النص المفهرس

صفحات 101-120

على ما قد كفاني ؟ فقال له بعض من معه : اهجه على حال لا نقول إنه
أفحمك ، فقال من وزن شعره :
بما أهجوك لا أدري لساني فيك لا يجري
إذا فكرت في هجو ك أبقيت على شعري
قال : فقاموا على أبي نواس فقبلوا رأسه وصفقوا الأيدي جهراً]١.
[حدث الصولي عن عبد الله بن محمد بن حفص قال: غلست يوماً إلى المسجد
فإذا بأبي نواس يكلم امرأة عند باب المسجد ، وكنت أعرفه في مجالس الحديث
والآداب ، فقلت له : مثلك يقف هذا الموقف بحق أو باطل ! فاعتذر ثم كتب
إليّ ذلك اليوم هذه الأبيات :
إن التي أبصرتها سَحَراً تكلمني رسول
كادت لها نفسى تزول
دسَّت إلى رسالة
من واضح الخدين يةـ صر خطوه ردف ثقيل
يرمي وليس له رسيل
متنكب قوس الصبا
حتى تسمع ما تقول
فلو ان أُذنك عندنا
لرأيت ما استقبحت من أمري لديك هو الجميل .. ]٢
[وحكى الصولي عن إسماعيل بن نصر أخي محمد بن نصر الذي يقول فيه
أبو نواس من جملة قصيد :
فصلى هذه في وقت هذي فكل صلاته أبداً قضاء
وذاك محمد تفديه نفسي وحق له وقلَّ له الفداء
قال : رأيت أبا نواس وقد صلى الظهر وقام يتطوع فقلت له : ما بدا لك في
١ زيادة انفردت بها ر .
٢ زيادة من ص ر وقد استطردت النسختان بعد ذلك إلى ذكر حكاية طويلة قليلة الأهمية في ترجمة
أبي نواس ، لا نظن أن المؤلف يتورط في إيراد أمثالها ، ولذلك لم نثبتها .
١٠١

هذا ؟ قال : ليصعد إلى السماء اليوم خبر ظريف .
حكى الصولي عن أبي العتاهية قال : لقيت أبا نواس في المسجد الجامع
فعذلته وقلت له : أما آن لك أن ترعوي ؟ أما حان لك أن تزدجر ؟ فرفع
رأسه إلى وقال :
أتراني يا عتاهي تاركاً تلك الملاهي
أتراني مفسداً بالنـ ك عند القوم جاهي
قال : فلما ألححت عليه بالعذل أنشأ يقول :
لن ترجع الأنفس عن غيها ما لم يكن منها لها زاجر
قال : فوددت اني قلت هذا البيت بكل شيء قلته .
وقال أبو العتاهية : قد قلت عشرين ألف بيت في الزهد وددت أن لي مكانها
الأبيات الثلاثة التي قالها أبو نواس وهي :
يا نواسي توقَّر وتعزَّ وتصبَّر
إِن يكن ساءك دهرٌ فلما سرّك أكثر
يا كبير الذنب عفو الله عن ذنبك أكبر
وأُشيع عن أبي نواس انه رجع عما كان عليه من البطالة وشرب الخمر وزهد
في اللذات ، فاجتمع أصحابه وأقبلوا عليه يهنئونه بذلك ، فوضع بين يديه
باطية وجعل لا يدخل عليه أحد يهنئه إلا شرب بين يديه رطلاً وأنشد :
قالوا نزعت ولمّا يعلموا وطري في كل أغيد ساجي الطرف مياسٍ
كيف النزوع وقلبي قد تقسّمه لحظ العيون وقرع السن بالكاسِ
قال محمد بن نافع : كان أبو نواس لي صديقاً ، فوقع بيني وبينه هجرة في
آخر عمره، ثم بلغتني وفاته فتضاعف علي الحزن ؛ فبينا أنا بين النائم واليقظان
إذا رأيته فقلت : أبا نواس ؟ قال: لات حين كنية ، قلت : الحسن بن هانىء ؟
١٠٢

قال : نعم ، قلت : ما فعل الله بك ؟ قال : غفر لي بأبيات قلتها في علي قبل
موتي وهي تحت الوسادة ؛ فأتيت أهله فلما رأوني أجهشوا بالبكاء فقلت لهم :
قال أخي شعراً قبل موته ، قالوا : لا نعلم إلا أنه دعا بدواة وقرطاس وكتب
شيئاً لا ندري ما هو ، قلت : ايذنوا لي أدخل ؛ قال : فدخلت إلى مرقده
فإذا ثيابه لم تحرك بعد ، فرفعت وسادة فلم أر شيئاً ثم رفعت أخرى فإذا أنا
برقعة فيها مكتوب :
يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة فلقد علمت بأن عفوك أعظم
فمن الذي يرجو ويدعو المجرم
إن كان لا يدعوك إلا محسنٌ
فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم
أدعوكَ ربِّ كما أمرتَ تضرعاً
وجميل عفوك ثم أني مسلم].
ما لي إليك وسيلة إِلا الرجا
وقد سبق في ترجمة أبي عمر أحمد بن دَرّاج القَطَلِّي ذكرُ بعض قصيدة
أبي نواس الرائية٢ .
وذكره الخطيب أبو بكر في ((تاريخ بغداد)) وقال: ولد في سنة خمس
وأربعين وقيل سنة ست وثلاثين ومائة ، وتوفي في سنة خمس ، وقيل ست ،
وقيل ثمان وتسعين ومائة ببغداد ، ودفن في مقابر الشونيزي ، رحمه الله تعالى .
وإنما قيل له أبو نواس لذؤابتين كانتا له تَنوسان على عاتقيه .
والحَكَميُّ - بفتح الحاء المهملة والكاف وبعدها ميم - هذه النسبة إلى
الحكم بن سعد العشيرة ، قبيلة كبيرة باليمن منها الجراح بن عبد الله الحكمي ،
وكان أمير خراسان ، وقد تقدم أن أبا نواس من مواليه فنسب إليه . وقد
تقدم الكلام على سعد العشيرة في ترجمة المتنبي في حرف الهمزة .
وأما الصولي فتأتي ترجمته في المحمدين ، وعلي بن حمزة لم أقف له على ترجمة٣
١ زيادة من ص ر .
٢ انظر الجزء الأول ص: ١٣٥: ١٨٨.
٣ قد صرح ابن النديم (الفهرست: ١٦٠) أن علي بن حمزة الاصفهاني عمل ديوان أبي نواس على
الحروف ، وقد ترجم ياقوت (معجم الأدباء ١٣ : ٢٠٣) لعلي بن حمزة الاصفهاني هذا ويؤخذ
من ترجمته أنه من رجال القرن الثالث .
١٠٣

(19) وتوزون أخذ الأدب عن أبي عمر الزاهد وبرع فيه، وكان يسكن بغداد،
وتوفي في جمادى الأولى سنة خمس وخمسين وثلثمائة ، رحمه الله تعالى .
١٧١
ابن وكيع التنيسي
أبو محمد الحسن بن علي بن أحمد بن محمد بن خلف بن حيان بن صدقة بن زياد
الضبي المعروف بابن وكيع التنيسي الشاعر المشهور ؛ أصله من بغداد ومولده
بتِنِّيس. ذكره أبو منصور الثعالبي في ((يتيمة الدهر))، وقال في حقه :
(( شاعر بارع، وعالم جامع ، قد برع على أهل زمانه، فلم يتقدمه أحد في
أوانه ، وله كل بديعة تسحر١ الأوهام، وتستعبد الأفهام »، وذكر مزدوجته
المربعة ٢ ، وهي من جيد النظم ، وأورد له غيرها ، وله ديوان شعر جيد، وله
كتاب بيَّن فيه سرقات أبي الطيب المتنبي سماه ((المنصف))٣، وكان في لسانه
عجمة ، ويقال له العاطس ، ومن شعره؛ :
سلا عن حُبَّك القلب المَشُوقُ فما يَصبُو إليك ولا يَتُوقُ
جَفاؤك كان عَنك لنا عَزاءً وقد يُسْلي عن الولدِ العُقُوقُ
وله أيضاً :
١٧١ - ترجمة ابن وكيع التنيسي في اليتيمة ١ : ٣٧٢ - ٠٤٠٠
١ أج : نظم يسحر .
٢ قصيدة كل أربعة أشطار منها على قافية وأولها :
حياته في قبضة الصدود
رسالة من كلف عميد
ما فوق ما يلقاه من مزيد
بلغه الشوق مدی المجهود
٣ من هذا الكتاب قطعة تمثل الجزء الأول (جامعة ييل : ١٦٧).
٤ هذه القطعة والتي تليها في اليقيمة: ٣٩٦، ٣٩٧ .
١٠٤

من عسجد رقّ لونه وصفا
[ كأنها في الكؤوس إذ جُليت
وأزبدت في كؤوسها أنفا
أغضبها الماء حين مازجها
در حباب يودّ مبصره لو كان يوماً لأذنه شنفا
وله أيضاً : ]١
دانٍ، ونحنُ على النَّوى أحبابُ
إِن كان قد بَعُدَ اللقاءُ فَوُدُّنا
ومُواصِلٍ بوداده يُرْتَابُ
كم قاطعٍ لوَصْلِ يُؤْمَنُ ودُّهُ
وله أيضاً :
لا فرَّجَ الله عَنْهُ
لقَدْ شَمِتُّ بقلبي
فقال لا بُدَّ مِنهُ
كم لُمته في هَواه
ولقد ألمّ به بعضُهم فقال :
سَلْوَةَ القَلبِ والتَّصْبُّرَ عَنْهُ
لا رعى اللهُ عَزْمَةٌ ضَمِنَتْ لي
ما وفَتْ غيرَ ساعةٍ ثمَّ عادتْ مثلَ قلبيٍ تقولُ لا بُدَّ مِنْهُ
ومثله قول أسامة بن مُنقِذٍ الشيزري المقدم ذكره٢ :
فقُواك تَضْعُفُ عن صدودٍ دائم۔
لا تَستَعِرْ جلَداً على هِجرانهم
طوعاً ، وإلا عُدتَ عَودَةَ راغمِ
واعلم بأنك إِنْ رَجَعتَ إِليهِمُ
وقال بعض الفقهاء : أنشدت الشيخ مرتضى الدين أبا الفتح نصر بن محمد بن
مقلد القضاعي الشيزري المدرس كان بتربة الإمام الشافعي رضي الله عنه بالقرافة
لابن وكيع المذكور :
لقد قنِعَتْ همتي بالخمول وصَدَّتْ عن الرتب العاليه
:
٠
١ زيادة من ر .
٢ ديوان أسامة : ٤٢.
١٠٥

وما جهلت طيب طعم العلا ولكنها تؤثر العافيه
فأنشدني لنفسه على البديهة :
فإياك والرتبَ العالِيَه
بقدر الصعود يكون الهبوط
وكن في مكان إذا ما سقَطْتَ تقومُ ورِجلاك في عافيه
وله أيضاً - أعني ابن وكيع١ - :
ولم يكُنْ قبل ذا رآهُ
أبصَرَهُ عائلي عليه
ما لامَكَ الناسُ فِي هَواه
فقال لي لو هَوِيتَ هذا
فليسَ أهلَ الهوى سِواه
قل لي إلى مَن عَدَلتَ عنه
يأمُرُ بالحبّ مَنْ نهاه
فظلً من حيث ليس يدْري
وكنت أنشدت هذه الأبيات لصاحبنا الفقيه شهاب الدين محمد ولد الشيخ
تقي الدين عبد المنعم المعروف بالخيمي فأنشدني لنفسه في المعنى :
لو رأى وجْهَ حبيبي عاذلي لتَفاصَلنا على وجهٍ جميلٍ
وهذا البيت من جملة أبيات ، ولقد أجاد فيه وأحسن في التورية .
١
وله كل معنى حسن .
وكانت وفاة ابن وكيع المذكور يوم الثلاثاء لسبع بقين من جمادى الأولى سنة
ثلاث وتسعين وثلثمائة بمدينة تِنِّيسَ ، ودفن في المقبرّة الكبرى في القبة التي
بنيت له بها ، رحمه الله تعالى .
(20) ووكيع٢ - بفتح الواو وكسر الكاف وسكون الياء المثناة من تحتها
١ القيمة : ٣٩٦ .
٢ انظر ترجمة وكيع («محمد بن خلف)» في الفهرست: ١١٤ حيث ورد باسم أبي محمد بكر بن
محمد بن خلف (وهو خطأ فيما يبدو) والوافي ٣: ٤٣ والمنتظم ٦: ١٥٢ وابن كثير ١١ :
١٣٠ وغاية النهاية ٢: ١٣٧، ومن كتبه المطبوعة «أخبار القضاة وتواريخهم». وله سوى ما
ذكره ابن خلكان : كتاب الغرر (أو الغرة) وكتاب المسافر وكتاب التصرف والنقد والسكة
وكتاب البحث .
١٠٦

وبعدها عين مهملة - وهو لقب جده أبي بكر محمد بن خلف ، وكان نائباً في
الحكم بالأهواز لعبدان الجواليقي. وكان فاضلاً نبيلاً فصيحاً من أهل القرآن
والفقه والنحو والسير وأيام الناس وأخبارهم ، وله مصنفات كثيرة ، فمنها :
كتاب ((الطريق)(١ وكتاب ((الشريف))٣ وكتاب ((عدد آي القرآن والاختلاف
فيه)) وكتاب ((الرمي والنضال)) وكتاب ((المكاييل والموازين)) وغير ذلك،
وله شعر كشعر العلماء . وتوفي يوم الأحد لست بقين من شهر ربيع الأول سنة
ست وثلثمائة ببغداد .
وقال ابن قانع : توفي عَبْدان الأهوازي سنة سبع وثلثمائة بعسكر مكرم ،
رحمه الله تعالى .
والتسّنّيسيُّ - بكسر التاء المثناة من فوقها وكسر النون المشددة وسكون
الياء المثناة من تحتها وبعدها سين مهملة - نسبة إلى تِنِّيسَ مدينة بديار مصر
بالقرب من دمياط ، بناها تنيس بن حام بن نوح عليه السلام فسميت باسمه .
(21) وتوفي المرتضى الشيزري المذكور في سنة ثمان وتسعين وخمسمائة بمصر،
ودفن بسفح المقطم ، رحمه الله تعالى .
١٧٢
ابن العلاف الشاعر
أبو بكر الحسن بن علي بن أحمد بن بشار بن زياد المعروف بابن العلاف الضرير
النهرواني الشاعر المشهور ؛ كان من الشعراء المجيدين ، وحدث عن أبي عمر
م
١ هذا الكتاب يسمى أيضاً كتاب («النواحي» ويحتوي على أخبار البلدان ومسالك الطرق ولم يتمه.
٢ هو على مثال كتاب المعارف لابن قتيبة .
١٧٢ - انظر ترجمة ابن العلاف الشاعر في نكت الهميان : ١٣٩، وقد أورد قصيدته في رثاء
الهر ، والمنتظم ٦ : ٢٣٧.
١٠٧

الدوري المقرىء وحميد بن مسعدة البصري ونصر بن علي الجَهْضَميِّ ومحمد بن
إسماعيل الحسّاني ، وروى عنه عبد الله بن الحسن بن النخاس وأبو الحسن الخراجي
القاضي وأبو حفص ابن شاهين وغيرهم١، وكان ينادم الإمام المعتضد بالله .
وقال٢: بت ليلة في دار المعتضد مع جماعة من ندمائه، فأانا خادم ليلاً
فقال : أمير المؤمنين يقول : أرقت الليلة بعد انصرافكم فقلت :
ولما انتبَهْنا للخيال الذي سَرى إذا الدار قَفَرٌ والمزار بعيدُ
وقد أُرْتِجَ عليّ تمامه ، فمن أجازه بما يوافق غرضي أمرت له بجائزة ، قال:
فأرتج على الجماعة وكلهم شاعر فاضل ، فابتدرت وقلت :
فقلت لعيني عاودي النومَ واهجعي لعلَّ خيالاً طارقاً سَيَعُودُ
فرجع الخادم إليه ثم عاد فقال : أمير المؤمنين يقول : قد أحسنت ، وقد
أمر لك بجائزة .
وكان لأبي بكر المذكور هِرّ يأنس به، وكان يدخل أبراج الحمام التي لجيرانه
ويأكل فراخها، وكثر ذلك منه ، فأمسكه أربابها فذنحوه ، فرثاه بهذه القصيدة
وقد قيل : إنه رئى بها عبد الله بن المعتز - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى -
وخشي من الإمام المقتدر أن يتظاهر بها لأنه هو الذي قتله ، فنسبها إلى الهر
وعَرَّضَ به في أبيات منها ، وكانت بينهما صحبة أكيدة .
وذكر محمد بن عبد الملك الهمداني في تاريخه الصغير الذي سماه ((المعارف
المتأخرة)) في ترجمة الوزير أبي الحسن علي بن الفرات ما مثاله : قال الصاحب
أبو القاسم ابن عباد : أنشدني أبو الحسن ابن أبي بكر العلاف وهو الأكول المقدم
في الأكل في مجالس الرؤساء والملوك قصائد أبيه في الهر، وقال: إنما كنى بالهر
عن المحسن بن الفرات أيام محنته لأنه لم يحسر أن يذكره ويرثيه .
قلت أنا : وهذا المحسن ولد الوزير المذكور ، وسيأتي خبر ذلك في ترجمة
١ وحدث عن ... وغيرهم : سقط من س .
٢ انظر المنتظم : ٢٣٧.
١٠٨

أبيه أبي الحسن علي بن محمد بن الفرات إن شاء الله تعالى .
وذكر صاعد اللغوي في كتاب ((الفصوص)) قال : حدثني أبو الحسن المرزباني
قال : هويَتْ جارية لعلي بن عيسى غلاماً لأبي بكر ابن العلاف الضرير ، فقطن
بهما فقُتلا جميعاً وسُلخا وحُشيت جلودهما تبناً ، فقال أبو بكر مولاه هذه
القصيدة يرثيه بها وكنى عنه بالهر ، والله أعلم .
وهي من أحسن الشعر وأبدعه ، وعددها خمسة وستون بيتاً ، وطولها يمنع
من الإتيان بجميعها فنأتي بمحاسنها ، وفيها أبيات مشتملة على حِكم فنأتي بها ،
وأولها :
وكنتَ عِندي بمنزل الولدِ
يا هرُّ فارقتَنا ولم تَعُدِ
كنتَ لنا عُدَّةٌ من العُدَد
تطرد عنّا الأذى وتَحْرسنا
وتخرج الفأرَ من مَكامنها
يَلقاك في البيت منهمُ مدهٌ
لا عدد كان منك مُنفلِتاً!
لا ترهب الصيف عند هاجرَةٍ
وكان يَجْري ولا سدادَ لهم
حتى اعتقدْتَ الأذى لجیرتِنا
وحُمْتَ حولَ الردی بظلمهمُ
وكان قلبي عليك مُرْ تعِداً
تدخل بُرْج الحمام متداً
وتطرح الريش في الطريق لهم
أطعمك الغيُّ حمَهَا فرأى
فكيف ننفڭُ عن هواك وقد
بالغيب من حَيَّةٍ ومن جُرَد
ما بين مفتوحِها إلى السَّدَد
وأنت تلقاهُمُ بلا مدَد
منهُمْ ولا واحدٌ من العَدَد
ولا تهاب٢ُ الشتاء في المجمد
أمرُكَ في بيتنا على سَدَد
ولم تكن للأذى بمُعتقِد
ومن يُم حول حوضِهِ يرِدِ
وأنت تنسابُ غير مُرْتَعِد
وتبلَعُ الفَرحَ غيرِ منْئِد
وتبلَعُ اللحم بلعَ مُزدَردِ
قَتلَكَ أربابُها٣ من الرَّشَد
١ د : منقلباً .
٢ د : تخاف .
٣ النكت : أصحابها .
١٠٩

حتى إذا داوَمَوك واجتَهَدوا وساعد النصرُ كيدَ مجتهد
كادوك دهراً فما وقَعْتَ وكم أفلَتَّ من كيدهم ولم تكد
شفت وأسرَفتَ غير مُقتصد
فحین أخفرت وانهمکت وكا
صادوك غيظاً عليك وانتقموا
ثم شفوا بالحديدِ أَنفُسَهُمْ
منك وزادوا ومن يَصِدْ يُصَد
منك ولم يَرْعووا على أحد
ومنها :
فلم تزل للحَمَامِ مُرْتَصِداً حتى سُقَيتَ الحِمَامَ بالرصَد
لم يرحَموا صوتك الضعيف كما لم ترثٍ منها لصوتِها الفرد
أذاقك الموتَ ربُّهُنَّ كما أذقت أفراخَهُ يداً بيد
ومنها :
جيدك للخَنقِ كان من مَسَد
کانّ حبلا حوی یجودتِهِ
فيه وفي فيكَ رغوةُ الزَّبَد
تقدِرْ على حيلةٍ ولم تَجِد
أنت ومن لم يجد بها يجد
متَّ ولا مثل عيشك النكد
كأنَّ عيني تراك مضطرباً
وقد طلبْتَ الخلاصَ منه فلم
فجدتَ بالنفس والبخيلُ بها
فما سمعنا بمثل موتك إذ
عشتَ حريصاً يقوده طمَعٌ ومُتَ ذا قاتل بلا قود
ومنها :
يا مَنْ لذيذُ الفراخ أوقعَهُ ويَحَكَ هلاَّ قنعْتَ بالغدد
وثبتَ في البُرْجِ وثبة الأسد
ألم تخَفْ وثبة الزمان كما
عاقبة الظلم لا تنام وإن
تأخرَتْ مدة من المُدَد
يأكلك الدَهرُ أكْلَ مضطهد
أردتَ أن تأكل الفراخ ولا
أعزه في الدنو والبُعد
هذا بعيد من القياس وما
لا بارَكَ الله في الطعام إذا كان هلاك النفوس في المعد
١١٠

كم دَخَلتْ لقمةٌ حشاشَرِهٍ فأخرجَتْ روحَهُ من الجسد
برج ولو كان جنَّةَ الخلد
ما كان أغناكَ عن تسوّرك الـ
قد كنتَ في نعمة وفي دَعَةٍ.
تأكل من فأر بيتِنا رَغَداً
وكنتَ بَدَّدْتَ شمِلَهُمْ زمناً
فلم يُبقُّوا لنا على سبَدٍ
من العزيز المهيمن الصَّمَد
وأين بالشاكرين للرغد
فاجتمعوا بعد ذلك البَدَد
في جوف أبياتنا ولا تَبَد
ما علَّقتهُ يدٌ على وقد
وفرَّغوا قَعْرَها وما تركوا
وفتّتوا الخبز في السلال فكم تفَنتَتْ للعيال من كَبِد
ومَزَّقوا من ثيابنا جُدُداً فكلنا في المصائب الجدد
ونقتصر من هذه القصيدة على هذا القدر فهو زبدتها .
وكانت وفاته سنة ثماني عشرة ، وقيل تسع عشرة وثلثمائة ، وعمره مائة
سنة ، رحمه الله تعالى .
والنَّهْرَ وانيُّ - بفتح النون وسكون الهاء وفتح الراء والواو وبعد الألف
نون - هذه النسبة إلى النهْرَوان ، وهي بليدة قديمة بالقرب من بغداد ، وقال
السمعاني : هي بضم الراء ، وليس بصحيح .
١٧٣
أبو الجوائز الواسطي
أبو الجوائز الحسن بن علي بن محمد بن باري الكاتب الواسطي ؛ كان من
الفضلاء ، سكن بغداد دهراً طويلاً، وذكره الخطيب في تاريخه فقال: وعلقت
..........
١٧٣ - ترجمة أبي الجوائز الواسطي في تاريخ بغداد ٧ : ٣٩٣.
١١١

عنه أخباراً وحكايات وأناشيد وأمالي عن ابن سكرة الهاشمي وغيره ، ولم يكن
ثقة ، فإنه ذكر لي أنه سمع من ابن سكرة وكان يصغر عن ذلك . وكان أديباً
شاعراً حسن الشعر في المديح والأوصاف وغير ذلك ، فما أنشدنيه لنفسه قوله:
دع الناس طُرّاً واصرف الودَّ عَنْهُمُ إِذا كنت في أخلاقهم لا تسامحُ
ولا تبغ من دهر تظاهرَ رَنْقُهُ صفاء بنيهِ فالطباعُ جوامح
( وشيئان معدومان في الأرض: درهَمٌ حلالٌ وخلِّ في الحقيقة ناصح
انتهى قول الخطيب .
وله تواليف حسان وخط جيد وأشعار رائقة ، وقفت له على
مقاطيع كثيرة ولم أر له ديواناً ولا أعلم هل دُوِّنَ شعره أم لا. ومن أشعاره
السائرة قوله :
صُدُودك حتى صرت أمحَلَ من أمس
برَاني الهوى بَرْيَ المدى وأذابني
يبين هباءُ الذر" في ألَقِ الشمس
فلستُ أُرى حق أراك وإنما
[ومن شعره :
أقول وجرس الحلي يمنع وصلها وقد عاد ذاك القرب وهو بعادُ
هي كل ذي نطق يغار عليكمُ فكيف يغار الحلي وهو جمادُ].
ومن شعره أيضاً وفيه لزوم ما لا يلزم :
واحَزَني من قولها خان عهودي ولهَا
وحقّ من صيَّرني وقفاً عليها ولها
ما خطَرَت بخاطري إلا كستني ولهَا
وكانت وفاته سنة ستين وأربعمائة ، رحمه الله تعالى . وقال الخطيب :
١ زيادة من ص د .
:
١١٢

سمعت أبا الجوائز يقول : ولدت في سنة اثنتين وثمانين وثلثمائة ، وغاب عني خبره
في سنة ستين وأربعمائة ، انتهى كلام الخطيب .
قلت : وقد صح أن وفاته كانت في سنة ستين كما ذكرته أولاً ، والله أعلم ،
وإن كان الخطيب لم يصرح به بل اقتصر على انقطاع خبره لا غير .
١٧٤
العلم الشااني
أبو علي الحسن بن سعيد بن عبد الله بن بُنْدار بن إبراهيم الشااني الملقب علم
الدين ؛ كان فقيهاً غلب عليه الشعر وأجاد فيه واشتهر به ، وكان قد ترك بلده
ونزل الموصل واستوطنها١، وكان يتردد منها إلى بغداد ، وكان الوزير أبو المظفر
ابن هُبَيرة كثير الإقبال عليه والإكرام له .
وذكره العماد الكاتب في ((الخريدة)) [وأثنى عليه] وأورد له أشعاراً ،
وقال : مدح صلاح الدين بقصيدة أولها :
أرى النّصر معقوداً برايتِكَ الصفرا فسرْ وافتَح٢ٍ الدنيا فأنتَ بها أحرى
ومنها :
١٧٤ - ترجمة الشاتاني في مختصر الدبيني: ٢٧٩ وطبقات السبكي ٤: ٢١٠ ومعجم البلدان
((شاتان)» وتهذيب ابن عساكر ٤: ١٧٧ وقال: قدم دمشق في سنة ٥٣١، وعقد مجلس الوعظ
وعاد إلى وطنه ثم انتقل إلى الموصل وخدم دولة أتابك زنكي وولده محمود الملقب نور الدين
وروسل إلى الخليفة المقتفي وإلى عدة أطراف وعاد إلى دمشق سنة ٥٦٨ ، وانظر أيضاً معجم
الألقاب ١/٤: ٥٧٥، ولقبه علم الدين، وكان يعرف بقاع؛ قال العماد: « وكان إذا قيل له
يا علم الدين قاع، جرى عليه من ذلك أمر عظيم »، وكان يحفظ جل أشعاره ويوردها من خاطره
حتى كأنما يقرأها من كتاب .
١ هـ : واستوطن بها.
٢ هـ : واملك.
,٨ - ٢
١١٣

يمينك فيها اليُمن واليُسر في اليُسرى فبُشرى لمن يرجو النَّدى بها بُشرى
وكان مولده في سنة عشر وخمسمائة وتوفي في شعبان سنة تسع وتسعين وخمسمائة
بالموصل ، رحمه الله تعالى .
وذكره ابن اللُّبَيني في ذيله ، وأثنى عليه .
وشاتان - بفتح الشين المعجمة وبعد الألف تاء مثناة من فوقها وبعد الألف
الثانية نون - وهي بلد بنواحي ديار بكر١ .
١٧٥
ناصر الدولة ابن حمدان
أبو محمد الحسن الملقب ناصر الدولة ابن أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان بن حمدون
ابن الحارث بن لقمان بن راشد بن المُثنَى بن رافع بن الحارث بن غطيف بن
محربة بن حارثة بن مالك بن عبيد بن عدي بن أسامة بن مالك بن بكر بن
حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب ، التغلبي ؛ كان صاحب الموصل وما والاها ،
وتنقلت به الأحوال قارات إلى أن ملك الموصل بعد أن كان نائباً بها عن أبيه ،
ثم لقبه الخليفة المتقي الله ((ناصر الدولة)) وذلك في مُستَهَلَّ شعبان سنة ثلاثين
وثلثمائة، ولقب أخاه ((سيف الدولة)) في ذلك اليوم أيضاً ، وعظم شأنهما .
وكان الخليفة المكتفي بالله قد وَلَّ أباهما عبد الله بن حمدان الموصل وأعمالها في
سنة اثنتين وتسعين ومائتين ، فسار إليها ودخلها في أول سنة ثلاث وتسعين
ومائتين ، وكان ناصر الدولة أكبر سناً من أخيه سيف الدولة وأقدم منزلة عند
١ أ : بديار بكر من نواحيها .
١٧٥ - أخبار ناصر الدولة في تجارب الأمم وتاريخ ابن الاثير (صفحات كثيرة من الجزء الثامن) .
١١٤

الخلفاء، وكان كثير التأدب معه؛ وجرت بينهما يوماً وَحشَةٌ، فكتب إليه
سيف الدولة :
لستُ أجفُو وإِن جُفِيتُ ولا أت رُكُ حقّاً عليَّ في كلِّ حال
إنما أنت والِدٌ والأب الجا في يُجازى بالصَّبر والإحتمال
[١ حكى هلال بن المحسن عن معز الدولة ابن بويه وكان منازلاً لناصر الدولة
أبي محمد بن حمدان ، فجاءه غلام فقال : إن اغتلت ابن حمدان وقتلته ما يكون
لي عليك ؟ قال : اقتراحك ؛ ووعده وعداً ملأ به صدره ، فمضى واختلط
بعسكر ناصر الدولة وتوصل إلى أن عرف موضع منامه ليلاً من خيمته ، ثم جاء
وقد اشتمل على دشنة فدخل الخيمة من تحت الطنب وقد تفرق الناس ونام
الحراس فوجد ناصر الدولة نائماً على سرير وفي جانب الخيمة شمعة وعلى بعد منه
جماعة، فتأمل موضع رأسه من رجليه ثم أطفأ الشمعة لئلا يصيح إذا جرحه فينذر
به ويؤخذ ، وجاءه يريد الموضع الذي فيه رأسه، فاتفق أن ناصر الدولة تقلب
من جنبٍ إلى جنب فزال عن المكان وجاء الغلام يريد موضعه فغرز الدشنة
غرزاً استقصى فيه وظن أنه قد بلغ المراد ، فأحسَّ ناصر الدولة بعدوّه فانتبه
فرأى الشمعة وقد أطفئت وأطناب الخيمة مرفوعة ، فصاح بالغلمان فبادروا
وجاءوا بضوء وشاهدوا الصورة فجزع، وأمر بالزيادة في الاحتراس ولم يعلم
كيف جرى الأمر، وعاد الرجل فأخبر معز الدولة أنه قد قتل ناصر الدولة فلم
يعطه ما وعده به لكنه أطلق له شيئاً وقال لأبي جعفر الصيمري : من يُقدم
على الملوك مثل إقدام هذا لا يجوز استبقاؤه فضلاً أن يوثق بمكانه ، وما الذي
يؤمننا أن يبذل لأعدائنا مثل ما بذل لنا ؟ فأرحني منه كيف شئت ، فأخذه
الصيمري فغرقه].
وكتب إليه مرة أخرى وذكرها الثعالبي في ((اليقيمة))٢:
١ ما بين معقفين زيادة من د، وقارن تجارب الأمم ٢ : ٩٤ .
٢٠ اليقيمة ١: ٤٦ وابن الأثير ٨ : ٥٨٠.
١١٥

رضيتُ لك العَليا وقد كنت أهلها وقلتُ لهم بيني وبين أخي فرقُ
ولم يكُ بي١ عنها نكول وإنما تجافيت٢ عن حقي فتم لك الحقُّ
ولا بُدَّ لي من أن أكون مُصَلّياً إذا كنتُ أرضى أن يكون لك السبقُ
[ وأورد له أيضاً قوله :
قد جرى في دمعه دمه فإلى كم أنت تظلمه
خرقته منك أسهمه
ردّ عنه الطرف منك فقد
خطرات الوهم تؤله ]٣
كيف يسطيع التجلد من
وكان ناصر الدولة شديد المحبة لأخيه سيف الدولة ، فلما توفي سيف الدولة
- في التاريخ الآتي ذكره في ترجمته إن شاء الله تعالى - تغيرت أحوال ناصر
الدولة وساءت أخلاقه وضعف عقله، إلى أن لم يبق له حرمة عند أولاده وجماعته،
فقبض عليه ولده أبو تغلب فضل الله الملقب عدة الدولة المعروف بالغضنفر بمدينة
الموصل باتفاق من إخوته، وسَيِّره إلى قلعة أَردمَشْتَ؛ في حصن السلامة، .
وذكر شيخنا ابن الأثير في تاريخه أن هذه القلعة هي التي تسمى الآن قلعة كواشی،
وذلك في يوم الثلاثاء الرابع والعشرين من جمادى الأولى سنة ست وخمسين وثلثمائة،
ولم يزل محبوساً بها إلى أن توفي يوم الجمعة وقت العصر ثاني عشر شهر ربيع الأول
سنة ثمان وخمسين وثلثمائة ، ونقل إلى الموصل ودفن بتل توبة شرقي الموصل ؛
وقيل إنه توفي سنة سبع وخمسين .
وقال محمد بن عبد الملك الهمذاني في كتاب ((عنوان السير)) في آخر ترجمة
ناصر الدولة ما مثاله : ولم يزل - يعني ناصر الدولة - مستولياً على ديار الموصل
وغيرها حتى قبض عليه ابنُه الغضنفر في سنة ست وخمسين وثلثمائة ، وكانت
١ د : وما كان لي .
٢ د : تجاوزت .
٣ زيادة من د.
٤ هـ : أودمست؛ أ : ازدمشت .
١١٦

إمارته هناك اثنتين وثلاثين سنة ، وتوفي يوم الجمعة الثاني عشر من شهر ربيع
الأول سنة سبع وخمسين وثلثمائة ١، رحمه الله تعالى، وقتل أبوه ببغداد وهو يدافع
عن الإمام القاهر بالله - وقصته مشهورة - لثلاث عشرة ليلة بقيت من المحرم
سنة سبع عشرة وثلثمائة ، رحمه الله تعالى .
(22) وأما الغضنفر٢ بن ناصر الدولة فإنه جرت له مع عضد الدولة ابن بُوَيه
لما ملك بغداد بعد قتله بختيار ابن عمه المقدم ذكره - وقد كان معه في الواقعة
التي قتل فيها - قضايا يطول شرحها ، وحاصلها أن عضد الدولة قصده بالموصل
فَهَرَب منه إلى الشام ونزل بظاهر دمشق، والمستولي عليها قسّام العيّار، فكتب
إلى العزيز بن المعز صاحب مصر يسأله تولية الشام ، فأجابه إلى ذلك ظاهراً
ومنعه باطناً . فتوجه إلى الرملة في المحرم سنة سبع وستين ، وبها المفرج بن
الجراح البدوي الطائي ، فهرب منه ثم جمع له جموعاً وعاد إليه ، فالتقيا على بابها
في يوم الاثنين لليلة خلت من صفر من السنة ، فانهزم أصحابه وأُسر وقتل يوم
الثلاثاء ثاني صفر المذكور، ومولده يوم الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة خلَت من
ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وثلثمائة٣ .
ونقلت نسبهم على هذه الصورة من كتاب ((أدب الخواص)) للوزير أبي
القاسم الحسين ابن المغربي ، وقال محمد بن أحمد٤ الأسدي النسابة : اسم تغلب
دثار، وإنما سمي تغلب لأن أباه وائلً قصدته اليمن في داره لتَسيَ أهله،
فصرخ في أهله وعشيرته، فنُصر على اليمن، وكان تغلب طفلاً، فتبرك به وقال :
هذا تغلب ، فسمي به" .
١ وقال محمد بن عبد الملك ... وثلثمائة : سقط من س .
٢ انظر تاريخ ابن الأثير ٨ : ٦٩٢.
٣ وأما الغضنفر ... وثلثمائة : سقط من س .
٤ ص : أحمد بن محمد .
ه وقال محمد ... فسمي به : سقط من س .
١١٧

١٧٦
ركن الدولة ابن بويه
أبو علي الحسن بن بُوَيه بن فَنَّاخُسْرو الدَّيلَمي الملقب ركن الدولة ؛
وقد تقدمت تتمة نسبه في حرف الهمزة عند ذكر أخيه معز الدولة أحمد . وكان
ركن الدولة المذكور صاحب أصبهان والري وهمذان وجميع عراق العجم ، وهو
والد عضُد الدولة فناخسرو ومؤيد الدولة أبي منصور بُوَيه وفخر الدولة أبي
الحسن علي ، وكان ملكاً جليل القدر عالي الهمة ، وكان أبو الفضل ابن العميد
- الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - وزيره ، ولما توفي استوزر ولده أبا الفتح
عليّاً ؛ وكان الصاحب بن عباد وزير ولده مؤيد الدولة ، ولما توفي وزَرَ لفخر
الدولة - وقد تقدم ذلك في حرف الهمزة في ترجمة الصاحب - . وكان مسعوداً
ورزق السعادة في أولاده الثلاثة ، وقسم عليهم المالك فقاموا بها أحسن قيام .
وكان ركن الدولة المذكور أوسط الاخوة الثلاثة، وهم عماد الدولة أبو الحسن
علي وركن الدولة المذكور ومعز الدولة أبو الحسين أحمد - وقد سبق ذكره -
وكان عماد الدولة أكبرهم ، ومعز الدولة أصغرهم .
[ولما كان في سنة ٣٣٩ سار الخراسانيون منصور بن قراتكين ومن معه إلى
الريّ ، وكان ركن الدولة ببلاد فارس ، فلما وصل جرت بينه وبينهم حروب
عدة ، وضاقت الميرة على الطائفتين وذبحوا دوابهم ، ولو أمكن ركن الدولة
الانهزام لفَعَل، فاستشار وزيره أبا الفضل ابن العميد في بعض الليالي في الهرب ،
فقال: لا ملجأ لك إلا إلى الله تعالى، فانو للمسلمين خيراً وصمم العزم على حسن
السيرة والإحسان فإن الحيل البشرية كلها تقطعت بنا وإن انهزمنا تبعونا
وأهلكونا وهم أكثر منا فلا يفلت منا أحدٌ ، فقال له : قد سبقتك إلى هذا ،
١٧٩ - أخبار ركن الدولة ابن بويه في ابن الأثير وتجارب الأمم وتاريخ ابن خلدون والمنتظم ؛
وراجع آدم متز ١ : ٣٠ .
١١٨

فلما كان ثلث الليل الأخير أتاهم الخبر أن منصوراً وعسكره قد عادوا إلى الريّ
وتركوا خيامهم ، وكان سبب ذلك أن الميرة والعلوفة ضاقت عليهم أيضاً إلا أن
الديلم كانوا يصبرون ويقتنعون بالقليل من الطعام وكان الخراسانية بالضدّ منهم.
وحكى أبو الفضل ابن العميد١ قال: استدعاني ركن الدولة تلك الليلة في
الثلث الأخير وقال لي : قد رأيت الساعة في منامي كأني على دابتي فيروزٍ وقد
انهزم عدونا وأنت تسير إلى جانب وقد جاءنا الفرج من حيث لا نحتسب فمددت
عيني فرأيت على الأرض خاتماً فأخذته وإذا فصه من فيروزج فجعلته في
إصبعي فتبركت به وانتبهت وقد أيقنت بالظفر ، فإن الفيروزج معناه الظفر ،
وكذلك لقب الدابة فيروز ، قال ابن العميد : فأتانا الخبر والبشارة بأنَّ العدو
قد رحل فما صدقنا حتى تواردت الأخبار ، فركبنا ولا نعرف سبب هزيمتهم ،
وسرنا حذرین من کمینٍ، وسرت إلى جانب ركن الدولة وهو على فرسه فيروز ،
فصاح ركن الدولة لغلام بين يديه : ناولني ذلك الخاتم ، فأخذ خاتماً من الأرض
فناوله إياه فإذا هو من فيروزج فجعله في إصبعه وقال : هذا تأويل رؤياي ،
وهذا الخاتم الذي رأيت من ساعةٍ ، وهذا من أحسن ما يحكى وأعجبه .
وكان ركن الدولة يقول : مثل خراسان في صعوبة فتحها ونزارة دخلها كابن
آوى : يصعب صيده ولا يحصل خيره ؛ وهو معنى قول الشاعر :
إن ابن آوى لشديد المقتنص وهو إذا ما صيد ريحٌ في قفص]٢
وتوفي ركن الدولة ليلة السبت لاثنتي عشرة ليلة بقيت من المحرم سنة ست
وستين وثلثمائة بالريّ ، ودفن في مشهده . ومولده تقديراً في سنة أربع وثمانين
ومائتين ، قاله أبو إسحاق الصابىء ، وملك أربعاً وأربعين سنة وشهراً وتسعة
أيام ، وتولى بعده ولده مؤيد الدولة ، رحمه الله تعالى .
١ قارن بما في تجارب الأمم ٢: ١٤١.
٢ ما بين معقفين انفردت به النسخة د .
١١٩

١٧٧
الحسن بن سهل
أبو محمد الحسن بن سَهْل بن عبد الله السَّرَخْسيُّ؛ تولى وزارة المأمون بعد
أخيه ذي الرياستين الفَضْل وحَظيَ عنده، وقد تقدم في حرف الباء ذكر ابنته
بُوران وصورة زواجها من المأمون والكلفة التي احتفل بها والدها الحسن فلا
حاجة إلى إعادتها . وكان المأمون قد ولاه جميع البلاد التي فتحها طاهر بن
الحسين - وقد ذكرته في ترجمته - وكان عالي الهمة كثير العطاء للشعراء وغيرهم،
وقصده بعض الشعراء وأنشده :
تقُولُ خَليلَتي لمّا رأتني أُشُدُّ مطيقي من بَعدِ حَلِّ
أَبَعد الفضل ترتحلُ المطايا فقلتُ نعم إلى الحَسَنِ بن سَهْلِ
فأجزل عطيته . وخرج مع المأمون يوماً يُشَيِّعُهُ ، فلما عزم على مفارقته قال
له المأمون: يا أبا محمد، ألك حاجة ؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين تحفظ عليّ
من قلبك ما لا أستطيع حفظه إلا بك . وقال بعضهم : حضرت مجلس الحسن
ابن سهل وقد كتب لرجل كتاب شفاعة، فجعل الرجل يشكره، فقال الحسن :
يا هذا، عَلامَ تشكرنا ؟ إنا نرى الشفاعات زكاة مروءاتنا [ثم أنشأ يقول :
وزكاة جاهي أن أعين وأشفعا
فرضت علي زکاة ما ملكت يدي
فاجهد بوسعك كله أن تنفعا].
فإذا ملكت فجد فإن لم تستطع
١٧٧ - أخبار الحسن بن سهل في الطبري وابن الأثير وتاريخ بغداد لابن طيفور والوزراء والكتاب
للجهشياري وتاريخ بغداد للخطيب ٧ : ٣٠٩ وتاريخ ابن الوردي ١ : ٢١٧ والفخري :
٢٠٣، وله أخبار وأقوال منثورة في كتب الأدب كعيون الأخبار والكامل والبيان وغيرها .
١ زيادة من ص .
١٢٠