النص المفهرس

صفحات 21-40

قال عبد الله بن المعتز : جاءني محمد بن يزيد النحوي فجرى ذكر أبي تمام فلم
يوفه حقه، فقال له رجلٌ من الكتاب كان في المجلس، ما رأيت أحداً أحفظ
لشعر أبي تمام منه : يا أبا العباس ، ضع يدك على من شئت من الشعراء ثم انظر
أيحسن أن يقول مثل ما قاله أبو تمام لأبي المغيث موسى بن إبراهيم الرافقي
يعتذر إليه :
لعمري لقد أقوت مغانيكمُ بعدي ومحت كما محت وشائع من بردٍ
وأنجدتمُ من بعد إتهام داركم فيا بمع أنجدني على ساكني نجدٍ
ثم مرّ فيها حتى بلغ إلى قوله في الاعتذار :
أتاني مع الركبان ظن ظننته لففتُ له رأسي حياءً من المجدِ
كريم متى أمدحه أمدحه والورى معي ومتى ما لمته لمته وحدي
حدث الصولي قال : كان أبو تمام إذا كلمه إنسان أجابه قبل انقضاء كلامه
كأنه قد علم ما يقول فأعد جوابه ، فقال له رجل : يا أبا تمام لم لا تقول من
الشعر ما يُعرَف ؟ فقال: وأنت لم لا تعرف من الشعر ما يقال ؟ فأفحمه .
وكان الذي قال له هذا أبو سعيد الضرير بخراسان ، وكان هذا من علماء الناس ،
وكان متصلاً بالطاهرية .
قال علي بن محمد بن عبد الكريم : لما صار إلينا أبو تمام مقدمه من مصر عمل
قصيدته التي أولها :
أرامة كنت مألف كل ريم
فاتصل خبرها بعتبة بن عُصي الذي يهجوه أبو تمام ، وهو كلبي من قضاعة ،
وكان أديباً شاعراً ، فأحب أن يسمع هذه القصيدة من أبي تمام فقال لمن حضر:
ايتوني به ، فجاءوا به فأنشده إياها ، فلما فرغ قال : أحسنت يا غلام على صغر
سنك ، فسكت أبو تمام وقال : يا عم أنشدني من شعرك ، فأنشده قصيدة ،
فلما فرغ قال : يا عم ما أحسنت على كبر سنك، فقال عتبة لبني عبد الكريم :
أخرجوا هذا من بلدنا فليس يصلح أن يقيم في بلدنا .
٢١

قال الصولي : ومن باب الجود قول أبي تمام :
وقامت قناةُ الدين واشتد كاهله
بیمن أبي إسحاق طالت يد الهدى
هو البحر من أيّ النواحي أتيته
دعاها لقبضٍ لم تجبه أنامله
تعوَّد بسط الكف حتى لو أنّه
وللبحتري في هذا المعنى :
فلجّتُهُ المعروف والجود ساحله *
لا يتعب النائل المبذول همتَهُ وكيف يُتْعِبُ عينُ الناظر النظرُ
وهذان البيتان لا غاية وراءهما .
قال١ ابن أبي دواد لأبي تمام: إن لك أبياتاً أُنشدتها فلو قلتها زاهداً أو
معتبراً أو حاثاً على طاعة الله تعالى لكنت قد أحسنت وبالغت ، فأنشدنيها ،
قال: ما هي ؟ قال: التي قافيتها ((فأدخلها))، فأنشده :
عني وقد طال ما استفتحت مقفلها
ما لي أرى الحجرة الفيحاء مقفلةً
وليس لي عملٌ زاكٍ فأدخلها
كأنها جنةُ الفردوس معرضة
حدث الصولي قال : دخل أبو تمام على أحمد بن أبي دواد فقال له : ما
أحسن هذا فمن أين أخذته ؟ قال : من قول الحاذق في الفضل بن الربيع :
وليس له بمستنكر أن يجمع العالم في واحد
وحدث الصولي عن الحسن بن وهب قال : لما أُدخل المازيار على المعتصم
وكان عليه شديد الغيظ قيل له : لا تعجل عليه فإن عنده أموالاً جمة ، فأنشد
بيت أبي تمام :
إِن الأسُود أُسود الغاب همتها يوم الكريهة في المسلوب لا السَّلَبِ
ثم قتله ؛ وكذلك جمال الدين بن رشيق أفق ببيت المتنبي في النصراني الذي سب
١ أخبار أبي تمام : ١٤٦.
٢٢

رسول الله صلى الله عليه وسلم أول ما ولي الملك الصالح مصر وهو :
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى حتى يراق على جوانبه الدم
فعمل بمقتضاه .
وحدث علي بن يحيى بن علي بن مهدي قال : كان المنجمون حكموا لما خرج
المعتصم إلى الروم بأنه لا يرجع من وجهه ، فلما فتح ما فتح وخرب عمورية في
شهر رمضان سنة ٢٢٣ وانصرف سالماً ، قال أبو تمام :
السيف أصدق انباءً من الكتبِ في حدّه الحدّ بين الجدّ واللعبِ
متونهن جلاء الشك والرِّيَب
بيض الصفائح لا سود الصحائف في
بين الخميسين لا في السبعة الشُّهُب
والعلمُ في شُهُبِ الأرماح لامعةً
وقيل إنه كرر إنشاد هذه القصيدة ثلاثة أيام فقال له المعتصم : لم تجلو علينا
عجوزك ؟ قال : حتى أستوفي مهرها يا أمير المؤمنين ، فأمر له بمائة وسبعين
ألف درهم عن كل بيت منها ألف .
قال الحسن بن وهب : دخل أبو تمام على محمد بن عبد الملك الزيات فأنشده
قصيدته التي أولها :
لهان علينا أن نقول وتفعلا
فلما بلغ إلى قوله :
ووالله لا آتيك إِلاَّ فريضةً وآتي جميع العالمين تنفُّلا
وليس امرءاً في الناس كنت سلاحه عشية يلقى الحادثات بأعزلا
فقال : أما والله ما أحب بمدحك مدح غيرك لتجويدك وإبداعك ولكن
تنقص مدحك ببذلك له لغير مستحقه ، فقال : لسان العذر معقول وإن كان
فصيحاً ، ومرّ في القصيدة فأمر له بخمسة آلاف درهم وكتب إليه بعد ذلك:
رأيتك سهل البيع سمحاً وإنما يغالي إذا ما ضن بالشيء بايعه
٢٣

فأما الذي هانت بضائع بيعه فيوشك أن تبقى عليه بضايعه
فأجابه أبو تمام :
أبا جعفرٍ إن كنت أصبحت تاجراً أساهل في بيعي له من أبايعه
فقد كنتَ قبلي شاعراً تاجراً به تساهل من عادت عليك منافعه
قال الصولي : لما كلم خالد بن يزيد ابن أبي دواد في أمر أبي تمام قال
أبو تمام بشكره :
لأشكرنك إن لم أُوتَ من أجلي شكراً يوافيك عني آخر الأبدِ
وإِن توردتُ من بحر البحور ندّى فلم أنل منه إلا غرفة" بيدي
قال محمد بن يزيد النحوي١: خرج أبو تمام إلى خالد بن يزيد وهو بأرمينية
فامتدحه فأمر له بعشرة آلاف درهم ونفقة لسفَره وأمره أن لا يقيم إن كان
عازماً على الخروج ، فودعه ومضت عليه أيام فركب يزيد ليتصيد فرآه تحت
شجرة وقدامه زكرة فيها نبيذ وغلام بيده طنبور فقال : حبيب ؟ قال :
خادمُكَ وعبدُكَ ، فقال له : ما فعل المال ؟ فقال :
علّمني جودك السماح فما أبقيتُ شيئاً لديَّ من صلتك
كأنّ لي قدرة كمقدرتك
ما مرّ شهرٌ حتى سمحت به
الساعة ما تجتبيه في سنتك
تنفق في اليوم بالهبات وفي
لا أنّ ربّي يمد في هبتك
فلست أدري من أين تنفق لو
فأمر له بعشرة آلاف درهم أخرى فأخذها وانصرف .
ولأبي تمام وقد اعتل الياس صاحب عبد الله بن طاهر :
فإن يكن وصَبٌ قاسيتَ سَوَرَتَهُ فالوِرِدُ حلفٌ لليث الغابةِ الأضم ٢
١ أخبار أبي تمام: ١٥٨ ومن هنا تلتقي النسخة ص بالنسختين ر د .
٢ الورد: الحمى ، الأضم : الغضبان .
٢٤

إِنّ الرياح إذا ما أعصفت قصفت عيدان نجدٍ ولم يَعْبأنَ بِالرَّتم
والشمسُ والبدرُ منها الدهر في الرقم١
بنات نعشٍ ونعش لا کُسوف لها
حتى جلتْ صدأ الصمصامةِ الخذم
فليهنك الأجر والنعمى التي سبغت
ويبتلي الله بعض القوم بالنعم
قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت
قال محمد بن هبيرة النحوي : حُجب أبو تمام عن إسحاق بن إبراهيم
المصعي فقال :
يا أيها الملك المرجوُّ نائلهُ وجودُهُ المراعي جوده كثب
ليس الحجاب بمقصٍ عنك آملهُ إنّ السماء تُرجَّى حين تحتجب
وقيل لأبي تمام٢ : قد هجاك مخلّد الموصلي فلو هجوتَهُ ، قال: الهجاء
يَرفَعُ منه إذ ليس هو شاعراً ؛ لو كان شاعراً لم يكن من الموصل ، يعني ان
الموصل لا يخرج منها شاعر ، وكان مخلد قد هجاه بقوله :
يا نبيَّ الله في الشعر ويا عيسى بن مريم
أنت من أشعر خلق الله ما لم تتكلم
وكان لأبي تمام حبسة إذا تكلم. قرأت في كتاب ((المستنير )) أن أبا تمام
والخثعمي اجتمعا في مجلس أنسٍ ، فقام أبو تمام إلى الخلاء فقال له الخثعمي :
ندخلك ؟ قال : نعم وأخرجك ، فتعجب الحاضرون من هذا الابتداء البديع
والجواب العجيب .
وكان لأبي تمام صديق قليل البضاعة في الشرب يسكر من قدحين، فكتب
إليه يوماً يدعوه : إن رأيت أن تنام عندنا فافعل .
ودخل على جعفر بن سليمان يعزّيه بأخيه محمد بن سليمان وقد كان جزع عليه
جزءاً عظيماً، فقال جعفر حين رآه : إن يكن عند أحد فرجٌ فعند حبيب ،
١ الرقم : الداهية .
٢ أخبار أبي تمام : ٢٣٤.
٢٥

فلما سلم قال: أيها الأمير التمس ثواب الله بحسن الجزاء والتسليم لأمر الله ،
واذكر مصيبتك في نفسك تُنسِك مصيبتك في غيرك والسلام ] .
ومحاسن حبيب كثيرة .
وجاسم : بفتح الجيم وبعد الألف سين مهملة مكسورة ثم ميم .
وأما النسب فهو مشهور فلا حاجة إلى ضبطه .
والجَيْدورُ - بفتح الجيم وسكون الياء المثناة من تحتها وضم الدال المهملة
وسكون الواو وبعدها راء - وهو إقليم من عمل دمشق يجاور الجولان .
والطائي : منسوب إلى طيىء القبيلة المشهورة ، وهذه النسبة على خلاف
القياس ، فإن قياسها طيئيّ لكن باب النسب يحتمل التغيير، كما قالوا في النسبة
إِلى الدَّهر دُهري وإلى سَهل سُهلي - بضم أولهما - وكذلك غيرهما .
١٤٨
حاتم الأصم
حاتم بن عنوان الأصم من أهل بلغ ؛ كان أوحد من عُرف بالزهد والتقلل
واشتهر بالورع والتقشف ، وله كلام يُدَوَّن في الزهد والحكم . واسند الحديث
عن شقيق البلخي وشداد بن حكيم البلخي أيضاً ، وروى عنه حمدان بن ذي
النون ومحمد بن فارس البلخيّان . وقدم حاتم بغداد في أيام أبي عبد الله أحمد بن
حنبل واجتمع معه ؛ قيل لما دخل حاتم بغداد في أيام أبي عبد الله أحمد بن
حنبل اجتمع إليه أهل بغداد فقالوا : يا أبا عبد الرحمن ، أنت رجل أعجمي
١٤٨ - اختلف في اسم أبيه فقيل: هو حاتم بن عنوان أو حاتم بن يوسف أو حاتم بن عنوان بن
يوسف ؛ وكان من أصحاب شقيق البلخي، زاهداً صاحب مواعظ وحكم، ولد بخراسان، وتوفي
سنة ٢٣٧ (انظر أخباره في حلية الأولياء ٨: ٧٣ وطبقات السلمي: ٩١ وشذرات الذهب
٢: ٨٧ وعبر الذهبي ١: ٤٢٤ وصفة الصفوة ٤: ١٣٤ وتاريخ بغداد ٨: ٢٤١)؛
قلت : وهذه الترجمة انفردت بها النسخة ر ، ووردت في ص بعد ترجمة حرملة بن يحيى .
٢٦

وليس يكلمك أحد إلا قطعته لأيّ معنى ؟ فقال حاتم : معي ثلاث خصال بها
أظهر على خصمي ، قالوا : أيّ شيء هي ؟ قال : أفرح إذا أصاب خصمي ،
وأحزن له إذا أخطأ، وأخفض نفسي لا تتجاهل عليه ، فبلغ ذلك أحمد بن
حنبل ، فقال : سبحان الله ما أعقله من رجل !
وقال أبو جعفر الهروي : كنت مع حاتم كرّة وقد أراد الحج ، فلما وصل
إلى بغداد قال : يا أبا جعفر، أُحب أن ألقى أحمد بن حنبل ، فسألنا عن
منزله ومضينا إليه فطرقت عليه الباب فلما خرج قلت : يا أبا عبد الله أخوك
حاتم ؛ قال : فسلم عليه ورحب به وقال بعد بشاشته به : أخبرني يا حاتم فيمَ
أتخلص من الناس ؟ قال : يا أبا عبد الله في ثلاث خصال، قال : وما هي ؟
[ قال: ] أن تعطيهم مالك ولا تأخذ من مالهم شيئاً؛ قال : وتقضي حقوقهم
ولا تستقضي منهم حتماً ؛ قال : وتحمل مكروههم ولا تُكره واحداً منهم على
شيء؛ قال: فأطرق أحمد ينكت بإصبعه الأرض ثم رفع رأسه وقال : يا حاتم،
إنها لشديدة ، فقال له حاتم : وليتك تسلم وليتك تسلم وليتك تسلم .
وقال رجل لحاتم : على أي شيء بنيت أمرك ؟ قال : على أربع خصال :
على أن لا أخرج من الدنيا حتى أستكمل رزقي وعلى أن رزقي لا يأكله غيري ،
وعلى أنّ أجَلي لا أدري متى هو، وعلى أن لا أغيب عن الله طرفة عين ،
وقال : لو ان صاحب خبر جلس إليك ليكتب كلامك لاحترزت منه، وكلامك
يعرض على الله فلا تحترز منه .
وقال رجل لحاتم الأصم : بلغني أنك تجوز المفاوز من غير زاد ، فقال
حاتم : بل أجوزها بالزاد وإنما زادي فيها أربعة أشياء ، قال : وما هي ؟
قال : أرى الدنيا كلها ملكاً له، وأرى الخلق كلهم عباد الله وعياله، والأسباب
والأرزاق بيد الله ، وأرى قضاء الله نافذاً في كل أرض الله ؛ فقال له الرجل :
نعم الزاد زادك يا حاتم ؛ أنت تجوز به مفاوز الآخرة .
وقال حاتم : جعلت على نفسي إنْ قدمتُ مكة أن أطوف حتى أنقطع ،
وأصلتي حتى أنقطع ، وأتصدق يجميع ما معي ، فلما قدمت مكة صليت حتى
انقطعت وطفت كذلك فقويت على هاتين الخصلتين ولم أقْوَ على الأخرى ؛
٢٧

قال : كنت أخرج من هاهنا ويجيء من هاهنا .
وقال حاتم : وقع الثلج ببلغ فمكثت في بيتي ثلاثة ومعي أصحابي فقلت :
يخبرني كل رجل منكم بهمته ؛ قال : فأخبروني فإذا ليس فيهم أحد لا يريد إلا
أن يتوب من تلك الهمة ؛ قال: فقالوا لي: همتك أنت يا أبا عبد الرحمن ، قال :
قلت : ما همتي إلا شفقة على إنسان يريد أن يحمل رزقي في هذا الطين ؛ قال :
وإِذا رجل قد جاء ومعه جراب خبز وقد زلق فابتلّت ثيابه بطين ، وقال :
يا [أبا] عبد الرحمن ، خذ هذا الخبز.
قال حاتم : خرجت في سفر ومعي زاد فنفد زادي في وسط البرية فكان
قلبي في السفر والحضر واحداً .
قيل لحاتم : من [أين] تأكل ؟ فقال: ﴿ولله خزائن السموات والأرض
ولكن المنافقين لا يفقهون﴾ ( المنافقون : ٧).
وقال : لي أربع نسوة وتسعة من الأولاد ، فما طمع الشيطان أن يوسوس
إلي في شيء من أرزاقهم .
وقال حاتم : لقينا الترك فكان بيننا جولة فرماني تركي بوهق فأقلبني عن
فرسي ونزل عن دابته وقعد على صدري وأخذ بلحيتي هذه الوافرة وأخرج من
خفه سكيناً ليذبحني بها ، فوحقّ سيدي ما كان قلبي عنده ولا عند سكينه إنما
كان قلبي عند سيدي فأنظر ماذا ينزل به القضاء ، فقلت : يا سيدي قضيتَ
عليَّ أن يذبحني هذا فعلى الرأس والعين أنا لك وملكك . فبينما أنا أخاطب
سيدي وهو قاعد على صدري آخذ بلحيتي إذ رماه المسلمون بسهم فما أخطأ حلقه،
فسقط عني فقمت أنا إليه وأخذت السكين من يده وذبحته، فما هو إلا أن تكون
قلوبكم عند السيد حتى تروا من عجائب لطفه ما لم تروا من الآباء والأمهات .
وقال أبو بكر الوراق : حاتم الأصم لقمان هذه الأمة ؛ قيل : جاءت امرأة
فسألت حاتماً عن مسألة ، فاتفق أن خرج منها في تلك الحالة صوت فخجلت ،
فقال لها حاتم : ارفعي صوتك، وأرى من نفسه أنه أصمّ ، فسرّت المرأة
بذلك وقالت : لم يسمع الصوت ، فغلب عليه اسم الصمم .
وجاء إليه رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن أي شيء رأس الزهد ووسط
٢٨

الزهد وآخر الزهد ؟ فقال حاتم : رأس الزهد الثقة بالله ووسطه الصبر وآخره
الخلاص ؛ رحمه الله تعالى .
١٤٩
الحجاج بن يوسف
أبو محمد الحجاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل بن مسعود بن عامر بن مُعَتِّب
ابن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن قسيّ - وهو ثقيف -
[ ذكره ابن الكلبي في ((جمهرة النسب)) وقال: فوَلَد منبه بن النبيت قسيّاً،
وهو ثقيف فيما يقال والله أعلم ، فمن ينسب ثقيفاً إلى إياد فهذا هو نسبهم ، ومن
نسبهم إلى قيس فيقول : قسي بن منبه بن بكر بن هوازن ، ويقولون : كانت
أم قسي أميمة بنت سعد بن هذيل عند منبه بن النبيت ، فتزوجها منبه بن
بكر ، فجاءت بقسي معها من الإيادي والله أعلم]١ الثقفي عامل عبد الملك بن
مروان على العراق وخراسان ، فلما توفي عبد الملك وتولى الوليد أبقاه على
ما بيده .
وقال المسعودي في كتاب ((مروج الذهب))٢: إن أم الحجاج الفارعة بنت
همام بن عروة بن مسعود الثقفي ، كانت تحت الحارث بن كلدة الثقفي الطائفي
حكيم العرب ، فدخل عليها مرة سحراً فوجدها تتخلل ، فبعث إليها
بطلاقها ، فقالت : لم بعثت إلي بطلاقي ؟ هل لشيء رابك مني ؟ قال : نعم ،
...
١٤٩ - أخباره في كتب التاريخ كالطبري وابن الأثير واليعقوبي والامامة والسياسة والعيون
والحدائق ومروج الذهب؛ وفي العقد ٥ : ١٣ قطعة من أخباره.
١ ما بين معقفين انفردت به ر .
٢ انظر مروج الذهب ٣ : ١٣٢.
٢٩

دخلت عليك في السحر وأنت تتخللين، فإن كنت بادَرْتٍ ١ الغداء فأنت شرهة،
وإِن كنتِ بتِّ والطعام بين أسنانك فأنت قذرة ، فقالت : كل ذلك لم يكن ،
لكني تخللت من شظايا السواك٢؛ فتزوجها بعده يوسف بن أبي عقيل الثقفي،
فولدت له الحجاج مشوهاً لا دُبُر له ، فنقب عن دبره ، وأبى أن يقبل ثدي
أمه أو غيرها ، فأعياهم أمره ، فيقال : إن الشيطان تصور لهم في صورة
الحارث بن كلدة المقدم ذكره ، فقال: ما خبركم ؟ قالوا : بُنَيّ ولد ليوسف
من الفارعة ، وقد أبى أن يقبل ثدي أمه، فقال: اذبحوا جدياً أسود وأولِغُوه
دمه ، فإذا كان في اليوم الثاني فافعلوا به كذلك ، فإذا كان اليوم الثالث
فاذبحوا له تيساً أسود وأولغوه دمه ، ثم اذبحوا له أسود سالخاً فأولغوه دمه ،
واطلوا به وجهه ، فإنه يقبل الثدي في اليوم الرابع ، قال : ففعلوا به ذلك ؛
فكان لا يصبر عن سفك الدماء لما كان منه في أول أمره، وكان الحجاج يخبر عن
نفسه أن أكبر لذاته سفك الدماء وارتكاب أمور لا يُقدِمِ عليها غيره .
وذكر ابن عبد ربه في ((العقد))٣ أن الفارعة المذكورة كانت زوجة المغيرة
ابن شعبة ، وأنه هو الذي طلقها لأجل الحكاية المذكورة في التخلل ؛ وذكر
أيضاً أن الحجاج وأباه كانا يُعَلَّمان الصبيان بالطائف، ثم لحق الحجاج برَوحِ بن
زنباع الجُذامي وزير عبد الملك بن مروان ، فكان في عديد شرطته إلى أن
رأى عبد الملك انحلال عسكره ، وأن الناس لا يرحلون برحيله ولا ينزلون
بنزوله، فشكا ذلك إلى روح بن زنباع، فقال له: إِن في شرطتي رجلاً لو قلّده
أمير المؤمنين أمر عسكره لأرحلَ الناسَ برحيله وأنزلهم بنزوله يقال له الحجاج
ابن يوسف ، قال : فإنا قد قلدناه ذلك ، فكان لا يقدر أحد أن يتخلّفَ عن
الرحيل والنزول إلا أعوان روح بن زنباع ، فوقف عليهم يوماً وقد أرحل
الناس وهم على طعام يأكلون فقال لهم: ما منعكم أن ترحلوا برحيل أمير
المؤمنين ؟ قالوا له : انزل يا ابن اللَّخْناء فكل معنا ، قال لهم : هيهات ،
١ س : باكرت .
٢ زاد في ص هنا قال: كنت فبنت، فقالت: والله ما فرحنا إذ كنا ولا حزنا إذ بنا؛ وهي
من قصة أخرى، ولا حاجة لإيرادها بعد قوله في صدر القصة «فبعث إليها بطلاقها».
٣ انظر العقد ٥ : ١٣ - ١٤ .
٣٠

ذهب ما هنالك، ثم أمر بهم فجلدوا بالسياط وطوفهم في العسكر وأمر
بفَساطيط روح فأحرقت بالنار ، فدخل روح على عبد الملك باكياً ، وقال :
يا أمير المؤمنين، إن الحجاج الذي كان في شرطي ضرب غماني وأحرق
فساطيطي، قال : عليّ به ، فلما دخل عليه قال له : ما حملك على ما فعلت ؟
قال: أنا ما فعلتُ، قال: ومَنْ فعل ؟ قال : أنت فعلت ، إنما يدي يدك ،
وسوطي سوطك ، وما على أمير المؤمنين أن يخلف لروح عوض الفسطاط
فسطاطین ، وعوض الغلام غلامین ولا یکسرني فيما قدمني له ، فأخلف لروح ما
ذهب له ، وتقدم الحجاج في منزلته ، وكان ذلك أول ما عرف من كفايته .
وكان للحجاج في القتل وسفك الدماء والعقوبات غرائب لم يُسمَع بمثلها ،
ويقال : إِن زياد ابن أبيه أراد أن يتشبه بأمير المؤمنين عُمَر بن الخطاب رضي
الله عنه في ضبط الأمور والحزم والصّرامة وإقامة السياسات إلا أنه أسرف
وتجاوز الحد ، وأراد الحجاج أن يتشبه بزياد فأهلك ودمّر١ .
وخطب يوماً فقال في أثناء كلامه : أيها الناس ، إن الصبر عن محارم الله
أيسرُ من الصبر على عذاب الله ، فقام إليه رجل فقال: ويحك يا حجاج ، ما
أصفق وجهك وأقل حياءك ! فأمر به فحبس ، فلما نزل عن المنبر دعا به
فقال له : لقد اجترأت علي، فقال له : أتجترى، على الله فلا ننكره ، ونجترى،
عليك فتنكره ؟ فخلى سبيله .
وذكر أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه «تلقيح فهوم أهل الأثر » أن الفارعة
أم الحجاج هي المتمنية ، ولما تمنت كانت تحت المغيرة بن شعبة ، وقصَّ قصتها ،
ونذكرها مختصرة ، وهي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه طاف ليلةً في المدينة
فسمع امرأة تنشد في خِدْرها :
هل من سبيلٍ إِلى خَمرٍ فأشرَبَها أم من سبيل إلى نَصر بن حجّاج
فقال عمر رضي الله عنه : لا أرى معي في المدينة رجلً تهتف به العواتق في
خدورهن ؛ عليَّ بنصر بن حجاج ، فأتي به ، فإذا هو أحسن الناس وجهاً
١ وكان للحجاج ... ودمر : سقط من ر س .
٣١

وأحسنهم شَغْراً ، فقال عمر رضي الله عنه: عزيمة من أمير المؤمنين لتأخذَنّ
من شعرك ، فأخذ من شعره فخرج له وجنَتان كأنهما شُقّتًا قمر ، فقال :
اعتم ، فاعتم ففتن الناس بعينيه ، فقال عمر رضي الله عنه : والله لا تساكنني
ببلدة أنا فيها ، قال : يا أمير المؤمنين ، ما ذني ؟ قال: هو ما أقول لك ،
وسيّره إلى البصرة ؛ هذه خلاصة القصة ، وبقيتها لا حاجة إلى ذكره .
ونصرٌ المذكور ابن حجاج بن عِلاط السلمي ، وأبوه صحابي رضي الله عنه ،
وقيل : إن المتمنية هي جدة الحجاج أم أبيه ، وهي كنانية .
وحكى أبو أحمد العسكري في كتاب ((التصحيف))١ أن الناس غبروا
يقرؤون في مصحف عثمان بن عفان رضي الله عنه نيَّفاً وأربعين سنة إلى أيام
عبد الملك بن مروان ، ثم كثر التصحيف وانتشر بالعراق ، ففزع الحجّاج بن
يوسف الثقفي إلى كتّابه وسألهم أن يضعوا لهذه الحروف المشتبهة علامات ،
فيقال : إن نصر بن عاصم قام بذلك فوضع النقط أفراداً وأزواجاً وخالف بين
أماكنها ، فغبر الناس بذلك زماناً لا يكتبون إلا منقوطاً ، فكان مع استعمال
النقط أيضاً يقع التصحيف ، فأحدثوا الإعجام ، فكانوا يتبعون النقط الإعجام ،
فإذا أغفل الاستقصاء عن الكلمة فلم توفَّ حقوقها اعترى التصحيف ، فالتمسوا
حيلة ، فلم يقدروا فيها إلا على الأخذ من أفواه الرجال بالتلقين .
[ حكى القاضي أبو الفرج المعافى في كتاب ((الجليس والأنيس)) قال: لما
أراد الحجاج بن يوسف الخروج من البصرة إلى مكة شرَّقها الله تعالى خطب
الناس فقال: يا أهل البصرة ، إني أريد الخروج إلى مكة، وقد استخلفت عليكم
محمداً ابني وأوصيته فيكم بخلاف ما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم في
الأنصار، فإنه أوصى أن يُقْبَل من محسنهم ويُتجاوَزَ عن مسيئهم ، ألا وإني
قد أوصيته فيكم أن لا يقبل من محسنكم ولا يَتجاوز عن مُسيئكم؛ ألا وإنكم
قائلون بعدي كلمة ليس يمنعكم من إظهارها إلا الخوف: لا أحسنَ اللهُ له
الصحابة ، واني معجّل لكم الجواب: لا أحسن الله عليكم الخلافة]٢.
١ التصحيف : ١٣ .
٢. هذه الفقرة من ص ر .
٣٢

[قال أبو العباس المبرد١ في إسناد ذكره آخره عبد الملك بن عمير الليثي قال:
بينا نحن في المسجد الجامع بالكوفة وأهل الكوفة يومئذ ذوو حال حسنة يخرج
الرجل منهم في العشرة والعشرين من مواليه إذ أنانا آت فقال : هذا الحجاج
ابن يوسف قد قدم أميراً على العراق ، فإذا به قد دخل المسجد متعمماً بعمامة
غطى بها أكثر وجهه متقلداً سيفاً متنكباً قوساً يؤمّ المنبر، فقام الناس نحوه حتى
صعد المنبر فمكث ساعة لا يتكلم ، فقال الناس بعضهم لبعض : قبّح الله بني
أمية حيث تستعمل مثل هذا على العراق ، قال عمير بن ضابىء البرجمي : ألا
أحصبه لكم ؟ فقالوا : أمهل حتى ننظر، فلما رأى عيون الناس إليه حسر اللئام
عن فيه ونهض فقال :
أنا أبن جلا وطلاع الثنايا متى أضع العمامة تعرفوني
ثم قال : والله يا أهل الكوفة والعراق إني لأرى رؤوساً قد أينعت وحان
قطافها وإني لصاحبها ، وكأني أنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى ، وإن أمير
المؤمنين نثر كنانته فعجم عيدانها فوجدني أمرّها عوداً وأصلبها مكسراً ،
فرماكم بي لأنكم طال ما أوضعتم في الفتنة واضطجعتم في مراقد الضلال ، والله
لأحزمنكم حزم السَّلّمة ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل، فإنكم لكأهل ﴿قرية
كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداًمن كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله
لباسَ الجوع والخوف بما كانوا يصنعون﴾ (النحل: ١١٢). والله إني ما أقول إلا
وفيت ولا اهم إلا أمضيت ولا أخلق إلا فريت، وإن أمير المؤمنين أمرني بإعطائكم
أعطياتكم وأن أوجهكم لمحاربة عدوكم مع المهلب بن أبي صفرة ، وإني أقسم بالله
لا أجد رجلاً تخلف بعد أخذ عطائه بثلاثة أيام إلا ضربت عنقه ؛ يا غلام اقرأ
عليهم كتاب أمير المؤمنين ، فقرأ : بسم الله الرحمن الرحيم ، من عبد الله عبد
الملك بن مروان أمير المؤمنين إلى من بالكوفة من المسلمين، سلام عليكم، فلم يقل
أحد شيئاً ، فقال الحجاج : اكفف يا غلام ، ثم أقبل على الناس فقال : يسلم
عليكم أمير المؤمنين فلم تردوا عليه شيئاً؟ هذا أدبُ ابن نهية ، أما والله لاؤدبتكم
١ الكامل ١ : ٣٨٠.
٣ - ٢
٣٣

غير هذا الأدب أو لتستقيمن ، اقرأ عليهم يا غلام كتاب أمير المؤمنين ، فلما
بلغ إلى قوله : سلام عليكم ، لم يبق أحد في المسجد إلا قال : وعلى أمير
المؤمنين السلام ، ثم نزل فوضع للناس أعطياتهم فجعلوا يأخذون حتى أناه شيخ
يرعش كبراً فقال: أيها الأمير إني من الضعف على ما ترى ولي ابن هو أقوى
على الأسفار مني أفتقبله بدلاً مني ؟ فقال الحجاج : نفعل أيها الشيخ ، فلما ولى
قال له قائل : اتدري من هذا أيها الأمير ؟ قال: لا ، قال : هذا عمير بن ضابىء
البرجمي الذي يقول أبوه في عثمان بن عفان :
حمعت ولم أفعل وكدت وليتني تركت على عثمان تنكي حلائله
ودخل هذا الشيخ على عثمان مقتولاً فوطىء بطنه فكسر ضلعين من أضلاعه؛
فقال : ردوه ، فلما رُدّ قال له الحجاج : أيها الشيخ هلا بعثت إلى أمير المؤمنين
عثمان رحمه الله تعالى بديلاً يوم الدار ؛ إن في قتلك أيها الشيخ لصلاحاً للمسلمين ،
يا حرسي اضربن عنقه ؛ فجعل الرجل يضيق عليه أمره فيرتحل ويأمر وليه أن
يلحقه بزاده ، ففي ذلك يقول عبد الله بن الزبير الأسدي :
تجهز فإما أن تزور ابن ضابىء عميراً وإما أن تزور المهلبا
وكان من قصة عمير بن ضابىء أن أباه ضابىء بن الحارث البرجمي وجب
عليه حبس عند عثمان بن عفان رضي الله عنه وأدب ، وذلك انه كان استعار كلباً
من قوم فأعاروه إياه ثم طلبوه منه وكان فحاشاً فرمى أمهم به ، فقال في
بعض كلامه :
فأمكم لا تتركوها وكلبكم فإن عقوق الوالدات كبير
فاضطغن على عثمان رضي الله عنه ما فعل، فلما دعي ليؤدَّب شد سكيناً في ساقه
ليقتل بها عثمان رحمه الله فعتر عليه فأحسن أدبه ، ففي ذلك يقول: حممت ولم
أفعل ]١ .
١ انفردت النسخة د بالقطعة كلها الواقعة بين معقفين .
٣٤

[ ولما أسرف١ الحجاج في قتل أسارى دير الجماجم وإعطاء الأموال، بلغ
ذلك عبد الملك فكتب إليه: أما بعد ، فقد بلغ أمير المؤمنين سرفك في الدماء
وتبذير الأموال ولا يحتمل أمير المؤمنين هاتين لأحدٍ من الناس ، وقد حكم
عليك في الدماء في الخطإ بالدية وفي العمد بالقود وفي الأموال بردّها إلى موضعها
ثم العمل فيها برأيه، وإنما أمير المؤمنين أمين الله وسيان عنده منع حق وإعطاء
باطل ، فإن كنت أردت الناس لك فما أغناهم عنك وإن كنت أردتهم لنفسك
فما أغناك عنهم، وسيأتيك من أمير المؤمنين لين وشدة ، فلا يؤنسنك إلا الطاعة
ولا يوحشنك إلا المعصية ، وظن بأمير المؤمنين كل شيء إلا احتمالك على الخطأ ،
وإذا أعطاك الله الظفر بقوم فلا تقتلن جانحاً ولا أسيراً؛ وكتب في أسفل كتابه:
إذا أنت لم تترك أموراً كرمتها طلبت رضاي بالذي أنت طالبه
وتخشى الذي يخشاه مثلك هارباً إليَّ فها قد ضيع الدَّرَّ حالبه
فيا ربما قد غصَّ بالماء شاربه
وإِن تَرَ مني غفلةً قرشيةً
وإن ترَ مني وثبةٌ أموية
فهذا وهذا كله أنا صاحبه
فإنك مجْزى بالذي أنت كاسبه
فلا تأمنني والحوادثُ جمة
يقوم بها يوم عليك نواديه
ولا تعدُ ما يأتيك مني وإن تعد
ولا ترفعنْ للناس حقاً علمته ولا تغضبنْ، فاللين للناسِ جانبه
فأجابه الحجاج : أما بعد ، فقد أثاني كتاب أمير المؤمنين يذكر فيه سرفي
في الدماء وتبذيري للأموال، ولعمري ما بلغت في عقوبة أهل المعصية ما هم أهله
وما قضيت في أهل الطاعة ما استحقوه، فإن كان قتلي اولئك العصاة سرفاً وإعطائي
اولئك المطيعين تبذيراً فليسوغني أمير المؤمنين ما سلف وليحدَّ لي حدّاً أنتهي إليه
إن شاء الله تعالى، ولا قوة إلا بالله، ووالله ما سلبت نعمة إلا بكفرها ولا تمت إلا
بشكرها ، ولا أصبت القوم خطأ فأديهم ولا ظلمتهم فأقاد بهم ، ولا أعطيت إلا
لك ولا قتلت إلا فيك ، وأما ما أثاني من أمريك فأبينهما عزة أعظمها محنة ،
١ قارن بما في تهذيب ابن عساكر ٤: ٦٧؛ وهذه القطعة واردة في د ص ر مع بعض اختلاف بينها.
٣٥

وقد عبأت للعزة الجلاد وللمحنة الصبر ؛ وكتب في أسفل كتابه١ :
إذا أنا لم أبغِ رضاك وأتقي أذاك فيومي لا تزولُ کوا کبُه
تقيه من الأمر الذي هو كاسبه
وما لامرىءٍ بعد الخليفة جُنَّةٌ
ومن لم تسالمه فإني محاربه
أُسالمُ مَنْ سالمتَ من ذي هوادةٍ
فقامت عليه في الصباح نوادبه
إذا قارف الحجاجُ. منك خطيئةً
وأُقصِ الذي تسري إليَّ عقاربه
إذا أنا لم أُدن الشفيق لصنعه
مدى الدهر حتى يرجع الدَّرَّ حالبه
فقف لي على حدّ الرضى لا اجوزُهُ
وإلا فدعني والأمورَ فإنني شفيقٌ رقيق أمَّلته تجاربه
فلما قرأ عبد الملك كتابه قال : خاف أبو محمد صولتي ولن أعود إلى ما
يكره].
[ وذكر حماد الراوية أن الحجاج سهر ليلة بالكوفة فقال لحرسه : ايتني بمحدث
من المسجد ، فأتاه بسبرة بن الجعد ، فدخل وسلَّم بلسان ذلق وقلب شديد ،
فقال له الحجاج : ممن الرجل ؟ قال : من بني شيبان ، قال : ما اسمك ؟ قال :
سبرة بن الجعد ، قال : يا سبرة ، قرأت القرآن ؟ قال : قد جمعتُه في صدري ،
فإن عملتُ به فقد حفظته وإن خالفتُه فقد ضيعته ، فاتخذه الحجاج سميراً ،
فما كان يتطلب شيئاً من الحديث إلا وجد عنده منه. وكان يرى رأي الخوارج،
وكان من أصحاب قطري بن الفجاءة المزني التميميٍ ، والفجاءة أمه ، وكانت
من بني شيبان ، وإنما هو رجل من تميم . وكان قطري يومئذ يحارب المهلب ،
فبلغ قطريّاً ما كان من سبرة مع الحجاج، فكتب إليه من جملة قصيدة :
لشتان ما بين ابن جعد وبيننا
فلما قرأ كتابه بكى وركب فرسه وأخذ سلاحه ولحق بقطري؛ وطلبه الحجاج
فلم يقدر عليه ولم يرع الحجاج إلا وكتاب فيه شعر قطري الذي كان كتب به
١ هذه الأبيات لم ترد إلا في النسخة ر .
٣٦

إليه وفي أسفل الكتاب أبيات من جملتها :
فمن مبلغ الحجاج أن سميره قلى كل دين غير دين الخوارج
فطرح الكتاب إلى عنبسة بن سعيد وقال : هذا من سميري الشيباني وهو
[ خارجي ] ولا نعلم به .
قال القاضي أبو الفرج المعافى : حدث العتبي قال : كانت امرأة من الخوارج
يقال لها فراشة ، وكانت ذات نية في رأي الخوارج تجهز أصحاب البصائر ولم
يظفر بها ، وكان الحجاج يدعو الله أن يمكنه منها أو من بعض من جهزته
فراشة ، فمكث ما شاء الله ثم جيء برجل فقيل له : هذا ممن جهزته فراشة ،
فخر ساجداً ثم رفع رأسه فقال : يا عدو الله ، قال : أنت أولى بها يا حجاج ،
قال : أين فراشة ؟ قال : مرت تطير منذ ثلاث ، قال : أين تطير ؟ قال : ما
بين السماء والأرض، قال: أَعَنْ تلك سألتُك عليك لعنة الله ؟ قال : عن تلك
أخبرتُك عليك غضب [الله]، قال: سألتك عن المرأة التي جهزتك وأصحابك،
. قال : وما تصنع بها ؟ قال: أضرب عنقها، قال: ويلك يا حجاج ما أجهلك،
أدلك وأنت عدو الله على من هو ولي الله ؟ لقد ضللت إذن وما أنا من المهتدين،
قال : فما رأيك في أمير المؤمنين عبد الملك ؟ قال : على ذلك الفاسق لعنة الله
ولعنة اللاعنين ، قال : ولمَ ، لا أمَّ لك ؟ قال : إنه أخطأ خطيئة طبقت ما
بين السماء والأرض، قال: وما هي ؟ قال: استعماله إياك على رقاب المسلمين ،
فقال لجلسائه : ما رأيكم فيه ؟ قالوا : نرى أن تقتله قتلة لم يُقتل مثلها أحد ،
قال : ويحك يا حجاج ، جلساء أخيك أحسن مجالسة من جلسائك ، قال :
وأي أخويّ تريد ؟ قال : فرعون حين شاور في موسى فقالوا : ارجئه وأخاه،
وأشار هؤلاء عليك بقتلي ، قال : فهل جمعت القرآن ؟ قال : ما كان مفرقاً
فأجمعه ، قال : أقرأته ظاهراً ؟ قال : معاذ الله بل قرأته وأنا أنظر إليه ،
قال : فكيف تراك تلقى الله إن قتلتك ؟ قال : ألقاه بعملي وتلقاه بدمي ،
قال : إِذن أعجلك إلى النار ، قال : لو علمت أن ذلك إِليك أحسنت عبادتك
واتقيت عذابك ولم أبغِ خلافك ومناقضتك ، قال : إني قاتلك ، قال : إِذن
٣٧

أخاصك لأن الحكم يومئذ إلى غيرك ، قال : نقمعك عن الكلام السيء ؛
يا حَرَسيّ اضرب عنقه، واومأ إلى السياف ألا تقتله ، فجعل يأتيه من بين
يديه ومن خلفه ويروعه بالسيف ، فلما طال ذلك رشح جبينه ، قال : جزعت
من الموت يا عدو الله ؟ قال : لا يا فاسق ولكن أبطأت علي بما فيه راحة ؛
قال : يا حرسي، أوجب جرحه، فلما أحس بالسيف قال: لا إله إلا الله ، والله
لقد أتمها ورأسه في الأرض .
وقال القاضي١: لما حمل الأسرى إلى الحجاج وهو حينئذ بواسط القصب
قبل أن يبني مدينة واسط قال لحاجبه : قدم إلى سيدهم فيروز بن الحصين ، فقال
له الحجاج : أبا عثمان ما أخرجك مع هؤلاء ؟ قال : فتنة عمت الناس ، فقال :
اكتب لي أموالك، قال: ثمَّ ماذا؟ قال: اكتبها أولاً، قال: ثم أنا آمن على دمي؟
قال : اكتبها ثم أنظر، قال : اكتب يا غلام ، ألف ألفي ألف ، حتى ذكر
مالاً كثيراً ، فقال الحجاج : أين هي وعند من هي ؟ قال : لا والله لا
جمعت بين مالي ودمي ، فأمر الحجاج فعذب بأنواع العذاب ، وكان من جملة ما
عذب به أن يشد عليه القصب الفارسي المشقوق ثم يجر حتى يجرّح جسده ثم
ينضح عليه الخلّ والملح؛ فلما احس بالموت قال: إن الناس لا تشكنّ أني
قُتلت ولي ودائع وأموال عند الناس لا تؤدى إليكم أبداً ، فأظهروني للناس
ليعلموا أني حي فيؤدوا المال ، فأخرج فصاح في الناس : من عرفني فقد عرفني؛
أنا فيروز ، إِن لي عند أقوام مالاً فمن كان لي عنده شيء فهو له وهو منه في
حل فلا يؤدين أحد منه درهماً ، ليُبلغِ الشاهد الغائب؛ فأمر به الحجاج فقُتل.
وجلس الحجاج يوماً لقتل أصحاب عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس،
فقام رجل منهم فقال : أصلح الله الأمير، إِن لي عليك حقاً، قال: وما حقك؟
قال : سبّك عبد الرحمن يوماً فرددت عليه ، فقال: من يعلم ذلك ؟ قال :
أنشد الله رجلاً سمع ذلك إِلا شهد به ، فقام رجل من الأسرى فقال : قد كان
ذاك أيها الأمير ، قال : خلوا عنه ، ثم قال الشاهد : فما منعك أن تنكر كما
أنكر ؟ قال: لقديم بغضي إياك ، قال: ولنخلِّ عنه لصدقه.
١ أوردت نسخة ر قبل هذه القصة حديث الحجاج مع الغضبان بن القبعثري.
٣٨

قال أبو الحسن المدائني : لما ظفر الحجاج بأصحاب ابن الأشعث ، جلس
لضرب أعناقهم عامة النهار، فأتي آخرهم برجل من بني تميم قال له : والله يا حجاج
لئن كنا قد اسأنا في الذنب لما أحسنتَ في العقوبة ، فقال الحجاج : أُف لهذه
الجيف أما فيها رجل يحسن مثل هذا ؟ وعفا عنه١ .
ولما حضر الشعبي بين يدي الحجاج سلم بالإمرة ثم قال : أيها الأمير ، إِن
الناس قد أمروني أن أعتذر إليك لغير ما يعلم الله أنه الحق ، وايم الله لا أقول
في هذا المقام إِلا حقاً ، قد والله خرجنا عليك واجتهدنا كل الجهد فما ألَوْنا فما
كنا بالفجرة الأقوياء ولا البررة الأتقياء ، ولقد نصرك الله علينا وظفّرك بنا ،
فإن سطوت فبذنوبنا وما جرت إلينا أيدينا، وإن عفوتَ عنا فبحلمك وبعد الحجة
لك علينا ، فقال له الحجاج : أنت والله أحب إليَّ ممن يدخل علي يقطر سيفه
من دمائنا ثم يقول ما فعلتُ وما شهدتُ؛ قد أمنتَ عندنا يا شعبي، فانصرف٢.
وقال الشعبي : سمعت الحجاج تكلم بكلام ما سبقه إليه أحد ، يقول : أما
بعد ، فإن الله كتب على الدنيا الفناء وعلى الآخرة البقاء ، فلا فناء لما كتب عليه
البقاء ، ولا بقاء لما كتب عليه الفناء ، فلا يغرّتَك شاهد الدنيا عن غائب
الآخرة واقهروا طول الأمل بقصر الأجل .
وكان إبراهيم النخعي هارباً من الحجاج مدة أيامه ثم ظهر بعده فقيل له :
أين كنت ؟ قال : بحيث يقول الشاعر :
عوى الذئبُ فاستأنستُ الذئب إِذ عوى وصوّتَ إِنسانٌ فكدتُ أطير
وذكر الحسن بن محمد بن هلال الصابىء أن الحجاج انفرد يوماً عن عسكره
فمر برجل يسقي ضيعة له ، فقال له : كيف حالكم مع أميركم ؟ فقال : لعنه
١ ورد بعد هذا الموضع في النسخة ر : وأتي الحجاج بامرأة من الخوارج فجعل يكلمها وهي لا
تنظر إليه، فقيل: الأمير يكلمك وأنت لا تنظرين إليه ، قالت : إني أستحيي أن أنظر إلى من
لا ينظر الله إليه .
٠ ٢ وردت هذه القصة عن الشعبي في النسخة د على نحو مغاير وهي هنالك متفقة مع ما جاء في
تهذيب ابن عساكر ٧ : ١٥٠ - ١٥١.
٣٩

الله، المبيد المبير الحقود ، عجل الله الانتقام منه ، فقال له : تعرفني ؟ قال :
لا والله، قال : أنا الحجاج، فرأى الرجل أن دمه قد طاح فرفع عصاً كانت
معه وقال : أتعرفني ؟ أنا أبو ثور المجنون ، وهذا يوم صرعي ، وأزبد وأرغى
وهاج وأراد أن يضرب رأسه بالعصا ، فضحك منه وانصرف .
وكان الحجاج كثيراً ما يسأل القراء ، فدخل عليه يوماً رجل فقال له : ما
قبل قوله تعالى ﴿أمّن هو قانت آناء الليل﴾ (الزمر: ٩) فقال: ﴿قل تمتع
بكفرك قليلاً إنك من أصحاب النار﴾ قال : فما سأل أحداً بعدها.
وخطب في يوم جمعة فأطال الخطبة ، فقام إليه رجل فقال : إن الوقت لا
ينتظرك والرب لا يعذرك ، فأمر به إلى الحبس ، فأناه آل الرجل فقالوا : إِنه
مجنون ، فقال : إن أقر على نفسه بما ذكرتم خليت سبيله ، فقال الرجل : لا
والله لا أزعم انه ابتلاني وقد عافاني .
وممن هرب من الحجاج محمد بن عبد الله بن نمير الثقفي ، وكان يشبب بزينب
بنت يوسف أخت الحجاج وهو الذي يقول :
تضوَّع مسكاً بطن نعمان أن مشت به زينب في نسوةٍ عطرات
فلما أُتي به الحجاج قال: والله أيها الأمير إن قلتُ إلا خيراً، إنما قلت :
يخضّبن أطرافَ البَنان من التثُّقى ويخرجن شَطرَ الليل معتجرات
قال : فأخبرني عن قولك :
ولما رأت ركبَ النميريِّ أعرضتْ وكنَّ منَ أنْ يَلقَينَه حذرات
ما كنتم ؟ قال: كنت على حمار هزيل ومعي صاحب على اتان مثله ، فعفا عنه.
ولما قتل الحجاج عبد الله بن الزبير ارتجت مكة بالبكاء والعويل ، فأمر
الحجاج بالناس فجُمعوا إلى المسجد ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :
يا أهل مكة ، بلغني بكاؤكم واستفظاعكم قتلَ عبد الله بن الزبير ، ألا وإن ابن.
الزبير كان من أحبار هذه الأمة حتى رغب في الخلافة ونازع فيها أهلها وخلع
٤٠