النص المفهرس
صفحات 41-60
طاعة الله واستكنّ إلى حرم الله، ولو كان شيء مانعاً للقضاء لمنعت آدمَ حرمةُ الجنة لأن الله تعالى خلقه بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته واباحه جَنَّتَه ، فلما كان منه ما كان أخرجه من الجنة بخطيئته ، وآدمُ أكرم على الله من ابن الزبير ، والجنة أعظم حرمة من الكعبة ، فاذكروا الله يذكركم ، ونزل . قال مالك بن دينار : ربما سمعت الحجاج يذكر ما صنع به أهل العراق وما صنع بهم فوقع في نفسي أنهم يظلمونه لبيانه وحسن تخلصه الحجج . قال القاضي المعافى بن زكريا في كتاب ((الجليس والأنيس)): حدث الزبير ابن بكار عن الزهري قال : لما ولي الحجاج بن يوسف الحرمين بعد قتل عبد الله ابن الزبير استحضر إبراهيم بن طلحة بن عبيد الله وقرَّبه في المنزلة ، فلم يزل على حاله عنده حتى خرج إلى عبد الملك زائراً له فخرج معه فعادله لا يترك في بره وإجلاله وتعظيمه شيئاً ، فلما حضر باب عبد الملك حضر به معه ، فلما دخل على عبد الملك لم يبدأ بشيء بعد السلام إلا أن قال: قدمت عليك يا أمير المؤمنين برجل الحجاز لم أدع له والله فيها نظيراً في كمال المروءة والأدب والرئاسة والديانة والستر وحسن المذهب والطاعة والنصيحة مع القرابة ووجوب الحق ، إبراهيم ابن طلحة بن عبيد الله ، وقد أحضرته بابك ليسهل عليه إذنك وتلقاه ببشرك وتفعل به ما يُفعل بمثله ممن كانت مذاهبه مثل مذاهبه ، فقال عبد الملك : ذكرتنا حقاً واجباً ورحماً قريبة ؛ يا غلام ايذن لإبراهيم بن طلحة ، فلما دخل قرَّبه حتى أجلسه على فراشه ثم قال له : يا ابن طلحة إن أبا محمد أذكرنا ما لم نزل نعرفك به من الفضل والأدب وحسن المذهب مع قرابة الرحم ووجوب الحق، فلا تدعنَّ حاجة من خاصّ أمرك ولا عامه إلا ذكرتها، قال: يا أمير المؤمنين ، إن أولى الامور أن تفتح بها الحوائج وترجى بها الزلف ما كان لله عز وجل رضَّى ولحقّ نبيّه صلى الله عليه وسلم أداء ولك فيه ولجماعة المسلمين نصيحة، وان عندي نصيحة لا أجد بدّاً من ذكرها ولا يكون البوح بها إلا وأنا خالٍ فأخلِنِي تردْ عليك نصيحتي ، قال : دون أبي محمد ؟ قال : نعم ، قال: قم يا حجاج ، فلما جاوز الستر قال : قل يا ابن طلحة نصيحتك ، قال : الله يا أمير المؤمنين، قال: الله، قال: إِنك عمدت إلى الحجاج مع تغطرسه وتعجرفه ٤١ وبعده عن الحق وركونه إلى الباطل فوليته الحرمين وفيهما من فيهما وبهما من بها من المهاجرين والأنصار والموالي المنتسبة الأخيار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبناء الصحابة يسومهم الخسف ويقودهم العسف ويحكم فيهم بغير السنة ويطؤهم بطغام من أهل الشام ورعاع لا رويّة لهم في إقامة حق ولا إزاحة باطل ، ثم ظننت أن ذلك فيما بينك وبين الله ينجيك وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم يخلصك إذا جاناك للخصومة في أمته ؟ أما والله لا تنجو هناك إلا بحجة تضمن لك النجاة فأبق على نفسك أو دَعْ ، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته ، فاستوى عبد الملك جالساً وكان متكئاً فقال : كذبت لعمر الله ومنت ولؤمت فيما جئت به ، قد ظن بك الحجاج ما لم يجده فيك وربما ظن الخير لغير أهله ، قم فأنت الكاذب المائن الحاسد ، قال: فقمت والله ما أُبصر طريقاً؛ فلما خلفت الستر لحقني لاحقٌ من قبله فقال الحاجب : أحبس هذا الرجل وأدخل أبا محمد الحجاج ، فلبثت مليّاً وأنا لا أشك أنهما في أمري ، ثم خرج الآذن فقال : قم يا ابن طلحة فادخل ، فلما كشف لي الستر لقيني الحجاج وأنا داخل وهو خارج ، فاعتنقني وقبَّل ما بين عينيّ ثم قال: إذا جزى الله المتآخيين بفضل تواصلهما فجزاك الله أفضل ما جزى به أخاً ، فوالله لئن سلمت لك لأرفعنَّ ناظرك ولأعلين كعبك ولاتبعن الرجال غبار قدميك ، قال : فقلت: يهزأ بي ، فلما وصلت إلى عبد الملك أدناني حتى أجلسني في مجلسي الأول ثم قال : يا ابن طلحة لعلَّ أحداً من الناس شاركك في نصيحتك ، قال : قلت : لا والله ولا أعلم أحداً كان أظهر عندي معروفاً ولا أوضح يداً من الحجاج ، ولو كنت محابياً أحداً بديني لكان هو ولكني آثرت الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم والمسلمین ، ولو أردت الدنيا لكان لي في الحجاج أمل، فقال: قد علمت ذلك، وقد أزلت الحجاج عن الحرمين لما كرهت من ولايته عليهما وأعلمته أنك استنزلتني له عنهما استصغاراً ووليته العراقين لما هناك من الأمور التي لا يرحضها إلا مثله وأعلمته أنك استدعيتني إلى التولية له عليهما استزادة له ليلزمه من ذمامك ما يؤدي به عني إليك أجر نصيحتك ، فاخرج معه فإنك غير ذامّ صحبته مع تقريظه إياك ويدك عنده ، قال : ٤٢ ٠٫ فخرجت على هذه الجملة ] . [وروي عن محمد بن المنتشر بن الأجدع الهمداني قال: دفع إلى الحجاج ازارمرد ابن الهربذ وأمرني أن أستخرج منه وأغلظ عليه ، فلما انطلقت به قال لي : يا محمد إن لك شرفاً وديناً وإني لا أعطي على القسر شيئاً وارفق بي ، قال : ففعلت ، فأدى إليّ في أسبوع خمسمائة ألف ؛ قال : فبلغ ذلك الحجاج فأغضبه فانتزعه من يدي ودفعه إلى رجل كان يتولى له العذاب فدقّ يديه ورجليه فلم يعطهم شيئاً ؛ قال محمد بن المنتشر : فإني لأمرّ يوماً في السوق فإذاً به معروضاً على حمار مدقوق اليدين والرجلين ، فخفت الحجاج إن أتيته وتذمت فملت إليه فقال لي : إنك وليت مني ما وني هؤلاء فأحسبت وإنهم صنعوا بي ما ترى ولم أعطهم شيئاً، وهاهنا خمسمائة ألف درهم عند فلان فخذها فهي لك ، قال: فقلت: ما كنت لآخذ منك على معروفي أجراً ولا لأرزأك على هذه الحال شيئاً، قال : فأما إذا أتيت فاستمع أحدثك؛ حدّثني بعض أهل دينك عن نبيك صلى الله عليه وسلم قال : إذا رضي الله عن قوم أمطرهم المطر في حينه ، وجعل المال عند سمحائهم واستعمل عليهم خيارهم ، وإذا سخط عليهم استعمل عليهم شرارهم ، وجعل المال عند بخلائهم وأمطرهم المطر في غير حينه ؛ قال : فانصرفت فما وضعت ثوبي حتى أتاني رسول الحجاج فأمرني بالمصير إليه ، فألفيته جالساً على فرشه والسيف منتضى بين يديه ، فقال : ادنُ، فدنوتُ شيئاً، ثم قال: ادنُ، فدنوت شيئاً،" ثم صاح الثالثة: ادنُ لا ابا لك، فقلت: والله ما بي إلى الدنوّ من حاجة وفي يد الأمير ما أرى، فأضحك الله سنه وأغمد عني سيفه فقال لي : اجلس ، ما كان من حديث الأمس ؟ فقلت : والله أيها الأمير ما غششتك منذ استنصحتني ولا كذبتك منذ ستخبرتني ولا خنتك منذ ائتمنتني ، ثم حدثته الحديث ، فلما صرت إلى ذكر الرجل الذي عنده المال أعرض عني بوجهه وأومأ إليّ بيده ثم قال : لا تتمه ، ثم قال : إِن للخبيث نفساً وقد سمع الأحاديث . ويقال : كان الحجاج إذا استغرب ضاحكاً والى بين الاستغفار ، وإذا صعد المنبر تلفع بمطرفه ثم تكلم رويداً فلا يكاد يُسمع ثم يتزيد في الكلام حتى يخرج ٤٣ يده من مطرفه ويزجر الزجرة فيفزع بها من في أقصى المسجد ؛ وكان يطعم كل يوم على ألف مائدة على كل مائدة ثريد وطرف من شواء وسمكة طرية ويطاف به في محفة على تلك الموائد ليتفقد أمور الناس ، وعلى كل مائدة عشرة ، ثم يقول : يا أهل الشام اكسروا الخبز لثلا يعود عليكم ؛ وكان له ساقيان أحدهما يسقي الماء والعسل والآخر يسقي اللبن . ولما دخل الحجاج إلى مكة اعتذر إلى أهلها لقلة ما وصلهم به ، فقال قائل منهم : إنا والله لا نعذرك وأنت أمير العراقين وابن عظيم القريتين ، وذلك أن عروة بن مسعود ولده من قِبَل أمه ، والقريتان مكة والطائف . أمر الحجاج ابن القرّيّة أن يأتي هند بنت أسماء فيطلقها بكلمتين ويمتعها بعشرة آلاف درهم، فأناها فقال لها: إن الحجاج يقول لك كنت فبنت ، وهذه عشرة آلاف درهم متعة لك ، فقالت : قل له كنا فما حمدنا وبنا فما ندمنا ، وهذه الدراهم مشار كتك إياي بطلاقي١ ]. [ووفد الحجاج على الوليد بن عبد الملك في خلافته فوجده في بعض نزهه فاستقبله ، فلما رآه ترجل له وقبّل يده وجعل يمشي وعليه درع وكنانة وقوس عربية ، فقال له الوليد : اركب أبا محمد، فقال: يا أمير المؤمنين دعني أستكثر من الجهاد في خدمتك فإن ابن الزبير وابن الأشعث شغلاني عنه ، فعزم عليه الوليد حتى ركب . ودخل الوليد داره فتغلل في غلالة ثم أذن للحجاج فدخل في حاله تلك وأطال الجلوس عنده إذ جاءت جارية فاررته وانصرفت ، فقال الوليد للحجاج : أتدري ما هذا أبا محمد ؟ قال : لا والله ، قال : بعثت ابنة عمي أم البنين بنت عبد العزيز تقول : ما مجالستك هذا الأعرابي المستلم في السلاح وأنت في غلالة ، فأرسل إليها إنه الحجاج ، فراعها ذلك وقالت : والله ما أُحب أن يخلو بك وقد قتل الخلق ، فقال الحجاج : يا أمير المؤمنين دع عنك مفاكهة النساء بزخرف القول، فإنما المرأة ريحانة وليست بقهرمانة ، فلا تطلعهن على سرك ولا مكايدة عدوك ولا تطمعهن في غير أنفسهن ولا تشغلهن بأكثر من ١ قوله: وروي عن محمد بن المنتشر حتى قوله («بطلاقي»: انفردت بهذا النص كله النسخة د . ٤٤ ، ١٨ زينتهن وإياك ومشاورتهن ، وأكثَرَ من ذلك . ثم نهض الحجاج فخرج ودخل الوليد على أم البنين فأخبرها بمقالة الحجاج فقالت : أُحب أن تأمره غداً بالتسليم علي ، قال : أفعل . فلما غدا الحجاج على الوليد قال له : يا أبا محمد صر إلى أم البنين فسلّم عليها، فقال: اعفني من ذلك يا أمير المؤمنين ، قال : لا بدَّ منه ؛ فمضى الحجاج إليها فحجبته طويلا ثم أذنت له وتركته قائماً ولم تأذن له في الجلوس ثم قالت : إيه يا حجاج ، أنت الممتن على أمير المؤمنين بقتل ابن الزبير وابن الأشعث ؟ أما والله لولا أن الله علم أنك أهون خليقته ما ابتلاك برمي الكعبة وقتل ابن ذات النطاقين ؛ فأما ابن الأشعث فقد والله والى عليك الهزائم حتى لذت بأمير المؤمنين عبد الملك فأغائك بأهل الشام وأنت في أضيق من القرن فأظلتك رماحهم ولطالما نفض نساء أمير المؤمنين المسك عن غَدائرهن وبعنه في الأسواق حتى أخرج في أرزاق البعوث إليك ، ولولا ذلك لكنت أذل من البقة، وأما ما أشرت به على أمير المؤمنين من ترك لذاته والامتناع عن بلوغ أوطاره من نسائه فإنه غير قابل منك ولا مصغٍ إلى نصيحتك ، فإن كنّ يفرجن عن مثلك فما أولاه بالقبول منك ؛ ثم قالت لجواريها : أخرجوه عني ، فدخل على الوليد من فوره فقال: يا أبا محمد ، ما كنت فيه ؟ قال : والله يا أمير المؤمنين ما سكتت حتى كان بطن الأرض أحب إلي من ظهرها ، فضحك الوليد حتى فحص برجليه ثم قال : يا أبا محمد انها ابنة عبد العزيز . وقيل إن أم البنين المذكورة كانت تهوى وضاح اليمن الشاعر ، وكان جميلاً، وكانت ترسل إليه فيدخل إليها ويقيم عندها ، وإذا خافت وارته في صندوق عندها وأقفلت عليه ؛ وهو القائل : حَتّامَ نكتم حزننا حتّاما وعلامَ نستبقي الدموع علاما واجبر بها الأرمال والأيتاما يا ربّ أمتعني بطول بقائها تخشى وتشفق أن يكون حماما قد أصبحت أم البنين مريضة فدخل الخادم إليها مفاجأة فرأى وضاحاً عندها فأدخلته الصندوق وأقفلت عليه ، فطلب منها الخادم حجراً نفيساً كان يعرفه عندها فمنعته إياه بخلاً به ، ٤٥ فمضى وأخبر الوليد بالحال ، فقالت له : كذبت يا ابن الفاعلة ، ثم جاء الوليد إلى أم البنين فدخل وهي جالسة في ذلك البيت تمشط رأسها ، وكان الخادم قد وصف له الصندوق، فجلس الوليد فوقه ثم قال : يا أم البنين ما أحب هذا البيت إليك دون البيوت ، فلمَ اخترتهِ ؟ قالت : لأنه مجمع حوائجي كلها فأنا أتناولها منه من قريب ، فقال : هي لي صندوقاً من هذه الصناديق ، فقالت : كلها . بحكمك يا أمير المؤمنين ، فقال : إنما أريد واحداً منها ، فقالت : خذ أيها شئت ، فقال : هذا الصندوق الذي تحقيٍ ، فقالت : غيره أحب إليك منه فإن لي فيه أشياء أحتاج إليها ، فقال : ما اريد سواه ، فقالت : خذه، فدعا بالخدم وأمرهم بحمله حتى انتهى إلى مجلس فوضعه فيه ثم دعا عبيداً له عجماً وأمرهم بحفر بئر في المجلس فحفرت إلى الماء ، ثم دعا بالصندوق فوضعه على شغير البئر ودنا منه وقال : يا صاحب الصندوق إنه بلغنا شيء إن كان حقاً فقد دفنّاك ودفنا ذكرك إلى آخر الدهر ، وإن كان باطلاً فإنما دفنًا الخشب وما أهون ذلك . ثم قذف به في البئر وهيل عليه التراب وسويت الأرض ورد البساط عليه ، فما رُؤي الوضاح بعد ذلك اليوم ولا أبصرت أم البنين في وجه الوليد غضباً حتى فرق الموت بينهما . وقيل : حضر بساط الحجاج رجل تعيّن عليه القتل وحضر أهل القود بحضوره ، فلما فرش النطع وسل السيف اتفق أن ملأ عينه في حاله تلك فرأى بريق السيف ولمعان برق فاستنظر ثم أنشد مرتجلً : تألق البرق من نجد فقلت له يا أيها البرق إني عنك مشغول يكفيك ما قد ترى من ثائر حنق في كفه كصبيب الماء مسلول فلما رأى الحجاج ما كان من حضور ذهنه وجودة شعره عطف عليه إشفاقاً له وعرض على طالبيه أن يؤدي عنه ديته ، فجعلوا يأبون وجعل يتولج في تحليل القصة ويتدرج في تنفيس الدية حتى بذل لهم دية ملك ، فلما أبوا وعتوا قال لحرسه : فكوا قيده وخلوا سبيله فإن من لم ينسَ أحبته في هذا المقام لجدير أن لا يُقتل . ٤٦ وقيل : أخذ الحجاج أعرابياً سَرَق فأمر بضربه فضرب ، فكلما ضربه بالسوط قال : اللهم شكراً ، فأتاه ابن عم له وقال : والله ما دعا الأمير إلى التمادي في ضربك إلا لكثرة شكرك لأن الله تعالى يقول: ﴿ولئن شكرتم لأزيدنكم﴾ ( إبراهيم : ٧) فأمر بإطلاقه. وحدث١ محمد بن القاسم الأنباري عن المدائني عن مولى لعنبسة بن سعيد بن العاص قال : كنت أدخل مع عنبسة إذا دخل على الحجاج ، فدخل يوماً ودخلت معه وليس عند الحجاج أحد غير عنبسة فقعدت ، فجيء الحجاج بطبق رطب فأخذ الخادم منه شيئاً فجاءني به ، ثم جيء بطبق آخر فأتاني الخادم منه بشيءٍ ، ثم جيء بطبق آخر حتى كثرت الأطباق ، وجعل لا يأتون بشيء إلا جاءني منه بشيء حتى ظننت أن ما بين يديّ أكثر مما عندهم؛ ثم جاء الحاجب فقال : امرأة بالباب ، فقال الحجاج: أدخلها ، فدخلت ، فلما رآها الحجاج طأطأ رأسه حتى ظننت أن ذقنه قد أصاب الأرض ، فجاءت حتى قعدت بين يديه، فنظرتُ فإذا امرأة حسنة الخلق ومعها جاريتان لها فإذا هي ليلى الأخيلية ، فسألها الحجاج عن نسبها فانتسبت له ، فقال لها : يا ليلى ما الذي أتى بك ؟ قالت : إِخلاف النجوم وقلة الغيوم وكلب البرد وشدة الجهد وكنتَ لنا بعد الله الرفد ، فقال لها : صفي لنا الفجاج، فقالت: الفجاج مغبرّة والأرض مقشعرّة والمبرك معتلّ وذو العيال مختلّ والهالك للقلّ والناس مسنتون، رحمةَ الله يرجون ، قد أصابتنا سنون مجحفة مبلطة لم تدع لنا هُبَعاً ولا رُبَعاً ولا عافطة ولا نافطة ، أذهبت الأموال ومزقت الرجال وأهلكت العيال ؛ ثم قالت : إني قلت في الأمير قولاً ، قال : هاتي ، فأنشأت تقول : أحجاج لا يفلل سلاحك إنما الـ منايا بكفِّ الله حيث يراها أحجاج لا تعطي العداة مناهمُ ولا الله يعطي للعداة مُناها تَتَبَّعَ أقصى دائها فشفاها إذا نزل الحجاج أرضاً مريضة شفاها من الداء العضال الذي بها غلام إذا هزّ القناة سقاها ١ انظر أمالي القالي ١ : ٨٥ . ٤٧ سقاها فروّاها بشرب سجاله دماء رجال حيث مال حشاها أعدّ لها قبل النزول قراها إذا سمع الحجاج ذكر كتيبة بأيدي رجال يحلبون صراها · أعدّ لها مسمومة فارسية ببحرٍ ولا أرض يجف ثراها فما ولد الأبكار والعون مثله قال : فلما قالت هذا البيت قال الحجاج : قاتلها الله ، والله ما أصاب صفتي شاعر منذ دخلت العراق غيرها ، ثم التفت إلى عنبسة بن سعيد فقال: والله إني لأعدّ للأمر عسى أن لا يكون أبداً، ثم التفت إليها فقال : حسبك ويحك ، ثم قال : يا فلان ، اذهب بها إلى فلان فقل له : اقطع لسانها ، فأمر بإحضار حجّام ، فقالت : ثكلتك أمك ، أما سمعت ما قال ؟ إنما أمرك بقطع لساني بالبر والصلة، فبعث إليه فاستشاط الحجاج غضباً وهمّ بقطع لسانه فقال: ارددها، فلما دخلت عليه قالت : كاد والله أيها الأمير يقطع مقولي ، ثم أنشأت تقول : حجاج أنت الذي ما فوقه أحدُ إلا الخليفة والمستغفَر الصمدُ حجاج أنت شهاب الحرب إن لقحت وأنت الناس نور في الدجى يقدُ ثم أقبل الحجاج على جلسائه فقال : أتدرون من هذه ؟ قالوا : لا والله أيها الأمير ، إلا أننا لم نرَ امرأة قط أفصح منها لساناً ولا أحسن محاورة ولا أملح وجهاً ولا أرصن شعراً منها ، قال : هذه ليلى الأخيلية التي مات توبة الخفاجي من حبها ، ثم التفت إليها فقال : أنشدينا يا ليلى بعض ما قال فيكِ توبة ، فقالت : نعم أيها الأمير ؛ هو الذي يقول : حمامةً بطنِ الواديين ترنّي سقاكِ من الغرّ الغوادي مطيرها ولا زلتِ في خضراء غضٍ نضيرها أبيني لنا لا زال ريشكِ ناعماً فقد رابني منها الغداةَ سفورها وكنتُ إذا ما جئتُ لیلی تبرقعت بلى، كلُّ ما شفَ النفوسَ يضيرها يقول رجالٌ : لا يَضيرك نأيُها ويُمنَعَ منها نومها وسرورها بلى قد يضير العينَ أن تُكثرَ البكا وقد زعمت ليلى بأنيَ فاجرٌ لنفسي تُقاها أو عليها فجورها ٤٨ ٤٠ فقال الحجاج: يا ليلى ما رابه من سفورك؟ قالت : أيها الأمير كان يلم بي كثيراً فأرسل إلي : آتيكِ ، ففطن الحي به فترصدوا له ، فلما أتاني سفرت ، فعلم أن ذلك لشر فلم يزد على التسليم والرجوع ، فقال : لله دركِ هل رأيتٍ منه شيئاً تكرهينه ؟ قالت : لا والذي أسأله أن يصلحك ، غير أنه قال لي مرة قولاً ظننت أنه قد خضع لبعض الأمر فأنشأت أقول : وذي حاجةٍ قلنا له لا تبح بها فليس إليها ما حييتَ سبيلُ لنا صاحبٌ لا ينبغي أن نخونَهُ وأنت لأخرى صاحبٌ وخليلُ لا والله الذي أسأله أن يصلحك ما رأيت منه شيئاً حتى فرق الموت بيننا؛ قال : ثم من ؟ قالت : ثم لم يلبث أن خرج في غزاة فأوصى ابن عمه : إذا أتيتَ الحاضر من بني عبادة فنادٍ بأعلى صوتك : عفا الله عنها هل أبيتنَّ ليلةٌ من الدهر لا يسري إليَّ خيالها فخرجت وأنا أقول : وعنه عفا ربي وأحسن حالَهُ فعزَّ علينا حاجةٌ لا ينالها قال : ثم مه ؟ قالت : ثم لم يلبث ان مات، فأتى ناعيه؛ قال : فأنشدينا بعضَ مرائيكِ فيه ، فأنشدته : لِتَبَكِ العذارى من خفاجةَ نسوة بماء شؤونِ العبرةِ المتحدرِ قال : فأنشدينا قولك فيه : كأنّ فتى الفتيان توبةَ لم يُنِخْ قلائصَ يفحصن الحصى بالكراكرِ فأنشدته ، فلما فرغت من القصيدة قال محصن الفقعسي - وكان من جلساء الحجاج - : من هذا الذي يقال هذا فيه ؟ فوالله إني لأظنها كاذبة ، فنظرت إليه ثم قالت : والله أيها الأمير إن هذا القائل لو رأى توبة لسره ألا يكون في داره عذراء إلا وهي حامل منه ، فقال الحجاج : هذا وأبيكَ الجواب وقد ٤ - ٢ ٤٩ كنتَ عنه غنياً ؛ ثم قال لها : سلي يا ليلى تعطَي، قالت: أعطِ فمثلك أعطى فأحسن ، قال : لك عشرون، قالت : زِدْ فمثلك زاد فأجمل ، قال : لك أربعون ، قالت : زد فمثلك زاد فأفضل ، قال : لك ستون ، قالت : زد فمثلك زاد فأكمل ، قال : لك ثمانون ، قالت : زدْ فمثلك زاد فتمّم ، قال : لك مائة واعلمي يا ليلى أنها غنم ، قالت : معاذ الله أيها الأمير ، أنت أجود جوداً وأبجد مجداً وأورى زنداً من أن تجعلها غنماً ، قال: فما هي ويحك يا ليلى ؟ قالت : مائة ناقة برعائها، فأمر لها بها، ثم قال: ألك حاجة بعدها؟ قالت : نعم أيها الأمير ، تدفع إليّ النابغة الجعدي في قيد ، قال : قد فعلت ، وقد كان يهجوها وتهجوه ، فبلغ ذلك النابغة فخرج هارباً عائذاً بعبد الملك بن مروان فاتبعته إلى الشام فهرب إلى قتيبة بن مسلم بخراسان فاتبعته على البريد بكتاب الحجاج إلى قتيبة فماتت بقومس ، وقيل بحلوان . وكان الحجاج إذا سمع بنوح في دار هدمها، فلما مات ابنه وأخوه حنّ إلى النوح ، وكان يعجبه أن يسمعه ، وكان كثيراً ما يتمثل بهذا البيت : هل ابنكِ إِلا ابنٌ من الناس فاصبري فلن يُرْجِعَ الموتى حنينُ المآتم وكان يتمثل بهذا البيت أيضاً وهو : فإن تحتسب تؤجر" وإن تبكه تكن كباكيةٍ لم يُحْيِ مَيْتاً بكاؤها]١ وبالجملة فأخبار الحجاج كثيرة ، وشرحها يطول . وهو الذي بنى مدينة واسط وكان شروعه في بنائها في سنة أربع وثمانين للهجرة وفرغ منها في سنة ست وثمانين ، وإِنما سماها واسط لأنها بين البصرة والكوفة فكأنها توسطت بين هذين المصرين؛ وذكر ابن الجوزي في كتاب ((شذور العقود)) المرتب على السنين أنه فرغ من بنائها في سنة ثمان وسبعين ، وكان قد ابتدأ من سنة خمس وسبعين، والله أعلم . ولما حضرته الوفاة أحضر منجّماً فقال له: هل ترى في علمك ملكاً يموت؟ ١ إلى هنا ينتهي هذا النص الطويل الذي انفردت به ص ر وشاركت في بعضه النسخة د. ٥٠ قال : نعم ، ولستَ هو ، فقال : وكيف ذلك ؟ قال المنجّم : لأن الذي يموت اسمه كُلَيب ، فقال الحجاج : أنا هو والله ، بذلك كانت سمتني أُمي ، فأوصى عند ذلك . ويشبه هذا١ قول الداعي علي بن محمد بن علي الصليحي٢ - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى - وهو الذي كان داعياً باليمن وملك البلاد اليمنية كلها وقهر ملوكها ، حتى قدَّر الله انقضاء مدته ، فخرج من صنعاء إلى مكة على عزم الحج في سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة٣ ، حتى إذا كان بالمهجم ونزل بظاهرها بضيعة يقال لها أُم الدهيم وبئر أُم معبد أدركه فيها على حين غفلة سعيد بن نجاح الأحول الذي كان أبوه صاحب تهامة ، وقتله الصليحي وأخذ مملكته ، وهرب منه أولادُه سعيدٌ المذكور وإخوته، وكان سعيد في قُلّ ممن تابعه حتى دخل مُخَيَّمَ الصليحي ، والناس يعتقدون أنه من جملة العسكر وحواشيه ، فلم يشعر بأمرهم إلا عبد الله بن محمد أخو الصليحي ، فركب وقال لأخيه : يا مولانا اركب ، فهو والله الأحول بن نجاح ، والعدد الذي جاءنا به كتاب أسعد بن شهاب البارحة من زبيد ، فقال الصليحي لأخيه : طِبْ نفساً فإني لا أموت إلا بالدهيم وبئر أم معبد، معتقداً أنها أُم معبد الخزاعية التي نزل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم حين هاجر ومعه أبو بكر رضي الله عنه - وهي بين مكة والمدينة مما يلي مكة بالقرب من الجُحفَة - فقال له بعض أصحابه : قاتل عن نفسك ، فوالله هذا هو بئر الدهيم بن عيسى ، وهذا المسجد موضع خيمة أم معبد بن الحارث العبسي ، فأدركه لما سمع ذلك زَمَعُ اليأس من الحياة ، فلم يَرِمِ مكانه، وقتل لوقته هو وأخوه وأهله ، وملك سعيد الأحول عسكره وملكه؛ . (14) وهذا سعيد الأحول هو أخو الملك جياش المشهور الفاضل، وأبوه نجاح ١ هذا الاستطراد لم يرد في المخطوطات التي اعتمدناها، وإنما ثبت في المطبوعات، وسيذكر المؤلف طرفاً منه في ترجمة الصليحي فيما بعد . ٢ تجد تفصيلاً لأخباره في كتاب («الصليحيون)» الهمداني وحسن محمود ٦٢ - ١١٢. ٣ رجح مؤلفا كتاب «الصليحيون)» أن وفاته كانت سنة ٤٥٩، وانظر تاريخ عمارة اليمني: ٥٥. ٤ وردت هذه القصة في تاريخ عمارة : ٩٣ - ٩٤. ٥١ الملك كان عبداً لمرجان الملك، وكان عبداً لحسين بن سلامة مولى الأستاذ رشد الحبشي ، وكان الحسين ورشد قبله كل منهما هو صاحب الأمر والملك في المعنى وفي الصورة كالوزير عن آخر ملوك بني زياد باليمن وهو طفل من أولاد أبي الجيش إسحاق بن إبراهيم بن محمد بن زياد يقال له عبد الله ، وقيل إبراهيم ، وقيل زياد ، وهو الذي انقرضت دولتهم به على يد عبد يقال له قيس مولى مرجان المذكور، وسببه أن الطفل المذكور لما مات أبوه أبو الجيش كفَلَه مولاه مرجان المذكور وعمة للطفل، وكان لمرجان عبدان أحدهما نجاح أبو سعيد والآخر قيس١، فغلبا على أمره، وكان قيس يحكم بالحضرة ونجاح يتولى أعمال الكدراء والمهجم وأعمالاً أخرى غيرها، ووقع التنافس بين قيس ونجاح على وزارة الحضرة ، وكان قيس غشوماً ظالماً ونجاح رؤوفاً عادلاً ، فاتهم قيس عمة ابن زياد بالميل عليه إلى نجاح ، فقبض عليها وعلى ابن أخيها مرجانٌ مولاه لأجل شكوى قيس إليه منهما وسلمهما إلى قيس ، فبنى عليهما حائطين ، وهما قائمان بالحياة يناشدانه الله أن لا يفعل ، فهلكا سنة سبع وأربعمائة ، ونمي ذلك إلى نجاح ، فسار للأخذ بثأرهما، وحارب قيساً وجرت بينهما أمور أسفرت عن ظفر نجاح بقيس وملكه الحضرة . وقتل قيس في بعض الوقائع على باب زبيد ، ولما فتح نجاح زبيد وهي حضرة الملك يومئذ في سنة اثنتي عشرة وأربعمائة ، قال لمرجان مولاه : ما فعل مواليك وموالينا؟ قال : هم في ذلك الحائط ، فأخرجها وصلّى عليهما ودفنهما في مَشْهَدٍ بناه لهما وجعل مرجاناً موضعهما ، وبنى عليه الحائط حتى هلك. ومات نجاح المذكور بالسم بجيلة تمت عليه مع جارية أهداها له الصليحي المذكور في الكدراء سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة . ولما مات نجاح كتب الصليحي في سنة ثلاث وخمسين إلى المستنصر صاحب مصر يستأمره في إظهار الدعوة لهم فأمره فخرج وكان منه ما كان ، والله أعلم . وكان الحجاج ينشد في مرض موته هذين البيتين، وهما لعبيد بن سفيان العُكْلي٢: ١ في تاريخ عمارة (١٣٦): نفيس، وفي أصل النسخة ((قيس)). وشرح الخبر كله في المصدر المذكور . ٢ انظر تهذيب ابن عساكر ٤ : ٨٢. ٥٢ يا ربِّ قد حلفَ الأعداءُ واجتهدُوا أيمانَهُمْ أنني من ساكني النّارِ أيَحلِفُون على عمياء ويَحَهُمُ ماظَنُهم بقديم العَفْوِ غَفَّارِ وكتب إلى الوليد بن عبد الملك كتاباً يخبره فيه بمرضه ، وكتب في آخره : إذا ما لقيتُ الله عَنْيَ راضياً فإنّ سرورَ النفس فيما هنالك وحسبي بقاء الله من كل هالك فحسبي حياة الله مِنْ كل ميِّتٍ ونحنُ نذوق الموت من بعد ذلك لقد ذاقَ هذا الموت مَن كان قَبْلنا وكان مرضه بالأكلة وقعت في بطنه ، ودعا بالطبيب لينظر إليها ، فأخذ لحما وعلقه في خيط وسَرَّحه في حلقه وتركه ساعة ثم أخرجه وقد لصِقَ به دود كثير . وسلط الله تعالى عليه الزمهرير، فكانت الكوانين تجعل حوله مملوءة ناراً وتدنى منه حتى تحرق جلده وهو لا يحس بها ؛ وشكا ما يجده إلى الحسن البصري رضي الله عنه فقال له: قد كنتُ نهيتُكَ ألاً تتعرض إلى الصالحين فلججت ، فقال له : يا حسن ، لا أسألك أن تسأل الله أن يفرج عني ، ولكني أسألك أن تسأله أن يعجل قَبْضَ روحي ولا يطيل عذابي ، فبكى الحسن بكاء شديداً . وأقام الحجاج على هذه الحالة بهذه العلة خمسة عشر يوماً، وتوفي في شهر رمضان ، وقيل في شوال سنة خمس وتسعين للهجرة وعمره ثلاث ، وقيل أربع وخمسون سنة ، وهو الأصح . وقال الطبري في تاريخه الكبير : توفي الحجاج يوم الجمعة لتسع بقين من شهر رمضان سنة خمس وتسعين، وقال غير الطبري١: لما جاء موت الحجاج إلى حسن البصري سجد لله تعالى شكراً، وقال: اللهم إنك قد أَمتّه فأمت عنا سُنْتَه. وكانت وفاته بمدينة واسط ودفن بها ، وعُفي قبره وأُجري عليه الماء ، رحمه الله تعالى وسامحه . وكان قد رأى في منامه أن عينيه قُلعتا ، وكانت تحته هند بنت المهلب بن أبي صُفرة الأزدي - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى - وهند بنت أسماء بن ١ خبر سجود الحسن عند موت الحجاج ورد في العقد ه : ٤٩. ٥٣ خارجة ، فطلق الهندين اعتقاداً منه أن رؤياه تتأول بها ، فلم يلبث أن جاءه نعيُّ أخيه محمد من اليمن في اليوم الذي مات فيه ابنه محمد ، فقال : والله هذا تأويل رؤياي ، محمد ومحمد في يوم واحد، إنا لله وإنا إليه راجعون ، ثم قال : مَنْ يقول شعراً يُسْليني به ؟ فقال الفرزدق١: إن الرَّزيَّةَ لا رزيَّةَ مثلها فِقِدانُ مثلِ محمدٍ ومُحَمَّدٍ مَلَكان قد خَلَتِ المنابر منهما أخذ الحِمامُ عليهما بالمرصدِ (15) وكانت وفاة أخيه محمد لليال خلت من رجب سنة إحدى وتسعين للهجرة ، وهو والي اليمن ، فكتب الوليد بن عبد الملك إلى الحجاج يعزيه ، فكتب الحجاج جوابه: ((يا أمير المؤمنين، ما التقيت أنا ومحمد منذ كذا وكذا سنة إلا عاماً واحداً، وما غاب عني غيبة أنا لقرب اللقاء فيها أرجى من غيبته هذه في دار لا يتفرق فيها مؤمنان )) . ومُعَتِّب : بضم الميم وفتح العين المهملة وتشديد التاء المثناة من فوقها وكسرها وبعدها الباء الموحدة . والثقفي - بفتح الثاء المثلثة والقاف وبعدها الفاء - هذه النسبة إلى ثقيف ، وهي قبيلة كبيرة مشهورة بالطائف . ١٥٠ حجاج بن أرطاة حجاج بن أرطاة أبو أرطاة النخعي الكوفي ؛ سمع عطاء بن أبي رباح وغيره ، وروى عنه الثوري وشعبة وحماد بن زيد وهشيم وابن المبارك وزيد بن هارون ، ١ انظر العقد : ٤٨ وفيه شعر آخر للفرزدق . ١٥٠ - ترجمة حجاج بن أرطاة في شذرات الذهب ١: ٢٢٩، قال أحمد: لا يحتج به؛ خرج له = ٥٤ ٠ وكان من حُفّاظ الحديث ومن الفقهاء ، واستفتي وهو ابن ست عشرة سنة ، وؤلي القضاء بالبصرة إلا أنه كان مدلساً عمّن لم يلقه فيرسل ثارة عن مجاهد وثارة عن الزهري ولم يلقهما. قال أبو العباس المبرد في ((الكامل))! [وغيره]: وخبرت أن قاصاً كان يكثر الحديث عن هرم بن حيان، فاتفق هرم معه مرة في المسجد وهو يقول : حدثنا هرم بن حيان ، فقال له : يا هذا أتعرفني ؟ أنا هرم بن حيان ما حدثتك من هذا بشيء قط ، قال له القاص : وهذا من عجائبك أيضاً؛ إنه ليصلي معنا في مسجدنا خمسة عشر رجلً اسم كل رجل منهم هرم بن حيان ، فكيف توهمت أنه ليس في الدنيا هرم بن حيان غيرك ؟ ويقرب من هذا أنه كان في الرقة قاص يكنى أبا عقيل يكثر من التحدث عن بني إسرائيل فنظن به الكذب ، فقال له يوماً الحجاج بن حنتمة : ما كان اسم بقرة بني إسرائيل ؟ قال : حنتمة ، فقال له رجل من ولد أبي موسى الأشعري : في أي الكتب وجدت هذا ؟ قال : في كتاب عمرو بن العاص ؛ انتهى كلام المبرد . وكان الحجاج بن أرطاة المذكور مع المنصور في وقت بناء مدينته وتولى خطها ونصب قبلة مسجدها ، وهو أول من ولي القضاء لبني العباس بالبصرة ، وكان فيه تيه كثير خارج عن الحد ؛ جاء يوماً إلى حلقة البتي فجلس في عرض الحلقة ، فقيل له : ارتفع إلى الصدر ، فقال : أنا صدر حيث كنت ؛ وقال أبو يوسف : كان الحجاج بن أرطاة لا يشهد جمعة ولا جماعة ويقول : أكره مزاحمة الأنذال . وقال عبد الملك بن عبد الحميد : حدثني أبي غير مرة قال : مكث الحجاج ابن أرطاة يتعيش من غزل أمة له كذا وكذا سنة ، وكأنه قال ستين سنة ، ثم أخرجه أبو جعفر المنصور مع ابنه المهدي إلى خراسان فقدم بسبعين مملوكاً . وقال : ربما رأيته - يعني الحجاج - يضع يده على رأسه ويقول: قتلني حب الشرف. = مسلم مقروناً بغيره؛ وقد خرج له الاربعة وابن حبان. وانظر تذكرة الحفاظ: ١٨٦ وقال: لم يخرج له البخاري، وقال: مات ظناً سنة تسع وأربعين ومائة؛ وميزان الاعتدال ١ : ٤٥٨، واتهمه الأصمعي بقبول الرشوة ، وذكر الذهبي أن وفاته كانت سنة ١٤٥ هـ ؛ وتاريخ بغداد ٨ : ٢٣٠؛ قلت: وقد انفردت بهذه الترجمة النسخ د ر ص. ١ الكامل ٢ : ٢٠٩. ٥٥ وكان حجاج بن أرطاة يقع في أبي حنيفة رضي الله عنه ويقول: إن أبا حنيفة لا يعقل لله عقلةً. وكان في أصحاب أبي جعفر وضمه إلى المهدي فلم يزل معه حق توفي في سنة خمسين ومائة بالري ، رحمه الله تعالى ، والمهدي بها يومئذ في خلافة أبي جعفر . وكان ضعيفاً في الحديث . ١٥١ ابن مسكين أبو عمر الحارث بن مسكين المصري مولى محمد بن زياد بن عبد العزيز بن مروان ؛ رأى الليث بن سعد وسأله وسمع سفيان بن عيينة الهلالي وعبد الرحمن ابن القاسم العتقي وعبد الله بن وهب القرشي وروى عنه كافة المصريين . وكان فقيهاً على مذهب مالك بن أنس رضي الله عنه ، وكان ثقة في الحديث ثبتاً ، حمله المأمون إلى بغداد في أيام المحنة وسجنه لأنه لم يجب إلى القول بخلق القرآن، فلم يزل ببغداد محبوساً إلى أن ولي جعفر المتوكل فأطلقه وأطلق جميع من كان في السجن . حدث الحارث ببغداد ورجع إلى مصر وكتب إليه المتوكل بعهده على قضاء مصر فلم يزل يتولاه من سنة سبع وثلاثين ومائتين إلى أن صرف في سنة خمس وأربعين . ولما خرج الحارث من بغداد إلى مصر اغتم عليه أبو علي ابن الجروي غمّاً شديداً ، فكتب إلى سعدان بن يزيد وهو مقيم بمصر يشكو ما نزل به من غم لفقد الحارث بن مسكين ، وكان كتب في أسفل كتابه : من كان يسليه نأيٌ عن أخي ثقةٍ فإنني غيرُ سالٍ آخرَ الأبدِ ١٥١ - انفردت نسختا ص ربهذه الترجمة . قلت: وانظر ترجمة الحارث بن مسكين في الكندي : ٤٦٧ - ٤٧٦ ورفع الاصر ١: ١٦٧ - ١٨٢ وطبقات السبكي ٢٤٩:١ وطبقات الشيرازي، الورقة : ٤٥ وتذكرة الحفاظ: ٥١٤ والشذرات ٢: ١٢١ وتاريخ بغداد ٨ : ٢١٦. ٥٦ ففرقت" بيننا الأقدارُ واضطربتْ بالوجد والشوقِ نارُ الحزنِ في الكبدِ فأجابه سعدان بن يزيد : أيها الشاكي إلينا وحشةً من حبيبٍ نأيُهُ عنه بعدْ يأنسُ المرءُ إذا المرءُ سعد حسبك الله أنيساً فيه كل أنسٍ بسواه زائلٌ وأنيسُ الله في عزّ الأبد وكانت ولادة الحارث بن مسكين في سنة أربع وخمسين ومائة ، وتوفي لثلاث بقين من ربيع الأول سنة خمسين ومائتين ، وصلى عليه يزيد بن عبد الله - أمير كان على مصر - وكبر عليه خمساً ، رحمه الله تعالى . ١٥٢ المحاسبي أبو عبد الله الحارث بن أسد المحاسبي البصري الأصل الزاهد المشهور ؛ أحد رجال الحقيقة١، وهو ممن اجتمع له علم الظاهر والباطن ، وله كتب في الزهد والأصول وكتاب ((الرعاية)) له ، وكان قد ورث من أبيه سبعين ألف درهم ، فلم يأخذ منها شيئاً ، قيل : لأن أباه كان يقول بالقدر ، فرأى من الورع أن لا يأخذ ميراثه ، وقال : صحت الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا يتوارث أهل ملتين شَتَّى))، ومات وهو محتاج إلى درهم . ١٥٢ - ترجمة الحارث المحاسبي في تهذيب التهذيب ٢: ١٣٤ وصفة الصفوة ٢: ٢٠٧ وطبقات السلمي: ٥٦ وحلية الأولياء ١٠: ٧٣ وميزان الاعتدال ١: ٤٣٠ وتاريخ بغداد ٨: ٢١١. وطبقات السبكي ٢ : ٣٧؛ والحاوث عدا الرعاية عدة مؤلفات منها : شرح المعرفة والمسائل في الزهد وغيره وآداب النفوس والبعث والنشور . ١ ر : الطريقة . ٥٧ ويحكى عنه أنه كان إذا مدّ يده إلى طعام فيه شبهة تحرك على إصبعه عِرْقٌ، فكان يمتنع منه . وسُئل عن العقل ما هو، فقال: نور الغريزة مع التجارب ، يزيد ويقوى بالعلم والحلم . وكان يقول : فقدنا ثلاثة أشياء : حسن الوجه مع الصيانة، وحسن القول مع الأمانة ، وحسن الإخاء مع الوفاء١ . وتوفي في سنة ثلاث وأربعين ومائتين ، رحمه الله تعالى . والمحاسبي : بضم الميم وفتح الحاء المهملة وبعد الألف سين مهملة مكسورة وبعدها باء موحدة . قال السمعاني٢ّ: وعرف بهذه النسبة، لأنه كان يُحاسب نفسه، وقال : كان أحمد بن حنبل رضي الله عنه يكرهه لنظره في علم الكلام وتصنيفه فيه، وهَجَره فاستخفى من العامة ، فلما مات لم يصلّ عليه إلا أربعة نفر . وله مع الجنيد بن محمد حكايات مشهورة . ١٥٣ أبو فراس ابن حمدان أبو فِراسٍ الحارثُ بن أبي العلاء سعيد بن حمدان بن حمدون الحمداني ابن عم ناصر الدولة وسيف الدولة ابني حمدان - وسيأتي تتمة نسبه عند ذكرهما إن شاء الله تعالى -؛ قال الثعالبي في وصفه٣: ((كان فَرْدَ؛ دهره، وشمس ١ في اللمع: ٢٤٦: ثلاث اذا وجدت متع بهن وقد فقدناهن: حسن القول مع الديانة ، وحسن الوجه مع الصيانة ، وحسن الاخاء مع الوفاء . ٢ انظر اللباب ٣ : ١٠٣. ١٥٣ - ترجمة أبي فراس الحمداني في اليتيمة ١: ٤٨ - ١٠٣ والمنتظم ٧: ٦٨ وتهذيب ابن عساكر ٣ : ٤٣٩ وزبدة الحلب ١: ١٥٧ وشذرات الذهب ٣: ٢٤؛ وانظر ديوانه : ٤٦٠ - ٤٧٩ حيث جمع المحقق ترجمات له من مصادر مختلفة . ٣ د : في كتاب اليقيمة . ٤ ج هـ : فريد . ٥٨ عصره ، أدباً وفضلاً ، وكرماً ومجداً ، وبلاغة وبراعة ، وفروسية وشجاعة ، وشعره مشهور سائر١، بين الحسن والجودة والسهولة والجزالة والعذوبة والفخامة والحلاوة ، ومعه رُواء الطبع وسِمَة الظَّرف وعزة الملك ، ولم تجتمع هذه الخلال قبله إلا في شعر عبد الله بن المعتز. وأبو فراس يُعَدُّ أشعر منه عند أهل الصنعة ونقَدَةِ الكلام . وكان الصاحبُ بن عباد يقول: بدىء الشعر بملك وخُتم بملك، يعني امرأ القيس وأبا فراس. وكان المتنبي يَشهد له بالتقدم والتبريز ويتحامى جانبه فلا ينبري لمباراته ولا يجترىء على مجاراته ، وإنما لم يمدحه ومدح مَن دونه من آل حمدانَ تهيباً له وإجلالاً ، لا إِغفالاً وإِخلالاً . وكان سيف الدولة يُعجَبُ جدّاً بمحاسن أبي فراس ويُمَيّزه بالإكرام على سائر قومه ويستصحبه في غزواته ويستخلفه في أعماله)). وكانت الروم٢ قد أسرته في بعض وقائعها ، وهو جريح قد أصابه سهم بقي نصلهُ في فخذه ، ونقلته إِلى خَرْ شَنَة ، ثم منها إلى قسطنطينية ، وذلك في سنة ثمان وأربعين وثلثمائة ، وفَداه سيف الدولة في سنة خمس وخمسين . قلت : هكذا قال أبو الحسن علي بن الزراد الديلمي ، وقد نسبوه في ذلك إِلى الغلط ، وقالوا : أُسر أبو فراس مرتين، فالمرة الأولى بمَغارة الكحل في سنة ثمان وأربعين وثلثمائة ، وما تعدَّوا به خرشنة ، وهي قلعة ببلاد الروم والفرات يجري من تحتها ، وفيها يقال : إنه ركب فرسه وركضه برجله ، فأهوى به من أعلى الحصن إلى الفرات ، والله أعلم ، والمرة الثانية أسره الروم على مَنْبج في شوال سنة إحدى وخمسين ، وحملوه إلى قسطنطينية . وأقام في الأسر أربع سنين ، وله في الأسر أشعار كثيرة مثبتة في ديوانه . وكانت مدينة منبج إقطاعاً له ، ومن شعره٣ : قد كنتَ عُدَّتِيَ التي أسْطو بها ويَدي إِذا اشْتَدَّ الزمانُ وساعِدي ... ...... ١ أ : شائع . ٢ انظر اليقيمة : ٧٥ . ٣ ديوانه: ٧٣ وهي مما كتبه لسيف الدولة حين سار هذا إلى ديار بكر وتخلف أبو فراس بالشام . ٥٩ فِرُمِيتُ مِنْكَ بضدّ ما أمُّلْتُهُ والمَرَءُ يَشْرَقُ بالزلالِ البارِدِ فصبرْتُ كالولد التقي لبره أغضى على ألم لضَرْبِ الوالِد وله أيضا١ً : أساء فزادتهُ الإساءة حُظوةٌ حبيبٌ على ما كان منه حبيبُ يَعُدُّ علَيَّ الواشيان٢ِ ذنوبهُ ومِن أينَ للوَجه الجميل٣ ذنوبُ وله أيضاً؛ : سكرْتُ منْ لحظهِ لا مِنْ مُدامَتهِ ومالَ بالنوْمِ عَنْ عيني تمايلِهُ فما السُّلاف دَهتني بلْ سَوالِفُهُ ولَا الشَّمولُ ازدَهتني بَلْ شمائله ألوَى بَعَزْميَ" أصداغٌ لُوينَ لهُ وغالَ قلبي بما٦ تحوي غلائله ومحاسن شعره كثيرة . وقتل في واقعة جرت بينه وبين موالي أُسرته في سنة سبع وخمسين وثلثمائة. ورأيت في ديوانه أنه لما حضرته الوفاة كان ينشد مخاطباً ابنته٧ : أبْنَيِّقِ لا تَجزَعيُ كلُّ الأنامِ إلى ذَهابٍ من خلف سِتِركِ والحجاب نُوحِي عَليّ بحسْرَةٍ فَعَيَيتُ عن رَدّ الجواب قولي إذا كلمتِني زَينُ الشبابِ أبو فِرا سٍ لم يُمَتَّعْ بالشباب ١ ديوانه : ٣٩ . ٢ الديوان : العاذلون . ٣ الديوان : المليح . ٤ ديوانه : ٣٠٢. ٥ ج : بصبري . ٦ ج : وغال عزمي ما . ٧ ديوانه : ٤٧ . ٨ الديوان : لا تحزني . ٦٠