النص المفهرس
صفحات 381-400
وكان أكبر منه، وكان يقول : ما وضع سيبويه في كتابه شيئاً إلا وعرضه عليّ ، وكان يرى أنه أعلم به مني ، وأنا اليوم أعلم به منه ١ . وحكى أبو العباس ثعلب عن آل سعيد بن سلم ، قالوا : دخل الفراء على سعيد المذكور ، فقال لنا : قد جاءكم سيد أهل اللغة وسيد أهل العربية ، فقال الفراء : أما ما دام الأخفش يعيش فلا . وهذا الأخفش هو الذي زاد في العروض بحر الخبَبِ كما سبق في حرف الخاء في ترجمة الخليل، وله من الكتب المصنفة كتاب ((الأوسط)) في النحو وكتاب ((تفسير معاني القرآن)) وكتاب ((المقاييس)) في النحو، وكتاب ((الاشتقاق)) وكتاب ((العروض)) وكتاب ((القوافي)) وكتاب ((معاني الشعر)) وكتاب ((الملوك)) وكتاب ((الأصوات)) وكتاب ((المسائل)) الكبير، وكتاب ((المسائل)) الصغير ، وغير ذلك . وكان أجْلَع ، والأجلع : الذي لا تنضم شفتاه على أسنانه ، والأخفش : الصغير العينين مع سوء بصرهما . وكانت وفاته سنة خمس عشرة ومائتين ، وقيل سنة إحدى وعشرين ومائتين، رحمه الله تعالى٢. وكان يقال له: ((الأخفش الأصغر )) فلما ظهر علي بن سليمان المعروف بالأخفش أيضاً، صار هذا وسطاً . ومسعَدَة : بفتح الميم وسكون السين وفتح العين والدال المهملات وبعدهن هاء ساكنة . والمجاشعي : بضم الميم وفتح الجيم وبعد الألف شين مثلثة مكسورة وبعدها عين مهملة ، هذه النسبة إلى مجاشع بن دارٍم ، بطن من تميم . ١ قال القفطي : ان كتاب سيبويه لا يعلم أحد قرأه على سيبويه ولا قرأه عليه سيبويه ولكنه لما مات قرىء على الأخفش قشرحه وبينه . ٢ ذكر ابن النديم أنه توفي سنة ٢١١ . ٣٨١ ٢٦٥ ابن الدهان النحوي أبو محمد سعيد بن المبارك بن علي بن عبد الله بن سعيد بن محمد بن نصر بن عاصم بن عباد بن عصام بن الفضل بن ظفر بن غلاب بن حمد١ بن شاكر بن عياض ابن حصن بن رجاء بن أبي بن شبل بن أبي اليسر٢ كعب الأنصاري رضي الله عنه المعروف بابن الدهان النحوي البغدادي ؛ سمع الحديث من أبي القاسم هبة الله بن الحصين ومن أبي غالب أحمد بن الحسن بن البناء وغيرهما ، وكان سيبويه عصره، وله في النحو التصانيف المفيدة منها ((شرح كتاب الإيضاح والتكلة » وهو مقدار ثلاث وأربعين مجلدة، ومنها ((الفصول الكبرى)) و((الفصول الصغرى)) وشَرَح كتاب ((اللمع)) لابن جني شرحاً كبيراً يدخل في مجلدين وسماه ((الغرة)) ولم أر مثله مع كثرة شروح هذا الكتاب، ومنها كتاب ((العروض)) في مجلدة وكتاب ((الدروس في النحو)) في مجلدة، وكتاب (( الرسالة السعيدية في المآخذ الكندية)) يشتمل على سرقات المتنبي في مجلدة، وكتاب تذكرته سماه «زهر الرياض)) في سبع مجلدات، وكتاب ((الغنية في الضاد والظاء)) و ((المعقود في المقصور والممدود)) و((الراء)٣ و((الغنية في الأضداد)) [وغير ذلك من المصنفات]٤ . وكان في زمن أبي محمد المذكور ببغداد من النحاة ابن الجواليقي وابن الخشاب وابن الشجري ، وكان الناس يرجحون أبا محمد المذكور على الجماعة المذكورين مع أن كل واحد منهم إمام . ثم إن أبا محمد ترك بغداد وانتقل إلى الموصل قاصداً ٢٦٥ - ترجمة ابن الدهان في انباه الرواة ٢: ٤٧ ومعجم الأدباء ١١ : ٢١٩ ونكت الهميان : ١٥٨ وبغية الوعاة: ٢٥٦ والنجوم الزاهرة ٦ : ٧٢ . ١ ص : أحمد . ٢ ص : الياس . ٣ كذا في ر والمسودة وسقط من س ص . وفي ياقوت: إزالة المراء في الغين والراء. ٤ زيادة من س . ٣٨٢ جناب الوزير جمال الدين الأصبهاني المعروف بالجواد - الآتي ذكره في حرف الميم إن شاء الله تعالى - فتلقاه بالإقبال وأحسن إليه ، وأقام في كَنّفه مدة ، وكانت كتبه قد تخلفت ببغداد فاستولى الغرق تلك السنة على البلد، فسيّر مَنْ يحضرها إليه إن كانت سالمة، فوجدها قد غرقت ، وكان خَلْفَ داره مَدْبغة فغرقت أيضاً ، وفاض الماء منها إلى داره، فتلفت الكتب بهذا السبب زيادة على إتلاف الغرق ، وكان قد أفنى في تحصيلها عمره ، فلما حملت إليه على تلك الصورة أشاروا عليه أن يطيبها بالبخور ويصلح منها ما أمكن، فبخرها باللاذن ولازم ذلك إلى أن بخرها بأكثر من ثلاثين رطلاً لاذناً فطلع ذلك إلى رأسه وعينيه فأحدث له العمى وكف بصره. وانتفع عليه خلق كثير ، ورأيت الخلق يشتغلون في تصانيفه المذكورة بالموصل وتلك الديار اشتغالاً كثيراً . وكانت وفاته يوم الأحد غرّة شوال سنة تسع وستين وخمسمائة ، وقال ابن المستوفي : سنة ست وستين بالموصل ، رحمه الله تعالى ، ودفن بمقبرة المعافى بن عمران بباب الميدان . ومولده عشية الخميس سادس وعشرين رجب سنة أربع وتسعين وأربعمائة ببغداد بنهر طابق ، وهي مجلة بها ، وقيل يوم الجمعة . وله نظم حسن ، فمنه قوله : لا تجعل الهزلَ دأباً فهو منقصة والجدّ تغلو به بين الورى القِيَمُ ما تصخَبُ السحب إلا حين تبتسمُ ولا يغرَّنْكَ من مَلْكٍ تبسُمه وله أيضاً : لا تحسين أن بالشّغْ ر١ مثلنا ستصير فالدجاجة ريش لكنها لا تطير وله أيضاً : لا غرو أن أخشى فرا فَكَمُ وتخشاني الليوثُ ... ١ ص ر وياقوت : بالكتب . ٣٨٣ أُوَما ترى الثوبَ الجدي ـدَ من التفرّق يستغيثُ [وذكره الحظيري في كتاب (( زينة الدهر )) وأورد له: بادر إلى العيش والأيام راقدة ولا تكن لصروف الدهر تنتظرُ فالعمر كالكأس يبدو في أوائله صفوٌ وآخره في قعره الكدرُ وأورد له أيضاً : قالوا اغترب عن بلاد كنت تألفها إِن ضاقَ رزقٌ تجد في الأرض منتزحا قلت : انظروا الريق في الأفواه مختزناً عذباً فإن بانَ عنها صار مُطّرحا وأورد له أيضاً : أهوى الخمول لكي أظلّ مرفهاً مما يعانيه بنو الأزمانِ إِن الرياح إذا توالى عصفها تولي الأذية شامخ الأغصانِ وأورد له أيضاً : يا سادتي لا عدمتم استمعوا قول فتى عارف بمنطقه كنت ببيتي كالرخ محترماً فصرت في غربتي كبیذقه]١ وقد ذكره العماد الكاتب في ((الخريدة)) وأثنى عليه، وذكر طَرَفاً من حاله . وقال الحافظ أبو سعد السمعاني٢: سمعت الحافظ ابن عساكر الدمشقي يقول : سمعت سعيد بن المبارك بن الدهان يقول : رأيت في النوم شخصاً أعرفه وهو ينشد شخصاً آخر كأنه حبيب له : أيها الماطِلُ ديني أَمْلِيَّ وتماطلْ ؟ ١ أثبتنا ما بين معقفين من النسخ د ص ر على تفاوت فيما بينها ؛ وانظر القفطي : ٤٩، وهذه الزيادة لم ترد في المسودة . ٢ أوردها القفطي : ٤٩. ٣٨٤ عَلَّلِ القلب فإني قانع منك بباطل" قال السمعاني : فرأيت ابن الدهان وعرضت عليه الحكاية فقال: ما أعرفها ولعلّ ابن الدهان نسي، فإن ابن عساكر من أوثق الرواة، ثم استملى ابن الدهان من السمعاني هذه الحكاية وقال : أخبرني السمعاني عن ابن عساكر عني ، فروى عن شخصين عن نفسه ، وهذا غريب في الرواية . (44) وكان له١ ولد - وهو أبو زكريا يحيى بن سعيد - وكان أديباً شاعراً، ومولده بالموصل في أوائل سنة تسع وستين وخمسمائة تقديراً ، وتوفي سنة ست عشرة وستمائة بالموصل ، ودفن على أبيه بمقبرة المعافى بن عمران الموصلي . ومن شعره : ما نِياماً فسابقوني إليه إِن مَدَحْتُ الخمولِ نَبَّهْتُ أُقوا هُوَ قد دَلّني على لذة العدِ ش، فما لي أدلّ غيري عليه ومن شعره على ما قيل : حكى ألِفَ ابن مُقْلة في الكتابِ وعَهْدي بالصبا زمناً وقدّي أفتِّشُ في التراب على شَبابي فصِرْتُ الآن مُنْحَنِياً كأني ١ وكان له ... شبابي: سقط النص من ص م والمسودة وهو ثابت في س ر ووستنفيلد . ٢٥ - ٢ ٣٨٥ ٢ ٢٦٦ سفيان الثوري أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق بن حبيب بن رافع بن عبد الله بن موهبة بن أبي عبد الله بن منقذ بن نصر بن الحكم بن الحارث بن ثعلبة بن ملكان ابن ثور بن عبد مَناة بن أدّ بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان ، الثوري الكوفي ؛ كان إماماً في علم الحديث وغيره من العلوم ، وأجمع الناس على دينه وورعه وزهده وثقته، وهو أحد الأئمة المجتهدين ، ويقال إن الشيخ أبا القاسم الجنيد رضي الله عنه كان على مذهبه ، على الاختلاف الذي تقدم في ترجمته في حرف الجيم . [وقال يونس بن عبيد: ما رأيت كوفياً أفضل من سفيان ، قالوا : إنك رأيت سعيد بن جبير وفلاناً وفلاناً ، قال : ما رأيت كوفياً أفضل من سفيان. وقال سفيان بن عيينة : ما رأى سفيان مثله. أكل سفيان ليلة فشبع فقال: الحمار إذا زيد في علفه زيد في عمله ، فقام حق أصبح . وحدث ابن عيينة قال : دعانا سفيان فقدم إلينا غداء ولبناً خائراً ، فلما توسطنا قال : قوموا بنا نصلي ركعتين شكراً لله تعالى؛ قال ابن وكيع - وكان حاضراً - : لو قدم إلينا شيئاً من هذا اللوزينج المحدث لقال : قوموا بنا نصلي التراويح . وقال بشر بن الحارث : كان سفيان الثوري كأن العلم بين عينيه، يأخذ منه ما یرید ويدع منه ما يريد . ٢٦٦ - ترجمة سفيان الثوري في الفهرست: ٢٢٥ وطبقات الشيرازي، الورقة: ٢٣ وطبقات ابن سعد ٦ : ٣٧١ والمعارف: ٤٩٧ والجواهر المضية ١: ٢٥٠ وحلية الاولياء ٦ : ٣٥٦ وتهذيب التهذيب ٤: ١١١ وتاريخ بغداد ٩: ١٥١ وتذكرة الحفاظ: ٢٠٣ ورجال ابن حبان : ١٦٩ . ٣٨٦ وقال الأوزاعي : كنت أقول فيمن ضحك في الصلاة قولاً لا أدري كيف هو، فلما لقيت سفيان الثوري سألته فقال: يعيد الصلاة والوضوء ، فأخذت به . وكان عاصم بن أبي النجود يجيء إلى سفيان يستفتيه ويقول : يا سفيان ، أتيتنا صغيراً وأتيناك كبيراً . وقال عبد الرحمن بن مهدي : ما رأيت رجلاً أحسن عقلاً من مالك بن أنس ، ولا رأيت رجلاً أنصح لأمة محمد صلى الله عليه وسلم من عبد الله بن مبارك ، ولا أعلم بالحديث من سفيان ، ولا أقشف من شعبة . وقال سفيان الثوري : ما استودعت قلبي شيئاً فخانني . وقيل : لقي سفيان الثوري شريكاً بعدما ولي القضاء بالكوفة فقال : يا أبا عبد الله ، بعد الإسلام والتفقه والخير تلي القضاء، أو صرت قاضياً؟ فقال له شريك : يا أبا عبد الله ، لا بد للناس من قاض ، فقال سفيان : يا أبا عبد الله ، لا بد الناس من شرطي . وحدث عبد الرحمن بن أبي عبد الرحمن بن عبد الله البصري ، قال : قال رجل لسفيان : اوصني ، فقال : اعمل الدنيا بقدر بقائك فيها واعمل للآخرة بقدر دوامك فيها والسلام . وجاء سفيان الثوري إلى صيرفي بمكة يشتري منه دراهم بدينار ، فأعطاه الدينار ، وكان معه آخر فسقط من سفيان ، فطلبه فإذا إلى جانبه دينار آخر ، فقال له الصيرفي : خذ دينارك ، قال : ما أعرفه ، قال : خذ الناقص ، قال : فلعله الزائد ، وتركه ومضى . وقال شعيب بن حرب : سمعت سفيان الثوري يقول : انظر درهمك من أين هو وصلِّ في الصف الآخر . وقال عبد الله بن صالح العجلي : دخل سفيان على المهدي فقال : سلام عليكم ، كيف أنتم يا أبا عبد الله ؟ ثم جلس فقال : حج عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأنفق في حجته ستة عشر ديناراً ، وأنت حججت فأنفقت في حجتك بيوت الأموال ، قال : فأي شيء تريد ؟ تريد أن أكون مثلك ؟ قال : فوق ما أنا فيه ودون ما أنت فيه ، فقال وزيره أبو عبيد الله : أبا عبد الله قد كانت ٣٨٧ كتبك تأتينا فننفذها ، قال : من هذا ؟ قال : أبو عبيد الله وزيري ، قال : احذره فإنه كذاب ، إني ما كتبت إليك ، ثم قام فقال له المهدي : إلى أين يا أبا عبد الله ، قال : أعود ؛ وكان قد ترك نعله حين قام ، فعاد فأخذها ثم مضى ، فانتظره المهدي فلم يعد ، فقال : وعدنا أن يعود فلم يعد ، فعلم أنه عاد لأخذ نعله ، فغضب فقال : قد أمن الناس إلا سفيان الثوري وإنه لفي المسجد الحرام ، فذهب فألقى نفسه بين النساء فخبأنه ، فقيل له : لمَ فعلت ؟ فقال : إنهن أرحم ؛ ثم خرج إلى البصرة فلم يزل بها حتى مات . قال عبد الرحمن بن مهدي : لما قدم سفيان البصرة والسلطان يطلبه ، صار في بعض البساتين ، وأجر نفسه على أن يحفظ ثمارها ، فمر به بعض العشارين فقال : من أين أنت يا شيخ ؟ قال : من أهل الكوفة ، قال : أخبرني رطب البصرة أحلى أم رطب الكوفة ؟ قال: أما رطب البصرة فلم أذقه ولكن رطب السابري بالكوفة حلو ، فقال : ما أكذبك من شيخ ، الكلاب والبر والفاجر يأكلون الرطب الساعة وأنت تزعم أنك لم تذقه ! فرجع إلى العامل ليخبره بما قال لتعجّبه، فقال : ثكلتك أمك، ادركه إن كنت صادقاً فإنه سفيان الثوري لتتقرب به إلى أمير المؤمنين ، فرجع في طلبه فما قدر عليه . ودخل سفيان على المهدي فكلمه بكلام فيه غلظة فقال له عيسى بن موسى : تكلم أمير المؤمنين بمثل هذا الكلام وإنما أنت رجل من ثور ، فقال له سفيان : إن من أطاع الله من ثور خير ممن عصى الله من قومك . وكان فتى يجالسه ولا يتكلم ، فأحب سفيان أن يعرف نطقه فقال له : يا فتى إِنَّ من كان قبلنا مروا على خيل سابقة وبقينا بعدهم على حمر دَبِرة ، فقال الفتى : يا أبا عبد الله، إن كنّا على الطريق فما أسرع لحوقنا بهم. وحدث أبو بكر ابن عياش قال : كنت أنا وسفيان الثوري مشي فرأينا شيخاً أبيض الرأس واللحية حسن السمت ، فقال له سفيان : يا شيخ أعندك شيء من الحديث ؟ قال : لا، ولكن عندي عتيق سنين، فنظرنا فإذا هو خمّار. وحكى ضمرة قال : سألت سفيان الثوري : أُصافح اليهود والنصارى ؟ فقال : برجلك نعم . وقال له رجل : إني أريد الحج ، فقال : لا تصحب من ٣٨٨ يتكرم عليك فإن ساويته في النفقة أضرّ بك وإِن تفضل عليك استذلّك. وكان يقول : من كان في يده شيء من هذه الدراهم فليصلحه فإنه في زمان إن احتاج كان أول من يبذل دينه . وحكي عنه أنه قال : إني لألقى الرجل أبغضه فيقول لي : كيف أصبحت ؟ فيلين له قلبي ، فكيف بمن أكل ثريدهم ووطىء بساطهم ؟ وقيل إن المهدي قال للخيزران : أريد أتزوج، وكانت بكتاب١ فقالت له : لا يحلّ لك أن تتزوج عليَّ، قال: بلى ، قالت له : بيني وبينك من شئت ، قال: أترضين سفيان الثوري ؟ قالت : نعم ، فوجه إلى سفيان فقال : إِن أُمَّ الرشيد تزعم انه لا يحل لي أتزوج عليها وقد قال الله عز وجل ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ ثم سكت ، فقال له سفيان: أتمّ الآية ، يريد قوله تعالى ﴿فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة﴾ ( النساء: ٣) وأنت لا تعدل ، فأمر له بعشرة آلاف درهم فأبى أن يقبلها . ومثل هذه النادرة ما أخبرني به الفقيه أمين الدين المحلي الذي كان في جملة المتصدرين عند الفقيه برهان الدين ابن الفقيه نصر وهو يومئذ صاحب ديوان الأحباس ، وكتب أسماءهم ينتدبهم للمضي إلى الخانقاه إلى المقام السلطاني في مهم فاعتذر رجل منهم فخط على اسمه وكتب غيره ، فقام رجل يعتذر فقال : المملوك كما قال الله عز وجل ﴿ان بيوتنا عورة﴾ فقال له الفقيه أمين الدين : صِلْ، يشير إلى بقية الآية وهي قوله تعالى ﴿وما هي بعورة ان يريدون إلا فراراً﴾ (الأحزاب: ١٣) فضحك البرهان والحاضرون، وقال: لا أجمع عليك بين الفقه وبين تكليفك المجيء ، ثم خط على اسمه وابتدأ بغيره]٢ . قال سفيان بن عيينة : ما رأيت رجلاً أعلم بالحلال والحرام من سفيان الثوري . وقال عبد الله بن المبارك : لا نعلم على وجه الأرض أعلم من سفيان الثوري" . ويقال : كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه في زمانه رأسَ الناس ، وبعده عبد الله بن عباس ، وبعده الشعبي ، وبعده سفيان الثوري . ١ في ر : بنكاح . ٢ زيادة من در وبعضه غير وارد في د وبعضه في ص أيضاً . ٣٨٩ سمع سفيان الثوري الحديث من أبي إسحاق السبيعي والأعمش ومَنْ في طبقتهما ، وسمع منه الأوزاعي وابن جريج ومحمد بن إسحاق ومالك وتلك الطبقة . وذكر المسعودي في ((مروج الذهب)) ما مثاله١: قال القعقاع بن حكيم : كنت عند المهدي وقد أتي بسفيان الثوري ، فلما دخل عليه سلم تسليم العامة ولم يسلم بالخلافة ، والربيع قائم على رأسه متكئاً على سيفه يرقب أمره٢ ، فأقبل عليه المهدي بوجه طَلْقٍ ، وقال له : يا سفيان ، تفر منا هاهنا وهاهنا وتظن أنا لو أردناك بسوء لم نقدر عليك ، فقد قدرنا عليك الآن ، أفما تخشى أن تحكم فيك بهوانا ؟ قال سفيان: إن تحكم فيَّ يحكم فيك ملك قادر يفرق بين الحق والباطل ، فقال له الربيع : يا أمير المؤمنين ، ألهذا الجاهل أن يستقبلك بمثل هذا ؟ إيذن لي أن أضرب عنقه ، فقال له المهدي : اسكت ويلك ، وهل يريد هذا وأمثاله إلا أن نقتلهم فنشقى بسعادتهم ؟ اكتبوا عهده على قضاء الكوفة على أن لا يعترض عليه في حكم ، فكتب عهده ودفع إليه ، فأخذه وخرج فرمى به في دجلة وهرب ، فطُّلِبَ في كل بلد فلم يوجد . ولما امتنع من قضاء الكوفة وتولاه شريك بن عبد الله النخعي قال الشاعر : تحرَّزَ سُفيان وفَرَّ بدينه وأمسى شريك مرصداً للدَّراهم [وحكي عن أبي صالح شعيب بن حرب المدائني - وكان أحد السادة الأئمة الأكابر في الحفظ والدين - أنه قال : إنني لأحسب يُجاء بسفيان الثوري يوم القيامة حُجَّةٌ من الله على الخلق ، يقال لهم : لم تدركوا نبيّكم عليه أفضل الصلاة والسلام فلقد رأيتم٣ سفيان الثوري ، ألا اقتديتم به ؟]٤ . ومولده في سنة خمس ، وقيل ست ، وقيل سبع وتسعين للهجرة . وتوفي ١ مروج الذهب ٣ : ٠٣٣٢ ٢ ص : حاله . ٣ هـ : أدركتم. ٤ ما بين معقفين لم يرد في المسودة وص س م . ٣٩٠ بالبصرة أوّل سنة إحدى وستين ومائة متوارياً من السلطان ، ودفن عشاء رحمه الله تعالى؛ ولم يُعْقِبْ. والثوري : بفتح التاء المثلثة وبعدها واو ساكنة وراء، هذه النسبة إلى ثَور ابن عبد مناة، وثَمَّ ثوري آخر في بني تميم ، وثوري آخر بطن من هَمْدان . وقيل : إنه توفي سنة اثنتين وستين ، والأول أصح . ٢٦٧ سفيان بن عيينة أبو محمد سفيان بن عُيَينة بن أبي عمران مَيمون الهلالي، مَولى امرأة من بني هلال بن عامر رهْطٍ ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل مولى بني هاشم ، وقيل مولى الضحاك بن مُزاحم، وقيل مولى مِسعَر بن كُدام ؛ وأصله من الكوفة ، وقيل ولد بالكوفة ونقله أبوه إلى مكة ، ذكره ابن سَعد في ((كتاب الطبقات)) وعَدَّه في الطبقة الخامسة من أهل مكة١. كان إماماً عالماً ثبتاً حجة زاهداً ورعاً مجمعاً على صحة حديثه وروايته ، وحج سبعين حجة . روى عن الزُّهري وأبي إسحاق السبيعي وعمرو بن دينار ومحمد بن المنكدر وأبي الزناد وعاصم بن أبي النُّجود المقرىء والأعمش وعبد الملك بن عمير وغير هؤلاء من أعيان العلماء ؛ وروى عنه الإمام الشافعي وشعبة بن الحجاج ومحمد ابن إسحاق وابن جُرَيج والزبير بن بكار وعمه مصعب وعبد الرزاق بن همام الصنعاني ويحيى بن أكثم القاضي وخلق كثير ، رضي الله عنهم . ........... ٢٦٧ - ترجمة سفيان بن عيينة في تاريخ بغداد ٩: ١٧٤ وتذكرة الحفاظ : ٢٦٢ وحلية الأولياء ٧ : ٢٧٠ وصفة الصفوة ٢: ١٣٠ ورجال ابن حبان: ١٤٦ وتهذيب التهذيب ٤ : ١١٧ وميزان الاعتدال ٢ : ١٧٠ والعقد الثمين ٤ : ٥٩١ . ١ انظر طبقات ابن سعد ٥ : ٤٩٧. ٣٩١ أ ورأيت١ في بعض المجاميع أن سفيان خرج يوماً إلى مَن جاءه يسمع منه وهو ضَجِر ، فقال : أليس من الشقاء أن أكون جالست ضمرة بن سعيد وجالس هو أبا سعيد الخدري ، وجالست عمرو بن دينار وجالس هو ابن عمر رضي الله عنهما ، وجالست الزهري وجالس هو أنس بن مالك ، حتى عَدَّ جماعة ، ثم أنا أجالسكم؟ فقال له حَدَثٌ في المجلس: أَتُنْصِفُ يا أبا محمد ؟ قال: إن شاء الله تعالى ، فقال : والله لشَقاءُ أصحابِ أصحابٍ رسول الله صلى الله عليه وسلم بك أشد من شقائك بنا؛ فأطرق وأنشد قول أبي نواس٣ : خلِّ جنبَيكَ لرام وامض عنه بسلامٍ مُتْ بداء الصَّمْت خيرٌ لكَ من داء الكلام إِنما السالم مَنْ أل جم فاه بلجام؛ فتفرق الناس وهم يتحدثون برَجاحة الحَدَث ، وكان ذلك الحدث يحيى بن أكثم التميمي ، فقال سفيان : هذا الغلام يصلح لصحبة هؤلاء ، يعني السلطان - وسيأتي ذكر يحيى في حرف الياء إن شاء الله تعالى ، وهو القاضي المشهور -. وقال الشافعي : ما رأيت أحداً فيه من آلة الفتيا ما في سفيان، وما رأيت أكَفَّ عن الفتيا منه . [وكان أدرك نيفاً وثمانين نفساً من التابعين . قال سفيان المذكور : كنت أخرج إلى المسجد فأتصفح الخلق فإذا رأيت مشيخة وكهولة جلست إليهم وأنا اليوم قد اكتنفني هؤلاء الصبيان ، ثم ينشد : خلت الديار فسدت غير مسوّد ومن الشقاء تفردي بالسؤدد قيل إنه في آخر سنة حج قال : قد وافيت هذا الموضع سبعين مرة وأقول كل ١ هذه الفقرة جميعها لم ترد في م . ٢ س ر والمسودة : عبيد، وأثبتنا ما في ص . ٣ ديوان أبي نواس : ١٩٤ - ١٩٥. ٤ سقط البيت من س ص والمسودة . ٣٩٢ مرة : اللهم لا تجعله آخر العهد من هذا المكان ، وإني قد استحييت من الله من كثرة ما أسأله ذلك ، فرجع فتوفي في العام القابل]١. [وقال رجل : كنت أمشي مع سفيان بن عيينة إذ أتاه سائل فلم يكن معه ما يعطيه ، فبكى ، فقلت : يا أبا محمد ما الذي أبكاك ؟ قال : أي مصيبة. أعظم من أن يؤمل فيك رجل خيراً فلا يصيبه ؟]٢ . وكان أبو عمران جد سفيان المذكور من عمال خالد بن عبد الله القَسْري ، فلما عزل خالد عن العراق٣ وولي يوسف بن عمر الثقفي طلب عمال خالد فهرب أبو عمران المذكور منه إلى مكة فنزلها ، وهو من أهل الكوفة . وقال سفيان : دخلت؛ الكوفة ولم يتم لي عشرون سنة ، فقال أبو حنيفة لأصحابه ولأهل الكوفة : جاءكم حافظ علم عمرو بن دينار ، قال : فجاء الناس يسألونني عن عمرو بن دينار ، فأول من صيرني محدثاً أبو حنيفة ، فذاكرته فقال لي : يا بني، ما سمعت من عمرو إلا ثلاثة أحاديث ، يضطرب في حفظ تلك الأحاديث . ومولد سفيان بالكوفة في منتصف شعبان سنة سبع ومائة . وتوفي يوم السبت آخر يوم من جمادى الآخرة ، وقيل أول يوم من رجب سنة ثمان وتسعين ومائة بمكة ودفن بالحَجُون ، رحمه الله تعالى . وعُيَيْنة : بضم العين المهملة وفتح الياء الأولى وسكون الثانية المثناتين من تحتهما وفتح النون وبعدها هاء ساكنة . والحَجُون : بفتح الحاء المهملة وضم الجيم وبعد الواو الساكنة نون ، جبل بأعلى مكة عنده مدافن أهلها ، وله ذكر في الأشعار . ١ زيادة من ر ص . ٢ زيادة من د وحدها . ٣ ج: الكوفة . وفي م: فلما ولي الحجاج وطلب عمال خالد؛ وهو خطأ عجيب. ٤ م : نزلت . ٣٩٣ د ٠ ٢٦٨ سكينة بنت الحسين السيدة سكينة ابنة الحسين بن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنهم ؛ كانت سيدة نساء عصرها ، ومن أجمل النساء وأظرفهن وأحسنهن أخلاقاً ، وتزوجها مصعب بن الزبير فهلك عنها، ثم تزوجها عبد الله بن عثمان بن عبد الله بن حكيم ابن حزام فولدت له قُرَيناً، ثم تزوجها الأصبغ بن عبد العزيز بن مروان وفارقها قبل الدخول، ثم تزوجها زيد بن عمرو بن عثمان بن عفان رضي الله عنه، فأمره سليمان بن عبد الملك بطلاقها ففعل ، وقيل في ترتيب أزواجها غير هذا ، والطرة السكينية منسوبة إليها . ولها نوادر وحكايات ظريفة مع الشعراء وغيرهم ، من ذلك ما يروى أنها وقفت على عُرْوة بن أُذَيْنة١ - وكان من أعيان العلماء وكبار الصالحين وله أشعار رائقة - فقالت له : أنت القائل : إذا وجَدْتُ أُوار الحبّ في كبدي أقبلتُ نحو سِقاء الماء٢ أبتردُ هبني بردتُ ببرد٣ الماء ظاهرهُ فمنْ لنارٍ على الأحشاءِ تتقدُ فقال لها : نعم ، فقالت : وأنت القائل : قالت وأبْثَئتُها سِرّي فبُحتُ به قد كنتَ عندي تحبُّ الستر فاستترِ ٢٦٨ - ترجمة السيدة سكينة وأخبارها في طبقات ابن سعد ٨ : ٤٧٥ ونسب قريش: ٥٩ وانظر الاغاني ١٦ : ٩٣، ١٧: ٣ وصفحات متفرقة من (جـ ٥) من أنساب الاشراف؛ ولها أخبار في الكتب الأدبية العامة ؛ وهذه الترجمة مستوفاة بتمامها في المسودة . ١ انظر الاغاني ١٨ : ٢٤٥. ٢ ج د : القوم . ٣ هـ : تبردت برد. ٣٩٤ ألسْتَ تبصِرِ مَنْ حولي ؟ فقلتُ لها غطّى هَواكِ وما ألقى على بصري فقال : نعم ، فالتفتت إلى جَوارٍ كنَّ حولها وقالت : هن حرائر إِن كان خرج هذا من قلب سليم قط . وكان لعروة المذكور أخ اسمه بكر فمات فرثاه عروة بقوله١: وغاب النجم إلا قِيدَ فترِ سَرَى هَمِّي وهمّ المرء يسري تعرض أو على المجراة يجري٢ أراقبُ في المجرَّةِ كَلَّ نَجْم كأن القلب أبطنَ حَرَّ جَمْر لهمٍّ ما أزال له قرينا٣ً على بكر أخي ، فارقت بكراً؛ وأيُّ العيش يَصلح بعد بكر ؟ فلما سمعت سكينة هذا الشعر قالت : ومن هو بكر هذا؟ فوصف لها، فقالت : أهو ذلك الأسَيِّدُ الذي كان يمر بنا ؟ قالوا: نعم ، قالت : لقد طاب بعده كل شيء حتى الخبز والزيت . وأُسَيّد : تصغير أسود . ويحكى أن بعض المغنين غنى هذه الأبيات عند الوليد بن يزيد الأموي وهو في مجلس أنسه ، فقال للمغني : من يقول هذا الشعر ؟ فقال : عروة بن أذينة ، فقال الوليد : وأي العيش يصلح بعد بكر ؟ هذا العيش الذي نحن فيه ، والله لقد تحجّر واسعاً . (45) وكان عروة المذكور٥ كثير القناعة، وله في ذلك أشعار سائرة ، وكان قد وفَدَ من الحجاز على هشام بن عبد الملك بالشام في جماعة من الشعراء، فلما دخلوا عليه عرف عروة ، فقال له : ألست القائل : ١ الاغاني ١٨ : ٢٥٠ . ٢ الاغاني : تعرض للمجرة كيف يجري . ٤ الاغاني و أج : ولى حميداً . ٣ الاغاني : ما أزال له مديماً . • أخبار عروة في الاغاني ١٨: ٢٤٠ وما بعدها والشعر والشعراء : ٤٨٣ والمؤتلف : ٥٤ والسمط : ٢٣٦ وأمالي المرتضى ١ : ٤٠٨ - ٤١٦. ٣٩٥ . لقد علمتُ وما الإشراف١ من خلقي أن الذي هو رزقي سوف يأتيني أسعى له فيعنّني تطلُّبُهُ ولو قعدت أثاني لا يُعَنّني وما أراك فعلت كما قلت ، فإنك أتيت من الحجاز إلى الشام في طلب الرزق، فقال: لقد وعظتَ يا أمير المؤمنين فبالغتَ في الوعظ ، وأذكرت٢ ما أنسانيه الدهر ، وخرج من فوره إلى راحلته فركبها وتوجه راجعاً إلى الحجاز، فمكث هشام يومه غافلاً عنه ، فلما كان في الليل استيقظ من منامه وذكره ، وقال : هذا رجل من قريش قال حكمة ووفد إليّ فجَبَهْتُه ورددته عن حاجته، وهو مع هذا شاعر لا آمن لسانه ، فلما أصبح سأل عنه ، فأخبر بانصرافه ، فقال : لا جَرَم ليعلمنَّ أن الرزق سيأتيه ، ثم دعا بمولى له وأعطاه ألفي دينار، وقال: الحق بهذه عروة بن أذينة فأعطه إياها ، قال : فلم أدركه إلا وقد دخل بيته ، فقرعت عليه الباب ، فخرج فأعطيته المال ، فقال : أبلغ أمير المؤمنين السلام وقل له : كيف رأيت قولي ؟ سعيت فأكديت ، ورجعت إلى بيتي فأثاني فيه الرزق . وهذه الحكاية وإن كانت دخيلة ليست مما نحن فيه لكن حديث عروة ساقها . ولبعض المعاصرين وهو محمد بن إدريس المعروف بمرج كحل الأندلسي٣ في معنى هذين البيتين ، وأحسن فيه : مثلُ الظلِّ الذي يمشي معك مَثَلُ الرزقِ الذي تَطلُبه فإذا ولَّيتَ عنهُ تبعك. أنتَ لا تدركُهُ متبعاً * وكان وفاة سكينة بالمدينة يوم الخميس لخمس خلون من شهر ربيع الأول سنة ١ س ص ر: الإسراف، وفي المسودة « معاً)» أي بالسين والشين. ٢ ص : وأذكرتني . ٣ شاعر أندلسي من جزيرة شقر يقال إنه كان أمياً وكان يحتفظ بزي أهل البادية وبينه وبين شعراء عصره (كصفوان بن إدريس) مخاطبات (انظر الإحاطة ٢ : ٢٥٢ ونفح الطيب ه : ٥٠ وبرنامج الرعيني: ٢٠٨ والمغرب ٢: ٢٧٣ والوافي ٢: ١٨١ والتكملة: ٣٤٤) وبيتاه في الإحاطة والنفح . ٣٩٦ سبع عشرة ومائة ، رضي الله عنها ؛ وقيل اسمها آمنة ، وقيل أمينة ، وقيل أميمة ، وسكينة لقب لقبتها به أمها الرباب ابنة امرىء القيس بن عدي . وقال محمد بن السائب الكلبي النسابة : سألني عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم عن اسم سكينة ابنة الحسين بن علي رضي الله عنهم ، فقلت : أميمة ، فقال : أصبت . (46) وتوفي مرج كحل المذكور في سنة أربع وثلاثين وسمائة ببلده - وهو جزيرة شقر بالأندلس - وكانت ولادته بها سنة أربع وخمسين وخمسمائة١ . ٢٦٩ سليم الرازي أبو الفتح سُليم بن أيوب بن سليم الرازي الفقيه الشافعي الأديب ؛ كان مشاراً إليه في الفضل والعبادة، وصنف الكتب الكثيرة منها كتاب ((الإشارة)) وكتاب ((غريب الحديث)) ومنها ((التقريب)) وليس هو التقريب الذي ينقل عنه إمام الحرمين في ((النهاية)) والغزالي في ((البسيط)) و((الوسيط)) فإن ذلك للقاسم بن القفال الشاشي ، وقد ذكره في الباب الثاني من كتاب الرهن في (( الوسيط )). وأخذ سُلَيم الفقه عن الشيخ أبي حامد الإسفرايني ، وأخذ عنه أبو الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي . وقال سُلَيم٢ : دخلت بغداد في حَداثتي لطلب علم اللغة، فكنت آتي ١ ص : أربع وستين . ٢٦٩ - ترجمة سليم الرازي في انباه الرواة ٢: ٦٩ وطبقات الشيرازي، الورقة: ٣٩ وطبقات السبكي ٣: ١٦٨. قلت: وقد وردت هذه الترجمة في المسودة كاملة . ٢ قارن بما عند القفطي : ٦٩ . ٣٩٧ شيخاً هناك ، وذكره ، فبكرت في بعض الأيام إليه فقيل لي : هو في الحمام ، فمضيت نحوه ، فعبرت في طريقي على الشيخ أبي حامد الإسفرايني وهو يُمْلي ، فدخلت المسجد وجلست مع الطلبة ، فوجدته في كتاب الصيام في مسألة إذا أولج ثم أحس بالفجر فنزع، فاستحسنت ذلك ، فعَلَّقت الدرس على ظهر جزء كان معي ، فلما عدت إلى منزلي وجعلت أعيد الدرس حلا لي، وقلت : أتمُّ هذا الكتاب - يعني كتاب الصيام - فعلقته ، ولزمت الشيخ أبا حامد حتى علقت عنه جميع التعليق . وكان لا يخلو له وقت عن اشتغال ، حتى إنه كان إذا برى القلم قرأ القرآن أو سبّح، وكذلك إذا كان مارّاً في الطريق وغير ذلك من الأوقات التي لا يمكن الاشتغال فيها بعلم . وسكن سُلَيم الشام بمدينة صور متصدّياً لنشر العلم وإفادة الناس ، وكان يقول: وضَعَتْ مني صور، ورفعت من أبي الحسن المحاملي بغداد . ثم إنه غرق في بحر القُلْزُم بعد رجوعه من الحج عند ساحل جُدَّة ، في سلخ صفر سنة سبع وأربعين وأربعمائة ، وكان قد نَيَّفَ على ثمانين سنة ، رحمه الله تعالى ؛ ودفن في جزيرة بقرب الجار عند المَخاصة في طريق عيذاب . والرازي: بفتح الراء وبعد الألف زاي، هذه النسبة إلى الرّيّ ، وهي مدينة عظيمة من بلاد الديلم بين قومس والجبال ، وألحقوا الزاي في النسبة إليها كما ألحقوها في المروزي عند النسب إلى مَرْوَ ، وقد تقدّم ذكر ذلك . والجار : بفتح الجيم وبعد الألف راء ، وهي بليدة على الساحل ، بينها وبين مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم يوم وليلة ، وإليها ينسب القمح الجاريُ ، وذكر أبو القاسم الزمخشري في ((كتاب الأمكنة والجبال والمياه))١ في باب الشين أن الجار قرية على ساحل البحر ، بها ترسو مطايا القلزم ومطايا عيذاب ومطابا بجر النعام . وقال ابن حوقل في كتابه٢: ((الجار فُرْضَة المدينة على ثلاث مراحل منها ١ لم أجد هذا في المادة المشار إليها من كتاب الزمخشري. ٢ صورة الأرض : ٣٩. ٣٩٨ على البحر ، وجدَّة فرضة مكة )). (47) وتوفي ولده أبو سعيد إبراهيم بن سُليم يوم الثلاثاء السادس والعشرين من ذي الحجة سنة إحدى وتسعين وأربعمائة بدمشق ، ذكره الحافظ ابن عساكر في ((تاريخ دمشق))١ وقال : أخذ عن جماعة من جلة المشايخ وأخذوا عنه ، وكان صدوقاً ، رحمه الله تعالى . ٢٧٠ سليمان بن يسار أبو أيوب - ويقال أبو عبد الرحمن، ويقال أبو عبد الله - سليمان بن يسار مولى ميمونة زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ أحد الفقهاء السبعة بالمدينة ، وقد تقدّم ذكر ثلاثة منهم . وكان سليمان المذكور أخا عطاء بن يسار، وكان عالماً ثقة عابداً ورعاً حجة ؛ قال الحسن بن محمد : سليمان بن يسار عندنا أفهم من سعيد بن المسيب، ولم يقل أعلم ولا أفقه . وروى عن ابن عباس وأبي هريرة وأم سلمة ، رضي الله عنهم ، وروى عنه الزهري وجماعة من الأكابر . وكان المستفتي إذا أتى سعيد بن المسيب يقول له : اذهب إلى سليمان بن يسار ، فإنه أعلم من بقي اليوم . وقال قتادة : قدمت المدينة ، فسألت : من أعلم أهلها بالطلاق ؟ فقالوا : سليمان بن يسار . وتوفي سنة سبع ومائة ، وقيل سنة مائة، وقيل سنة أربع وتسعين للهجرة، والله أعلم ، وهو ابن ثلاث وسبعين سنة ، رحمه الله تعالى . ... ١ تهذيب ابن عساكر ٢: ٢١٤. ٢٧٠ - ترجمة سليمان بن يسار في رجال ابن حبان: ٦٤ وتذكرة الحفاظ: ٩١ وتهذيب التهذيب ٤ : ٢٢٨ وطبقات الشيرازي، الورقة: ١٣؛ وهذه الترجمة بتمامها في المسودة . ٣٩٩ ٢٧١ الأعمش أبو محمد سليمان بن مهران مولى بني كاهل من ولد أسد ، المعروف بالأعمش الكوفي الإمام المشهور؛ كان ثقة عالماً فاضلاً، وكان أبوه من دُنْباوَنْدَ ، وقدم الكوفة وامرأته حامل بالأعمش فولدته بها؛ قال السمعاني: وهو لا يُعرف بهذه النسبة ، بل يُعرف بالكوفي ، وكان يقارن بالزهري١ في الحجاز٢ ، ورأى أنس ابن مالك - رضي الله عنه - وكلمه، ولكنه لم يُرزق السماع عليه، وما يرويه عن أنس فهو إرسال أخذه عن أصحاب أنس . ورأى أبا بكرة الثقفي وأخذ بركابه فقال له: يا بني إنما أكرمت ربك . سمع داود بن سويد وأبا وائل وإِبراهيم التميمي وسعيد بن جبير ومجاهداً والنخعي٣ ، وروى عن عبد الله بن أبي أوفى حديثاً واحداً ، ولقي كبار التابعين رضي الله عنهم ، وروى عنه سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج وحفص بن غياث وخلق كثير من جلة العلماء . [وكان الأعمش يقول: إن كان بيننا وبين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ستر ؛ قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى : صدق ، هكذا كان ، وقد رأى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم . وقال عيسى بن يونس: لم نر نحن والقرن الذي قبلنا مثل الأعمش: ما رأيت الأغنياء والسلاطين عند أحد أحقر منهم عند الأعمش مع فقره وحاجته . ٢٧١ - ترجمة الأعمش في طبقات ابن سعد ٦: ٣٤٢ وتاريخ بغداد ٩: ٣ وتذكرة الحفاظ: ١٥٤ وغاية النهاية ١ : ٣١٥ وتهذيب التهذيب ٤ : ٢٢٢. ١ ص : يقارب الزهري . ٢ ج : الزهري بالحجاز . ٣ ورأى أبا بكرة ... والنخعي: لم يرد في المسودة وص س . ٤٠٠