قتلهم جميعاً واباد
خضراءهم، وكان إذا ذكر ابا ايوب لعنه وسبه وقال : ذاك قاتل حبيبي ]١.
والمُورِياني: بضم الميم وسكون الواو وكسر الراء وفتح الياء المثناة من
تحتها وبعد الألف نون ، هذه النسبة إلى مُورِيَانَ ، وهي قرية من قرى
الأهواز ، ذكره ابن نقطة ، من أعمال خوزستان .
والخوزي نسبة إلى خُوزِ سْتَانَ - بضم الخاء الموحدة وسكون الواو
وكسر الزاي وسكون السين المهملة وفتح التاء المثناة من فوقها وبعد الألف
نون - وهي بلاد بين البصرة وفارس، وقيل إنما قيل له الخوزي لشُحِّه ،
وقيل لأنه كان ينزل شِعْبَ الخوز بمكة .
• زيادة من ص ر د .
٤١٤

٢٧٧
سليمان بن وهب
أبو أيوب سلمان بن وهب بن سعيد بن عمرو بن حصین ین قیس بن فنال،و کان
فنال كاتباً ليزيد بن أبي سفيان لما ولي الشام ثم لمعاوية بعده، ووصله معاوية بولده
يزيد ، وفي أيامه مات ، واستكتب يزيد ابنه قَيْساً ، ثم كتب قيسٌ لمروان
ابن الحكم ثم لولده عبد الملك ثم لهشام بن عبد الملك، وفي أيامه مات ، واستکتب
هشام ابنه الحصين ، ثم استكتبه مروان بن محمد الجَعْدي آخر ملوك بني أُميّة ،
ثم صار إلى يزيد بن عمر بن هبيرة ؛ ولمّا خرج يزيد إلى أبي جعفر المنصور
أخذ للُحَصين أماناً، فخدم المنصور ثم المهدي ، وتوفي في أيامه في طريق
الري ، فاستكتب المهدي ابنه عَمراً ، ثم كتب لخالد بن برمك ، ثم توفي وخلف
سعيداً ، فما زال في خدمة آل برمك ، وتحول ولده وهب إلى جعفر بن يحيى
ثم صار بعده في جملة ذي الرياستين الفضل بن سهل ، وقال ذو الرياستين في حقه:
عجبت لمن معه وهب كيف لا تهمه نفسه ، ثم استكتبه أخوه الحسن بن سهل
بعده وقلده كرمان وفارس فأصلح حالهما ، ثم وجه به إلى المأمون برسالة من
فم الصلح ، فغرق في طريقه بين بغداد وفم الصلح .
وكتب سليمان المذكور للمأمون وهو ابن أربع عشرة سنة ثم لإيتاخ ثم
لأشناس ، ثم ولي الوزارة للمهتدي بالله ثم للمعتمد على الله ، وله ديوان رسائل .
وكان أخوه الحسن بن وهب یکتب لمحمد بن عبد الملك الزیات ، وولي دیوان
الرسائل ، وكان أيضاً شاعراً بليغاً مترسلا فصيحاً ، وله ديوان رسائل أيضاً .
٢٧٧ - أخبار سليمان بن وهب في النجوم ٣: ٣٧ وأخبار أبي تمام: ١٠٤ والاغاني ٢٣ : ٣
وله أخبار في كتب الأدب العامة ودواوين شعراء الفترة التي عاش فيها، (وترجمة الحسن في
الاغاني ٢٢ : ٥٣٣).
٤١٥

وكان١ هو وأخوه الحسن من أعيان عصرهما - وقد تقدم ذكر الحسن في
حرف الحاء في ترجمة أبي تمام الطائي ، وأنه هو الذي ولاه بريد الموصل - ولما
مات أبو تمام رفاه الحسن بما ذكرته ثَمَّ ولم أظفر بتاريخ وفاته حتى أُفرد له
ترجمة ، وقد تقدم في خطبة هذا الكتاب أن مبناه على الوفيات وأن الذي
أذكره من بعض أحوال مَنْ أذكره لم يكن إلا للإمتاع والتفكه لا غير ، لا
أنه مقصود في نفسه .
وقد مدح هذين الأخوين خلق كثير من أعيان الشعراء مثل أبي تمام الطائي
والبحتري ومَنْ في طبقتها . ومن محاسن قول أبي تمام في سليمان المذكور من
جملة قصيدة٢ :
كل شِعْبٍ كنتم به آلَ وَهْبٍ فَهْوَ شِعْبِي وَشِعْبُ كل أديبٍ
إِن قَلبي لكم لكالكَبَدِ الحَرَّ ى وقَلبي لِغَيْرِكِ كالقلوبِ
وسمع هذين البيتين بعض الأفاضل فقال : لو كانا في آل رسول الله صلى الله
عليه وسلم كان أليق ، فما يستحق هذا القول إلاهم ، رضي الله عنهم .
[وكان يقول : اني أغار على أصدقائي كما أغار على حرمي. ونظر يوماً في
المرآة فرأى شيباً كثيراً فقال: عيبٌ لا عدمناه . وكان الحسن بن وهب
لا يصحو من الشراب فقال له أخوه سليمان - وقد رآه لا يشرب ذات يوم - :
أراك عازفاً، قال : نعم ولذلك لا أعدّه من عمري، وأنشد بديها :
إذا كان يومي غيرَ يومِ مُدامةٍ ولا يوم قيناتٍ فما هو من عمري
وإِن كان معموراً بعودٍ وقهوةٍ فذلك مسروق لعمري من الدهر]٣
وكانت وفاة سليمان المذكور في سنة اثنتين وسبعين ومائتين يوم الأحد
١ من هنا تبدأ الترجمة في س ؛ وأكثر ما تقدم مكتوب في هامش المسودة ، وقد سقطت أجزاء
منه من رم ص على التوالي .
ديوان أبي تمام ١ : ١٣١ - ١٣٢.
٣ زيادة من د وحدها .
٤١٦

منتصف صفر في الحبس ، وقيل توفي سنة إحدى وسبعين . وقال الطبري في
تاريخه : إنه توفي يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من صفر في حَبْس الموفقِ
طلحة والد المعتضد ، رحمه الله تعالى .
وللبحتري في سليمان بن وهب :
تريهِ كلّ خفيٍّ وهْوَ إعلانُ
كأنَّ آراءهُ والحزمُ يتبَعُها
ما غابَ عَنْ عَينِهِ فالقلبُ يكلؤه وإِنْ تَنَمْ عينُهُ فالقلبُ يقظانُ
وهذا المعنى قد استعمله الشعراء كثيراً، فقال أوس بن حَجَر التميمي أحد
شعراء الجاهلية ١ :
الألمعيُ الذي يظنُّ بكَ الظ نَّ كأنْ قدْ رأى وقدْ سمعا
وقال آخر :
بصيرٌ بأعقابِ الأمُورِ كأنما تخاطبهُ من كلّ أمرٍ عَواقِبُهْ
وقال آخر٢ :
بصيرٌ بأعقابِ الأمُورِ كأنما يرَى بصَوابِ الظنِّ ما هوَ واقِعُ
وقال آخر :
عليمٌ بأخبارِ الخطوب بِظنه كأنَّ لهُ في اليومِ عيناً على غَدٍ
وقال آخر :
كأنكَ مُطلعٌ في القلوبِ إذا ما تَناجَتْ بأسْرارِها
وهو باب متسع لا حاجة إلى الاطالة فيه .
١ ديوان أوس : ٥٣ .
٢ هذا البيت والذي يليه لم يردا في م.
٢٧ - ٢
٤١٧

[وتَنَقلَ سليمان في الدواوين الكبار والوزارة ، ولم يزل كذلك حتى توفي
مقبوضاً عليه .
وحكي أن سليمان بلغه أن الواثق نظر إلى أحمد بن الخصيب الكاتب فأنشد:
مِنَ الناسِ إنسانانِ دَيني عليهما مَلَيّانِ لوْ شاءا لقَدْ قضياني
خَليلَيَّ أما أُمُّ عمرو فإنها وأما عن الأخرى فلا تسَلاني
فقال: إنا لله احمد بن الخصيب أم عمرو ، وأما الأخرى فأنا ، وكذلك
كان ، فانه نكبهما بعد أيام . ولما تولى سليمان بن وهب الوزارة - وقيل لما
تولاها ابنه عبيدالله بن سليمان - كتب إليه عبيدُ الله بن عبد الله بن طاهر
الآتي ذكره :
أبَى دَهرنا إسعافنا في نفوسنا فأسعفنا فِيمنْ نحبُ ونُمْظِمُ
فقلتُ لهُ نُعماكَ فِيهِمْ أْتِمْها ودَعْ أمرَنا إِنّ المهمّ المقدّمُ]١
٢٧٨
سلمان بن حرب
أبو أيوب سليمان بن حرب بن يحيل الأزدي٢ الواشجي البصري ؛ سمع شعبة
وجرير بن حازم والحمادين ومبارك٣ بن فضالة وسعيد بن زيد بن درهم والبسمري بن
١ ما بين معقفين انفردت به ر .
٢٧٨ - ترجمته في تاريخ بغداد ٩ : ٣٣ وتهذيب التهذيب ٤: ١٧٨ والمعارف : ٥٢٦ وتذكرة
الحفاظ: ٣٩٣؛ وهذه الترجمة تتابع ما ورد في تاريخ بغداد ؛ ولم ترد في م س والمسودة وإنما
وردت في ص ر .
٢ ر : الأسدي .
٣ ر : ومالك .
٤١٨

يحيى ويزيد بن ابراهيم التستري ؛ وروى عنه يحيى بن سعيد القطان واحمد بن
حنبل ومحمد بن سعد كاتب الواقدي وغيرهم .
قدم بغداد وحدث بها ، وولي قضاء مكة .
ذكره أبو حاتم الرازي فقال: إمام من الأئمة ، كان لا يدلس ؛ وقال :
ظهر حديثه نحو عشرة آلاف حديث ما رأيت في يده كتاباً قط ، ولقد حضرت
مجلس سليمان بن حرب ببغداد فحزروا من حضر مجلسه أربعين ألف رجل .
وكان مجلسه عند قصر المأمون فبنى له شبه منبر١ ، فصعد سليمان ، وحضر
جماعة من القواد عليهم السواد والمأمون فوق قصره٢ وقد فتح باب القصر وقد
أرسل ستراً وهو خلفه يكتب ما يلي .
وقال يحيى بن اكثم : قال لي المأمون : من تركت بالبصرة ؟ فوصفت له
مشايخ منهم سليمان بن حرب وقلت : هو ثقة حافظ للحديث عاقل في نهاية
الستر والصيانة ، فأمرني بحمله إليه ، فكتبت إليه في ذلك فقدم . فاتفق أني
أدخلته إليه وفي المجلس ابن أبي دواد وثمامة وأشباه لهما ، فكرهت أن يدخل
مثله بحضرتهم ، فلما دخل سلَّم ، فأجابه المأمون ، ودعا له سليمان بالعز
والتوفيق ، فقال ابن أبي دواد : يا أمير المؤمنين ، نسأل الشيخ عن مسألة ؟
فنظر إليه المأمون نظرة تخيير له ، فقال سليمان : يا أمير المؤمنين ، حدثنا حماد
ابن زيد قال : قال رجل لابن شبرمة : اسألك ؟ قال : إِن كانت مسألتك
لا تضحك الجلوس ولا تزري بالمسؤول فسل ؛ وحدثنا وهيب بن خالد قال :
قال إياس بن معاوية : من المسائل ما لا ينبغي للسائل٣ ان يسأل عنها ولا
للمجيب؛ ان يجيب فيها؛ فان كانت مسألة من غير هذا فليسأل ، وان كانت من
هذا فليمسك ؛ قال : فهابوه فما نظر أحد منهم إليه حتى قام، وولاه قضاء مكة
فخرج إليها .
١ ر : فبنى له الطاهر سدة سنية .
٢ فوق قصره : سقطت من ر .
٣ للسائل : سقطت من ر .
٤ ص : المسؤول .
٤١٩
1

قال الخطيب : وكانت ولايته مكة١ في سنة أربع عشرة ، فلم يزل على
ذلك؟ إلى ان عزل سنة تسع عشرة ومائتين. وولد سنة اربعين ومائة في صفر
وتوفي بالبصرة لأربع ليال بقين من شهر ربيع الآخر سنة أربع وعشرين ومائتين ،
رحمه الله تعالى .
٢٧٩
١
سليمان بن عبد الملك
أبو أيوب سليمان بن عبد الملك بن مروان بن الحكم ، وأمه ولادة أم أخيه
الوليد ؛ بويع له يوم السبت النصف من جمادى الآخرة سنة ست وتسعين، وتوفي
بذات الجنب بدابق لعشر خلون من صفر سنة تسع وتسعين وله خمس وأربعون
سنة، وصلَّى عليه عمر بن عبد العزيز ، وكانت خلافته سنتين وثمانية أشهر إلا
خمسة أيام . وكان الناس يتبركون به ويسمونه مفتاح الخير ، وذلك أنه أذهب
عنهم سنة الحجاج وأطلق الأسرى وأخلى السجون وأحسن إلى الناس واستخلف
عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ، فكان يقال : فتح بخير وختم بخير .
وكان قد أغزى أخاه مسلمة الصائفة حتى بلغ القسطنطينية ، فأقام بها حق
هلك سليمان ؛ وقيل إن سليمان لما وجه أخاه لفتح القسطنطينية أمره أن يقيم
عليها حتى يفتحها أو يأتيه أمره ، فسار إليها مسلمة ٣ ، فلما دنا منها أمر كل
فارس أن يحمل على عجز فرسه مُدَّين من الطعام حتى يأتي به قسطنطينية ،
:
١ فخرج ... مكة : سقط من ص .
٢ ر : فلم يزل قاضياً .
٢٧٩ - أخباره في المصادر التاريخية المشهورة فلا داعي لاثباتها ؛ ولم ترد الترجمة في م س ر والمسودة
وإنما انفردت بها ص وهي خارجة على القاعدة التي بينها المؤلف في المقدمة .
٣ قارن هذا الخبر بما في العيون والحدائق : ٢٧ وما بعدها .
٤٢٠