النص المفهرس

صفحات 181-200

١٩٦
البارع الدباس
أبو عبد الله الحسين بن محمد بن عبد الوهاب بن أحمد بن محمد بن الحسين بن
عبيد الله بن القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وَهْب الوزير الحارثي من بني الحارث
ابن كعب بن عمرو الدباس البدري المنعوت بالبارع الشاعر المشهور الأديب النديم
البغدادي ؛ كان نحويّاً لغويّاً مقرئاً حسن المعرفة بصنوف الآداب ، وأفاد خلقاً
كثيراً ، خصوصاً بإقراء القرآن الكريم .
وهو من بيت الوزارة، فإن جده القاسم كان وزير المعتضد [والمكتفي بعده]
وهو الذي سَمَّ ابن الرومي الشاعر - كما سيأتي ذكره في ترجمته إن شاء الله
تعالى - وعبيد الله كان وزيراً أيضاً، وسليمان بن وهب الوزير تغني شهرته عن
ذكره - وستأتي ترجمته إن شاء الله تعالى - .
والبارع المذكور من أرباب الفضائل ، وله مصنفات حسان وتواليف غريبة،
وديوان شعر جيد، وكان بينه وبين الشريف أبي يَعْلى ابن الهَبّارية مُداعبات
لطيفة ، فإنهما كانا رفيقين ومُتَّحِدَينِ في الصحبة ، فاتفق أن البارع المذكور
تعلق بخدمة بعض الأمراء، وحج، فلما عاد حضر الشريف إليه مراراً فلم يجده،
فكتب إليه قصيدة طويلة داليّة يعاتبه فيها ويشير إلى أنه تغير عليه بسبب
الخدمة ، وأولها :
يا ابن وُدِّي وأين مني ابنُ وُدِّي غيَّرَتْ طَرَفَهُ الرياسةُ بَعْدي١
١٩٦ - ترجمة البارع الدباس في معجم الأدباء ١٠: ١٤٧ وانباه الرواة ١ : ٣٢٨ وبغية الوعاة :
٢٣٦ وغاية النهاية ١: ٢٥١ والشذرات ٤: ٦٩ وابن كثير ١٢ : ٢٠١.
١ أ : عندي .
١٨١

ولولا ما أودعها من السخف والفحش لذكرتها١ ، فكتب إليه البارع المذكور
جوابها ، وأطال فيها ، وضمنها أيضاً شيئاً من الفحش ، وأولها :
وصلتْ رُقعةُ الشريف أبي يعـ لى فحلَتْ محَلَّ لُقياه عندي
فتلقيتُها٢ بأهلاً وسهلاً ثم ألصقتُها بطَرْفي وخدِّي
وفَضضتُ الختامَ عنها فما ظَنُّ كَ بِالصّابِ إِذْ يُشاب بِشُهد
هو أولى به وهَزْلٍ وجِدِّ
بملام يكاد يحرق جلدي
أبن لي من حل أنف وعقد
قد تنكرت° أو تغير عهدي
لأمير أم عارض للجند
رف أرضى ولو يحجّرَّةِ دردي
يوم عيدي وصاحبُ الدست عبدي
بين حُلوٍ من العتاب ومُرّ
وتجن٣ّ عليَّ من غير جُرْم
يَدَّعي أنني حجبتُ، وقد زا ر مراراً، حاشاه من قبح رد
ثم دَع ذا، ما للرياسة والحج
فماذا علمتَ بالله أني
من تراني : أعاملٌ أم وزيرٌ.
أنا إلاَّ ذاك الخليع الذي تمـ
وإذا صحَّ لي مليح فذاك الـ
أتراني لو كنت في النار مَعْ ها مانَ أنساك في جنان الخلد
١ ذكر في ر وهامش س أبياتاً منها وهي :
وهو ضدان بين حل وعقد
عقدت أنفه عليّ فطبعي
راع ودي منه بهجر وصدٌ
صدّ عني وليس أول خل
شغلته عني الرياسة فاستعلى فخليته وذلك جهدي
افلما حججت لا قبل الله تعالى مسعاك أخلفت وعدي
أي فرق بيني وبينك هل أنت سوى شاعر وأنت مکدي
وحر امّ الزمان فهي يمين برة أنني سأبعث جندي
وأجازيك بالتبظرم والتيه وكيل الهجاء مداً بمدّ
٢ أج : فتأملتها .
٣ هـ : وتجردٍ .
؛ دهـ : احتجبت .
ه أ : تغيرت .
١٨٢

أو لوَ أَنِّي عُصِبْت بالتاج أسلو ك ولو كنتَ عانِياً في القِدّ
أنا أضعافُ ما عهدت على العم ، وإن كنت لا تجازي بودّ
ومنها :
أم لأني قنعت من سائر الناس بقَرْدٍ بين الأكارم فرد
في جميلاً منه إلى غير حد
صان وجهي عن اللئام وأولا
ح زماني وقلت إنيّ وحدي
فتعفَّقْتُ واقتنعتُ بتدفي
لا لأني أنِفتُ مَعْ ذا من الكُدْ ية، أين الكرام حتى أُكَدِّي
ونقتصر من هذه القصيدة على هذه الأبيات ، ففيها سخف لا يليق ذكره
وغيره مما لا حاجة إليه .
ومن شعره أيضا١ً :
أفنَيتُ ماء الوجه من طُول ما أسأل مَنْ لا ماء في وجههِ
٠٥٦
يا ليتني متّ ولم أُنْهه
أنهي إليه شرح حالي الذي
ولم أكد أسلم من جَبْهه
فلم يَنَلْني كرماً رِفْدُهُ
ممتدة الأيدي إِلى بُلْهه
والموت من دهر نحَاريرُه
[وأورد له الحظيري في كتاب ((زينة الدهر)) وذكر أنه نقلها من خطه
وذكر أنه قال هذه القصيدة بمكة في سنة ٤٧٢ :
ذكر الأحباب والوطنا والهوى والإلف والسكنا
مُدْنفٌ بالشوق حلف ضنى
فبكى شجواً وحُقَّ له
من خراسان به اليمنا
أبعدت مرمى يدٍ رجمت
بالنوى قلباً له ضمنا
خلست من بين أضلعه
...
١ زيادة لم ترد في المسودة .
١٨٣

من المشتاقٍ يميّله ذات سجعٍ ميلت فتنا
كلما هاج الهديل به طرباً هاجت له شجنا
مسعدٌ إِلا وقال أنا
لم تعرَّض بالحنين بِمَنْ
لكِ يا ورقاءُ أُسوةُ من لم تذيقي جفنه الوسنا
بك أُنسي مثل أُنسك بي
نتشاكى ما نجنُّ إِذا
غير أني منك أعدل إِن
فتعالي نبدٍ ما كمنا
نُحْتٍ شجواً صحتُ واحزنا
عاد سري في الهوى علنا
أنا لا أنت البعيدُ هوَّى أنا لا أنت الغريب هنا
أنت والإلف القرين ثنا
أنا فردٌ يا حمام وها
ليس هذا منكمُ حَسَنا
أَنصفونا يا بني حَسَنٍ
بالعيون النُّجل أنفسنا
كم أحلَّت محرماتكمُ
نحن وفد الله عندكمُ ما لكم جيرانَهُ ولنا
لم يحرْنا منكمُ حَرَمٌ مَنْ أناه خائفاً أمِنا]!
وكانت ولادته في العاشر من صفر سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة ببغداد .
وتوفي يوم الثلاثاء سابع عشر جمادى الآخرة ، وقيل الأولى ، سنة أربع
وعشرين وخمسمائة ، وكان قد عمي في آخر عمره ، رحمه الله تعالى .
والدباس - بفتح الدال المهملة وتشديد الباء الموحدة وبعد الألف سين مهملة -
وهذا يقال لمن يعمل الدِّبْسَ أو يبيعه .
والبَدْري - بفتح الباء الموحدة وسكون الدال المهملة وبعدها راء - هذه
النسبة إلى البَدْرية ، وهي محلة ببغداد المحروسة وكان البارع المذكور يسكنها
فنسب إليها .
١ زيادة من ر د لم ترد في المسودة .
١٨٤

١٩٧
الطغراني
العميد فخر الكتاب أبو إسماعيل الحسين بن علي بن محمد بن عبد الصمد
الملقب مؤيد الدين الأصبهاني المنشىء المعروف بالطغرائي ؛ كان غزير الفضل
لطيف الطبع ، فاق أهل عصره بصنعة النظم والنثر .
ذكره أبو سعد ابن السمعاني في نسبة المنشىء من كتاب ((الأنساب))، وأثنى
عليه ، وأورد قطعة من شعره في صفة الشمعة ، وذكر أنه قتل في سنة خمس
عشرة وخمسمائة .
والطغرائي المذكور له ديوان شعر جيد ، ومن محاسن شعره قصيدته المعروفة
بلامية العجم ، وكان عملها ببغداد في سنة خمس وخمسمائة يصف حاله ويشكو
زمانه ، وهي التي أولها١ :
أصالة الرأي صانتني عن الخَطَلِ وحِلية الفَضل زانتني لدى العَطَلِ
[ مَجْدي أخيراً ومجدي أولاً شَرَعٌ
والشمسُ رأدَ الضحى كالشمس في الطَّفَل
فيمَ الإقامة بالزّوراء لا سكني بها ولا ناقتي فيها ولا جَمَلي
ناءٍ عن الأهل صِفْرُ الكفِّ منفَرد كالسيف عُرّيَ متناهُ عن الخَلَل
فلا صَدِيقٌ إليهِ مُشتكى حَزَني ولا أنيسٌ إليه مُنتهى جَذَلي
١٩٧ - ترجمة الطغرائي في معجم الأدباء ٩: ٥٦ والانساب واللباب: ((المنشىء)). ومقدمة الغيث
المسجم في شرح لامية العجم للصفدي، وللأستاذ علي جواد الطاهرؤ كتاب عنه (بغداد: ١٩٦٣).
١ في ص س والمسودة وهي طويلة تنيف على ستين بيتاً أودعها كل غريبة وهي من مختار الشعر
ونقاوته ولولا طولها لذكرتها لكنها مشهورة موجودة بأيدي الناس . أما ر فقد أوردت
القصيدة كاملة .
١٨٥

طالَ اغترابِيَ حتى حنَّ راحِلَتي ورَحْلُها وقِرى العسّالةِ الذُّبُل
وضجَ من لَغَبٍ نِضْوي وعجَّ لما يلقَى رِكابي ولَجَّ الركبُ في عدَلي
أُريدُ بسطةَ كفّ أستعينُ بها
والدَّهرُ يعكسُ آمالي ويُقنعني
وذي شَطَاطٍ كصدرِ الرمح مُعتقلٍ
حُلوِ الفكاهةِ مُرِّ الجَدِّ قَد مُزِجَتْ
طَرَدْت سَرْحَ الكرى عن وِرْدِ مُقلته
والركبُ مِيل على الأكوار من طرَبٍ
فقلت أدعوك الجلسَّى لتنصرني
تنامُ عيني وعينُ النجم ساهرَةٌ
فهلْ تعينُ على غَيٍ هممْتُ بهِ
إني أريدُ طُرُوقَ الحِيِّ مِنْ إِضَم
يحمُونَ بالبِيض والسُّمر اللدانِ بهِ
فسِرْ بنا في ذِمامِ الليل معتسفاً
فالحبُ حيثُ العدا والأسد رابضة"
نؤمُ ناشئة بالجزعِ قد سُقِيَتْ
قد زادَ طِيبُ أحاديثِ الكرام بها
تبيتُ نارُ الهَوَى مِنهنَّ في كبدٍ
يقتلنَ أنضاء حُبٍ لا حَرَاكَ بها
يُشفى لديغُ العَوالي في بيوتهمُ
لعلَّ إِلمامةٌ بالجزعِ ثانيةً
لا أكره الطعنة النجلاءَ قد شُفِعَتْ
ولا أهابُ الصفاحَ البيضَ تُسعدُني
ولا أخلُّ بغِزلانٍ تغازِ لني
عَلى قضاء حُقوق للعُلا قِيَلي
مِنَ الغنيمةِ بعدَ الكَدِّ بالقَفَل
بمثلهِ غيرَ هَيَّابٍ وَلا وَكَل
بشدّةِ البأس منه رقَّةُ الغَزَل
والليلُ أغرَى سوام النوم بالمُقَل
صاحٍ وآخرَ من خَمْرِ الهوى ثمِل
وأنت تخذلني في الحادث الجلل
وتستحيلُ وصِبْغُ الليل لم يَحُل
والغيُّ يزجُرُ أحياناً عن الفَشْل
وقدْ حماهُ رُمَاةٌ من بني تُعَل
سُودَ الغدائر حُمرَ الحلي والحلل
فنفحةُ الطيبِ تهدينا إلى الحلَل
حَوَلَ الكِنِاس لها غابٌ من الأَسَل
نصالهاء بمياه الفَنجِ والكَحَل
ما بالكرلثم منْ جُبْنٍ ومنْ بَحَل
حَرّى ونارُ القِرى منهم على قُلَل
ويَنْحَرُون كرام الخيل والإبل
بنَهْلَةٍ من غدير الخمرِ والعَسَل
يَدِبُّ منها نسيمُ البُرْءِ فِي عِلَلي
برَشْقَةٍ من نبالِ الأعين النُّجُل
باللمحِ منْ خلل الأستار والكِلّل
ولوْ دَهتني أسُودُ الغيلِ بالغيَل
١٨٦

حُبُّ السلامة يثني هَمّ صاحبهِ عن المعالي ويُغْري المرءَ بالكسل
فإن جَنَحتَ إِليه فاتخذْ نَفَقاً في الأرضِ أو سُلَّمَاً في الجوّ واعتزل
ودَع غِمَارَ العُلا لِلِمُقَدِمينَ على رُكوبها واقتنع منهنَّ بالبلل
والعزّ تحت رَسيم الأينُقِ الذّلُل
رضى الذليل بخفض العيش مسكنة'
فادْرَاً بها في نُحُورِ البيدِ حافلةً
إِنّ العُلا حدّثتني وهيَ صادِقَةٌ
لو أنّ فِي شَرَفِ المَأوى بُلوغَ مُنِّى
أهبتُ بالحظ لو نادَيتُ مُستمعاً
لعلهُ إِنْ بَدا فضلي ونقصُهُمُ
أَعَلِّلُ النفسَ بالآمالِ أرقُبُها
لم أرْضَ بالعيش والأيامُ مُقبلةٌ
غالى بنفسيَ عِر ◌ْقاني بقيمتها
وعادَةُ النصل أنْ يُزهى يُحَوهَرِهِ
ما كنتُ أُوثر أنْ يمتدَّ بي زَمني
تقدَّمَتْني أناسٌ كَانَ شوْظُهُمُ
هذا جزاءُ امرىء أقرانهُ دَرَجُوا
وإِنْ عَلانيَ مَن دُوني فلا عَجبٌ لِي أُسوَةٌ بانحطاط الشمس عَن زُحل
فاصبر لها غيرَ مُحتال ولا ضجِرٍ
أعدى عَدُوِّكَ أَدْنى مَن وثقتَ بهِ
وإِنما رَجُلُ الدُّنيا وواحِدُها
وحُسنُ ظَنِّكَ بالأيامِ مُعْجِزَةٌ
غاضَ الوَفاء وفاضَ الغَدْرُ وانفَرَ جتْ
معارضات مثاني اللجمِ بالجدل
فيما تَحَدِّثُ أنّ العزّ في النُّقَل
لم تبرَّحِ الشمسُ يوماً دارَةَ الحَمَل
والحظُّ عَنّيَ بالجهَّال في شُغُل
لِعِيْنِهِ نامَ عنهمْ أو تنَبَّهَ لي
ما أضيقَ العيشَ لولا فُسحَةُ الأمل
فكيفَ أرْضى وقد ولّتْ على عجَل
فصُنْتُها عن رَخيصِ القَدْرِ مُبْتَذَل
وليسَ يعمل إلا في يدَيْ بطّل
حتى أرى دولةَ الأوغادِ والسّفَل
وراءَ خطويَ إِذ أمشي على مَهَل
مِن قبلهِ فتمنَّى فُسحةَ الأجل
في حادِثِ الدهر ما يغني عن الحيل
فحاذِرِ الناسَ واصْحَبْهُمْ على دخَل
مَن لا يعوِّلُ في الدنيا على رَجُل
فظُنَّ شرّاً وكن منها على وجَل
مسافَةُ الخُلُفِ بينَ القولِ والعَمل
وشانَ صِدْقَكَ عندَ الناسِ كَذْبُهُمُ وهَلْ يطابَقُ معوجٌ بمعتدِل
إن كانَ ينجعُ شيء في ثباتهمُ على العُهودِ فسبقُ السيف للعذّل
١٨٧
-٠٫٠

يا وارداً سُؤْرَ عيشٍ كلهُ كدر" أَنفَقتَ صفوَكَ في أيامِكَ الأول
وأنتَ يكفيكَ مِنْهُ مَصَّةُ الوَشل
يُحتاج فيه إلى الأنصارِ والخَول
فَهَلْ سَمِعْتَ بظلٍ غيرِ مُنتقل
اصمُتْ ففي الصَّمتِ مَنجاة منَ الزّلَل
فاربأ بنفسكَ أن تَرعى معَ الهمَل]
فيمَ اقتحامكَ لُجَّ البحر تركبه
مُلكُ القناعةِ لا يُخْشى عليهِ ولا
ترجو البَقاءَ بدارٍ لا ثباتَ لها
ويا خبيراً على الأسرار مُطَلِعاً
قد رَشَّحُوكَ لأمرٍ لَوْ فطنتَ لهُ
ومن رقيق شعره قوله :
يا قلبُ مالك والهوى من بعد ما
أُوَمَا بدا لكَ في الإفاقةِ والألى
مَرِضَِ النسيم وصَحَّ والدّاء الذي
وهدا خُفوقُالبَرْق والقلبُ الذي
وله أيضاً :
طابَ السلوّ وأقصَرَ العشاقُ
نازَ عْتَهُمْ كأسَ الغرامِ أفاقوا
تشكوهُ لا يُرْجَى له إِفْراق
تُطُوَى عليهِ أضالعي خَفّاق
على مَوعدٍ للبين لا شكَّ واقِعِ
أجِمّا البكا يا مقليَّ فإننا
إِذا جمعَ العشاقَ موعدُهُمْ غداً فواخَجْلَتَا إِن لم تُعِنِّي مَدامعي
ومن شعره :
ولا غرو إن أهديت من فيض بره إليه قليلاً ليس يعتدُّهُ نَزْرا
فإني رأيت الغيم يحمل ماءَه من البحر غمراً ثم يهدي له قطرا
ومن شعره :
حكم الصواب: وإن بدا من ناقص
لا تحقرنَّ الرأي وهو موافقٌ
ما حط رتبته هوانُ الغائص
فالدُّرُّ وهو أجلُّ شيء يُقتنى
وله أيضاً :
، أخاك أخاك فهو أجَلُّ ذُخْرٍ إذا نابتك نايبةُ الزمانِ
١٨٨

وإن رابتْ إِساءته فهبها لما فيه من الشيم الحِسان
تريدْ مهذباً لا غش فيه وهل عُودٌ يفوح بلا دُخان
ومن شعره :
ما فلانٌ إِلا كجيفةِ ميتٍ والضرورات أحوجتنا إِليه
فمن اضطر غير باغٍ ولا عا دٍ فلا إثم في الكتاب عليه
وله من أبيات :
لا غرو إن حزت المروءة والتشُّقى والدين والدنيا ولم تتصدع
إِن النواظر والقلوب صغيرةٌ تحوي الكبير وليس بالمستبدع
وله :
جامل أخاك إذا استربت بودّهِ وانظر به عقب الزمان يعاود
فإِن استمر على الفساد فخلِّه فالعضو يُقطعُ للفسادِ الزائد١
وذكره أبو المعالي الحظيري في كتاب ((زينة الدهر )) وذكر له مقاطيع ،
وذكره أبو البركات ابن المستوفي في ((تاريخ إِرْبلَ)) وقال: إنه ولي الوزارة
بمدينة إربل مدة، وذكر العماد الكاتب في كتاب (( نصرة الفترة وعصرة الفطرة))
- وهو تاريخ الدولة السلجوقية - أن الطغراني المذكور كان يُنعت بالأستاذ ،
وكان وزير السلطان مسعود بن محمد السلجوقي بالموصل ، وأنه لما جرى المصافُ
بينه وبين أخيه السلطان محمود بالقرب من همذان وكانت النصرة لمحمود ، فأول
من أخذ الأستاذ أبو إسماعيل وزير مسعود، فأخبر به وزير محمود ، وهو الكمال
نظام الدين أبو طالب علي بن أحمد بن حرب السُّمَيْرمي ، فقال الشهاب أسعد
- وكان طغرائياً في ذلك الوقت نيابة عن النصير الكاتب - : هذا الرجل
مُلحِد ، يعني الأستاذ ، فقال وزير محمود : من يكن ملحداً يُقتل، فقتل ظلماً.
١ تتفاوت النسخ ص در في عدد المقطوعات التي أوردتها من شعر الطغرائي، ولم يرد منها في
المسودة الا المقطوعتان الأوليان .
١٨٩
٩٠

وقد كانوا خافوا منه، ولا قِبَل عليه لفضله، فاعتدُوا قتله بهذه الحجَة ،
وكانت هذه الواقعة سنة ثلاث عشرة وخمسمائة، وقيل إنه قتل سنة أربع عشرة،
وقيل ثماني عشرة ، وقد جاوز ستين سنة ، وفي شعره ما يدل على أنه بلغ
سبعاً وخمسين سنة لأنه قال وقد جاءه مولودا :
هذا الصغيرُ الذي وافى على كبري أقَرَّ عيني ولكن زاد في فِكَري
سبْعٌ وخمسون لو مرَّتْ على حجَر لَبَانَ تأثيرُها في صفحة الحجرِ
والله تعالى أعلم بما عاش بعد ذلك ، رحمه الله تعالى .
(28) وقُتِل الكمالُ السميرمي الوزير المذكور يوم الثلاثاء سلخ صفر سنة
ست عشرة وخمسمائة في السوق ببغداد عند المدرسة النظامية ، وقيل : قتله عبد
أسود كان للطغرائي المذكور ، لأنه قتل أستاذه .
والطُّغْراني - بضم الطاء المهملة وسكون الغين المعجمة وفتح الراء وبعدها
ألف مقصورة - هذه النسبة إلى من يكتب الطُّغْرى، وهي الطرة التي تُكتب
في أعلى الكتب فوق البسملة بالقلم الغليظ ، ومضمونها نعوت الملك الذي صدَر
الكتاب عنه ، وهي لفظة أعجمية .
والسُّمَيْرمي - بضم السين المهملة وفتح الميم وسكون الياء المثناة من تحتها
وبعدها راء ثم ميم - هذه النسبة إلى سُمَيرم ، وهي بلدة بين أصبهان وشيراز ،
وهي آخر حدود أصبهان .
١ ديوانه: ٧٨، وهما من أبيات قالها في ابنه الاصغر علي .
١٩٠

١٩٨
أبو الفوارس ابن الخازن
أبو الفَوارس الحسينُ بن علي بن الحسين المعروف بابن الخازن الكاتب ؛ كان
فريدَ عصره في الكتابة ، وكتب ما لم يكتبه أحد ، فإنه كتب فيما كتب
خمسمائة نسخة من كتاب الله العزيز ما بين رَبْعة وجامع ، وله شعر حسن ،
فمن ذلك قوله :
واستراح الزاهدُ الفطِنُ
عَنَتِ الدنيا لطالبها
حَسْبُه مما حوى كفن
كلُّ مَلْكٍ ثال زُخرُقها
في كلا الحالين مُفتتن
يقتني مالاً ويتركه
٠
من لقاء الله مرتهن
أمَلي كوني على ثقة
والذي تسخو به وَسَن
أکرہ الدنیا و کیف بها
فلماذا الهمُّ والحَزَن
لم تَدُمُ قَبلي على أحد
قال محمد بن أبي الفضل ١ الهمذاني المؤرخ في ((ذيل تجارب الأمم )) لمسكويه:
توفي ابن الخازن المذكور في ذي الحجة سنة اثنتين وخمسمائة فجأة ، رحمه الله
تعالى. وقال الشريف أبو العمر المبارك بن أحمد الأنصاري : توفي ليلة الثلاثاء ،
ودفن من الغد ، وهو اليوم السادس والعشرون من الشهر المذكور .
................
...
١ ص : محمد بن عبد الملك .
١٩١

١٩٩
أبو عبد الله الشيعي
أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد بن زكريا المعروف بالشيعي القائم بدعوة
عُبيد الله المهدي جَدّ ملوك مصر ؛ وقصته في القيام بالغرب مشهورة ، وله
بذلك سيرة مَسطورة ، وسيأتي في حرف العين عند ذكر المهدي عُبيد الله
طَرَفٌ من أخباره إِن شاء الله تعالى .
وأبو عبد الله المذكور من أهل صنعاء اليمن، وكان من الرجال الدّهاة
الخبيرين بما يصنعون ، فإنه دخل إفريقية وحيداً بلا مال ولا رجال ، ولم يزل
يسعى إلى أن ملكها، وهرب ملكها أبو مُضَرَ زيادة الله آخر ملوك بني الأغلب
منه إلى بلاد المشرق وهلك هناك ، وحديثه يطول .
ولما مهد القواعد للمهدي ووطَّدَ له البلاد وأقبل المهدي من المشرق، وعجز
عن الوصول إلى أبي عبد الله المذكور، وتوجه إلى سجلماسة ، وأحس به صاحبها
اليسع آخر ملوك بني مدرار ، فأمسكه واعتقله ، ومضى إليه أبو عبد الله
وأخرجه من الاعتقال وفوَّض إليه أمر المملكة - اجتمع به أخوه أبو العباس
أحمد، وكان هو الأكبر، أعني أحمد ، ونَدَّمه على ما فعل ، وقال له : تكون
أنت صاحب البلاد والمستقل بأمورها وتسلمها إلى غيرك وتبقى من جملة الأتباع،
وكرر عليه القول ، فندم أبو عبد الله على ما صنع وأضمر الغدر ، واستشعر
منهما المهديُّ، فدسَّ عليهما مَن قتلهما في ساعة واحدة ، وذلك في منتصف
جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين ومائتين بمدينة رَقّادَةَ بين القصرين ، رحمهما
الله تعالى .
١٩٩ - أخبار أبي عبد الله الشيعي القائم بدعوة العبيديين في ابن الأثير وابن عذاري واتعاظ الحنفا
والدرة المضية وابن خلدون ، وتعد رسالة افتتاح الدعوة للقاضي النعمان من أكثر المصادر
اسهاباً في تبيان جهوده في سبيل الدعوة العبيدية .
١٩٢

والشّيعي - بكسر الشين المعجمة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها
عين مهملة - هذه النسبة إلى من يتولى شيعة الإمام علي بن أبي طالب ، رضي
الله عنه .
ورَقّادةُ - بفتح الراء وتشديد القاف وبعد الألف دال مهملة وبعد الدال
هاء ساكنة - مدينة من أعمال القَيرَ وان من بلاد إفريقية١ .
(29) وأما زيادة الله فقد ذكره الحافظ ابن عساكر في ((تاريخ دمشق))
فقال٢: هو أبو مضر زيادة الله بن عبد الله بن إبراهيم بن أحمد بن محمد بن الأغلب
ابن إبراهيم بن سالم بن عقال بن خفاجة ، وهو زيادة الله الأصغر، آخر ملوك بني
الأغلب بإفريقية ، التميمي ، وقال : قدم دمشق سنة اثنتين وثلثمائة مجتازاً إلى
بغداد حين غُلِبَ على ملكه بإفريقية ، ثم قال في آخر الترجمة : بلغني أن
زيادة الله توفي بالرملة في سنة أربع وثلثمائة في جمادى الأولى منها، ودفن بالرملة،
فساخ قبره فسُقِفَ عليه وترك مكانه، وهو من ولد الأغلب بن عمرو المازني
البصري ، وكان الرشيد ولتى عمراً المغرب بعد أن مات إدريس بن عبد الله بن
الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنهم ، فما زال بالمغرب إلى
أن توفي وخلف ولده الأغلب ثم أولاده إلى أن صار الأمر إلى زيادة الله هذا .
انتهى ما ذكره ابن عساكر .
وفي ترجمة أبي القاسم علي بن القطاع اللغوي هذا النسب ، وبينهما اختلاف
قليل ، لكني نقلته على ما وجدته في الموضعين .
وقال غير ابن عساكر: توفي أبو مضر زيادة الله بن محمد بن إبراهيم بن الأغلب
بالرقة ، وحمل تابوته إلى القدس الشريف ، ودفن بها في سنة ست وتسعين
ومائتين ، وكانت مدة مملكته إلى أن خرج عن القيروان خمس سنين وتسعة
أشهر وخمسة عشر يوماً . وكان سبب خروجه من القَيْرَوان أن أبا عبد الله
الشيعي المذكور لما هزم إبراهيم بن الأغلب٣ ، بلغ الخبر زيادة الله المذكور فشد
١ هنا تنتهي هذه الترجمة في س ؛ وكل ما يلي موجود على هوامش مسودة المؤلف .
٢ انظر تهذيب ابن عساكره: ٣٩٥ (ولم يسق نسبه كاملاً)، وراجع الحلة السيراء ١: ١٧٥.
٣ في افتتاح الدعوة : إبراهيم بن أبي الأغلب .
١٣ - ٢
١٩٣

أمواله وأخذ خواص حرمه وخرج من رَقّادة ليلاً، وبعد خروجه بُويعَ
إبراهيم بن الأغلب١. وكانت مملكة بني الأغلب مائتي سنة واثنتي عشرة سنة
وخمسة أشهر وأربعة عشر يوماً ، والشرح في ذلك يطول فاختصرته .
٢٠٠
حسان التنوخي
أبو ليلى حسان بن سنان بن أوفى بن عوف التنوخي وهو جد إسحاق بن
البهلول ؛ [سمع أنس بن مالك رضي الله عنه ؛ روى عنه ابن ابنه إسحاق ،
وقال أبو حاتم محمد بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن البهلول : قال جدي إسحاق
عن جدي حسان ]٢ قال: خرجت في وفد من أهل الأنبار إلى الحجاج إلى واسط
نتظلم إليه من عامله علينا الرقيل ، فدخلنا ديوانه فرأيت شيخاً والناس حوله
يكتبون عنه، فسألت عنه فقيل لي: أنس بن مالك ، فوقفت عليه فقال لي : من
أين؟ فقلت : من الأنبار ، جئنا إلى الأمير نتظلم إليه ، فقال لي : بارك الله
فيك ، فقلت : حدثني بشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم يا خادم
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال : سمعته يقول: مر بالمعروف وانه عن
المنكر ما استطعت ؛ وأعجلني أصحابي فلم أسمع منه غير هذا الحديث ؛ [قال
أبو حاتم] وكان إسحاق٣ يقول: أرجو أن أكون ممن سبقت [فيه] دعوة
١ يؤخذ مما ورد في افتتاح الدعوة (الورقة ١٠٣) أن بيعة إبراهيم لم تتم وأن أهل القيروان قالوا
له : اخرج عنا لا نبتلى من أجلك .
٢٠٠ - ترجمته في البداية والنهاية ١٠: ١٧٥ وفيه حسان بن أبي سنان ابن أبي أوفى . وقد
انفردت بهذه الترجمة النسخ : د ص ر، ووردت في ص بعد الترجمة التالية ، ولم ترد في مسودة
المؤلف .
٢ زيادة من ر .
٣ كذا ولعله : حسان .
١٩٤
٠

رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: طوبى لمن رآني ولمن رأى من رآني .
وكان من بركة دعاء أنس لحسان أنه عاش مائة سنة وعشرين سنة ، وخرج من
أولاده جماعة فقهاء وقضاة ورؤساء وصلحاء [وكتّاب وزهاد؛ ولد حسان سنة
ستين من الهجرة]، وتوفي سنة ١٨٠ هـ، رحمه الله تعالى [وكان أحياناً يكنى
أبا العلاء] ولد بالأنبار على النصرانية وكانت دينه ودين آبائه [وكانت له حين
أسلم ابنة بالغة فأقامت على النصرانية فلما حضرتها الوفاة أوصت لدير تنوخ
بالأنبار] ؛ وكان حسان يتكلم ويقرأ ويكتب بالفارسية والسريانية والعربية
ولحق الدولتين، فلما قلد أبو العباس السفاح ربيعة الرأي قضاء الأنبار، أُتي بكتب
مكتوبة بالفارسية فلم يحسن أن يقرأها، [فطلب رجلاً] ثقة ديّناً يحسن قراءتها
فدُلّ على حسان بن سنان فجيء به فكان يقرأ له الكتب الفارسية ، فلما اختبره
رضي مذهبه واستكتبه على جميع أمره .
٢٠١
أبو سلمة الخلال
أبو سلَمَة حَفصُ بن سليمان الخَلاَّل الهمداني مولى السَّبيع وزير أبي العباس
السفاح أول خلفاء بني العباس؛ وأبو سامة أول من وقع عليه اسم الوزير١، وشهر
بالوزارة في دولة بني العباس ولم يكن مَن قبله يُعرف بهذا النعت ، لا في دولة
بني أمية ولا في غيرها من الدول. وكان السفاح يأنس به ، لأنه كان ذا مفاكهة
٢٠١ - ترد أخبار أبي سلمة في مصادر الدعوة العباسية، وانظر في مقتله تاريخ الطبري (حوادث :
١٣٢) والفخري: ١٣٧ - ١٣٩ وسائر المصادر التاريخية المتعلقة بتلك الفترة.
١ تكاد المصادر تجمع على هذا غير أن ابن خلدون يقول في مقدمته (٢ : ٦٠٦) عن بني أمية:
«ثم استفحل الملك بعد ذلك فظهر المشاور والمعين في أمور القبائل والعصائب واستثلافهم وأطلق
عليه اسم الوزير» .
١٩٥

حسنة وممتعاً في حديثه ، أديباً، عالماً بالسياسة والتدبير، وكان ذا يسار ويعالج
الصرف بالكوفة ، وأنفق أموالاً كثيرة في إقامة دولة بني العباس ، وصار إلى
خُراسان في هذا المعنى، وأبو مسلم الخراساني يومئذ تابع له في هذا الامر، وكان
يدعو إلى بيعة إبراهيم الإمام أخي السفاح ، فلما قتله مروان بن محمد آخر خلفاء
بني أمية بحرّان وانقلبت الدعوة إلى السفاح ، توهموا من أبي سلمة المذكور أنه
مال إلى العلويين ، فلما ولي السفاح واستوزره بقي في نفسه منه شيء ، فيقال :
إِن السفاح سيَّرَ إلى أبي مسلم وهو بخراسان يُعَرِّفه بفساد نية أبي سلمة ويحرّضه
على قتله ، ويقال : إن أبا مسلم لما اطلع على ذلك كتب إلى السفاح وعرَّفه
بحاله وحسَّنَ له قتله، فلم يفعل ، وقال : هذا الرجل بذل ماله في خدمتنا
ونصحنا ، وقد صدرت منه هذه الزلة ، فنحن نفتفرها له .
فلما رأى أبو مسلم امتناعه من ذلك سيَّر جماعة كَمَنوا له ليلاً، وكانت
عادته أن يَسْمُرَ عند السفاح ، فلما خرج من عنده وهو في مدينته بالأنبار ولم
يكن معه أحد وثَبُوا عليه وخبطوه بأسيافهم ، وأصبح الناس يقولون : قتلته
الخوارج ، وكان قتله بعد خلافة السفاح بأربعة أشهر ، وولي السفاح الخلافة ليلة
الجمعة ثالث عشر شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وثلاثين ومائة . ولما سمع السفاح
بقتله أنشد :
إلى النار فَلَيَذهَبْ ومن كان مِثْلهُ على أي شيء فاتَّنا منه نأسفُ
وذكر في كتاب ((أخبار الوزراء)) أن قتله كان في رجب سنة اثنتين
وثلاثين ومائة .
وكان أبو سَلَمَة يقال له : وزير آل محمد ، فلما قُتل عمل في ذلك سليمان
ابن المهاجر البجلي :
إِنَّ المَساءةَ قد تسرُّ وربما كان السرورُ بما كرهْتَ جَديرا
إِن الوزير وزير آلِ محمدٍ أودى فمن يَشْناك كان وزيرا
ولم يكن خَلاّلاً ، وإنما كان منزله بالكوفة في حارة الخلالين ، فكان يجلس
١٩٦

عندهم لقرب داره منهم ، فسمي خَلاًلآ١.
والهَمْداني - بفتح الهاء وسكون الميم وفتح الدال المهملة وبعد الألف
نون - وهذه النسبة إلى هَمْدان ، وهي قبيلة عظيمة باليمن .
والسبيع : يذكر في حرف العين عند ذكر أبي إسحاق السبيعي إن شاء
الله تعالى .
وقد اختلف أرباب اللغة في اشتقاق الوزارة على قولين : أحدهما أنها من
الوِزْر - بكسر الواو - وهو الحمل، وكأن الوزير قد حمل عن السلطان الثقل،
وهذا قول ابن قتيبة ، والثاني: أنها من الوَزَر - بفتح الواو والزاي - وهو
الجبل الذي يعتصم به لينجى به من الهلاك ، وكذلك الوزير معناه الذي يعتمد
عليه الخليفة أو السلطان ويلتجىء إلى رأيه ، وهذا قول أبي إسحاق الزجاج ،
والله أعلم٢ .
٢٠٢
حفص بن غياث القاضي
أبو عمرو حفص بن غياث بن طلق بن معاوية بن مالك بن الحارث بن ثعلبة
ابن عامر بن ربيعة بن جشم بن وهبيل بن سعد بن مالك بن النخع بن مذحج
١ في ترجيح تلقيبه بالخلال رأيان آخران : أنه كانت له حوانيت يعمل فيها الخل أو أن اللقب
نسبة إلى خلل السيوف وهي أغمادها .
٢ زاد الماوردي (الأحكام السلطانية: ٢٤) رأياً ثالثاً وهو أن الوزارة مشتقة من «الأزر» وهو
الظهر ، لأن الملك يقوى بوزيره كقوة البدن بالظهر .
٢٠٢ - ترجمته في طبقات الشيرازي، الورقة: ٤٠ وعبر الذهبي ١: ٢١٤ وتاريخ بغداد ٨ :
١٨٨ ورجال النجاشي: ٩٧ وميزان الاعتدال ١ : ٥٦٧ وتذكرة الحفاظ: ٢٩٧ وطبقات
ابن سعد ٦ : ٢٧١ ( الطبعة الاوروبية) وتهذيب التهذيب ٢: ٤١٥. وقد وردت هذه
الترجمة في ص ر ، وثبت بعضها في مطبوعة وستنفيلد ، ولم ترد في مسودة المؤلف .
١٩٧

النخعي الكوفي ؛ سمع عبد الله بن عمر العمري وهشام بن عمرو وإسماعيل بن
أبي خالد وأبا إسحاق الشيباني والأعمش وخلقاً سواهم ؛ روى عنه ابنه عمر
وأبو نعيم الفضل بن دكين وعفان بن مسلمة وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين
وعامة الكوفيين . ولي القضاء ببغداد وحدث بها ثم عزل وولي قضاء الكوفة ؛
قال حميد بن الربيع : لما جيء بعبد الله بن إدريس وحفص بن غياث ووكيع
ابن الجراح إلى أمير المؤمنين هارون الرشيد ليوليهم القضاء دخلوا عليه ، فأما
ابن إدريس فقال : السلام عليكم ، وطرح نفسه كأنه مفلوج ، فقال هارون :
خذوا بيد الشيخ ، لا فضل في هذا ؛ وأما وكيع فقال : والله يا أمير المؤمنين
ما أتصرف بها منذ سنة ، ووضع إصبعه على عينه ، وعنى إصبعه ، فأعفاه ؛
وأما حفص بن غياث فقال : لولا غلبة الدين والعيال ما وليت .
وكان حفص المذكور لما قربوا من بغداد طرّى خضابه فالتفت ابن إدريس
إلى وكيع فقال : أما هذا فقد قبل .
وقال حفص وهو قاض على الشرقية لرجل يسأل عن مسائل القضاء : لعلك
تريد أن تكون قاضياً ؟ لأن يُدخل الرجل إصبعه في عينه فيقلعها فيرمي بها
خير له من أن يكون قاضياً .
وكان حفص يقول : لو رأيت أني اسر بما أنا فيه هلكت .
قال عمرو بن حفص بن غياث : لما حضرت أبي الوفاة أغمي عليه، فبكيت
عند رأسه فأفاق فقال : ما يبكيك ؟ قلت : أبكي لفراقك ولما دخلت فيه من
هذا الأمر ، يعني القضاء ، فقال لابنه : يا بني ما حللت سراويلي على حرام قط
ولا جلس بين يديَّ خصمان فباليت على من توجه الحكم بينهما .
وقال الخطيب : كان حفص بن غياث المذكور جالساً في الشرقية للقضاء ،
فأرسل إليه الخليفة يدعوه ، فقال لرسوله : حتى أفرغ من أمر الخصوم ، إذ
كنت أجيراً لهم ، وأصير إلى أمير المؤمنين ؛ ولم يقم حتى تفرق الخصوم .
وقال غنام بن حفص : مرض أبي خمسة عشر يوماً ، فدفع إلي مائة درهم
وقال : امضِ بها إلى العامل وقل له هذه رزق خمسة عشر يوماً لم أحكم فيها بين
المسلمين لا حظ لي فيها .
١٩٨

وقال : باع رجل من أهل خراسان جمالاً بثلاثين ألف درهم من مرزبان
المجوسي وكيل أُم جعفر فمطله ثمنها وحبسه عن سفره، وطال ذلك على الرجل،
فأتى بعض أصحاب حفص بن غياث فشاوره فقال له : اذهب إليه فقل له :
أعطني ألف درهم وأحيل عليك ببقية المال وأخرج إلى خراسان ، فإذا فعلت
هذا فأخبرني حتى أشير عليك ؛ ففعل الرجل وأتى مرزبان فأعطاه ألف درهم
فرجع إلى الرجل فأخبره فقال : عد إليه فقل له : إذا ركبت غداً فطريقك
على القاضي تحضر، وأوكل رجلً بالقبض على المال واخرج فإذا جلس إلى القاضي
فادّعِ عليه بما بقي لك من المال ، فإذا أقر حبسه القاضي وأخذت مالك .
فرجع إلى مرزبان فسأله فقال : انتظرني بباب القاضي ؛ فلما ركب من الغد
وثب إليه الرجل وقال : إن رأيت أن تترك إلى القاضي حتى أوكل بقبض المال
وأخرج ، فنزل مرزبان إلى حفص المذكور فقال الرجل : أصلح الله القاضي ،
لي على هذا الرجل تسعة وعشرون ألف درهم، فقال حفص : ما تقول يا مجوسي؟
قال : صدق ، أصلح الله القاضي ، فقال القاضي : ما تقول يا رجل فقد أقرّ
لك ، فقال : يعطيني مالي، فأقبل حفص على المجوسي فقال: ما تقول ؟ فقال :
هذا المال على السيدة ، فقال : أنت أحمق تقر ثم تقول على السيدة ؟ ما تقول
يا رجل ؟ قال : أصلح الله القاضي إن أعطاني مالي وإلا حبسته ، قال حفص :
ما تقول يا مجوسي ؟ قال : المال على السيدة ، فقال حفص : خذوا بيده إلى
الحبس ؛ فلما حُبس بلغ الخبر أم جعفر فغضبت وبعثت إلى السندي: وجِّهْ إِلى
المرزبان ، وكانت القضاة تحبس الغرماء في مجلس الشرط، فأخرجه . وبلغ الخبر
حفصاً فقال: أَحبس أنا ويُخرِجُ السنديّ ؟ لا جلستُ مجلسي هذا أو يردّ
مرزبان إلى الحبس ، فجاء السندي إلى أُم جعفر فقال: الله الله فيَ ، إنه حفص
ابن غياث وأخاف من أمير المؤمنين أن يقول لي : بأمر من أخرجته ؟ رديه إلى
الحبس ، وأنا أكلم حفصاً في أمره ؛ فرجع مرزبان إلى الحبس فقالت أم جعفر
لهارون: قاضيك هذا أحمق، حبس وكيلي واستخف به ، فمره لا ينظر في الحكم
وتولي أمره أبا يوسف ، فأمر لها بالكتاب وبلغ حفصاً الخبر فقال : أحضري
شهوداً حتى أسجل لكِ على المجوسي ؛ وجلس حفص وسجَّل على المجوسيّ بالمال،
١٩٩

وورد كتاب هارون مع خادم فقال : هذا كتاب أمير المؤمنين، فقال: مكانك ؛
نحن في شيء حتى نفرغ منه ، فقال : كتاب أمير المؤمنين ، فقال : انظر ما
يقال لك ، فلما فرغ حفص من السجل أخذ الكتاب من الخادم فقرأه فقال :
اقرأ على أمير المؤمنين السلام وقل له إِن كتابه ورد وقد أنفذت الحكم ، فقال
الخادم : قد عرفت ما صنعت ، أبيت أن تأخذ كتاب أمير المؤمنين حتى تفرغ
ما تريد؛ والله لأخبرنَ أمير المؤمنين بما فعلت ! فقال حفص : قل له ما أحببت،
فجاء الخادم فأخبر هارون فضحك وقال للحاجب : مر لحفصٍ بثلاثين ألف
درهم ، فركب يحيى بن خالد فاستقبل حفصاً منصرفاً من مجلس القضاء فقال :
أيها القاضي قد سررت أمير المؤمنين وأمر لك بثلاثين ألف درهم فما السبب ؟
فقال: تم الله سرور أمير المؤمنين وأحسن حفظه وكلاءته ما زدت على ما أفعل
كل يوم ، سجلت على مرزبان المجوسي بما وجب عليه ؛ قال يحيى بن خالد :
فمن هذا سر أمير المؤمنين ، فقال حفص : الحمد لله كثيراً ، فقالت أم جعفر
لهارون : لا أنا ولا أنت إلا أن تعزل حفصاً، فأبى عليها ، ثم ألحت عليه فعزله
عن الشرقية وولاه قضاء الكوفة ، فمكث عليها ثلاث عشرة سنة .
وكان أبو يوسف لما ولي حفص القضاء قال لأصحابه : تعالوا نكتب نوادر
حفص ، فلما وردت احكامه وقضاياه على أبي يوسف قال له أصحابه : أين النوادر
التي زعمت بكتبها ؟ قال : ويحكم إِن حفصاً أراد الله فوفقه .
وقال حفص : والله ما وليت القضاء حتى حلت لي الميتة .
ومات رحمه الله ولم يخلف درهماً وخلف عليه تسعمائة درهم ديناً .
وكان يقال : خُتم القضاء بحفص بن غياث .
وقال الحسين بن المغيرة : رأى بعض الصالحين كأن زورقاً غرق بين الجسرين
وفيه عشرون قاضياً ، فما نجا منهم إلا ثلاثة على سوءاتهم : حفص بن غياث
والقاسم بن معن وشريك .
وقال يحيى بن معين: جميع ما حدَّث به حفص بن غياث ببغداد والكوفة
إِنما هو من حفظه، لم يخرج كتاباً ؛ كتبوا عنه ثلاثة آلاف وأربعة آلاف حديث
من حفظه .
٢٠٠