النص المفهرس

صفحات 321-340

أعددت لهذا المكان١ ؟ وأشار إلى القبر، فقال : ابنة عم أمير المؤمنين ، فضحك
المنصور حتى استلقى ، ثم قال له : ويحك ، فضحتنا بين الناس .
وأمر المهدي أبا دلامة بالخروج نحو عبد الله بن علي ، فقال أبو دلامة:
أنشدك الله يا أمير المؤمنين أن لا تحضرني شيئاً من عساكرك فإني شهدت
تسعةَ عساكر انهزمت كلها ، وأخاف أن يكون عسكرك العاشر ، فضحك
منه وأعفاه .
قال أبو العيناء : بلغنا عن أبي دلامة أنه دخل على المهدي فأنشده قصيدة ،
فقال له : سلني حاجتك، فقال: يا أمير المؤمنين، هَبْ لي كلباً ، فغضب،
وقال : أقول لك سلني حاجتك ، فتقول : هب لي كلباً ؟ فقال: يا أمير
المؤمنين ، الحاجة لي أم لك ؟ قال : بل لك ، قال : فإني أسألك أن تهَبَ لي
كلب صيد، فأمر له بكلب ، فقال : يا أمير المؤمنين ، هبني خرجت إلى الصيد
أفأعدو على رجليّ ؟ فأمر له بدابة ، فقال: يا أمير المؤمنين ، مَنْ يقوم عليها؟
فأمر له بغلام ، فقال : يا أمير المؤمنين ، هبني صِدْتُ صيداً وأتيت به المنزل
فمن يطبخه ؟ فأمر له بجارية، فقال: يا أمير المؤمنين، هؤلاء يبيتون في البادية؟
فأمر له بدار ، فقال : يا أمير المؤمنين ، قد صيرتَ في عنقي كفاء من عيال ،
فمن أين لي ما يَقوتُ هؤلاء ؟ قال : قد أقطعتك ألف جريب عامراً وألف
جريب غامراً ، قال : أما العامر فقد عرفت ، فما الغامر؟ قال : الخراب الذي
لا شيء فيه، قال : أنا أُقطع أمير المؤمنين مائة ألف جريب بالبدو ، ولكني
أسأل أمير المؤمنين من ألف جريب جريباً واحداً عامراً ، قال : من أين ؟
قال : من بيت المال، فقال المهدي : حولوا المال وأعطوه جريباً ، قال : يا أمير
المؤمنين ، إذا حول منه المال صار غامراً ، فضحك منه ، قال : فهل بقيت لك
حاجة ؟ قال : نعم ، تأذن لي أن أقبِّل يدك ، فقال : ما لك إلى ذلك سبيل،
قال : والله ما رددتني عن حاجة أهون عليَّ فقداً منها .
واتفق أن أبا دُلامة تأخر عن الحضور بباب أبي جعفر أياماً ثم حضر، فأمر
١ ج : لهذه الحفرة .
٢١ - ٢
٣٢١

بإلزامه القصر، وألزمه بالصلاة في مسجده ، ووكل به من يلاحظه في ذلك، فمرّ
به أبو أيوب المورياني وهو إذ ذاك وزير أبي جعفر ، فقام إليه أبو دلامة ودفع
رقعة مختومة ، وقال : هذه ظلامة لأمير المؤمنين ، فأوصلها أعزك الله إليه
بخاتمها، فأخذها أبو أيوب، فلما دخل على أبي جعفر أوصلها إليه فقرأها فإذا فيها:
بِمَسْجِدِهِ والقَصْرِ ، ما لي وللقَصْرِ
ألمْ تعلمُوا أنَّ الخليفةَ الزَّني
فوَيْلِي مِنَ الأولى ووَيْلي مِنَ العَصر
أصلّ بهِ الأولى مَعَ العَصرِ دائِماً
ولا البرُّ والإحسانُ والخيرُ مِن أمري
ووَاللهِ ما لي نِيَّة في صَلاتِهِمْ
لوَأَنَّ ذُنُوبَ العالَمِينَ على ظَهري
وما ضَرَّهُ والله يُصلِحُ أمْرَهُ
فضحك المنصور وأمر بإحضاره ، فلما حضر قال : هذه قصتك ؟ قال :
دفعتُ إلى أبي أيوب رقعة مختومة أسأل فيها إعفائي من لزوم الذي أمرني بازومه،
فقال له أبو جعفر: اقرأها، قال: ما أحسن أن أقرأ، وعلم أنه إن أقرّ
بكتابته لها يَحُدُّهُ بذكره الصلاة وتعريضه بها ، فلما رآه يحيد من ذلك ، قال
له : يا خبيث أما لو أقررت لضربتك الحد ، ثم قال : لقد أعفيتك من لزوم
المسجد ، فقال أبو دلامة : أوَ كنت ضاربي يا أمير المؤمنين لو أقررت ؟ قال :
نعم، قال: مع قول الله عز وجل ﴿يقولون ما لا يفعلون﴾ (الشعراء: ٢٢٦)
فضحك منه وأعجب من انتزاعه ، ووصله .
وذكر ابن شبة في كتاب ((أخبار البصرة)) أن أبا دلامة كتب إلى سعيد بن
دعلج - وكان يومئذ يتولى الأحداث بالبصرة - وأرسلها إليه من بغداد مع ابن
عم له :
إذا جِئْتَ الأميرَ فقل سلامٌ علَيكَ ورحمة الله الرحيمِ
وأمّا بعد ذلك فَلي غَرِيمٌ من الأعراب قُبْحَ من غَرِيم
ونصفُ النصفِ في صكٌ قديم
له ألفٌ عليّ ونصفُ أخرى
دراهِمُ ما انتفعتُ بها ولكن وصَلْتُ بها شيوخَ بني تميم
فسيَّر له [ابن] دعلج ما طلب.
٣٢٢

١
وكان روحُ بن حاتم المهلبيُّ والياً على البصرة ، فخرج إلى حرب الجيوش
الخُراسانية ومعه أبو دلامة، فخرج من صَفّ العدوّ مبارزٌ ، فخرج إليه
جماعة فقتلهم ، فتقدم روح إلى أبي دلامة بمبارزته فامتنع فألزمه فاستعفاه فلم
يُعْفِهِ ، فأنشد أبو دلامة :
إني أعوذ بروحٍ أن يقدّمَني إلى القتال فيَخزَى بي بنو أَسَدِ
إِنّ المهلتَبَ حُبَّ الموت أوْرئكم ولم أرِثْ أنا حُبّ الموت من أحد
إِن الدُّنُوّ إِلى الأعداء أعلمه مما يُفَرِّقُ بين الروح والجَسد
فأقسم عليه ليخرجَن١َّ، وقال: لماذا تأخذ رزق السلطان ؟ قال: لأقاتل
عنه، قال: فما لك لا تبرز إلى عدو الله؟ فقال: أيها الأمير، إن خرجتُ إليه
لحقتُ بمن مضى ، وما الشرط أن أُقتل عن السلطان ، بل أقاتل عنه ، فحلف
روح: لتخرجن إليه فتقتله أو تأسره أو تُقتل دون ذلك، فلما رأى أبو دلامة
الجِدَّ منه قال: أيها الأمير، تعلم أن هذا أوّل يوم من أيام الآخرة ، ولا بد
فيه من الزوادة ، فأمر له بذلك ، فأخذ رغيفاً مطويّاً على دَجاجة ولحم
وسطيحة من شراب وشيئاً من نَقْل، وشهر سيفاً وحمَلَ، وكان تحته فرسٌ
جواد ، فأقبل يحول ويلعب بالرمح، وكان مليحاً في الميدان ، والفارسُ يلاحظه
ويطلب منه غِرَّة ، حتى إذا وجدها حمل عليه ، والغبار كالليل ، فأغمد أبو
دلامة سيفه وقال للرجل : لا تَعجَلْ واسمع مني - عافاك الله - كلمات
ألقيهن إليك ، فإنما أتيتك في مُهِمّ، فوقف مقابله وقال : ما المهم ؟ قال :
أتعرفني ؟ قال : لا، قال: أنا أبو دلامة ، قال: قد سمعت بك حيّاك الله ،
فكيف برزت إليّ وطمعت فيّ بعد مَنْ قتلت من أصحابك ؟ فقال: ما خرجت
لأقتلك ولا لأقاتلك ، ولكني رأيت لباقتك وشهامتك فاشتهيت أن تكون لي
صديقاً ، وإني لأدلك على ما هو أحسن من قتالنا ، قال : قل على بركة الله
تعالى، قال : أراك قد تعبت وأنت بغير شك سَفْبان ظمآن ، قال : كذلك
١ د : لتخرجن .
٣٢٣

هو ، قال : فما علينا من خُراسان والعراق ، إن معي خبزاً ولماً وشراباً
ونَقْلاً كما يتمنى المتمني ، وهذا غدير ماء غير بالقرب منا، فهلم بنا إليه نصطبح
وأترنم لك بشيء من حُداء الأعراب ، فقال : هذا غاية أملي، فقال: ها أنا
أستطرد لك فاتبعني حتى نخرج من حلق الطعان، ففعلا ، وروح يتطلّب أبا
دُلامة فلا يجده ، والخراسانية تطلب فارسها فلا تجده ، فلما طابت نفس
الخراساني قال له أبو دلامة: إن روحاً كما علمت من أبناء الكرام ، وحَسبك
بابن المهلب جواداً ، وإنه يبذل لك خلعة فاخرة وفرساً جواداً ومركباً مفضضاً
وسيفاً محلّى ورمحاً طويلاً وجارية بربرية وينزلك في أكثر العطاء، وهذا خاتمه
معي لك بذلك ، قال : ويحك ! وما أصنع بأهلي وعيالي ؟ فقال : استخر الله
وسر معي ودع أهلك ، فالكل يخلف عليك ، فقال : سر بنا على بركة الله ،
فسارا حتى قدما من وراء العسكر ، فهجما على روح ، فقال : يا أبا دلامة أين
كنت ؟ قال : في حاجتك، أما قتل الرجل فما أطقته، وأما سفك دمي فما
◌ِبْتُ به نفساً، وأما الرجوع خائباً فلم أقدم عليه، وقد تَلَطَّفْتُ وأتيتك
به أسيرَ كرمك، وقد بذلت له عنك كيت وكيت ، فقال: مُمُضَّى إذا وثق
لي ، قال : بماذا ؟ قال : بنقل أهله ، قال الرجل : أهلي على بعد ولا يمكنني
نقلهم الآن ، ولكن امدد يدَك أصافحك وأحلف لك متبرعاً بطلاق الزوجة
أني لا أخونك ، فإن لم أفٍ إذا حلفت بطلاقها لم ينفعك نقلها، قال : صدقت ،
فحلف له وعاهده ، ووفى له بما ضمنه أبو دلامة وزاد عليه ، وانقلب معهم
الخراساني يقاتل الخراسانية ، ويُنْكِي فيهم أشدّ نكاية ، وكان أكبر أسباب
ظفر روح١ .
وكان المنصور قد أمر بهَدْم دور كثيرة وكان من جملتها دار أبي دلامة ،
فكتب إلى المنصور :
يابِنَ عمِّ النبيِّ دَعْوَةَ شيخ قَدْ دَنا هَدْمُ داره وبَوارُه
فهو كالماخض التي اعتادها الطَّكْ قُ فَقَرَّتْ وما يقرُّ قَرَارُه"
١ ابتداء من قوله: وأمر المهدي أبا دلامة حتى هذا الموضع، لا وجود له في المسودة.
٣٢٤

لكم الأرضُ كلُها فأعيروا عبدكم ما احتوى عليه جداره
فأمر له بدارٍ عِوضاً عنها .
ولما قدم المهدي بن المنصور من الري إلى بغداد دخل عليه أبو دلامة للتسليم
والتهنئة بقدومه ، فأقبل عليه المهدي ، وقال له : كيف أنت يا أبا دلامة ؟
فقال : يا أمير المؤمنين :
إني حلفت١ لئن رأيتك سالماً بقُرَى العراق وأنتَ ذو وَقْرٍ
لتصلِّينَ على النبيِّ محمد ولتملأنّ دراهماً حِجْري
فقال المهدي : أما الأولى فنعم ، وأما الثانية فلا، فقال: جعلني الله فداك !
إنهما كلمتان لا يفرق بينهما ، فقال : يملأ حجر أبي دلامة دراهم ، فقعد وبسط
حجره فملىء دراهم ، فقال له : قم الآن يا أبا دلامة ، فقال : ينخرق قميصي
يا أمير المؤمنين ، حتى أشيل الدراهم وأقوم، فردّها إلى الأكياس ثم قام ،
فدعا له وخرج بها وله أشعار كثيرة، وذكره ابن المنجم في كتاب «البارع في
اختيار شعر المحدثين )) .
ومن أخباره : أنه مرض ولدُهُ، فاستدعى طبيباً ليداويه وشرط له جُعْلاً
معلوماً، فلما برىء قال له: والله ما عندنا شيء نعطيك ، ولكن ادَّع على فلان
اليهودي - وكان ذا مال كثير - بمقدار الجعل ، وأنا وولدي نشهد لك بذلك ،
فمضى الطبيب إلى القاضي بالكوفة - وكان يومئذ محمد بن عبد الرحمن بن أبي
ليلى، وقيل: عبدالله بن شبرمة - وحمل إليه اليهودي المذكور ، وادّعى عليه
بذلك المبلغ ، فأنكر اليهودي ، فقال : لي بيّنةٌ، وخرج لإحضارها ، فأحضر
أبا دلامة وولده، فدخلا إلى المجلس ، وخاف أبو دلامة أن يطالبه القاضي
بالتزكية فأنشد في الدهليز قبل دخوله بحيث يسمع القاضي :
إِنِ الناسُ غَطَّوْنِي تغطّيْتُ عنهمُ وإِنْ بَحَثُوا عَنّي ففيهم مباحثُ
١ هـ : ولقد نذرت .
٣٢٥

وإِنْ نبثوا بِئْرِي نَبئت ١ بئارَهُمْ ليعلمَ قوم كيفَ تلكَ النبائثُ
ثم حضرا بين يدي القاضي ، وأدّيا الشهادة ، فقال له : كلامك مسموع
وشهادتك مقبولة ، ثم غرم المبلغ من عنده وأطلق اليهودي ، وما أمكنه أن
يردّ شهادتهما خوفاً من لسانه، فجمع بين المصلحتين وتحمّل الغرم من ماله .
قال العتابي : خرج المهدي وعلي بن سليمان إلى الصيد ومعهما ابو دلامة ، فرمى
المهدي ظبياً فأصابه ، ورمى علي بن سليمان ظبياً فأخطأه وأصاب كلباً ، فضحك
المهدي ، وقال : يا أبا دلامة ، قل في هذا ، فقال :
قَدْ رَمَى المهديُ ظَبْياً شَكَّ بِالسَّهْمِ فُؤَادَهْ
وعليُّ بن سُلَيَا نَ رمى كَلْباً فصَاده
فهنيئاً لكما كل امرىء يأكل زادَهْ
فأمر له بثلاثين ألف درهم .
ودخل أبو دلامة على المهدي ، فقال: يا أمير المؤمنين ، ماتت أُم دلامة ،
وبقيتُ ليس أحد يعاطيني، فقال: إنا لله ، أعطوه ألف درهم يشتري بها أمة
تعاطيه، وكان قد دَسَّ أُم دلامة على الخيزران ، فقالت : يا سيدتي مات أبو
دلامة وبقيتُ ضائعة ، فأمرت لها بألف درهم ، فدخل المهديُّ على الخيزران،
وهو حزين ، فقالت : ما بال أمير المؤمنين ؟ قال : ماتت أم دلامة ، فقالت :
إنما مات أبو دلامة ، فقال : قاتل الله أبا دلامة وأم دلامة ، قد خدعانا والله .
وكان أبو عطاء السندي مولى بني أسد قد هجاه بقوله :
ألا أبلغْ هُديتَ أبا دُلامَهْ فليسَ مِنَ الكرامِ ولا كَرَامَهْ
إذا لبسَ العمامَة كانَ قِرْداً وخِنزيراً إذا وضعَ العمامَهْ
فلم يتعرض له أبو دلامة٢ . ونوادره كثيرة .
١ أج ه: وإن حفروا بثري حفرت، وعلى هامش المسودة: نبثوا أي حفروا.
٢ قال العتابي ... دلامة: لم يرد في المسودة .
٣٢٦

وكانت وفاته١ سنة إحدى وستين ومائة ، رحمه الله تعالى، ويقال : إنه
عاش إلى أيام هارون الرشيد ، وكانت ولاية الرشيد في سنة سبعين ومائة .
ودُلامة : بضم الدال المهملة .
وزَنْد: بفتح الزاي وسكون النون وبعدها دال مهملة، وقيل اسمه ((زبد))
بالباء الموحدة ، والأول أثبت .
والجَوْن : بفتح الجيم وسكون الواو وبعدها نون .
٢٤٥
عماد الدين زنكي
أبو الجود عماد الدين زَنْكي بن آق سنقر بن عبد الله الملقب بالملك المنصور
المعروف والده بالحاجب ؛ صاحب الموصل - وقد تقدم ذكر أبيه في حرف
الهمزة - وكان من الأمراء المقدَّمين، وفوّض إليه السلطان محمود بن محمد بن
ملِكْشَاه السلجوقي ولاية بغداد في سنة إحدى وعشرين وخمسمائة ، ولما
قُتِل آق سنقر البرسقي - المذكور في حرف الهمزة - وتوفي أيضاً ولده
مسعود - حسبما ذكرناه في ترجمته - ورد مرسوم السلطان محمود من خراسان
بتسليم الموصل إلى دُبيس بن صدقة الأسدي صاحب الحلة - وقد تقدم ذكره
أيضاً - فتجهّز دبيس للمسير، وكان بالموصل أميرٌ كبير المنزلة يُعرف بالجاولي،
وهو مستحْفَظُ قلعة الموصل ومتولي أمورها من جهة البرسقي ، فطمع في
البلاد وحدثته نفسه بتملكها ، فأرسل إلى بغداد بهاء الدين أبا الحسن علي بن
القاسم الشهرزوري وصلاح الدين محمد اليغيساني لتقرير قاعدته ، فلما وصلا إليها
١ وكانت وفاته ... حتى آخر الترجمة : تقدم هذا في المسودة على القصة التي تخبر عن مرض ولده.
٢٤٥ - أخبار عماد الدين زنكي منثورة في صفحات متفرقة من كتاب الباهر والكامل ، وكلاهما
لابن الأثير ؛ وقد جاءت هذه الترجمة مختصرة في س .
٣٢٧

وجدا الإمام المسترشد قد أنكر تولية دبيس ، وقال : لا سبيل إلى هذا ،
وتردَّدت الرسائل بينه وبين السلطان محمود في ذلك ، وآخر ما وقع اختيار
المسترشد عليه تولية زَنْكي المذكور ، فاستدعى الرسولين الواصلين من الموصل
وقرر معهما أن يكون الحديث في البلاد لزنْكي ، ففعلا ذلك ؛ وضمنا السلطان
مالاً وبذل له على ذلك المسترشد من ماله مائة ألف دينار ، فبطل أمر دبيس
وتوجه زَنْكي إلى الموصل وتسلمها ، ودخلها في عاشر رمضان سنة إحدى
وعشرين وخمسمائة ، كذا قال ابن العظيمي١ في تاريخه ، وقد قيل : إن انتقاله
إلى الموصل كان في سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة، والأول أصح - وسيأتي
ذكر السلطان محمود في حرف الميم إن شاء الله تعالى - .
ولما تقلد زنكي الموصل سلم إليه السلطان محمود ولديه ألبَ أرسلانَ
وفَرُّوخ شاه المعروف بالخفاجي ليربيهما فلهذا قيل له ((أنابك)) لأن الأتابك هو
الذي يربّي أولاد الملوك - وقد تقدم ذكر ذلك في حرف الجيم عند ذكر جَقر -
ثم استولى زَنْكي على ما والى الموصل من البلاد ، وفتح الرُّهَا يوم السبت
الخامس والعشرين من جمادى الآخرة سنة تسع وثلاثين وخمسمائة ، وكانت
لجوسلين الأرمنيِّ ، ثم توجه إلى قلعة جعبر ومالكُها يوم ذاك سيف الدولة أبو
الحسن عَليّ بن مالك ، فحاصرها وأشرف على أخذها ، فأصبح يوم الأربعاء
خامس شهر ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين وخمسمائة مقتولاً، قتله خادمه
وهو راقد على فراشه ليلاً ، ودفن بصِفِّينَ ، رحمه الله تعالى .
وذكر شيخنا عز الدين بن الأثير الجزري في تاريخه الأنابكي٣ أن زنكي
المذكور لما قُتل والده كان عمره تقديراً عشر سنين ، وقد تقدم تاريخ قتل
والده في ترجمته ، فيكون مولده سنة سبع وسبعين وأربعمائة .
[ وعن بعض خواصه قال: دخلت إليه في الحال وهو حي، فحين رآني
١ هو محمد بن علي بن محمد أبو عبد الله التنوخي العظيمي ، وكتابه الذي يشير إليه المؤلف تاريخ
عام مرتب على السنين بلغ فيه إلى حوادث سنة ٥٣٨ (النجوم الزاهرة ٥ : ١٣٣).
٢ د : ربيع الأول .
٣ انظر الباهر : ١٥ .
٣٢٨

ظنَّ أني أريد قتله فأشار إليَّ بإصبعه السبّابة يستعطفني، فوقفت من هيبته
وقلت له : يا مولانا ، من فعل بك هذا ؟ فلم يقدر على الكلام ، وفاضت نفسه
لوقته . وكان شديد الهيبة على عسكره ورعيته، عظيم السياسة ، لا يقدر
القوي على ظلم الضعيف ، وكانت البلاد قبل ان يملكها خراباً من الظلم ومجاورة
الفرنج ، فعمرها وامتلأت اهلاً وسكاناً .
قال عز الدين بن الأثير في تاريخه : حكى لي والدي قال : رأيت الموصل
واكثرها خراب ، وكان الإنسان لا يقدر على المشي إلى الجامع العتيق إلا ومعه
من يحميه لبعده عن العمارة ، وهو الآن في وسط العمارة .
وكان شديد الغيرة لا سيما على نساء الأجناد ، وكان يقول : لو لم تحفظ نساء
الاجناد بالهيبة وإلا فسدن لكثرة غيبة ازواجهنَّ في الأسفار . وكان من أشجع
خلق الله تعالى ]١ .
وصِفِّينُ - بكسر الصاد المهملة وتشديد الفاء وسكون الياء المثناة من تحتها
وبعدها نون - وهي أرض على شاطىء الفرات بالقرب من قلعة جعبر ، إلا أنها
في بر الشام ، وقلعة جعبر في بر الجزيرة الفراتية ، بينهما مقدار فرسخ أو أقل،
وفيها مشهد في موضع الوقعة المشهورة التي كانت بها بين علي بن أبي طالب
ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما ، وبهذه الأرض قبور جماعة من الصحابة
- رضي الله عنهم - حضروا هذه الوقعة وقتلوا بها ، منهم عمار بن ياسر رضي
الله عنه .
(41) وتوفي القاضي بهاء الدين ابو الحسن علي بن القاسم الشهرزوري الرسول
المذكور يوم السبت سادس عشر رمضان سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة بجلب ،
وحمل إلى صِفِّينَ ودفن بها ، رحمة الله تعالى عليه .
١ زيادة من النسخة ص وحدها .
٣٢٩

٢٤٦
عماد الدين صاحب سنجار
أبو الفتح وأبو الجود عماد الدين زنكي بن قطب الدين مَوْدُود بن عماد
الدين زنكي المذكور قبله المعروف بصاحب سِنْجَار ؛ كان قد ملك حلب بعد
ابن عمه الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي، وكانت وفاة
الصالح المذكور في سنة سبع وسبعين وخمسمائة وعمره تسع عشرة سنة .
وكان لما اشتد مرضه١ وصف له الأطباء شرب الخمر للتداوي ، فقال : لا
أفعل حتى أستفتي الفقهاء ، فأفتاه فقيه من مدرسي الحنفية يجواز ذلك ، فقال
له : أرأيت إن قدر الله تعالى بقرب الأجل أيؤخره شرب الخمر ؟ فقال الفقيه :
لا ، فقال: والله لا لقيت الله عز وجل وقد استعملت ما حرمه عليّ. فلما يئس
من نفسه أحضر الأمراء وسائر الأجناد ووصاهم بتسليم البلد إلى ابن عمه عز الدين
مسعود واستحلفهم على ذلك ثم مات . وكان حليماً كريماً عفيف اليد والفرج
ملازماً للدين والخير لا يعرف شيئاً مما يتعاطاه الملوك والشباب من شرب الخمر
وغيره ، حسن السيرة في رعيته عادلاً فيهم ، رحمه الله تعالى .
ثم إن السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب رحمه الله سار من
عينتاب إلى حلب وحاصرها في سنة ثمانين وخمسمائة ، فنزل في الميدان الأخضر
عدة أيام ثم انتقل إلى جبل جوشن، فنزل بأعلاه وأظهر أنه يريد يبني مساكن له
ولعسكره ، والقتال بين العسكرين كل يوم . وكان صاحب حلب عماد الدين زنكي
المذكور ومعه العسكر النوري وهم مجدون في القتال، فلما رأى [تطاول القتال]
كره الخرج كأنه استكثره ، فحضر عنده يوماً بعض أجناده وطلبوا منه شيئاً
٢٤٦ - ترجمة عماد الدين زنكي بن مودود في ذيل الروضتين: ١٣ والنجوم الزاهرة ٦: ١٤٤ ؛
وهذه الترجمة مثبتة كما وردت في ص ، وهي موجزة في ر س م والمسودة .
١ يعني الملك الصالح (انظر الباهر: ١٨٢).
٣٣٠

فاعتذر بقلة المال عنده ، فقال له بعضهم : من يريد يحفظ مثل حلب يخرج
المال ، ولو باع حلي نسائه ، فمال حينئذ إلى تسليم حلب لصلاح الدين ويأخذ
عوضها سنجار ونصيبين والخابور والرقة وسروج ، وجرت اليمين على ذلك
فتسلمها صلاح الدين ثامن عشر صفر ونزل عنها عماد الدين، فعجب الناس من ذلك
وقبحوا على عماد الدين فعله حتى إن بعض عامة حلب أحضر إجانة وماء وناداه:
أنت لا يصلح لك الملك وإنما يصلح لك أن تغسل الثياب ، وإذا أراد الله أمراً
فلا مردّ له ؛ وتقرر عماد الدين أن يكون في خدمة صلاح الدين متى استدعاه .
ومن عجيب الاتفاقات أن محيي الدين بن الزكي قاضي دمشق مدح صلاح
الدين بقصيدة منها :
وفتحك القلعة الشهباء في صفر مبشر بفتوح القدس في رجبٍ
وكذا كان، فإن القدس فتح في رجب سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة على ما
سنذكره إن شاء الله تعالى .
ومما كتبه القاضي الفاضل في المعنى : أعطيناه عن حلب كذا وكذا وهو
صرف على الحقيقة : أخذنا فيه الدنانير وأعطيناه الدراهم ونزلنا عن القرى
وأحرزنا العواصم .
وكان في جملة من قتل على حلب تاج الملوك أخو صلاح الدين الأصغر وقد
تقدم ذكره . وانتقل عماد الدين المذكور في السنة المذكورة إلى سنجار ولم يزل
بها إلى أن توفي في المحرم سنة أربع وتسعين وخمسمائة .
(42) وملك ابنه قطب الدين محمد وتولى تدبير دولته مجاهد الدين يرنقش
مملوك أبيه ، وكان ديّناً خيّراً عادلاً حسن السيرة كثير البر والإحسان للفقراء ،
إلا أنه كان شديد التعصب على مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه ، كثير الذم
الشافعية ، وكان بخيلاً ؛ فمن تعصبه على الشافعية انه بنى مدرسة للحنفية
بسنجار وشرط أن يكون النظر للحنفية من أولاده دون الشافعية، وأن يكون
البواب والفرّاش على مذهب أبي حنيفة .
٣٣١

٢٤٧
بهاء الدين زهير
أبو الفضل زُهَير بن محمد بن علي بن يحيى بن الحسن بن جعفر بن منصور بن
عاصم المهلبي العَتّكي١ الملقب بهاء الدين الكاتب؛ من فضلاء عصره، وأحسنهم نظماً
ونثراً وخطّاً، ومن أكبرهم مروءة، كان قد اتصل بخدمة السلطان الملك الصالح
أبي الفتح أيوب ابن السلطان الملك الكامل بالديار المصرية ، وتوجه في خدمته إلى
البلاد٢ الشرقية، وأقام بها إلى أن ملك الملكُ الصالح مدينة دمشق ، فانتقل
إليها في خدمته ، وأقام كذلك إلى أن جرت الكائنة المشهورة على الملك الصالح،
وخرجت عنه دمشق وخانه عسكره وهو على نابُلُسَ وتَفرَّق عنه ، وقبض
عليه الملك الناصر صاحب الكرك ، واعتقله بقلعة الكرك ، فأقام بهاء الدين
زهير المذكور بنابلس محافظة لصاحبه ، ولم يتصل بخدمة غيره ، ولم يزل
على ذلك حتى خرج الملك الصالح وملك الديار المصرية ، وقدم إليها في
خدمته ، وذلك في أواخر ذي القعدة سنة سبع وثلاثين وستمائة - وهذا الفصل
مذكور في ترجمة أبيه الملك الكامل محمد فينظر هناك - .
وكنت يومئذ مقيماً بالقاهرة، وأودّ لو اجتمعت به لما كنت أسمعه عنه ،
فلما وصل اجتمعتُ به ورأيته فوق ما سمعت عنه٣ من مكارم الأخلاق وكثرة
الرياضة٤ ودمائة السجايا ، وكان متمكناً من صاحبه كبير القدر عنده ، لا يطلع
٢٤٧ - ترجمة بهاء الدين زهير في النجوم الزاهرة ٧ : ٦٢ وشذرات الذهب ٥ : ٢٧٦ (وفيه نقل
عن ابن خلكان) ؛ وقد اتبعنا في هذه الترجمة الترتيب الذي وردت عليه في مخطوطة ص دون
سواها ، وهو مختلف عما في ر .
١ النجوم : المكي .
٢ أج : الديار .
٣ ص : وصف لي .
٤ هـ : الرياسة.
٣٣٢

٠
على سره الخفي غيره ، ومع هذا كله فإنه كان لا يتوسط عنده إلا بالخير ، ونفع
خلقاً كثيراً بحسن وساطته وجميل سفارته١ .
وأنشدني كثيراً من شعره ، فمن ذلك ما كتبه إلى بعض أصحابه وكان قد
غرقت به سفينة فسلم بنفسه وذهب ما كان معه٢ :
لا تعتب الدهْرَ فِي خَطْبٍ رماك به إن استَرَدَّ فقِدْماً طالما وهَبا
تجده أعطاكَ أضعاف الذي سَلَبا
حاسِب زمانكَ في حالي تصرُقِهِ
فلا ترى راحَةٌ تبقى ولا تَعَبا
والله قد جعل الأيامَ دائرةٌ
لا تأسفَنَّ لشيء بعدها ذهَبا
ورأسُ مالك وهيَ الروحُ قد سلمت
كذا مضى الدهر لا بدْعاً ولا عجبا
ما كنتَ أولَ مفْدوح بحادثة
ورُبَّ مال نما من بعد مَرْزِئَةٍ أما ترى الشمعَ بعد القَطِّ ملتهبا
وأنشدني المذكور ، وكتب بها لفخر الدين ابن قاضي داريّا يشكو إليه
سوء أدب غلمانه٣ :
سواك الذي وُدّي لديه مُضَيِّعُ وغيرُك من سعبي إليه محبَّبُ
وأنّيَ في أهل الفضيلة أرغَب
ووالله ما آتيكَ إِلا مَحَبَّةَ
وأطري بما أثني عليك وأُطْرَب
أبثُّ لك الذكر الذي طاب نَشْرُهُ
فما ليَ ألقى دون بابكَ جفوَةً
لغيرك تُعْزَى، لا إليك، وتُنْسَب
فيا ليتَ شعري أين أهلٌ ومَرْحب
أردُّ بردٌ الباب إن جئتُ زائراً
ولست بأوقات الزيارة جاهلاً ولا أنا مَنْ قُرْبُهُ يُتجنّب
بما كان من أخلاقه يتهذب
وقد جعلوا في خادم المرء أنه
١ م : فلما وصلت إليه واجتمعت به بعد قدومه رأيته كامل الادوات كبير المنزلة عند مخدومه
وكان لا يتوسط إلا في الخير؛ (هذا نموذج للايجاز الذي تمثله هذه النسخة) .
٢ ديوانه : ١٧ .
٣ ديوانه : ٢٦ .
٣٣٣

فَهَلاَ سَرَتْ منك اللطاقَة فيهمُ وأعددتهم آدابها فتأدبوا
ويَصْعُبُ عندي حالة ما ألِفِتُها على أنّ بُعْدي عن جَنَابكَ أَصعَب
فأمْسَكُ نَفْسي عن لقائِكَ كارهاً
(( أُغالبُ فيك الشوقَ والشوقُ أَغْلَبُ))
وأغضَبُ الفَضْلِ الذي أنت رَبُّه لأجلك، لا أني لنفسيَ أَغْضَب
وإما لإدلالٍ به أتعتَّب
وآَنَفُ إما عِزّةً منكَ نِلتُها
وإن كنتُ ما أعتدُّ ماتيكَ زلَّةً فحَسْبي بها من خجلة حين أذهَب
وله من قصيدة يمدح بها الملك المسعود صلاح الدين يوسف ابن الملك الكامل
رحمه الله :
وتهتز أعواد المنابر باسمه فهل ذكرت أيامها وهي قضبان
ودع كلَّ وادٍ حين يذكر نعمان
فدع كلَّ ماءٍ حين يُذكر زمزم
وما كلُّ بيت مثل بيتي هو البان
وما كلُّ أرض مثل أرضي هي الحمى
وله من قصيد يمدح به الأمير علاء الدين ولد الأمير شجاع الدين جلدك التقوي
بثغر دمياط سنة خمس وستمائة ، وهي أول شيء قاله من المدح :
فيا ظبي هلا" كان فيك التفاتة ويا غصن هلاّ كان فيك تعطُّفُ
ويا حرم الحسن الذي هو آمن وألبابنا من حوله تتخطَّف
وحقك إني أعرف الواو تعطف
عسی عطفة بالوصل یا واو صدغه
وله من قصيدة :
وما كل مخضوب البنان بثينة ولا كل مسلوب الفؤاد جميل
وله من قصيدة يمدح بها الأمير نصير الدين بن اللمطي ويهنيه :
وهل كنت إلا السيف خالطه الصدا فكنت له يا ذا المواهب صيقلا
وما ليَ لا أسمو إلى كل غايةٍ إِذا كنتَ عوني في الزمان وكيف لا
٣٣٤

وله من أبيات كتب بها إلى القاضي فخر الدين ابن قاضي داريا يشكره
لمعروف ابتدأه به :
وخذها على ما خَيَّلَتْ بنتَ ساعةٍ أتتكَ على استحيائها تتعثرُ
ومما أنشدنيه قوله١ :
يا رَوْضَة الحسنِ صِلي فما عليكِ ضَيْرُ
فهل رأيتِ رَوْضَةٌ ليسَ بها زُهَيْرُ
وأنشدني أيضاً لنفسه٢ :
كيفَ خَلاصي من هَوِّى مَازَجِ رُوحِي واخْتَلَطْ
حُبّي له وما انبَسَطْ
تشبُّهاَ رُمْتَ شَطَط٣َ
ما أنت من ذاك النَّمَط
وتائه أقبض في
يا بدرُ إِن رُمْتَ به
ودَعْهُ يا غصنَ النَّقا
قام بعُذْرِي وجْهُه عند عَذولي وبَسَط
لِواوٍ ذاك الصُّدْغِ خَطّ
لله أيُّ قَلَمٍ
ويا لَهُ من عَجَبٍ
يمرُّ بي مُكتَفِتاً
ما فيه من عيبٍ سِوَى
يا قمَرَ السَّعْدِ الذي
في خَدِّهِ كيف نَقَط
فهل رأيتَ الظبي؛ قَط
فُتُوُر عَيْنَيْهِ فَقَطْ
نَجْمي لديه قَدْ هَبَط
ومانحي مُرَّ السَّخَط
يا مانعي حلو الرضا
حاشاكَ أن ترضى بأن أموتَ في الحبّ غلط
ديوانه : ١١٢؛ وكل ما تقدم من إنشادات لم يرد في المسودة .
١
٢ ديوانه : ١٩٠.
٣ الديوان : الشطط .
؛ أ : البدر .
٣٣٥

وأنشدني لنفسه أيضاًا :
أنا ذا زُهَيْركَ ليس إلا جُودَ كَفِّكَ لي مُزيْنَه
أهْوى جميلَ الذكر عن ك كأنما هو لي بُثَيْنَه
فاسأل ضميرك عَنْ ودا دي إنه فيه جُهَينَه
وأنشدني لنفسه أيضاً أبياتاً لم يَعلَق" على خاطري منها سوى بيتين من
آخرها، وهما٢ :
تشرب من قلي وما أُذبلك
وأنت يا نرْجِسَ عينيه كم
ما لك في حُسنك من مُشْبهٍ ما تمَّ في العالم ما تمَّ لكْ
وأنشدني غير ذلك شيئاً كثيراً ، وشعره كله لطيف ، وهو كما يقال : السهل
الممتنع ، وأجازني رواية ديوانه ، وهو كثير الوجود بأيدي الناس فلا حاجة
إلى الإكثار من ذكر مقاطيعه .
وأخبرني جمال الدين أبو الحسين يحيى بن مطروح - الآتي ذكره في حرف
الياء إن شاء الله تعالى - قال : كتبت إليه ، وكان خصيصاً به :
أقولُ وقد تَتابع منك برّ وأهلاً ما برحت لكلِّ خيرٍ
ألا لا تَذكروا هَرِمِاً يجودٍ فما هَرِمٌ بأكرَمَ من زهيرٍ
[قال : وكتب إليه مرة أخرى يطلب درج ورق ومدادا٣ً :
أفلستُ يا سيّدي من الورق فجد بدرجٍ كعرضك اليقق
وآتني بالمداد مقترناً فمرحباً بالخدود والحدق
١ ديوانه : ٣٦٩، وقد وقعت متقدمة في المسودة على الأبيات السابقة لها .
٢ ديوانه : ٢٥٠ .
٣ ديوانه : ٢٣٣.
٣٣٦
:

فسيّر إليه زهير المذكور جوابه مع المطلوب :
وهو يسير المداد والورق
مولايَ سيّرتُ ما أمرتَ به
شَبَّهتَهُ بالخدود والحدق]١
وعزّ عندي یسیر ذاك وقد
وأخبرني بهاء الدين زهير المذكور أنه توجه إلى الموصل رسولاً من جهة مخدومه
الملك الصالح لما كان ببلاد الشرق، وأنه كان ببلاد الموصل يومئذ صاحبنا الأديب
شرف الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن أبي الوفاء بن خطاب المعروف بابن الخلاوي
الموصلي الأصل الدمشقي المولد والدار ، فحضر إليه ومدحه بقصيدة طويلة
أحسن فيها كل الإحسان ، وكان من جملتها قوله :
تجيزُها وتجيز المادِ حينَ بها فَقلْ لنا أزهير أنت أم هَرِيمُ
وأنه لما رجع من الموصل اجتمع بيجمال الدين بن مطروح المذكور فأوقفه على القصيدة
المذكورة فأعجبه منها هذا البيت المذكور، فكتب إليه البيتين المذكورين٢.
قلت : وبيت ابن الحلاوي المذكور ينظر إلى قول ابن القاسم في الداعي سبأ
ابن أحمد الصليحي ، أحد ملوك اليمن ، وكان شاعراً جواداً من قصيدة٣ :
ولما مَدَحْتُ الهبرزيِّ ابنَ أحمد أجازَ وكافاني على المدح بالمَدْحِ
فعَوَّضني شعراً بشعرٍ وزادني عَطَاء فهذا رأس مالي وذا ربحي
وأخبرني بهاء الدين أيضاً أن مولده في خامس ذي الحجة سنة إحدى
وثمانين وخمسمائة بمكة حرسها الله تعالى ، وأخبرني مرة أخرى أنه ولد بوادي
نَخْلة، وهو بالقرب من مكة ، والله أعلم، وهو الذي أملى عليّ نسبه على هذه
الصورة ، وسَطَّرت هذا الفصل وهو في قيد الحياة منقطعاً في بيته بالقاهرة
بعد موت مخدومه، طيب الله قلبه وأجراه على أجمل عاداته ، وأخبرني أن نسبته
١ زيادة من د ر وحدهما .
٢ إلى هنا انتهت الترجمة في م ولم يزد عليها سوى ذكر وفاته .
٣ انظر تاريخ عمارة: ٦٥ ونسب الشعر لعلي بن الحسين بن القاسم.
٢٢ - ٢
٣٣٧

1
إلى المهلب بن أبي صفرة - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى - .
ثم حصل بالقاهرة ومصر مرضٌ عظيم لم يكد يسلم منه أحد ، وكان حدوثه
يوم الخميس الرابع والعشرين من شوال سنة ست وخمسين وستمائة ، وكان بهاء
الدين المذكور ممن مسه منه ألم ، فأقام أياماً ثم توفي قبيل المغرب يوم الأحد رابع
ذي القعدة من السنة المذكورة، ودفن من الغد بعد صلاة الظهر بالقرافة الصغرى
بتربته بالقرب من قبة الإمام الشافعي ، رضي الله عنه ، في جهتها القبلية١ ،
ولم يتفق لي الصلاة عليه لاشتغالي بالمرض، رحمه الله تعالى. ولما أبللت من المرض
مضيت إلى تربته وزرته وقرأت عنده شيئاً من القرآن وترحمت عليه لمودة
کانت بيننا .
وأنشدني الفقيه أبو الحجاج يوسف الضرير لبهاء الدين لغزاً في القفل٢:
وأسْوَدَ عارٍ أنحَلَ البردُ جسمَهُ وما زال من أوصافِهِ الحرصُ والمنْعُ
وأعجبُ شيءٍ كونه الدهْرَ حارساً ولَيسَ له عين وليس له سَمْعُ
٢٤٨
أبو محمد البکائي
أبو محمد زياد بن عبد الله بن طُفيل بن عامر القيسي العامري من بني عامر بن
صَعَصَعَة ثم من بني البَكّاء ؛ روى سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن
محمد بن إسحاق ، ورواها عنه عبد الملك بن هشام الذي رتبها ونسبت إليه .
والبكائي المذكور كوفي ، وكان صَدُوقاً ثقة ، خرَّجَ عنه البخاري في كتاب
١ أ : الغربية .
٢ ديوانه : ٢١ .
٢٤٨ - ترجمة أبي محمد البكائي في ميزان الاعتدال ٢ : ٩١ .
٣٣٨

الجهاد ، ومسلم في مواضع من كتابه ، وذكر البخاري في تاريخه عن وكيع
قال : زياد أشرف من أن يكذب في الحديث ؛ ووهم الترمذي فقال في كتابه
عن البخاري قال ، قال وكيع: زياد بن عبد الله على شرفه يكذب في الحديث١،
وهذا وهم، ولم يقل وكيع فيه إلا ما ذكره البخاري في تاريخه ، ولو رماه
وكيع بالكذب ما خَرَّجَ البخاري عنه حديثاً واحداً ولا مسلم ، كما لم يخرجا
عن الحارث الأعور لما رماه الشعبي بالكذب ولا عن أبان بن أبي عياش لما رماه
شعبة بالكذب . وروى عن الأعمش ، وروى عنه أحمد بن حنبل وغيره ، رضي
الله عنه .
وكانت وفاة أبي محمد المذكور في سنة ثلاث وثمانين ومائة بالكوفة ، رحمه
الله تعالى .
والبكائي : بفتح الباء الموحدة وتشديد الكاف وبعد الهمزة الممدودة ياء مثناة
من تحتها ، وهذه النسبة إلى البكاء ، واسمه ربيعة بن عامر بن ربيعة بن عامر بن
صعصعة ، وسمي البكاء لخبر يسمج ذكره .
٢٤٩
التاج الكندي
أبو اليمن زيد بن الحسن بن زيد بن الحسن بن سعيد الكندي الملقب تاج الدين
البغدادي المولد والمنشأ الدمشقي الدار والوفاة المقرىء النحوي الأديب ؛ كان
١ قال فيه ابن معين: لا بأس به في المغازي وأما في غيرها فلا، وقال ابن المديني: ضعيف، وكذلك
قال النسائي وابن سعد ؛ اما اتهامه بالكذب فغير وارد .
٢٤٩ - ترجمة تاج الدين الكندي في انباه الرواة ٢: ١٠ وذيل الروضتين: ٩٥ وغاية النهاية ١:
٢٩٧ ومعجم الأدباء ١١: ١٧١ والنجوم الزاهرة ٢١٦:٦ والخريدة (قسم الشام) ١٠٠:١
وبغية الوعاة: ٢٤٩ والجواهر المضية ١ : ٢٤٦؛ وهذه الترجمة كاملة في المسودة .
٣٣٩

أوحد عصره في فنون الآداب وعلو السماع ، وشهرته تغني عن الاطناب في وصفه،
وكان قد لقي جِلَّةَ المشايخ وأخذ عنهم ، منهم الشريف أبو السعادات ابن
الشجَري وأبو محمد ابن الخشاب وأبو منصور الجواليقي ، وسافر عن بغداد
في شبابه ، وآخر عهده بها في سنة ثلاث وستين وخمسمائة١ ، واستوطن حلب
مدة ، وكان يبتاع الخليع٢ ويسافر به إلى بلاد الروم ويعود إليها. ثم انتقل إلى
دمشق ، وصحب الأمير عز الدين فَرُّوخَ شاه بن شاهان شاه ، وهو ابن أخي
السلطان صلاح الدين ، واختص به وتقدم عنده وسافر في صحبته إلى الديار
المصرية واقتنى من كتب خزائنها كل نفيس ، وعاد إلى دمشق واستوطنها ،
وقصده الناس وأخذوا عنه ، وله كتاب مشيخة على حروف المعجم .
أخبرني أحد أصحابه أنه قال : كنت قاعداً على باب أبي محمد عبد الله بن
الخشاب النحوي ببغداد، وقد خرج من عنده أبو القاسم الزمخشري الإمام المشهور،
وهو يمشي في جاون خشب فإن إحدى رجليه كانت قد سقطت من الثلج، قال :
والناس يقولون : هذا الزمخشري . ونقل من خطه : كان الزمخشري أعلم فضلاء
العجم بالعربية في زمانه، وأكثرهم أُنساً واطلاعاً على كتبها ، وبه ختم
فضلاؤهم ، وكان متحققاً بالاعتزال ، قدم علينا بغداد سنة ثلاث وثلاثين
وخمسمائة ، ورأيته عند شيخنا أبي منصور الجوَاليقي ، رحمه الله تعالى ، مرتين
قارئاً عليه بعض كتب اللغة من فواتحها ومستجيزاً لها ، لأنه لم يكن له - على
ما عنده من العلم - لقاء ولا رواية ، عفا الله عنه وعنا .
وأخبرني الشيخ مهذب الدين أبو طالب محمد المعروف بابن الخيمي
بالقاهرة المحروسة قال : كتب إليّ الشيخ تاج الدين الكندي من دمشق من جملة
أبيات :
أيها الصاحبُ المحافظ قد حَمّ لمتَنَا من وفاء عَهْدكِ دَيْنا
.............
١ د : ٥٧٣ ٠
٢ س : الخليق .
٣٤٠