النص المفهرس

صفحات 381-400

١٤٦
جهار كس الصلاحي
أبو المنصور جيهاركَس بن عبد الله الناصري الصَّلاحي الملقب فخر الدين ؛
كان من كبراء أمراء الدولة الصلاحية ، وكان كريماً نبيل القدر عالي الهمة ،
بنى بالقاهرة القيسارية الكبرى المنسوبة إليه ، رأيت جماعة من التجار الذين
طافوا البلاد يقولون : لم نر في شيء من البلاد مثلها في حسنها وعظمها وإحكام
بنائها ، وبنى بأعلاها مسجداً كبيراً ورَبعاً معلقاً ؛ وتوفي في بعض شهور سنة
ثمان وستمائة بدمشق ، ودفن في جبل الصالحية ، وتربته مشهورة هناك ، رحمه
الله تعالى .
وجهاركَس - بكسر الجيم وفتح الهاء وبعد الألف راء ثم كاف مفتوحة ثم
سين مهملة - ومعناه بالعربي أربعة أنفس، وهو لفظ عجمي معربه ((أستار))
والأستار أربع أواقي ، وهو معروف به .
١٤٦ - انظر صفحات متفرقة من مفرج الكروب (جـ: ٣).
٣٨١

مُلحِقَاتْ

£

أ - زيادات نسخة د عند وستنفيلد
فيما يلي الزيادات التي ألحقها وستنفيلد بطبعته لوفيات الأعيان أخذاً عن نسخة
د عنده ، وأرقامها المتسلسلة هنا هي أرقامها في متن هذا المجلد في المواضع المبينة
صفحاتها في رأس كل زيادة . وقد وافقت هذه النسخة في بعض زياداتها غيرها
من نسخ هذا الكتاب ، فأشرنا إلى ذلك في الحاشية .
(١) *
(ترجمة إِبراهيم بن المهدي، رقم: ٩، ص: ٤٠، س : ٦).
فقلد إبراهيم على بلاد الكوفة والسواد وخُطب له على المنابر ونزل بعساكره
على مدائن كسرى ثم رجع إلى بغداد وأقام بها والحسن بن سهل مقيم في حدود
واسط خليفة عن المأمون والمأمون إذ ذاك ببلاد خراسان مقيم ؛ ولم يزل إبراهيم
ابن المهدي مقيماً ببغداد على أمره يدعى بأمير المؤمنين ويخطب له على منابر
العراق إلى أن وصل المأمون من خراسان متوجهاً إلى العراق ، وقد توفي علي
ابن موسى الرضا ، فلما أشرف المأمون من العراق وقرب من بغداد ضعف
إبراهيم ، وقصرت يده عن بذل الأموال ، وتفرق الناس عنه ، ولم يزل على
ذلك إلى أن صلى عيد الأضحى من سنة ٢٠٣ ثم عاد من الصلاة إلى قصر الرصافة
وأطعم الناس طعام العيد ومضى من يومه إلى داره إلى آخر النهار ، ثم خرج
منها ليلاً فاستقر وانتقض أمره ، وأقام في استتاره ست سنين وأربعة أشهر
وعشرة أيام .
٢٥ - ١
٣٨٥

(٢)*
(ترجمة إِبراهيم بن المهدي ، رقم : ٩، ص : ٤١، س : ٩)١
وكان المأمون لما دخل بغداد اختفى عمه [إبراهيم] المذكور والفضل بن الربيع
فجد المأمون في طلبها، فأما إبراهيم فإنه أُخذ لثلاث عشرة ليلة خلت من ربيع
الآخر سنة ٢١٠ ليلاً وهو منتقب بين امرأتين في زي امرأة ، أخذه حارس فدفع
إِليه إبراهيم من اصبعه خاتماً له قدر عظيم ، فلما رأى الحارس الخاتم وعليه فص
ياقوت استراب بالنسوة وحسر عن وجه إبراهيم فرأى لحيته فرفعه إلى صاحب
الجسر وحُمل إلى دار المأمون فأمر أن يقعد على هيئته إلى غدٍ ليراه بنو هاشم
والقواد والجند ، وصيروا المقنعة التي كان منتقباً بها في عنقه والملحفة في صدره
ليراه الناس كيف أُخذ ثم حُوّل إلى منزل أحمد بن أبي خالد فحبس عنده وبقي
إلى أن دخل المأمون ببوران بفم الصلح فأمر بحمل إبراهيم [بن المهدي] خلفه ،
فلما كان في الليلة التي دخل المأمون على بوران فيها وجلس المأمون معها يحادثها
وهما على حصير ذهب، نثرت جدتها عليها ألف درّة كبار كانت في صينية ذهب،
فتناثر الدر على الحصير فلما رآه المأمون قال : قاتل الله أبا نواس كأنه حاضر
هذا [المجلس] في قوله :
كأنَّ صغرى وكبرى من فواقعها حصباء دُرّ على أرض من الذهب
فأمر المأمون بجمعه فجمع ووضعه في حجرها وقال لها : هذه نحلتك فسلي
حاجتك ، فأمسكت فقالت لها جدتها : كلمي سيدك ومولاك وسليه حوائجك
فقد أمرك ، فسألته الرضى عن إبراهيم المذكور ، فقال : قد فعلت ، وسألته
الإذن لأم جعفر زبيدة أم الأمين في الحج فأذن لها ، فلما كان من الغد دعا
إبراهيم فلما دخل عليه قال : هيه يا إبراهيم ، فقال : يا أمير المؤمنين وليُّ الثأر
١ وردت هذه الزيادة أيضاً في نسخة آيا صوفيا: ٦ أ - ٧ ب وما وضع بين معقفين فيها هو
إضافة من هذه النسخة على نسخة د .
٣٨٦

محكَّم في القصاص والعفو أقرب للتقوى، وقد جعلك الله فوق كل ذي ذنب كما
جعل كل ذي ذنب دونك، فإن تعاقب فبحقك وإن تعف فبفضلك ، قال : بل
أعفو يا إبراهيم ، فكبر وسجد ورفع رأسه قائلاً يمدح المأمون :
يا خير من زملت إليه مطية بعد الرسول الآيس ولطامع
من جملتها :
عفو ولم يشفع إليك بشافع
فعفوت عن من لم يكن عن مثله
ظفرت يداك بمستكين خاضع
إِلا العلو عن العقوبة بعدما
وعويل عانسةٍ كقوس النازع
فرحمت أطفالاً كأفراخ القطا
جهد الآلية من حنيف راكع
الله يعلم ما أقول فإنها
أسبابها إِلاَّ بنية طايع
ما إن عصيتك والغواة تمدني
في صلب آدم للامام السابع ]
[ ان الذي قسم الخلافة حازها
فذكر أن المأمون قال حين أنشده هذه القصيدة : أقول كما قال يوسف
لإخوته ﴿ لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين﴾. وقيل إن
المأمون استشار أصحابه في إبراهيم [ بن المهدي ] فأشار كل واحد بما حضره
فأقبل على الحسن بن سهل فقال له : ما تقول أنت ؟ قال : يا أمير المؤمنين إن
عاقبت فلك نظير وإن صفحت فلا نظير لك ، فعفا عنه .
وكان المأمون أرسل إلى شكلة أم إبراهيم يتوعدها [بالقتل] فأرسلت إليه:
اني من أمهاتك فإن كان ابني عصى الله فيك فلا تعصِهِ فيَّ .
وأما الفضل بن الربيع فسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى في ترجمته في حرف الفاء .
وكان إبراهيم المذكور قد ترك الغناء آخر عمره وذلك أنه قال : كنت يوماً
عند الرشيد في مجلس خلوة لم يحضره إلا جعفر بن يحيى البرمكي فبكى فقلت :
يا أمير المؤمنين لا أبكى الله عينك ، فقال : أنت أبكيتني يا إبراهيم لأنك مع
كمالك وأدبك ومعرفتك قد اشتهرت بالغناء واخترته ولزمته حتى عطلت ما
يسمو إليه مثلك وكأني بك غداً وقد ملك بعض ولد أخيك فأمرك ونهاك
وامتهنك في الغناء وإنما امتهن المهدي بك ؛ قال : فلما كان في أيام المعتصم
٣٨٧

حضر يوماً منها مجلسه وكان الإفشين حاضراً ، فلما أرادوا الانصراف قال
الإفشين: يا أمير المؤمنين جعلني الله فداك تطوَّلْ على عبدك بالتقدم إلى الندماء
أن يكونوا غداً عندي ، فأمرهم المعتصم بالمسير إِليه ، فقال : ويجيبني سيدي
إبراهيم، قال: يا عم أجبه، فصار إليه إبراهيم من غد وبكر عليه الندماء جميعاً
فسر وشرب حتى سكر وكان طاغياً شديد العربدة لجوجاً فلما عمل فيه السكر
قال : يا إبراهيم غنني صوتك الذي فيه مو مو، قال : لا أعرف هذا الصوت ،
قال: تغني والله أبداً كل شيء تحسنه حتى يمر هذا الصوت ، قال : فغنى أصواتاً
كثيرة والى بينها والإفشين ساكت ضارب بذقنه على صدره ، ثم خطر ببال
إبراهيم قول الرشيد وبكاؤه وإشفاقه عليه فغنى متفجعاً لذكره :
لم ألقَ بعدهمُ قوماً فأخبرهم ألا يزيدهمُ حبّاً إلي هم
فرفع الإفشين رأسه وقال : هو هو، فقال إبراهيم : أما إنك لا تدري ما
استخرجه، وانصرف فقطع الغناء وأهله ولم يتغن بقية أيامه حتى اعتل العلة التي
توفي فيها ؛ فإنه لما ثقل دعا المعتصم صالح بن الرشيد فقال: صِير إلى عمي فقد
بلغني أنه أصبح عليلاً فأحضره وانصرف إليَّ بخبره ، قال : فصرت إِليه فإِذا
هو شديد العلة فسلّمتُ عليه وسألته عن حاله فقال : صر إلى الحجرة فاخلع
سيفك وسوادك وعد إِليَّ آنس بك ساعة، ففعلت، ودعا خادماً من خدمه فأمره
أن يحضر طعاماً فأكلت وهو ينظر إليَّ وأتبين الأسف في عينيه ، ثم دعا لي
بأرطال مطبوخ عجيب فشربت ، ثم قال: يا غلام ادع بنعمة وخيزرانة، وكانت
نعمة تغني وخيزرانة تضرب ، فجاءنا فأمر هذه فضربت وهذه فغنت ثم قال :
أسندني، فأسندناه فأمر خيزرانة فحطت من طبقتها ثم اندفع يغني :
يشربون الخمر بالماء الزلال
رب ر کب قد أُناخوا حولنا
و كذاك الدهر حال بعد حال
ثم أضحوا لعب الدهر بهم
إِنه منها على قرب زوال
من رآنا فليوطِّنْ نفسه
قال : فاستوفاه ، فما سمعت قط شيئاً أحسن من غنائه فيه ، ثم قال : بأبي
أنت أزيدك ؟ قلت : ما أريد أن أشقَّ عليك مع ما أراه من حالك فليتني
٣٨٨

كنت فداك ، فقال : دعني أودع نفسي ، وتغنى :
يا منزلاً لم تبلَ أطلاله حاشا لأطلالك أن تبلى
لم أبك أطلالك لكنني بكيت عيشي فيك إِذ ولى
والعيش أولى ما بكاه الفتى لا بد للمحزون أن يسلى
فبكيت لطيب غنائه وشربت أرطالاً ومال على جنبه ونهضت فلبست
سوادي ، فما خرجت من الحجرة حتى سمعت الصراخَ عليه فصرت إلى المعتصم
فأخبرته الخبر على وجهه فاسترجع وبكى وتفجع .
(٣) *
(ترجمة إبراهيم النديم الموصلي، رقم: ١٠، ص: ٤٢، س : ١٧)
سأله يوماً المعتصم عن معرفة النغم كيف يميز بينها على تشابها واختلافها
فقال : يا أمير المؤمنين إن من الأشياء ما يحيط به العلم ولا تؤديه الصفة ، وكان
يقول : حق الصوت الحسن أن يرد أربع مرات فالأولى بديهة والثانية التفخيم
٠
والثالثة للفرح والرابعة للتشبع
قال١ إبراهيم النديم : ولما أردنا الانصراف ليلة عن المأمون التفت إلى إبراهيم
ابن المهدي المذكور قبله فقال : بحقي عليك يا عم لما صنعت أبياتاً وصنعت عليها
لحناً ، ثم قال لي مثل ذلك وقال : بكّرا علي فقد اشتهيت الصبوح غداً، قال
[أبو] إسحاق: فقلت والله لأكيدن إبراهيم ولأسرقنه، فلما صليت العشاء الآخرة
ركبت وصرت إلى ساباط لإبراهيم كان له عليه مجلس يقعد فيه فدعوت الحارس
فأعطيته ديناراً وقلت له : لا تُعلم أحداً بمكاني ، وصرفت غلامي وأمرته أن
يأتيني بدابتي سحَراً فلم ألبث أن جاء إبراهيم فجلس في مجلسه ذلك ودعا جواريه
وجعل يلقنهن الشعر وقد صاغ عليه اللحن فهو يضرب بالعود وأنا أضرب على
١ من هنا وحتى نهاية هذا الخبر، اشتركت نسخة دمع نسخة آيا صوفيا: ٨ ب - ٩ أ في هذه
الزيادة، وما وضع بين معقفين فيها هو إضافات ضرورية من نسخة آيا صوفيا على نسخة د .
٣٨٩

فخذي إيقاع الصوت حتى أخذته وأحكمته ، فلما كان السحر أقاني غلامي بدابتي
فصرت من فوري إلى باب المأمون فقال لي أحمد بن هشام : بكرت ، ثم دخل
فأعلمه فأذن لي فدخلت على المأمون فقال: أكلت ؟ فقلت: لا، فدعا لي بالطعام،
وقد كان أكل وشرب ، فغنيته بشعر إبراهيم ولحنه وهو :
قالت نظرتَ إلى غيري فقلت لها وماء دمعي من عينيَّ محدورُ
نفسي فداؤك طرف العين مشترك والقلب مني عليك الدهر مقصور
مما يقاسي بظهر الغيب مستور
العين تنظر أحياناً وباطنه
فطرب المأمون عليه وشرب ، فما لبثنا ساعة واحدة حتى استؤذن لإبراهيم
ابن المهدي فأذن له فدخل فدعا له بالطعام وسقي ثم جلس فغنى هذا الشعر في
هذا اللحن فقال المأمون : يا هذا أراك تسرق أشعار الناس وتدعيها لنفسك ،
واحمرت عيناه وغضب غضباً شديداً وكاد يسطو بإبراهيم، فقام إبراهيم على قدميه
وقال : وقرابتِك من رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيعتك في عنقي ما سبقني
إليه أحد ، فقال المأمون: هذا [أبو] إِسحاق بعينه، وقال: يا أبا إسحاق عنه ،
فغنيته فبقي إبراهيم مبهوتاً لا يحير جواباً ، فلما رأيت المأمون على تلك الحال
قلت : يا أمير المؤمنين الشعر واللحن له ولكن سرقته منه اللصوص ، وحدثته
الحديث فسكن حينئذ وقال : يا أحمد بن هشام خذ من مال إبراهيم ثلاثين ألف
درهم وادفعها إِلى [أبي] إسحاق لتضييع إبراهيم سره، فغدوت على إبراهيم فقلت:
أيها الأمير اقبلها مني ، واعتذرت إليه فقال : لا أقبل منك ما جاد به أمير
المؤمنين لكن كدت والله يسفك دمي يا أبا إسحاق فلا تعد في المزاح إلى مثلها
فإن الملوك تعفو عن الكثير وتقتل في اليسير .
٣٩٠

(٤)*
( ترجمة إبراهيم الصولي ، رقم : ١١، ص : ٤٤، س : ٥) ١
ومن رقيق شعره قوله بين يدي المتوكل حين أحضر لمناظرته أحمد بن المدبر
ارتجالاً :
صدّ عنّي وصدّق الأقوالا وأطاع الوشاةَ والعدّالا
أتراه يَكونُ شهرَ صدودٍ وعلى وجهه رأيتُ الهلالا
فطرب المتوكل واهتز ووصله وخلع عليه وحمله وجدّد له ولاية ؛ وهل في
التلطف والاستعطاف أكثر من هذا ؟ وكان محمد بن عبد الملك الزيات وزير
المعتصم صديقاً لإبراهيم المذكور فلما ولي الوزارة صادره بألف ألف وخمسمائة
ألف درهم فقال الصولي : وكنت أخي ... ( الأبيات ) ؛ وله فيه أيضاً :
كن كيف شيتَ وقل ما تشا وابرق يميناً وارعدْ شمالا
نجا بك لؤمك منجى الذباب حمته مقاذيره أن يُنالا
ولعمري لقد بالغ فيه ؛ [ وكان يقول: الخبز ليومه والطبيخ لساعته
والنبيذ لسنته ]٢.
ومن تغزل إبراهيم المذكور قوله :
أراك فلا أردُ الطرفَ كيلا يكونَ حجابَ رؤيتك الجفونُ
لما استقصتْ محاسنَك العيون
ولوَ اني نظرتُ بكلِّ عينٍ
ومن شعره أيضاً :
دنت بأناس ..... ( البيتين )
١ اشتركت في هذه الزيادة نسختا د وآيا صوفيا (٩ ب) مع بعض الاختلاف في النص والترتيب.
٢ ما بين معقفين سقط من د وثبت في نسخة آيا صوفيا .
٣٩١

(٥) *
(ترجمة الصابىء، رقم: ١٥، ص: ٥٢، س : ١٦)
حضر يوماً مائدة المهلبي فامتنع من أكل باقلا عليها لأنه محرم على الصابئة
كيفما كان مع السمك ولحم الخنزير ولحم الجمل وفراخ الحمام والجراد ، فقال
له المهلبي : يا أبا إسحاق لا تتبرد وكل من هذا الباقلا ، فقال : أيها الوزير لا
أريد أن أعصي الله في مأكول ، فاستحسن ذلك منه .
وكان الصاحب يحبه أشد المحبة ويتعصب له ويتعهده على بعد الدار بالمنح ؛
وله رسائل وقصائد كثيرة إِليه وفيه . ومن عنوان طبقته قوله يذم شخصا١ً:
هو أخفض قدراً ومكانة ، وأظهر عجزاً ومهانة ، من أن تستقل به قدم في
مطاولتنا ، أو تطمئن له ضلوع على منابذتنا ، وهو في نشوزه عنا وطلبتنا إياه
كالضالة المنشودة ، وفيما نرجوه من الظفر به كالظلامة المردودة .
وله٢ إلى بعض الوزراء وقد أهدى إليه دواة ومرفعاً: قد خدمت مجلس
سيدنا بدواة تداوي مرض عفاته ، وتدوي قلوب عداته ، على مرفع يؤذن
بدوام رفعته ، وارتفاع النوائب عن ساحته .
ما أخرج من شعره في الغزل من ذلك قوله :
فمن مثل ما في الكأسِ عينيَ تسكبُ
تورَّدَ دمعي إذ جرى وهُدامتي
جفونيَ أم من عبرتي كنتُ أُشربُ
فوالله لا أدري ابالخمر أسبلتْ
وقوله :
أقولُ وقد جرَّدتها من ثيابها وعانقتها كالبدر في ليلة التمّ
وقد آلمت صدري بشِدة ضمها لقد جبرتْ قلبي وإِن أوهنت عظمي
١ ورد هذا الخبر في نسخة آيا صوفيا : ١١ ب أيضاً .
٢ ورد هذا الخبر في نسخة آيا صوفيا: ١١ ب أيضاً، مع اختلاف يسير في النص.
٣٩٢

(٦)*
( ترجمة الصابىء، رقم: ١٥، ص: ٥٣، س : ١٣)
وكتب إلى عضد الدولة يومٍ مهرجان مع إِصطرلاب أهداه إليه :
أهدى إليكَ بنو الآمال واحتفلوا في مهرجانٍ جديدٍ أنت معليه١ِ
علوّ قدرك عن شيء يدانيه
أهدى لك الفلك الأعلى بما فيهِ
لكنَّ عبدك إِبراهيم حين رأى
لم يرض بالأرض مهداة٢ إليك فقد
وقوله في مدخنة :
ومحرورة الأحشاء تحسب أنها متيَّمةٌ تشكو من الحبِّ تبريحا
وتجهله الأذنُ السميعةُ إذ يوحى
تناجیك نجوی يسمع الأنف وحیها
أشاعته تفصيلاً وأفشته مشروحا
إذا استودعتْ سرّاً من الطيب مجملاً
يُحرّق فيها الندّ عَوداً وبدأةً فتأخذه جسماً وتبعثه روحا
ومما يقارب ذلك ما حكى ابن السنبلي: بعث إلى صديق له ورداً وقرابه
ليستقطر ماءه وكتب معه :
يا سيداً أصبحت خلائقه كالروضِ ريحُ الصَّبا تدمثه
بعثتُ ورداً حيّاً إِليك عسى تقبضُ لي روحَهُ وتبعثه
..
١ وردت هذه الأبيات الثلاثة في نسخة آيا صوفيا : ١١ ب أيضاً، والبيت الأول فيها :
أهدى إليك بنو الآمال واحتشدوا في مهرجان عظيم أنت تعليه
٢ آيا صوفيا: يهديها.
٣٩٣

(٧)
(ترجمة الحصري، رقم : ١٦، ص : ٥٤، س : ١٥) ١
[وذكره أبو الحسن علي بن بسام في كتاب ((الذخيرة في محاسن أهل
الجزيرة))، وحكى شيئاً من أخباره وأحواله وأنشد جملة من أشعاره ، فمن
ذلك ما حكاه أبو صفوان] العتكي قال : كان أبو إسحاق الحصري كلفاً بالمعذرين،
وهو القائل :
ومعذرين كأن نبت خدودهم أقلام مسكٍ تستمدُ خلوقا
قرنوا البنفسجَ بالشقيق ونظَّموا تحت الزبرجدِ لؤلؤاً وعقيقا
[قال: ] وكان يختلف إليه غلام من أبناء أعيان أهل القيروان، وكان به كلفاً،
فبينا هو٢ يوماً والحصري جالس عنده وقد أخذا في الحديث إذ أقبل الغلام
[ كما قيل] :
في صورةٍ كملتْ تخالُ بأنها بدرُ السماء لستةٍ وثمانٍ
شمسُ الضحى تعشى بها العينانِ
يُعشي العيونَ ضياؤها فكأنه
فقال له الشيخ : يا أبا إسحاق ما تقول فيمن هام بهذا الغلام وصبا بهذا الحد؟
فقال له الحصري : الهيمان والله به في غاية الظرف ، والصبوة إِليه من تمام
اللطف ، لا سيما إِذ شاب كافور خده هذا المسك الفتيت ، وهجم على صبحه
هذا الليل البهيم ، ووالله ما خلت سواده في بياضه إلا بياض الإيمان في سواد
الكفر، أو غيهب الظلماء في منير الفجر ؛ فقال : صفه يا حصري ، فقلت : من
ملك رق القول حتى انقادت له صعابه ، وذل له جموحه وسطع له شهابه، أقعدُ
مني بذلك، فقال: صفه فإني مُعملٌ فكري فيه، ثم أطرقا لحظة فقال الحصري:
١ اشتركت نسختا دوآيا صوفيا (١٢ أ - ١٢ ب) في هذه الزيادة ، وما وضع بين معقفين فيها
هو إضافة من نسخة آيا صوفيا على نسخة د .
٢ أي الشيخ الذي يجالسه .
٣٩٤

أورد قلبي الردى لام عذار بدا
أسود كالكفر في أبيضَ مثل الهدى
1
فقال الشيخ : أتراك اطلعت على ضميري أم خضتَ بين جوانحي وزفيري ؟
فقال له : ولم ذاك أيها الشيخ ؟ قال : لأني قلت :
حرَّك قلبي وطار صولج لام العذار أسود كالليل في أبيض مثل النهار ".
(٨) *
(ترجمة ابن خفاجة، رقم : ١٧، ص : ٥٦، س : ١٤) ١
وله من أبيات يخاطب أبا بكر بن الحاج :
وما صدّتِ الحسناء عنك زهادةً ولكن زهاها أنها تُتَعشَّقُ
لأغلق رهناً في هواك وأعلق
فظلّت تجر الذيل تيهاً وإنها
هناك وما للرعد قد باتَ يشهق
وإلا فما للقطرِ قد فاض عبرةً
فدونكها حسناء ، لا أنَّ بعلها
قلاها ولكن ربَّ حَسنا تُطَلَّق
ومن شعره أيضاً :
وربَّ ليالٍ بالغميم أرقتها لمرضى جفونٍ بالفراتِ نيامِ
يطولُ عليّ الليل يا أُمَّ مالك وكل ليالي الصبّ ليل تمامٍ
وله أيضاً :
تلاقى نسيبي في هواها وأدمعي فمن لؤلؤ نظمٍ ومن لؤلؤ نَثْرِ
وقد خلعت ليلاً علينا يدُ الهوى رداء عناقٍ مزَّقته يدُ الفجرِ
١ اشتركت نسخة آيا صوفيا (١٣ أ و١٣ ب) مع نسخة د في هذه الزيادة ، مع اختلاف يسير
في ترتيب المقطوعات .
٣٩٥

(٩)*
(ترجمة إبراهيم الغزي الشاعر، رقم: ١٨، ص : ٥٩، س : ١)
وله أيضاً :
تسمَّى بأسماء الشهور فكفُّهُ جمادى وما ضمَّت عليه المحرَّم
وله أيضاً :
أمِطْ عنِ الدررِ الزهرِ اليواقيتا واجعل لحجّ تلاقينا مواقيتا
فثغرك اللؤلؤ المبيضُّ لا الحجر المسودّ لاثمه يطوي السباريتا
واللثم يححفُ بالملثوم كثرته حاشا ثناياك من وصم وحوشيتا
للرعد كرّاتهم صوتاً ولا صيتا
وفتيةٍ من كماة الترك ما تركت
حُسناً وإِن قوتلوا كانوا عفاريتا١
قوم إذا قوبلوا كانوا ملائكة
العلم يُوتى ولا يأتي وليس لمن يغتابني فيه إلا أنه يوتى
(١٠)*
(ترجمة المروروذي، رقم: ٢٣، ص: ٦٩، س: ٨)
حكى٢ أبو حامد المذكور قال: وقف سائل من هؤلاء الأنكاد علينا في
جامع البصرة وفي المجلس جماعة فسأل وألح، فقلت له [وقد ضجرت]: يا هذا
نزلت بواد غير ذي زرع ، فقال : صدقت ولكن تجبى إليه ثمرات كلّ شيء ،
فضحكت منه الجماعة ووصلته بشيء .
ومثل هذه النادرة ما أخبرني الفقيه أمين الدين ابن الفقيه نصر رحمه الله
١ ورد هذا البيت والبيت الذي قبله في نسخة آيا صوفيا : ١٤ ب أيضاً .
٢ اشتركت نسخة آيا صوفيا (١٦ ب) مع نسخة د في هذا الخبر ، وما بين معقفين فيه زيادة من
آيا صوفيا (وانظر الإمتاع ١٠٠:٣).
٣٩٦

تعالى وهو يومئذ [ شاب] وصاحب ديوان الأحباس يكتب أسماءهم يستعدّ بهم
المضيّ للحاق بالمقام السلطاني في مهمّ، فاعتذر رجلٌ منهم فخطَّ على اسمه
وكتب غيره ، فقام رجل آخر ليعتذر فقال: المملوك كما قال الله تعالى: ﴿إِن
بيوتنا عورة﴾ فقال له الفقيه أمين الدين المذكور: صل"، يشير إلى بقية الآية
وهي قوله: ﴿وما هي بعورة إِن يريدون إِلا فراراً﴾ فضحك البرهانُ ضحكاً
شديداً وقال : لا أجمع عليك بين تندير الفقيه وبين تكليفك للمجيء ، ثم خطًّ
على اسمه وكتب غيره ...
(١١)*
(ترجمة ابن أبي دواد، رقم: ٣٢، ص : ٨٣، س : ١٢) ١
حكى أبو مالك جرير بن أحمد بن أبي دواد قال : قال الواثق يوماً لأبي
تضجراً بكثرة حوائجه : يا أحمد قد اختلت بيوت الأموال بطلباتك للأئذين
بك والمتوسلين إليك ، فقال : يا أمير المؤمنين نتائج شكرها متصلة بك وذخائر
أجرها مكتوبة لك، وما لي من ذلك إلا عشق اتصال الأنسِ بعلوّ المدح فيك،
فقال: يا أبا عبد الله ، لا منعناك ما يزيد في عشقك ويقوّي من همتك فينا ولنا.
ومثل هذا حكى الثعالبي عن إبراهيم بن السندي قال : قلت في أيام ولايتي
الكوفة لرجل من وجوهها كان لا يخفّ كدّه ولا يحفّ قامه ولا تستريح حر كته
في طلب حوائج الناس وإدخال المرافق على الضعفاء ، وكان وجيهاً ذا مروة
وفصاحة : خبرني عن الشيء الذي هوَّن عليك هذا المنصب وقوّاك على تكاليف.
النّصَب ما هو ؟ فقال: قد والله سمعت تغريد الأطيار بالأسحار وأصوات
القيان فما طربت قط كطربي من ثناء حسن من رجل محسن ، قلت : لله درك
ولله أنت قد حُشيتَ مروة وكرماً .
وقال أبو العيناء: ما رأيتُ أفصحَ لساناً ولا أصوبَ رأياً ولا أحضر حجة من
١ اشتركت نسختاد وآيا صوفيا (١٩ أ - ١٩ ب) في هذه الزيادة.
٣٩٧

ابن أبي دؤاد ؛ قال له الواثق: رُفِعَتْ فيك رقعة فيها كيت وكيت ، فقال :
ليس بعجيب أن أُحسد بمنزلتي من أمير المؤمنين فيكذب علي ؛ قال : وزعموا
أنك وليتَ القضاء رجلاً أعمى ، قال : بلغني أنه إنما عمي على بكائه على أمير
المؤمنين المعتصم فحفظت ذلك له وأمرته أن يستخلف ؛ قال : وفيها أنكَ
أعطيتَ شاعراً ألفَ دينار ، قال : كان دون ذلك ، وقد أثاب رسول الله صلى
الله عليه وسلم كعباً وقال في آخر: اقطعوا لسانه عني، وهذا شاعر طائي مصيب
محسن لو لم أدع له إلا قوله فيك للمعتصم:
فاشددْ بهارون الخلافة إنه سكنٌ لوحشتها ودارٌ قرار
ولقد علمت بأن ذلك معصمٌ ما كنت تتركه بغير سوار
فقال الواثق : قد وصلتُهُ بخمسمائة دينار .
وقيل إنه دخل على الواثق بعدما حصل له الأمر فقال : ما زال قوم اليوم
في ثلبك ونقصك يا أحمد ، قال فقلت : يا أمير المؤمنين ﴿ لكل امرىءٍ منهم
ما اكتسب من الإثم ، والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم ﴾ فالله وليّ جزائه
وعقاب أمير المؤمنين من ورائه ، وما ضاع أمر أنت حافظه ولا ذل من كنت
ناصره ، فماذا قلت لهم يا أمير المؤمنين ؟ قال : قلت يا [أبا] عبد الله:
وسعى إليَّ بعيب عزة نسوة جعل الإله خدودهنَّ نعالها
(١٢)*
(ترجمة أبي العلاء المعري، رقم: ٤٧، ص: ١١٤، س : ٢١)
وله في الشمعة :
وصفراء مثلي في هواها جليدة على نوب الأيام والعفِ والضنك
تريك ابتساماً دائماً وتهللاً وصبراً على ما نالها وهي في الهلك!
١ ورد هذا البيت والبيتان اللذان بعده في نسخة آيا صوفيا: ٢٦ أ أيضاً.
٣٩٨

تخالون أني من حذار الردى أبكي
فلو نطقتْ يوماً لقالت أظنكم
فلا تعجبوا من ضحكها وابتسامها
فقد تدمعُ العينان من كثرة الضحك
وله أيضاً :
لك الحمد أمواه البلادِ كثيرةٌ عِذاب وَخُصَّتْ بالملوحةِ زمزمُ
هو الحظُّ عَيرُ الوحش سافَ بأنفه الـ خزامى وأنفُ العَوْدِ بالعُود يخزمُ
ويقتصر من شعره على هذا القدر ؛ وكان قد رثى الشريف أبا أحمد الموسوي
الملقب بالطاهر وعزَّى ولديه أبا الحسن الملقب بالمرتضى [وأخاه الرضيّ ]
بقصيدة فائيّة فأجاد فيها ....
(١٣)*
(ترجمة ابن شهيد، رقم : ٤٨، ص : ١١٧، س : ١)
[وذكره ابن بسام في كتابه ((الذخيرة)) وبالغ في الثناء عليه وأورد له
طرفاً وافراً من الرسائل والنظم والوقائع ، فمن ذلك ما حكاه قال ]١ :
كان المنصور قد عزم على الانفراد بالحرم وأمر بإحضار من جرى رسمه
في مثل ذلك اليوم من الوزراء والندماء ، وأحضر ابن شهيد في محفة النقرس
كان به وأخذوا في شأنهم فمر لهم يوم لم يشهدوا مثله ووقت لم يعهدوا نظيره ،
وطما الطرب وسما بهم حتى تهايج القوم ورقصوا وجعلوا يرقصون بالنوبة حتى
انتهى الدور إلى ابن شهيد ، فأقامه الوزير أبو عبد الله ابن عياش فجعل يرقص
وهو متوكىء عليه ويرتجل ويومىء إلى المنصور وقد غلبه السكر :
هاك شيخ قاده عذر لكا قام في رقصته مستمسكا
عاقه عن هزها منفرداً نقرس أخنى عليه فاتكا
١ هذا الخبر الذي جاءت به نسختا د وآيا صوفيا، لا يتصل بالمترجم به وإنما يروى عن أبيه ،
فان أبا عامر صاحب الترجمة لم يدرك عهد المنصور بن أبي عامر ؛ وما بين معقفين اضافة من
نسخة آيا صوفيا ، وقد سقط من د .
٣٩٩

أنا لو كنت كما تعرفني قمت إجلالاً على رأسي لكا
قهقه الإبريق مني ضحكاً ورأى رعشة رجلي فبكى
وكان حاضرهم ابن لنكك البغدادي وكان حسن النادرة سريعها فقال : لله
درك يا وزير ترقص بالقائمة وتصلي بالقاعدة ! فضحك المنصور والحاضرون .
(١٤) *
(ترجمة المتنبي ، رقم: ٥٠، ص : ١٢١، س: ٩)
وقال أبو بكر الخوارزمي : كان أبو الطيب المتنبي قاعداً تحت قول الشاعر:
وإِن أحقّ الناسِ باللوم شاعرٌ يلومُ على البخلِ الرجالَ ويبخلُ
وإِنما أعرب عن عادته وطريقته في قوله :
بليتُ بلى الأطلال إن لم أقفْ بها وقوفَ شحيح ضاع في الترب خاتمه
فحضرت عنده يوماً بحلب وقد أحضر مالاً من صلات سيف الدولة فصُب
بين يديه على حصير قد افترشه ووزن وأعيد في الكيس ، وإذا بقطعة كأصغر
ما يكون من ذلك المال وقد تخللت خلل الحصير فأكبً عليه بمجامعه ينقره
ويعالج استنقاذها منه ويشتغل بذلك عن جلسائه حتى توصل إلى إظهار بعضها
فتمثل ببيت قيس بن الخطيم :
تبدَّتْ لنا كالشمس بين غمامة بدا حاجبٌ منها وضنَّتْ بحاجب
ثم استخرجها وأمر بإعادتها إلى مكانها من الكيس، وقال: إنها تحضر المائدة.
وشرب١ أبو الطيب ليلة عند بدر بن عمار فنظر إلى ابنه وقد جلس نحو
الشمعة فقال :
..........
١ اشتركت نسختا د وآيا صوفيا: ٢٨ أ في هذا الخبر .
٤٠٠