النص المفهرس
صفحات 81-100
شيئاً منه ؟ قال : ما أعلم أن لي شعراً إلا ثلاثة أبيات في الشيب ، وهي قولي: خَضَبْتُ الشيب لمّا كان عَيْباً وخَضْبُ الشيب أولى أن يُعابا ولا عَيَباً خشيتُ ولا عتابا ولم أخْضبْ مخافةَ هَجْرِ خِلّ قصيرتُ الخضابَ له عقابا ولكنَّ المشيبَ بدا ذميماً ويقال إن السبب في استشهاده في باب كان من كتاب «الإيضاح)» ببيت أبي تمام الطائي وهو قوله١ : مَنْ كان مَرْعَى عَزْمِهِ وهُمُومِهِ رَوْضَ الأماني لم يزل مَهْزولا لم يكن ذلك لأن أبا تمام ممن يستشهد بشعره ، لكن عضد الدولة كان يُحِب هذا البيت وينشده كثيراً ، فلهذا استشهد به في كتابه . ومن تصانيفه كتاب ((التذكرة)) وهو كبير، وكتاب ((المقصور والممدود))، وكتاب ((الحجة)) في القراءات، وكتاب ((الاغفال)) فيما أغفله الزجاج من المعاني، وكتاب ((العوامل المائة)) وكتاب ((المسائل الحلبيات)) وكتاب ((المسائل البغداديات)) وكتاب ((المسائل الشيرازيات)) وكتاب ((المسائل القصريات)) وكتاب ((المسائل العسكرية)) وكتاب ((المسائل البصرية)) وكتاب ((المسائل المجلسيات )) وغير ذلك٢ . وكنت رأيت في المنام في سنة ثمان وأربعين وسمائة وأنا يومئذ بمدينة القاهرة كأنني قد خرجت إلى قليوب ودخلت إلى مشهد بها فوجدته شعثاً ، وهو عمارة قديمة ، ورأيت به ثلاثة أشخاص مقيمين مجاورين ، فسألتهم عن المشهد وأنا متعجب لحسن بنائه وإتقان تشييده : ترى هذا عمارة من ؟ فقالوا : لا نعلم ، ثم قال أحدهم : إن الشيخ أبا علي الفارسي جاوَرَ في هذا المشهد سنين عديدة ، ١ من قصيدة له في مدح نوح بن عمرو السكسكي، انظر ديوانه ٣ : ٦٧، قال شارح الديوان: هذا البيت ذكره أبو علي الفارسي في كتابه المعروف بالعضدي وإنما ذكره على سبيل التمثيل لا أنه يستشهد به ... وقد أنكر ذلك على أبي علي لأن طبقته لم تجر عادتهم به . ٢ سقط من النسخة س ذكر أسماء مصنفات أبي علي ؛ وانظر مزيداً منها في معجم الأدباء . ٦ - ٢ ٨١ وتفاوضنا في حديثه ، فقال : وله مع فضائله شعر حسن ، فقلت : ما وقفت له على شعر، فقال : أنا أنشدك من شعره ، ثم أنشد بصوت رقيق طيب إلى غاية ثلاثة أبيات ، فاستيقظت في أثر الإنشاد ولذة صوته في سمعي ، وعلق على خاطري منها البيت الأخير وهو : الناسُ في الخير لا يَرْضَون عن أحد فكيف ظَنْكَ سيمُوا الشرَّ أو ساموا وبالجملة فهو أشهر من أن يُذكر فضله ويعدد، وكان متهماً بالاعتزال١ . وكانت ولادته في سنة ثمان وثمانين ومائتين. وتوفي يوم الأحد لسبع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر ، وقيل ربيع الأول ، سنة سبع وسبعين وثلثمائة رحمه الله تعالى ببغداد ، ودفن بالشونيزي . والفارسي : لا حاجة إلى ضبطه لشهرته . ويقال له أيضاً أبو علي الفَسَوي - بفتح الفاء والسين المهملة وبعدها واو - هذه النسبة إلى مدينة فسا٢ من أعمال فارس ، وقد تقدم ذكرها في ترجمة البساسيري . وقليوب - بفتح القاف وسكون اللام وضم الياء المثناة من تحتها وسكون الواو وبعدها باء موحدة - وهي بليدة صغيرة بينها وبين القاهرة مقدار فرسخين أو ثلاثة ذات بساتين كثيرة . ....... ١ انظر طبقات المعتزلة : ١٣١. ٢ في طبقات المعتزلة أن هذا الاسم بضم الفاء، وقارن بما في اللباب «الفسوي)). ٨٢ . ١٦٤ أبو أحمد العسكري أبو أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري ؛ أحد الأئمة في الآداب والحفظ ، وهو صاحب أخبار ونوادر ، وله رواية متسعة ، وله التصانيف المفيدة: منها كتابُ (( التصحيف )) الذي جمع فيه فأوعب وغير ذلك ، وكان١ الصاحبُ بن عَبّاد يود الاجتماع به ولا يجد إليه سبيلاً ، فقال لمخدومه مؤيد الدولة بن بُوَيه: إِن عسكر مكرم قد اختلّتْ أحوالها، وأحتاج إلى كشفها بنفسي ، فأذن له في ذلك ، فلما أتاها توقع أن يزوره أبو أحمد المذكور فلم يزره، فكتب الصاحب إليه : ولمّا أبيتُمْ أن تزوروا وقلتمُ ضَعُفنا فلم نقدر على الوَخَدانِ أتيناكمُ من بُعْدِ أرضٍ نَزُوركم وكم منزلٍ بكر لنا وعَوَان نسائلكم هل مِنْ قِرَّى لنزيلكم٢ بملء جُفونٍ لا بملء جِفان وكتب مع هذه الأبيات شيئاً من النثر، فجاوبه أبو أحمد عن النثر بنثر مثله، وعن هذه الأبيات بالبيت المشهور ، وهو : أهُمُّ بأمر الحزم لو أستطيعُهُ وقد حِيلَ بين العَيرِ والنزَوانِ فلما وقف الصاحب على الجواب عجب من اتفاق هذا البيت له ، وقال : والله ١٦٤ - ترجمة أبي أحمد العسكري في معجم الأدباء ٨: ٢٣٣ ومعجم البلدان ( عسكر مكرم) وانباه الرواة ١: ٣١٠ وبغية الوعاة: ٢٢١ والخزانة ١ : ٩٧ واللباب ٢ : ١٣٦ وابن كثير ١١: ٣٢٠ وكتابه ((التصحيف)» مطبوع (القاهرة : ١٩٦٣). ١ هذه القصة سقطت من س . ٢ أ : لنزوركم. ٨٣ لو علمت أنه يقع له هذا البيت لما كتبت إليه على هذا الروي . وهذا البيت لصخر بن عمرو بن الشّريد أخي الخَنساء١، وهو من جملة أبيات مشهورة ، وكان صخر المذكور قد حضر مُحاربة بني أسد، فطعنه ربيعة ابن ثور الأسدي فأدخل بعض حلقات الدرع في جنبه وبقي مدة حولٍ في أشد ما يكون من المرض ، وأمه وزوجته سليمى تمرضانه٢ ، فضجرت زوجته منه، فمرت بها امرأة فسألتها عن حاله ، فقالت : لا هو حيّ فيرجى، ولا ميت فينسى ٣ ، فسمعها صخر فأنشد : وملت سليمى موضعي٤ ومكاني أرى أُمَّ صخر لا تملُّ عيادتي عليك ، ومَنْ يَفْتَرّ بالحَدَثان وما كنت أخشى أن أکون جنازة وأسمَعْتٍ من كانت له أُذنان العَمْرِي لقد نَبَّهْتٍ مِن كان نائماً وأيُّ امرىءٍ ساوى بأمِّ حليلة فلا عاش إلا في شقاً وهَوان وقد حيل بين العَيْرِ والنَّزوان أهمُّ بأمر الحزم لو أَستَطيعُهُ فللموتُ خيرٌ من حياة كأنها مُعَرَّس يعْسُوبٍ برأس سنان وكانت ولادته يوم الخميس لستَ عشرَةَ ليلة خلت من شوال سنة ثلاث وتسعين ومائتين ، وتوفي يوم الجمعة لسبع خلوْنَ من ذي الحجة سنة اثنتين وثمانين وثلثمائة ، رحمه الله تعالى . وأخذ عن أبي بكر ابن دُرَيد؛ وله من التصانيف كتاب ((المختلف والمؤتلف)) وكتاب ((علم المنطق))° وكتاب ((الحكم والأمثال)) وكتاب ((الزواجر)) وغير ذلك . والعَسْكري - بفتح العين المهملة وسكون السين المهملة وفتح الكاف وبعدها ١ انظر الخبر والأبيات في الأغاني ١٥ : ٦٣. ٢ ر : تعللانه . ٣ الأغاني : فينعى . ٤ ر : مضجعي . ه كذا سماه هنا ووقع عند القفطي «علم النظم» ويقابله عند ياقوت «كتاب صناعة الشعر». ٨٤ راء - هذه النسبة إلى عدة مواضع، فأشهرها عَسكر مُكرَم ، وهي مدينة من كور الأهواز ، ومكرم الذي تنسب إليه مكرم الباهلي ، وهو أول من اختطها فنسبت إليه ، وأبو أحمد المذكور من هذه المدينة ، وسيأتي العسكري منسوباً إلى شيء آخر إن شاء الله تعالى . ١٦٥ ابن رشيق القيرواني أبو علي الحسن بن رَشيق المعروف بالقَيْرَ واني ؛ أحد الأفاضل البلغاء ، له التصانيف المليحة منها: كتاب ((العمدة في معرفة صناعة الشعر ونقده وعيوبه)»، وكتاب ((الأنموذج)) والرسائل الفائقة والنظم الجيد . قال ابن بسام في كتاب ((الذخيرة)): بلغني أنه ولد بالمَسيلَةِ وتأدَّب بها قليلاً ، ثم ارتحل إلى القيروان سنة ست وأربعمائة . وقال غيره : ولد بالمهدية سنة تسعين وثلثمائة، وأبوه مملوك رومي من موالي الأزد ، وتوفي سنة ثلاث وستين وأربعمائة . وكانت صنعة أبيه في بلده - وهي المحمدية - الصياغة ، فعلمه أبوه صنعته ، وقرأ الأدب بالمحمدية ، وقال الشعر، وتاقت نفسه إلى التزيد منه وملاقاة أهل الأدب، فرحل إلى القيروان واشتهر بها ومدح صاحبها واتصل بخدمته ، ولم يزل بها إلى أن هاجم العربُ القيروان وقتلوا أهلها وأخرّبوها، فانتقل إلى جزيرة صقلية ، وأقام بمازر إلى أن مات١ . ١٩٥ - ترجمة ابن رشيق في انباه الرواة ١: ٢٩٨ ومعجم الأدباء ٨: ١١٠ وشذرات الذهب ٣: ٢٩٧ وبغية الوعاة: ٢٢٠ وعنوان الأريب: ٥٢، وقد جمع الاستاذ الميمني شعره في كتاب سماه « النتف من شعر ابن رشيق وابن شرف» ثم قام الدكتور عبد الرحمن ياغي يجمعه وزاد فيه (دار الثقافة - بيروت : ١٩٦٢). ١ ذكر القفطي ان ابن رشيق لما حل بصقلية نزل على ابن مطكود أمير مازر فأكرمه واختصه = ٨٥ ورأيت بخط بعض الفضلاء أنه توفي سنة ست وخمسين وأربعمائة بمازر ، والأول أصح ، رحمه الله تعالى، وهي قرية بجزيرة صقلية - وسيأتي ذكرها في ترجمة المازري إن شاء الله تعالى - وقيل إنه توفي ليلة السبت غرة ذي القعدة سنة ست وخمسين وأربعمائة بمازر ، والله أعلم . [وكانت بينه وبين ابن شرف القيرواني وقائع وماجريات وهما أديبا بلاد المغرب وشاعراها . وكان ابن شرف أعور ؛ قيل : مر يوماً وبيده كتاب فقال له ابن رشيق : ما في كتابك ؟ قال : الدريدية ، يعرّض بقول ابن دريد فيها : والعبد لا يردعه إلا العصا يشير إلى أنه مولى ، فقال له ابن رشيق : أمّا أبي فرشيقٌ لستُ أنكره قل لي أبوك وصوّره من الخشب ومن شعره أيضاً وقد غاب المعز بن باديس عن حضرته وكان العيد ماطراً : تجهم العيد وانهلت بوادرُهُ وكنتُ أعهدُ منه البشر والضحكا كأنه جاءَ يطوي الأرض من بُعُدٍ شوقاً إليك فلما لم يجدك بكى وقال أيضاً وقد أمره المعز بوصف أُترجة مصبعة كانت بين يديه بديها : أترجة سبطة الأطراف ناعمة تلقى العيون بحسنٍ غير منحوس. تدعو بطول بقاءٍ لابن باديس كأنها بسطت كفّاً لخالقها ومن شعره أيضاً : - لو أورقت من دم الأبطال سُمْرُ قنا لأورقت عنده سُمْرُ القنا الذبل إذا توجّه في أُولى كتائبه لم تفرق العين بين السهل والجبل = وقرأ عليه كتبه؛ قال : ومن جملة ما رأيته من قراءاته عليه كتاب العمدة في صنعة الشعر ... ولم يزل عنده إلى أن مات بمازر في حدود سنة خمسين وأربعمائة . ٨٦ فالجيش ينفض حوليه أسنَّته نفض العُقاب جناحيها من البلل هذا البيت من فرائده وهو ملتقط من قول أبي صخر الهذلي : وإني لتعروني لذكرك فترةٌ كما انتفض العصفورُ بلّله القَطْرُ ولابن رشيق المذكور رحمه الله تعالى : ومن حسنات الدهر عندي ليلةٌ من العلم لم تترك لأيامها ذنبا بلؤلؤةٍ مملوءة ذهباً سكبا خلونا بها ننفي الکری عن جفوننا مميل جياع الطير تلتقط الحبّا ومِلْنا لتقبيل الخدود ولثمها ومن شعره أيضاً : صنمٌ من الكافور بات معانقي فكرت ليلةَ وصله في صدِّهِ فطفقت أمسحُ ناظري في نحرِهِ ومن شعره رحمه الله : في حُلَتين تعفّفٍ وتکرُّمِ فجرت بقايا أدمعي كالعندم إذ شيمةُ الكافور إمساك الدم قالوا رأينا فلاناً ليس يوجعُهُ ما يوجعُ الناسَ من هجوٍ به قذفا فقلت لو أنه حيّ لأوجعه لكنه مات من جهل وما عرفا وما هجوت فلاناً غير تجربةٍ وذو الرماية لا يستشعر الهدفا] ومن شعره٢ : أُحِبُّ أخي وإنْ أعرَضتُ عنهُ وقَلَّ على مسامِعِه كلامي ولي في وجههٍ تقطيبُ راضٍ كما قطَّبْتَ فِي وَجَدِ المُدام ورُبّ تقطُّبٍ مِنْ غَيْرِ بُفْضٍ وبُغضٍ كامن تحتَ ابتسام ١ ما بين معقفين زيادة من د ص ر على اختلاف في الترتيب . ٢ هذه المقطعات في ديوانه: ١٧١، ٧١، ١٤٢، ٢٠٠، ٠١٧٢ ٨٧ ومن شعره : يا رَبِّ لا أقوى على دَفع ١ الأذى وبكَ استعنتُ على الضعيفِ الموذي ما لي بعثتَ إِليَّ ألفَ بَعوضَةٍ وبَعَنْتَ واحدةً إلى نمروذٍ ؟ ومن شعره على ما حكاه ابن بسام في ((الذخيرة))٢ : أسلَمَني حبُّ سُليمانكم إلى هَوَّى أَنْسِرُهُ القَتْلُ قالتْ لنا جُنْدُ مَلاحاتهِ لما بَدا ما قالَتِ النمل قُوموا ادخلوا مَسْكَنَكم قبل أن تحطمكم أعينُهُ النتُجل وله وقد كبر وضعف مشيه ، وهو معنى غريب : إذا ما خففتُ كعهد الصبا أبت ذلك الخمسُ والْأرْبعُونا وما ثَقُلَتْ كبراً وطأتي ولكنْ أَجُرُّ ورائي السَّنينا وله أيضاً : فقلتُ لهَا قَوْلَ المشُوقِ المتَّيِّمِ وقائِلَةٍ ما ذا الشحوبُ وذا الضَّنى هَوَاكِ أثاني وهْوَ ضَيفٌ أُعِزُّهُ فأطعَمْتُهُ لَحْمي وأسقَيتُهُ دَمي ومن تصانيفه أيضاً: ((قراضة الذهب)) وهو لطيف الجرم٣ كبير الفائدة ، وله كتاب ((الشذوذ)) في اللغة، يذكر فيه كل كلمة جاءت شاذة في بابها . [وكتاب (طراز الأدب) وكتاب(المادح والمذام)) وكتاب ((متفق التصحيف)) وكتاب ((تحرير الموازنة)) وكتاب ((الاتصال)) وكتاب ((المن والفداء)) وكتاب ((غريب الأوصاف ولطائف التشبيهات لما انفرد به المحدثون)) وكتاب ((أرواح الكتب) وكتاب ((شعراء الكتاب)) وكتاب ((المعونة)) في ١ أ : حمل . ٢ في المسودة : في الخريدة ، وهو وم. ٣ ج : الحجم . ٨٨ الرخص والضرورات وكتاب ((الرياحين)) وكتاب (( صدق المدائح)) وكتاب ((الأسماء المعربة)) وكتاب ((إثبات المنازعة)) وكتاب ((معالم التاريخ)) وكتاب (((التوسع في مضايق القول)) وكتاب ((الحيلة والاحتراس)]١. [ و کانت بينه وبين أبي عبد الله محمد بن أبي سعيد بن أحمد المعروف بابن شرف القيرواني وقائع وماجريات يطول شرحها ، وقصدنا الاختصار]٢. ورَشيق : بفتح الراء وكسر الشين المعجمة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها قاف . والمسيلة : قد تقدم ذكرها فلا حاجة إلى إعادته . ١٦٦ ابن أبي الشخباء الشيخ المجيد أبو علي الحسن بن عبد الصمد بن أبي الشَّخْباء العَسقلاني صاحب الخطب المشهورة والرسائل المحبّرَة ؛ كان من فرسان النثر ، وله فيه اليد الطولى. ويقال: إن القاضي الفاضل، رحمه الله تعالى ، كان جلُّ اعتماده على حفظ كلامه وإنه كان يستحضر أكثره . وذكره عماد الدين الأصبهاني في ((الخريدة)) فقال: ((المجيد مجيد كنَعْته، قادر على ابتداع الكلام ونَحْته ، له الخطب البديعة والملح الصنيعة))، وذكره ابن بَسّام في ((الذخيرة)) وسَرَدَ له جملة من الرسائل ، وذكر هذا المقطوع من نظمه ، وهو من بعض قصيد : ١ زيادة من ر د . ٢ تكرر ما بين معقفين لتداخل الترجمات من النسخ المختلفة ، وهذا موضع العبارة في المسودة . ١٦٦ - ترجمة ابن أبي الشخباء في الخريدة (قسم العقلانيين) ومعجم الأدباء ٩: ١٥٢ وفيه الحسن ابن محمد بن عبد الصمد والذخيرة (القسم الرابع - وهو الجزء الخاص بغير الاندلسيين) وأورد له صاحب الريحان والربعان جملة من رسائله وخطبه ، ولعله اعتمد في ذلك على الذخيرة . ٨٩ ما زالَ يختار الزمانُ ملوكَهُ قل للألى ساسوا الورى وتقدمُوا تجدوه. أوسع في السياسة منكم إِن كَانَ رَأْيٌّ شاورِوهُ أُحتَفاً قد صامَ والحَسناتُ مِلء كتابهِ ولقَدْ تخَوّفَكَ العَدوُّ يحَهْدِهِ إِنْ أنتَ لم تَبْعَثْ إِليهِ ضُمَّراً يَسْري وما حمَلتْ رجال أبيضاً خطروا إليكَ فخاطرُوا بنفوسهم عَجبُوا لحلمكَ أنْ تَحَوَّلَ سَطِوَةً لا تَعجَبُوا مِنْ رِقِّةٍ وقَسَاوَةٍ حتى أصابَ المصطفى المتخيرا قُدُماً هلموا شاهِدوا المتأخر! صَدْراً وأحمد في العواقب مَصْدَرا أو كانَ بأس نازِلُوهُ عنترا وعلى مِثال صِيامِهِ قد أفطَرا لو كانَ يَقدِرُ أنْ يَرُدَّ مُقَدَّرا جُرْداً بَعَثْتَ إليه كَيداً مُضْمَرا فيهٍ ولا ادَّرَعَتْ كُماة أُسمَرا وأمرتَ سيفَكَ فيهمُ أنْ يخطرا وزلال خُلْفِكَ كيفَ عادَ مكدَّرا فالنارُ تُقْدَحُ مِن١ قضيبٍ أخضَرا وقد اقتصرتُ منها على هذا القدر خوفاً من التطويل٢. ومن المنسوب إلى ابن أبي الشخباء أيضاً قوله : ورَبَيعَ أرضي والسّحَابُ مُصاف یا سیفَ نصري والمُهَنَّدُ یانِعٌ حَمَلَتْ قَذى الواشينَ وهي سُلاف أخلاقُكَ الغرّ النميرة ما لها يَخْفى وأنتَ الجوْهَرُ الشّفّاف والإفكُ في مرآة رَأيكَ ماله ورأيت في ديوانه البيتين المشهورين : ومَدُّ يَدٍ نحو العُلا بِتَكَلُفِ حجابٌ وإعجابٌ وفَرط ◌ُ تَصَلُفٍ عَذَرْنا ولكنْ مِنْ وراءِ تخَلُفِ وَلَوْ كانَ هَذا مِنْ وَرَاءِ کِفایةٍ. [ومن شعره أيضاً : يجود بالماء غيث السُّحب منقطعاً وغيث كفك بالأموال متصل ١٠ المسودة : في . ٢ أد : الإطالة . ٩٠ جارى نداك ولم يظفر ببغيته فحمرة البرق في حافاته خجل ومن شعره : ومهفهف علق السقام بطرفه وسرى فخيَّم في معاقد خصره مزقت أثواب الظلام بثغره ثم انثنيت أحوكها من شعره]١ وذكر أنه توفي مقتولاً بخزانة البنود ، وهي سجن بمدينة القاهرة المعزية ، سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة ، رحمه الله تعالى . والشَّخْباء : بفتح الشين المثلثة وسكون الخاء المعجمة وبعد الباء الموحدة ألف ممدودة . والعَسقلاني : نسبة إلى مدينة عَسْقَلان وهي مشهورة على الساحل . ١٦٧ ابن زولاق أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن الحسين بن الحسن بن علي بن خالد بن راشد بن عبد الله بن سليمان بن زُولاق الليثي مولاهم٣ المصري، كان فاضلاً في التاريخ، وله فيه مصنف جيد، وله كتاب في خِطَط مصر استقصى فيه، وكتاب ((أخبار قضاة مصر) جعله ذيلاً على كتاب أبي عمر محمد بن يوسف بن يعقوب الكندي الذي ألفه في ١ البيتان الأولان في د وهامش س والتاليان في د وحدها . ١٦٧ - ترجمة المؤرخ ابن زولاق في ابن كثير ١١ : ٣٢١ وتاريخ ابن الوردي ١: ٣٥١ ولسان الميزان ٢: ١٩١، ومن كتابه « سيرة الاخشيد» احتفظ ابن سعيد في المغرب بقطعة وافرة. وله أيضاً سيرة ابن طولون وسيرة خمارويه (انظر تاريخ بروكلمان ١ : ١٢٩). ٢ س : خلف . ٣ مولاهم : سقطت من س . ٩١ أخبار قضاة مصر وانتهى فيه إلى سنة ست وأربعين ومائتين ، فكله ابن زولاق المذكور ، وابتدأ بذكر القاضي بكار بن قتيبة ، وختمه بذكر محمد بن النعمان ، وتكلم على أحواله إلى رجب سنة ست وثمانين وثلثمائة ؛ وكان جده الحسن بن علي من العلماء المشاهير . وكانت وفاته - أعني أبا محمد - يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من ذي القعدة سنة سبع وثمانين وثلثمائة ، رحمه الله تعالى . ورأيت في كتابه الذي صنفه في أخبار قضاة مصر ، في ترجمة القاضي أبي عبيد ، أن الفقيه منصور بن إسماعيل الضرير توفي في جمادى الأولى سنة ست وثلثمائة ، ثم قال : قبل مولدي بثلاثة أشهر، فعلى هذا التقدير تكون ولادة ابن زولاق المذكور في شعبان سنة ست وثلثمائة . وروى عن الطحاوي. وزولاق : بضم الزاي وسكون الواو وبعد اللام ألف قاف . والليثي - بفتح اللام وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها ثاء مثلثة - هذه النسبة إلى ليث بن كنانة ، وهي قبيلة كبيرة . قال ابن يونس المصري : هو ليني بالولاء . ١٦٨ ملك النحاة أبو نزار الحسن بن أبي الحسن صافي بن عبد الله بن نِزار بن أبي الحسن النحوي المعروف بملك النحاة ؛ ذكره العماد الكاتب في ((الخريدة)) فقال : كان من الفضلاء المبرّزين ، وحكى ما جرى بينهما من المكاتبات بدمشق ، وبرع في ... ١٩٨ - ترجمة ملك النحاة في تهذيب ابن عساكر ٤: ١٦٦ وانباه الرواة ١ : ٣٠٥ ومرآة الزمان: ٢٩٥ وابن الدبيني: ٢٨١ ومعجم الأدباء ٨: ١٢٢ وطبقات السبكي ٤: ٢١٠ وابن كثير ١٢ : ٢٧٢ وبغية الرعاة: ٢٢٠ والخريدة (قسم العراق). ٩٢ النحو حتى صار أنحى أهل طبقته١ ، وكان فهماً فصيحاً ذكياً إلا أنه كان عنده عُجْبٌ بنفسه وتِيهٌ، لقب نفسه مَلكَ النحاة ، وكان يسخط على من يخاطبه بغير ذلك . وخرج عن بغداد بعد العشرين٢ وخمسمائة ، وسكن واسط مدة ، وأخذ عنه جماعة من أهلها أدباً كثيراً، واتفقوا على فضله ومعرفته . وذكره أبو البركات ابن المستوفي في ((تاريخ إربل)) فقال: ورد إربل وتوجه إلى بغداد وسمع بها الحديث ، وقرأ مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه وأصول الدين على أبي عبد الله القيرواني ، والخلاف على أسْعد الميهني ، وأصول الفقه على أبي الفتح ابن برهان صاحب ((الوجيز)) و((الوسيط)) في أصول الفقه، وقرأ النحو على الفصيحي ، وكان الفصيحي قد قرأ على عبد القاهر الجرجاني صاحب (( الجمل الصغرى٣)). ثم سافر إلى خراسان وكِرْمان وغَزنة، ثم رحل إلى الشام واستوطن دمشق، وتوفي بها يوم الثلاثاء ثامن شوّال، ودفن يوم الأربعاء تاسعه سنة ثمان وستين وخمسمائة وقد ناهزَ الثمانين ، ودفن بمقبرة باب الصغير ، رحمه الله تعالى . [ثم ظفرت بمولده في سنة تسع وثمانين وأربعمائة ، بالجانب الغربي من بغداد بشارع دار الرقيق] ٤ . وله مصنفات كثيرة في الفقه والأصلين والنحو" ، وله ديوان شعر، ومدح النبي صلى الله عليه وسلم بقصيدة٦، ومن شعره : سَلَوْتُ بحمدِ اللهِ عنها فأصبَحَتْ دَواعي الهوى مِن نحوها لا أُجيبها ١ ر : زمانه . ٢ ص : بعد العشر . ٣ س : الصغير . ٤ ما بين معقفين انفردت به س . ٥ من مصنفاته: الحاوي والعمد والمنتخب وكلها في النحو، وله أيضاً المقتصد في التصريف وأسلوب الحق في القراءات والتذكرة السفرية والحاكم في فقه الشافعي ومختصر في أصول الفقه ومختصر في أصول الدين . ٦ ص : بقصائد . ٩٣ على أنني لا شامِتٌ إِن أصابها بلاء، ولا راضٍ بواشٍ يَعيبها وله أشياء حسنة ، وكان مجموع فضائل . ١٦٩ أبو محمد العسكري أبو محمد الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى الرضا بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم ؛ أحد الأئمة الاثني عشر على اعتقاد الإمامية ، وهو والد المنتظر صاحب السرداب ويُعرف بالعسكري ، وأبوه علي يُعرف أيضاً بهذه النسبة - وسيأتي ذكره وذكر بقية الأئمة إن شاء الله تعالى - . : وكانت ولادة الحسن المذكور يوم الخميس في بعض شهور سنة إحدى وثلاثين ومائتين وقيل سادس شهر ربيع الأول، وقيل الآخر، سنة اثنتين وثلاثين ومائتين١. وتوفي يوم الجمعة ، وقيل يوم الأربعاء لثماني ليال خلون من شهر ربيع الأول ، وقيل جمادى الأولى سنة ستين ومائتين بِسُرّ مَن رأى، ودفن يجنب٢ قبر أبيه ، رحمهما الله تعالى . والعسكري - بفتح العين المهملة وسكون السين المهملة وفتح الكاف وبعدها راء - هذه النسبة إلى سُرَّ من رأى . ولما بناها المعتصم وانتقل إليها بعسكره ١٦٩ - ترجمة أبي محمد العسكري في الأئمة الاثني عشر: ١١٣، وراجع الصفحة المقابلة في مصادر ترجمته وانظر مصادر أخرى في حاشية الأعلام للزركلي ٢ : ٢١٦. ١ وقيل سادس ... ومائتين ، سقط من س م ر . ٢ ص : إلى جانب . ٩٤ قيل لها العسكر١، وإنما نسب الحسن المذكور إليها لأن المتوكل أشخص أباه عليّاً إليها٢ وأقام بها عشرين سنة وتسعة أشهر، فنسب هو وولده إليها . ١٧٠ أبو نواس أبو علي الحسن بن هانىء بن عبد الأول بن الصباح المعروف بأبي نُوَاس الحكمي الشاعر المشهور ؛ كان جَدُّه مولى الجراح بن عبدِ اللهِ الحكمي والي خراسان ، ونسبته إليه . ذكر محمد بن داود بن الجراح في كتاب ((الورقة)) ٣ أن أبا نواس ولد بالبصرة ونشأ بها ، ثم خرج إلى الكوفة مع والبةَ بن الحباب ، ثم صار إلى بغداد. وقال غيره: إنه ولد بالأهواز ونقل منها وعمره سنتان . وأمه أهوازية اسمها جُلْبان، وكان أبوه من جند مَروانَ بن محمد ، آخر ملوك بني أمية ، وكان من أهل دمشق ، وانتقل إلى الأهواز للرباط فتزوج جلبان وأولدها عدة أولاد منهم : أبو نواس وأبو معاذ ؛ فأما أبو نواس فأسلمته أُمه إلى بعض العطارين ، فرآه أبو أُسامة والبةُ بن الحباب، فاسْتَحلاه٤ُ، فقال له : إني أرى فيك مَخايل ، ١ س : العسكرية. ٢ أ: أباه عاملاً عليها . ١٧٠ - ترجمة أبي نواس في الأغاني ٢٠: ٣ وتاريخ بغداد ٧: ٤٣٦ والشعر والشعراء: ٦٨٠ وتهذيب ابن عساكر ٤: ٢٥٤ وطبقات ابن المعتز: ١٩٣ والموشح : ٢٦٣ ونزهة الالباء : ٢٤٩، ولابن منظور كتاب مفرد في أخباره وكذلك لأبي هفان، وانظر بروكلمان ٢ : ٢٤ (من الترجمة العربية) . ٣ لم يرد هذا في كتاب الورقة المطبوع، وهذا القسم الذي طبع لا يمثل كتاب الورقة لأنه أخل بترجمات كثيرة . ٤ ر : فاستحسنه . ٩٥ أرى لك أن لا تضيعها ، وستقول الشعر، فاصحَبْني أُخرّجْك١َ، فقال له : ومن أنت؟ فقال: أنا أبو أسامة والبةُ بن الحباب، فقال: نعم ، أنا والله في طلبك ، ولقد أردتُ الخروج إلى الكوفة بسببك لآخذ عنك وأسمع منك شعرك ؛ فصار أبو نواس معه وقدم به بغداد ، فكان أول ما قاله من الشعر ، ٢ : وهو صبي حامِلُ الهَوَى تَعِبُ يَسْتَخِفُه٣ُ الطَّرَبُ ليسَ ما بهِ تَعِب إنْ بكى يَحقّ لهُ؛ والمحبُّ ينتحب تضْحكينَ لاهِية تَعجبينَ مِنْ سَقَمي صِحَّقِ هِيَ العَجَب وهي أبيات مشهورة . وروي أن الخصيب صاحب ديوان الخراج بمصر سأل أبا نواس عن نسبه فقال : أغناني أدبي عن نسبي ، فأمسك عنه . وقال إسماعيل بن نوبخت : ما رأيت قط أوسعَ علماً من أبي نواس ، ولا أحفظ منه مع قلة كتبه، ولقد فتَّشْنا منزله بعد موته فما وجدنا له إلا قِمَطراً فيه جُزاز مشتمل على غريب ونحو لا غير . وهو في الطبقة الأولى من المولّدين ، وشعره عشرة أنواع ، وهو مجيد في العشرة ، وقد اعتنى يجمع شعره جماعة من الفضلاء : منهم أبو بكر الصولي وعلي بن حمزة وإبراهيم بن أحمد بن محمد الطبري المعروف بتُوزُون ، فلهذا يوجد ديوانه مختلفاً ، ومع شهرة ديوانه لا حاجة إلى ذكر شيء منه . [وكان أبو نواس قويًّ البديهة والارتجال ؛ روي أن الخصيب قال له مرة ١ أخرّجك: سقطت من س. ٢ ديوانه: ٣٦٦؛ ولم يرد في س من هذه الأبيات غير بيت واحد. ٣ رس : يستفزه . ٤ الديوان : فحق له . ٩٦ وهو بالمسجد الجامع : أنت غير مدافع في الشعر ولكنك لا تخطب ، فقام من فوره فقال مرتجلاً : ألا فخذوا من ناصح بنصيب نحلتكمُ يا أهل مصر نصيحتي أكول لحيّات البلاد شروب رماكم أمير المؤمنين بحيّةٍ فإن عصا موسى بكف خصيب فإن يكُ باقي إثم فرعون فيكمُ ثم التفت إليه وقال: والله لا يأتي بمثلها خطيب مصقع فكيف رأيت ؟ فاعتذر إليه وحلف: ما كنت إلا مازحاً]١. ورأيت في بعض الكتب أن المأمون كان يقول : لو وصفت الدنيا نفسها لما وصفت بمثل قول أبي نواس٢ : ألا كل حيّ هالك٣ٌ وابنُ هالكٍ وذو نَسَبٍ في الهالكين عريقٍ إذا امتَحَنَ الدنيا لبيبٌ تكشَّفَتْ له عن عَدُوّ في ثياب صديقٍ والبيت الأول ينظر إلى قول امرىء القيس٤ : فبَعضَ اللوم عاذلتي فإني سيكفيني التجاربُ وانتِسابي إلى عِرِق الثَّرى وشجَت عُروقي وهذا الموتُ يسلبني شَبابي وقد سبق في ترجمة الحسن البصري نظير هذا المعنى . وما أحسن ظنه بربه عز وجل حيث يقول : [تكثَّر ما استطعت من الخطايا إذا كان القدوم على كريم وقال وهي من رواية أخرى : ]١ ١ زيادة من د . ٢ ديوانه : ١٩٢ . ٣ الديوان : أرى كل حي مالكاً . ٤ ديوان امرىء القيس : ٩٧ - ٩٨. ٥ لم ترد في باب الزهد من ديوانه . ٧ - ٢ ٩٧ ربّاً غَفُورا ـغُ بالـ فإنك تَكَثَّرْ ما استطعتَ من الخطايا وتلقى سيداً ملكاً كبيرا ستبصرُ إن ورَدْتَ عليه عَفْواً تَعَضُّ ندامةٌ كَفْيْكَ مما تركتَ مخافَةَ النار السُّرورا١ وهذا من أحسن المعاني وأغربها ؛ وأخباره كثيرة . ومن شعره الفائق المشهور قصيدته الميمية التي حسده عليها أبو تمام حبيب المقدم ذكره ووازنها بقوله٢ : دمَنٌ أَلَمَّ بها فقال سَلامُ كم حل عُقْدَةَ صبره الإلمامُ وأول قصيدة أبي نواس المشار إليها ، وهي مما مدح به الأمين محمد بن هارون الرشيد أيام خلافته٣ : يا دارُ ما صنَعَتْ؛ بكِ الأيامُ لم يَبِقَ فيكِ بَشاشةٌ تُستام٥ُ يقول من جملتها في صفة ناقته : هَوْجاء فيها جُرأةٌ إِقدامٌ وتجشَّمَتْ بِي هَوْلَ كل تَنوفَّةٍ صفّ تَقَدَّمُهُنَّ وهي إِمام تَذَر المطيِّ وراءها فكأنها وإِذا المطيُّ بنا بَلَغْنَ محمداً فظهورهُنَّ على الرجال حَرام وهذا البيت له حكاية سيأتي ذكرها في ترجمة ذي الرمة غيلان الشاعر المشهور . (18) وقد أذكرني هذا البيت واقعةً جرت لي مع صاحبنا جمال الدين محمود ١ أد : الشرورا . ٢ ديوان أبي تمام ٣ : ١٥٠. ٣ ديوان أبي نواس : ٦٣ . ٤ الديوان : فعلت . ه الديوان : ضامتك والأيام ليس تضام . ٩٨ ابن عبد الله الإربلي الأديب المجيد في صناعة الألحان وغير ذلك ، فإنه جاءني إلى مجلس الحكم العزيز بالقاهرة المحروسة في بعض شهور سنة خمس وأربعين وستمائة وقعد عندي ساعة ، وكان الناس يزدحمون١ لكثرة أشغالهم حينئذ ، ثم نهض وخرج ، فلم أشعر إلا وقد حضر غلامه وعلى يده رقعة مكتوب فيها هذه الأبيات: يا أيها المَوْلى الذي بوجودهِ أُبدت محاسِنَها لنا الأيامُ أشواق لا ما يوجبُ الإسلام إني حججتُ إلى مقامك حجَّةَ الـ فَتَسَرَّبت واسْتاقها الأقوام وأنخْتُ بالْحَرَم الشريف مطِيَّتي بيتاً لمن هو في القريض إمام فظللت أنشِدُ عند نِشْداني لها ((وإذا المطيُّ بنا بلغن محمداً فظهورُ هُنَّ على الرجال حَرام » فوقفت عليها وقلت لغلامه : ما الخبر ؟ فذكر أنه لما قام من عندي وجد مَداسه قد سُرق ، فاستحسنت منه هذا التضمين . والعرب يشبهون النعل بالراحلة ، وقد جاء هذا في شعر المتقدمين والمتأخرين ، واستعمله المتنبي في مواضع من شعره . ثم جاءني من بعد جمال الدين المذكور ، وجرى ذكر هذه الأبيات ، فقلت له : ولكن أنا اسمي أحمد ، لا محمد ، فقال : علمت ذلك ، ولكن أحمد ومحمد سواء ، وهذا التضمين حسن ولو كان الاسم أي شيء كان . وكان محمد الأمين المقدّم ذكره قد سخط على أبي نواس لقضية جرت له معه، فتهدّده بالقتل وحبسه ، فكتب إليه من السجن٢: بك أستجير من الردى مُتَعَوِّداً من سَطوِ باسِكْ دُ لمثلها، وحياةِ راسِكْ وحَياةِ رأسك لا أَعُو مَنْ ذا يكونُ أبانُوا سِكَ إِن قتلتَ أبا نواسِك ٣ ١ هـ : مزدحمين. ٢ ديوانه : ١٠٧ . ٣ قوله : ومن شعره الفائق حتى هذا الموضع لم يرد في المسودة، وعند موضعه علامة تحويل. ٩٩ وله معه وقائع كثيرة . [حدث أحمد بن معاوية الباهلي عن عطاء الملك قال: دخلنا المسجد الجامع فإذا على السارية - مكتوب بخط جليل - التي إليها أبو عبيدة يجلس : صلى الإله على لوطٍ وشيعته أبا عبيدة قل بالله آمينا قال : فقال لي أبو عبيدة : امحه ، قلت : لا أناله ، فركع وارتفعت على ظهره حتى محوته فقلت : لم يبقَ إلا الطاء ، فقال : الطامة في الطاء ، فمحوتها ، فلما جلس قال : والله ما أَتهم بهذا إِلا الخبيث الماجن المتهتك - يعني أبا نواس - ؛ قال : فبلغ قوله أبا نواس ، فحلف أنه لم يفعل ذلك ، فقبل يمينه . وكان أبو عبيدة يحب أبا نواس ويقدمه لظرفه وأدبه ، وكان أبو نواس يتعلم من أبي عبيدة ويشنأ الأصمعي ويهجوه ، فقيل له : ما تقول في الأصمعي ؟ فقال : بلبل في قفص ؛ قيل : فما تقول في خلف الأحمر ؟ قال : جمع العلم وفهمه ؛ قيل : فما تقول في أبي عبيدة ؟ قال: ذاك أديم طوي على علم]١. [وكان بمصر رجل يُعرف بالحسن بن عمر الأجهري يقول الشعر الضعيف، وكان ناقص العقل، فقيل له: إن أردت أن يعلو شأنك في الشعر فاهجُ أبا نواس، فأتاه وهو جالس في المجلس والناس حوله فأنشده : ألا قل للنواسي الضـ عيف الحال والقدر خبرنا منك أحوالاً فلم تحمدك في الخبر وما روعت بالمنظ ولكن رعت بالكدر قال : وكان هذا الشاعر من أوحش الناس صورة ، فنظر إليه أبو نواس وقال : بمَ أهجوك وبأي شيء أصفك وقد سبقني الله تعالى إلى توخُّش منظرك وتقبيح مخبرك ؟ وهل أكون إن قلت شيئاً إلا سارقاً من ربي ومتكلفاً ١ زيادة من ر ص . ١٠٠