النص المفهرس
صفحات 361-380
١٣٨ ابن فلاح الكتامي أبو علي جعفر بن فلاح الكُتاميُ؛ كان أحد قوَّاد المعز أبي تميم مَعَدِّ بن المنصور العُبَيْدي صاحب إِفريقية ، وجهزه مع القائد جوهر - الآتي ذكره - لما توجه لفتح الديار المصرية، فلما أخذ مصر بَعَثَهُ جوهر إلى الشام ، فغلب على الرَّملة في ذي الحجة سنة ثمان وخمسين وثلثمائة ثم غلب على دِمَشْق فملكها في المحرَّم سنة تسع وخمسين بعد أن قاتل أهلها ، ثم أقام بها إلى سنة ستين ، ونزل إلى الدكة فوق نهر يزيد بظاهر دمشق ، فقصده الحسن بن أحمد القرمطي المعروف بالأعصم ، فخرج إليه جعفر المذكور وهو عليل فظفر به القرمطي فقتله وقتل من أصحابه خلقاً كثيراً ، وذلك في يوم الخميس لست خَلوْنَ من ذي القعدة سنة ستين وثلثمائة ، رحمه الله تعالى . وقال بعضهم : قرأت على باب قصر القائد جعفر بن فلاح المذكور بعد قتله مكتوباً : يا منزلاً عبِثَ الزمانُ بأهله فأبادَهُمْ بتفَرُّق! لا يُجْمَعُ كان الزمانُ بهم يَضُرُّ ويَنفَعُ أيْنَ الذين عهدتُهُم بِك مَرَّةً وكان جعفر المذكور رئيساً جليل القدر ممدوحاً، وفيه يقول أبو القاسم محمد بن هانىء الأندلسي الشاعر المشهور : كانت مُساءلةُ الرُّكْبان تُخبرُني عَنْ جَعْفَر بن فَلاح أطيبَ الخبرِ ١٣٨ - ترجمة جعفر بن فلاح في الحلة السيراء ١: ٣٠٤ واتعاظ الحنفا (في عدة مواضع ) والإشارة الى من نال الوزارة: ٣٠ - ٣٢ والبيان المغرب ١: ٢٣١ وصفحات متفرقة من الدرة المضية (جـ : ٦) . ١ أج وآيا صوفيا: بتشتت . ٣٦١ حتى التَّقَيْنا فلا والله ما سمِعَتْ أذني بأَحْسَنَ مما قَدْ رأى بصَري والناس يروون هذين البيتين لأبي تمام في القاضي أحمد بن أبي دواد ، وهو غلط، لأن البيتين ليسا لأبي تمام، وهم يروونهما ((عن أحمد بن دواد)) وهو ليس بابن دواد ، بل ابن أبي دواد ، ولو قال كذا لما استقام الوزن . ١٣٩ ابن شمس الخلافة أبو الفضل جَعْفَر بن شمس الخلافة أبي عبد الله محمد بن شمس الخلافة مختار الأَفْضَلِي الملقب مجد الملك الشاعر المشهور؛ كان فاضلاً حسن الخط ، وكتب كثيراً، وخطُّه مرغوب فيه لحسنه وضبطه، وله تواليف جمع فيها أشياء لطيفة دلَّت على جودة اختياره١ ، وله ديوان شعر أجاد فيه ، نقلت من خطه لنفسه : هي شِدَّة يأتي الرخاءُ عقيبها وأسَّى يبشّر بالسُّرور العاجلِ وإِذا نَظرْتَ فإن بؤساً زائلاً للمَرْءِ خيرٌ من نعيم زائلٍ وله أيضاً في الوزير ابن شكر ، وهو الصفي أبو محمد عبد الله بن علي، عُرف بابن شكر ، وزير الملك العادل وولده الملك الكامل رحمهما الله تعالى : مدحَتْكَ ألسنَةُ الأنامِ مَخافةً وتشاهَدَتْ لك بالثناءِ الْأَحْسَنِ أترى الزمانَ مؤخراً في مُدَّتِي حتى أعيشَ إلى انطِلاقِ الألسُنِ هكذا أنشدنيهما بعضُ الأدباء المصريين ، ثم وجدتهما في مجموع عتيق ولم يسم ١ طبع له كتاب («الآداب)» (القاهرة ١٩٣٠). ٣٦٢ قائلهما، وطريقته في الشعر حسنة . [ وله أيضاً : أعطِ وإِن فاتك [الثراء] ودع سبيل من ضنَّ وهو مقتدرُ فكم غني بالتاس عنه غنِّ وكم فقير إليه يُفتقرُ وله أيضاً : كفّ وعرضي إذا ما سألت عن أخباري هذا من الكاس كاسٍ وذا من العار عاري ] وكانت ولادته في المحرم سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة ، وتوفي في الثاني عشر من المحرم سنة اثنتين وعشرين وستمائة بالموضع المعروف بالكوم الأحمر ظاهر مصر ، رحمه الله تعالى . والأفضلي - بفتح الهمزة وسكون الفاء وفتح الضاد المعجمة وبعدها لام - هذه النسبة إلى الأفضل أمير الجيوش بمصر . وتوفي والده في ذي الحجة سنة تسع وستين وخمسمائة ، ومولده سنة عشرين وخمسمائة . ١٤٠ جعبر القشيري الأمير جَعْبَر بن سابق القُشَيري الملقب سابق الدين الذي تُنسب إليه قلعة جعبر ؛ لم أقف على شيء من أحواله سوى أنه كان قد أسَنَّ وعمي ، وكان له ولدان يقْطَعان الطريق ويخيفان ١ السبيل، ولم يزل على ذلك والقلعة بيده حتى ١٤٠ - انظر معجم البلدان: (جعبر) وقد سماه هنالك ((جمبر بن مالك)». ١ هـ : ويخوفان . ٣٦٣ انتزعها منه السلطان ملك شاه بن ألبَ أرسلان السلجوقي الآتي ذكره ، ثم قُتل بعد ذلك في أوائل سنة أربع وستين وأربعمائة ، رحمه الله تعالى. هكذا وجدته في بعض التواريخ وفي نفسي منه شيء ، فإِن السلطان ملك شاه ما ملك إلا بعد قتل أبيه ألبَ أرسلان ، وأبوه قتل في سنة خمس وستين وأربعمائة - كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى - إِلا إِن كان قد تغلب على القلعة في حياة أبيه وهو نائبه ، أو يكون تاريخ وفاة جعبر غلطاً، وقد نبهت عليه لئلا يتوهم مَنْ يقف عليه أن الغلط كان مني ، أو أنه مَرَّ بي ولم أتنبه له ، فاعلم ذلك . ثم إني بعد هذا حققت هذا الأمر، فوجدت أن ملك شاه السلجوقي لما توجه إلى حلب ليأخذها اجتاز بهذه القلعة ، وقتل جعبراً المذكور لما بلغه عنه من الفساد وأخذ القلعة منه وسار إلى حلب وذلك في سنة تسع وسبعين وأربعمائة ، ويقال لهذه القلعة : الدَّوْسَريّة، وهي منسوبة إلى دَوْسَر غلام النعمان بن المنذر ملك الحِيرةِ ، وكان قد تركه على أفواه الشام، فبنى هذه القلعة فنسبت إليه. والجَعْبَرُ في اللغة: القصير الغليظ، وهو بفتح الجيم وسكون العين المهملة وبعدها باء موحدة مفتوحة ثم راء . ١٤١ نصير الدين جقر أبو سعيد جَقَرُ بن يَعقوب الهمذاني الملقبُ نصير الدين؛ كان نائب عماد الدين زَنكي صاحب الجزيرة [الفراتية] والموصل والشام، استنابه عنه بالموصل، وكان جباراً عَسوفاً سفاكاً للدماء مستحلاً للأموال، قيل: إنه لما أحكم عمارة سور الموصل أعجبه إِحكامه، فناداه مجنون نداء عاقل : هل تقدر أن تعمل سوراً يسد طريق ١٤١ - أخباره في صفحات متفرقة من التاريخ الباهر لابن الأثير . ٣٦٤ القضاء النازل ؟ وفي ولايته قصد الإمام المسترشد حصار الموصل ، فنازلها وضايقها مدة ، وكان جَقَرُ المذكور قد حصَّنها وحفر خنادقها فقاتل الخليفة ورجع عنها ولم ينل منها مقصودا١ً ، وذلك في شهر رمضان سنة سبع وعشرين وخمسمائة، وكان بالموصل فروخ شاه ابن السلطان محمود السلجوقي المعروف بالخفاجي. وذكر ابن الأثير في ((تاريخ دولة بني أتابك))٢ أن الخفاجي صاحب هذه الواقعة هو ألب أرسلان بن محمود بن محمد لتربية عماد الدين زنكي أتابك - ولذلك سمي أتابك، فإنه [اللالا] الذي يربي أولاد الملوك، فالأنا بالتركية ٣ هو الأب، وبك هو الأمير ، فأتابك مركب من هذين المعنيين - وكان جَقَرٌ يعارضه ويعانده في مقاصده، فلما توجه عماد الدين زنكي لمحاصرة قلعة البيرة قرر الخفاجي مع جماعة من أتباعه أن يقتلوا جَقَرَ، فحضر يوماً إلى باب الدار للسلام فنهضوا؛ إِليه فقتلوه وذلك في الثامن ، وقيل : يوم الخميس التاسع من ذي القعدة سنة تسع وثلاثین و خمسمائة°، وولى عماد الدين زنكي موضع جقر زين الدين علي بن بكتكين والد مظفر الدين صاحب إِرْبِلَ ، فأحسن السيرة وعدل في الرعية ، وكان رجلاً صالحاً ، رحمه الله تعالى . ولما عاد زنكي إلى الموصل استصفى أموال جقر واستخرج ذخائره وصادر أهله وأقاربه ، وكان جقر قد ولّى بالموصل رجلاً ظالماً يسمى بالقزويني، فسار سيرة قبيحة وكثر شكوى الناس منه ، فعزله وجعل مكانه عمر بن شكلة فأساء في السيرة أيضاً فعمل في ذلك أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد بن شقاقا الموصلي المتوفى سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة : يا نصيرَ الدين يا جَقَرُ ألفُ قَزْويني ولا عُمَرُ قال ابن الأثير (الباهر : ٤٧) : وحفظها نصير الدين أحسن حفظ وقام فيها المقام المرضي ... ١ فأقام الخليفة محاصراً لها نحواً من ثلاثة أشهر فلم يظفر بشيء . ٢ الباهر : ٧١ . ٣ أد : فان أنا بالتركية . ٤ أج : فوثبوا . ٥ هـ : سنة ٥٣٧ . ٣٦٥ لو رماه الله في سَقَرٍ لاشتكت من ظلمه سَقَرُ وجقر: بفتح الجيم والقاف وبعدهما راء، وهو اسم أعجمي وأظنه كان مملوكاً. ١٤٢ جميل بثينة أبو عمرو جميل بن عبد الله بن مَعْمَر بن صُباح - بضم الصاد المهملة - ابن ظبيان بن حُنّ - بضم الحاء المهملة وتشديد النون - ابن ربيعة بن حرام بن ضبّة ابن عبد بن كبير بن عُذرة بن سعد بن هُذَيم بن زيد بن لَيَث بن سُود بن أسلم ابن الحاف بن قُضاعة الشاعر المشهور؛ صاحب بثينة أحد عشاق العرب، عشقها وهو غلام ، فلما كبر خطبها فرُدَّ عنها فقال الشعر فيها، وكان يأتيها سرّاً، ومنزلهما وادي القرى ، وديوان شعره مشهور فلا حاجة إلى ذكر شيء منه . ذكره الحافظ ابن عساكر في ((تاريخ دمشق )) وقال: قيل له : لو قرأت القرآن كان أعْوَد عليك من الشعر ، فقال : هذا أنس بن مالك رضي الله عنه أخبرني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إِن من الشعر حكمة)). وجميل وبثينة كلاهما من بني عُذْرَة ، وكانت بثينة تكنى أم عبد الملك ، والجمال والعشق في بني عُذْرة كثير ؛ قيل لأعرابي من العذريين : ما بال قلوبكم كأنها قلوب طير تنماث كما ينماث الملح في الماء ؟ أما تتجلدون ؟ فقال : إِنا ننظر إلى محاجر أعين لا تنظرون إليها ، وقيل لآخر: ممن أنت ؟ فقال : أنا من قوم إذا أحبُّوا ماتوا ، فقالت جارية سمعته: هذا عُذريّ وربّ الكعبة (٣٥) *. وذكر صاحب الأغاني أن كُشَيِّر عَزَّة كان راويَةَ جميل، وجميل كان ١٤٢ - لجميل ترجمة في الأغاني ٨: ٩٠ والخزانة ١: ١٩١ والسمط: ٢٩ والمؤتلف : ١٦٨،٧٢ وتهذيب ابن عساكر ٣: ١٩٥ والموشح : ١٩٨. ٣٦٦ راوية هُدْبة بن خَتْرَم، وهُدْنة راوية الحطيئة، والخطيئة راوية زهير بن أبي سُلْمى وابنه كعب بن زهير . ومن شعر جميل من جملة أبيات : لليلى إذا ما الصَّفُ ألقى المراسِيا وخَبَّر تماني أن تيماءِ منزلٌ فَهَذي شهورُ الصيف عنّا قدِ انقَضَتْ فما للنّوى ترْمي بليلى المراميا ومن الناس من يُدخل هذه الأبيات في قصيدة مجنون ليلى ، وليست له ، وتيماء خاصة : منزل لبني عُذرة ، وفي هذه القصيدة يقول جميل : وما زلتُمُ يا بُثْنَ حتى لوَانَّني من الشوق أَسْتَبكي الحَمَامَ بكى ليا ولا كثرة النّاهينَ إِلا تماديا وما زادَني الواشُونَ إِلا صَبَابَةً سُلُوَّا ولا طولُ الليالي تَقالِيا وما أَحْدَثَ النأيُ المفرِّقُ بيننا أَظِلُّ إِذا لم ألْقَ وجْهَكِ صادِيا ألم تَعلمي يا عَذْبَةَ الريق أنني وفي النفس حاجاتٌ إليكِ كما هِيا لقد خِفْتُ أن ألقى المنيَّة بَغْتَةً وكان كثير عزة يقول : جميل والله أشعر العرب حيث يقول : وخبرتماني أن تيماء منزل لليلى إذا ما الصيف ألقى المراسيا ومن شعره : إِني لأحفَظُ سرّكم ويسُرّني لو تَعْلمين بصالح أن تُذكَري ويكونُ يومٌ لا أرى لك مُرْسَلّاً أو نلتقي فيه عَلَيَّ كأشْهُرِ يا ليتني ألقى المنيّةَ بغتة إِن كان يومُ لقائكم لم يُقْدَرِ ومنها : يهْواكِ ما عشتُ الفؤادُ وإِن أمُتْ يَتْبَع صَداي صداكِ بين الأقبُرِ ومنها : إني إليكِ بما وعدتِ لناظِرٌ نظَرَ الفقيرِ إِلى الغنيِّ المكثرِ ٣٦٧ يقضي الديون وليس يُنْجز موعداً هذا الغريم لنا وليس بمُغْسِير ما أنتِ والوعد الذي تَعِدينَني إِلا كبرقٍ سحابَةٍ لم تمطر ومن شعره من جملة قصيدة : من الوجد قالت ثابتٌ ويَزيدُ إذا قلتُ ما بي يا بثينة قاتِلِي بثينةُ قالت ذاكَ منك بعيدُ وإن قلت رُدِّي بعض عقلي أعِش به ومن شعره أيضاً : لو اسْتَيقَن الواشي لقرَّتْ بلابلُه وإني لأرضى من بثينة بالذي وبالأمَلِ المرجوّ قد خاب آملُه بلا وبألا أستطيع وبالمنى أو اخِرُهُ لا نلتقي وأوائِلُه وبالنظرة العَجْلى وبالحول تَنقَضي وله أيضاً : وإني لأستحبي منَ الناس أن أُرى رَديفاً لوَصل أو عليَّ رديفُ وأرضى بوَصلٍ منكِ وهوَ ضعيفٌ إِذا كثرت وُرّدُهُ لَعَيُوفُ وأشربُ رَنْقاً منكِ بَعْدَ موَدَّةٍ وإِنِّيَ للماء المخالِطِ القَذى وله من أبيات أيضاً : بعيدٌ على من ليْسَ يطلب حاجةٌ وأما على ذي حاجةٍ فقريبٌ بُشَيْنة قالت يا جميلُ أَرَبْتَني فقلتُ كِلانا يا بُئينَ مريبُ وأريَبُنا منْ لا يُؤدِّي أمانةٌ ولا يَحفَظ الأسرار حين يغيبُ وقال كثيتر عزة : لقيني مرة جميلُ بثينة فقال : من أين أقبلت ؟ فقلت : من عند أبي الحبيبة ، يعني بثينة ، فقال : وإلى أين تمضي ؟ قلت : إلى الحبيبة ، يعني عزة، فقال : لا بد أن ترجع عَوْدَكَ على بَدْئِكَ فتتخذ لي موعداً من بثينة ، فقلت : عهدي بها الساعة ، وأنا أستحي أن أرجع ، فقال : لا بد من ذلك ، فقلت : متى عهدك ببثينة ؟ فقال: من أول الصيف ، وقعت سحابة " بأسفل وادي الدَّوْمُ فخرجَتْ ومعها جارية لها تغسل ثياباً، فلما أبصرتني ٣٦٨ أنكرتني ، فضربت يدها إلى الثوب في الماء فالتحفت به ، وعرفتني الجارية فأعادت الثوب إلى الماء ، وتحدثنا ساعة حتى غابت الشمس ، فسألتها الموعد فقالت : أهلي سائرون ، ولا لقيتها بعد ذلك ، ولا وجدت أحداً آمنهُ فأرسله إليها ، فقال له كثير : فهل لك أن آتي الحي فأتعرض بأبيات شعر أذكر فيها هذه العلامة إن لم أقدر على الخلوة بها ؟ قال : وذلك الصواب ، فخرج كثير حق أناخ بهم ، فقال له أبوها : ما ردّك يا ابن أخي ؟ قال : قلت أبياتاً عرضتْ فأحببتُ أن أعرضها عليك ، قال : هاتها ، فأنشدته وبثينة تسمع : فقلت لها يا عَزَّ أُرْسِلُ صاحبي إليك رسولاً والرَّسول موَكَّلُ بأن تجعلي بيني وبينَكِ موعداً وأن تأمريني بالذي فيه أفعَلُ وآخرُ عَهْدي منك يوم لقيتني بأسفل وادي الدوم والثوب يُغسلُ قال : فضربت بثينة جانب خدرها وقالت : اخسأ اخسأ ، فقال لها أبوها : مهيم يا بثينة ؟ فقالت : كلب يأتينا إِذا نَوَّمَ الناس من وراء الرابية ، ثم قالت للجارية : ابغينا من الدّومات حطباً لنذبح لكثير شاة ونشويها له ، فقال كثير: أنا أعجل من ذلك ، وراح إلى جميل فأخبره ، فقال جميل : الموعد الدومات . وخرجت بثينة وصواحبها إلى الدومات ، وجاء جميل وكثير إليهن ، فما برحوا حق بَرَق الصبح ، فكان كثير يقول : ما رأيت مجلساً قط أحسن من ذلك المجلس ، ولا مثل علم أحدهما بضمير الآخر، ما أدري أيهما كان أفهم (٣٦) * . وقال الحافظ أبو القاسم المعروف بابن عساكر في تاريخه الكبير : قال أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري : أنشدني أبي هذه الأبيات لجميل بن معمر قال : وتروى لغيره أيضاً ، وهي١: ما زلت أبغي الحيَّ أتبَعُ فَلَهُمُ حتى دُفِعْتُ إِلى ربيبة هَوْدَجٍ ١ هي في ديوان عمر بن أبي ربيعة: ٧٣. ٢٤ - ١ ٣٦٩ فِدنَوْت مختفياً أُلمُّ بِبَيْتِها حتى ولجت إلى خفيِ المَوْلج بمخضَّب الأطراف غير مُشَنَّج فتناوَلَتْ رأسي لتعرف مَسّه لأنبهنَّ القومَ إِن لم تخرج قالت : وعيشِ أخي ونعمة والدي فعلمت١ُ أن يمينها لم تلجج فخرجْتُ خيفة قولها فتبسَّمَتْ فلثمتُ فاها آخذاً بقُرونِها شُرْبَ النزيف ببرد ماء الحَشْرج قال هارون بن عبد الله القاضي : قدم جميل بن معمر مصر على عبد العزيز ابن مروان ممتدحاً له ، فأذن له وسمع مدائحه وأحسن جائزته ، وسأله عن حبه بثينة فذكر وجداً كثيراً ، فوعده في أمرها وأمره بالمقام وأمر له بمنزل وما يصلحه ، فما أقام إلا قليلاً حتى مات هناك في سنة اثنتين وثمانين . وذكر الزبير بن بكار عن عباس بن سهل الساعدي قال : بينا أنا بالشام إذ لقيني رجل من أصحابي فقال : هل لك في جميل فإنه يعتلّ نعوده ؟ فدخلنا عليه وهو يجود بنفسه ، فنظر إلي وقال : يا ابن سهل ، ما تقول في رجل لم يشرب الخمر قط ولم يزن ولم يقتل النفس ولم يسرق يشهد أن لا إله إلا الله ؟ قلت: أظنه قد نجا وأرجو له الجنة، فَمَنْ هذا الرجل ؟ قال : أنا ، قلت له: والله ما أحسبك سلمت وأنت تُشَبِّبُ منذ عشرين سنة ببثينة ، قال : لا نالتني شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم وإني لفي أول يوم من أيام الآخرة وآخر يوم من أيام الدنيا إن كنت وضعت يدي عليها لريبة ، فما برحنا حتى مات . وقال محمد بن أحمد بن جعفر الأهوازي : مرض جميل بمصر مرضه الذي مات فيه ، رحمه الله تعالى ، فدخل عليه العباس بن سهل الساعدي ، وذكر هذه الحكاية ، والله أعلم بالصواب . وذكر في ((الأغاني)) عن الأصمعي قال : حدثني رجل شهد جميلاً لما حضرته الوفاة بمصر أنه دعا به فقال له : هل لك أن أُعطيك كل ما أخلفه على أن تفعل شيئاً أعهده إليك ؟ قال : فقلت : اللهم نعم، فقال : إذا أنا متُ ١ هـ : فعرفت . ٣٧٠ فخذ حُلَّتي هذه واعزلها جانباً ، وكل شيء سواها لك ، وارحل إلى رهط بثينة ، فإذا صرت إليهم فارتحل ناقتي هذه واركبها ، ثم البس حلتي هذه واشققها، ثم اعْلُ على شَرَف وصحْ بهذه الأبيات وخَلاَكَ ذَمَّ : وتَوَى بمصرَ ثواء غير قُقولِ صَرَخ النَّعِيُّ وما كَنى يحميلِ نَشْوانَ بين مَزارع وتخيلٍ ولقد أجرُّ البُرْدَ في وادي القرى وابکي خلیلك دون کل خلیلِ قومي بثينةُ فاندُبي بعویلِ قال : ففعلت ما أمرني به جميل ، فما استتممت الأبيات حتى بَرَزَتْ بثينة كأنها بدر قد بدا في دُجُنَّة وهي تَتَثنى في مِرْطِها حتى أتتني وقالت : يا هذا، والله إن كنت صادقاً لقد قَتَلْتني ، وإن كنت كاذباً لقد فَضَحْتني ، قلت: والله ما أنا إِلا صادق ، وأخرجت حلته ، فلما رأتها صاحت بأعلى صوتها وصكت وجهها ، واجتمع نساء الحي يبكين معها ويندبنه حتى صَعِقِت . فمكثت مغشياً عليها ساعة ثم قامت وهي تقول : وإِن سُلوِّي عن جَميل لَساعةٌ من الدهر ما حانَتْ ولا حان حينها سَواء علينا يا جميل بنَ مَعْمَرٍ إِذا مُتَّ بأساء الحياة ولينها وقد تقدم ذكر هذين البيتين في ترجمة الحافظ أبي الطاهر أحمد السلفي١ ، قال الرجل : فما رأيت أكثر باكياً ولا باكية من يومئذ . ....... ....... ... .. ١ انظر ما سبق ص : ١٠٦. ٣٧١ ١٤٣ جنادة الهروي أبو أسامة جنادة بن محمد اللغوي الأزدي الهَرَوي ؛ كان مكثراً من حفظ اللغة ونقلها ، عارفاً بوَحشيها ومستعمَلها ، لم يكن في زمنه مثله في فنه، وكان بينه وبين الحافظ عبد الغني بن سعيد المصري وأبي الحسن علي بن سلمان المقرىء النحوي الأنطاكي مؤانسة واتحاد كثير ، وكانوا يجتمعون في دار العلم وتجري بينهم مذاكرات ومفاوضات في الآداب ، ولم يزل ذلك دأبهم حتى قتلَ الحاكم صاحب مصر أبا أسامة جنادة وأبا الحسن المقرىء الأنطاكي المذكورين في يوم واحد ، وهو في ذي القعدة سنة تسع وتسعين وثلثمائة ، رحمهما الله تعالى، واستقر بسبب قتلهما الحافظ عبد الغني المذكور خوفاً على نفسه من مثل ذلك ، حكى ذلك الأمير المختار المعروف بالمسبِّحي في تاريخه . والهَرَوي - بفتح الها والراء وبعدها واو وياء - هذه النسبة إلى هَراة وهي من أعظم مدن خراسان . وجُنادة - بضم الجيم وفتح النون وبعد الألف دال مهملة مفتوحة ثم هاء ساكنة . ۔۔ ١٤٣ - ترجمة جنادة الهروي في معجم الأدباء ٧: ٢٠٩ وبغية الوعاة : ٢١٣. ٣٧٢ ١٤٤ الجنيد الصوفي أبو القاسم الجُنَيْدُ بن محمد بن الجنيد الخزاز القواريري ، الزاهد المشهور ؛ أصله من نهاوند ، ومولده ومنشؤه العراق ، وكان شيخ وقته وفريد عصره ، وكلامه في الحقيقة مشهور مُدَوَّن، وتفقه على أبي ثور صاحب الإمام الشافعي رضي الله عنهما ، وقيل : بل كان فقيهاً على مذهب سفيان الثوري رضي الله عنه . وصحب خاله السَّريَّ السَّقَطي والحارث المحاسبي وغيرهما من جلة المشايخ رضي الله عنهم . وصحبه أبو العباس ابن سُرَيج الفقيه الشافعي ، وكان إذا تكلم في الأصول والفروع بكلام أعجب الحاضرين فيقول لهم : أتدرون من أين لي هذا؟ هذا من بركة مجالستي أبا القاسم الجنيد ، وسئل الجنيد عن العارف فقال : مَنْ نطق عن سرك وأنت ساكت ، وكان يقول : مذهبنا هذا مقيد بالأصول والكتاب والسنَّة١. وحضر الجنيد موضعاً فيه قوم يتواجدون على سماع يسمعونه وهو مطرق ، فقيل له : يا أبا القاسم ، ما نراك تتحرك ،! فقال ﴿وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مرَّ السحاب، صنع الله ﴾. ورئي يوماً وفي يده سبحة، فقيل له: أنت مع شرفك تأخذ في يدك سبحة ؟ فقال : طريق وصلت به إلى ربي لا أفارقه . وقال الجنيد : قال لي خالي سَريّ السَّقَطي: تكلم على الناس ، وكان في قلبي حشمة من الكلام على الناس ، فإني كنت أتَّهمُ نفسي في استحقاقي ذلك ، فرأيت ليلةً في المنام رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، وكانت ليلة جمعة ، فقال لي: تكلم على الناس، فانتبهت، وأتيت باب السري قبل أن أصبح ، فدقَقتُ ١٤٤ - ترجمة الجنيد في ابن الأثير ٨: ٦٢ وحلية الأولياء ١٠: ٢٥٥ وصفة الصفوة ٢٣٥:٢ وتاريخ بغداد ٧ : ٢٤١ وطبقات أبي يعلى: ٨٩ وطبقات السبكي ٢: ٢٨. ١ في نسخة آيا صوفيا : مقيد بالأصلين : الكتاب والسنة . ٣٧٣ الباب فقال لي: لم تصدقنا حتى قيل لك، فقعدت في غد للناس بالجامع وانتشر في الناس أن الجنيد قعد يتكلم على الناس ، فوقف علَيَّ غلام نصراني متنكراً وقال: أيها الشيخ، ما معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ((اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله )) ؟ فأطرقت ثم رفعت رأسي وقلت : أسلم فقد حان وقت إسلامك ، فأسلم الغلام . وقال الشيخ الجنيد : ما انتفعت بشيء انتفاعي بأبيات سمعتها ، قيل له : وما هي؟ قال: مررت بدرب القراطيس فسمعت جارية تغني من دار فأنصتُ لها فسمعتها تقول : تقولين لولا الهجرُ لم يَطِبِ الحبُّ إِذا قلتُ أهْدى الهجرُ لي حُلَل البيلى تقولي بنيران الهوى شَرُفَ القلبُ وإِن قلتُ هذا القلبُ أَحْرَقه الهوى حَيَاتُكَ ذنبٌ لا يقاسُ به ذنبُ وإن قلتُ ما أذنبتُ قلتِ مجيبةً فصعقتُ وصحتُ، فبينا أنا كذلك إذا بصاحب الدار قد خرج فقال : ما هذا يا سيدي ؟ فقلت له : مما سمعت ، فقال : أشهدك أنها هِيَة مني لك ، فقلت : قد قبلتها وهي حرة لوجه الله تعالى ، ثم زوجتها لبعض أصحابنا بالرباط فولدت له ولداً نبيلاً، ونشأ أحسن نشوء، وحج على قدميه ثلاثين حجة على الوحدة . وآثاره كثيرة مشهورة . وتوفي يوم السبت - وكان نيروز الخليفة - سنة سبع وتسعين ومائتين ، وقيل : سنة ثمان وتسعين آخر ساعة من نهار الجمعة ببغداد ، ودفن يوم السبت بالشونيزية عند خاله سَري السقطي، رضي الله عنهما . وكان عند موته - رحمه الله تعالى - قد ختم القرآن الكريم ثم ابتدأ في البقرة فقرأ سبعين آية ، ثم مات . [ قال محمد بن إبراهيم : رأيت الجنيد في المنام فقلت له : ما فعل الله بك ؟ قال : طاحت تلك الإشارات وغابت تلك العبارات وفنيت تلك العلوم ونفدت تلك الرسوم وما نفعنا إِلا ركعات كنا نركعها في الأسحار ] . وإنما قيل له ((الخزاز)) لأنه كان يعمل الخز، وإنما قيل له ((القواريري)) لأن أباه كان قواريريّاً . ٣٧٤ والخزاز : بفتح الخاء المعجمة وتشديد الزاي وبعد الألف زاي ثانية . والقواريري : بفتح القاف والواو وبعد الألف راء مكسورة ثم ياء مثناة من تحتها ساكنة وبعدها راء ثانية . ونَهاوند - بفتح النون وقال السمعاني : بضم النون وفتح الهاء وبعد الألف واو مفتوحة ثم نون ساكنة وبعدها دال مهملة - وهي مدينة من بلاد الجبل ، قيل: إن نوحاً عليه السلام بناها، وكان اسمها نوح أوند ، ومعنى أوند بَنَى فعربوها فقالوا : نهاوند . والشونيزية - بضم الشين المعجمة وسكون الواو وكسر النون وسكون الياء المثناة من تحتها وفي آخرها زاي - وهي مقبرة مشهورة ببغداد بها قبور جماعة من المشايخ١، رضي الله عنهم ، بالجانب الغربي . ١٤٥ جوهر الصقلي القائد أبو الحسن جوهر بن عبد الله ، المعروف بالكاتب ، الرومي ؛ كان من موالي المعز بن المنصور بن القائم بن المهدي صاحب إِفريقية ، وجهزه إلى الديار المصرية ليأخذها بعد موت الأستاذ كافور الإخشيدي ، وسير معه العساكر ، وهو المقدم ، وكان رحيله من إِفريقية يوم السبت رابع عشر شهر ربيع الأول سنة ثمان وخمسين وثلثمائة، وتَسَلَّم مصر يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شعبان من السنة المذكورة ، وصعد المنبر خطيباً بها يوم الجمعة لعشر بقين من شعبان ودعا لمولاه المعز ، فأقيمت الدعوة للمعز [في الجامع ١ أج : من الشهداء . ١٤٥ - أخبار جوهر الصقلي في اتعاظ الحنفا والدرة المضية وابن الأثير وابن خلدون وخطط المقريزي والنجوم الزاهرة ٤: ٢٨ وتهذيب ابن عساكر ٣ : ٤١٦ وغيرها . ٣٧٥ العتيق ، وسار جوهر إلى جامع ابن طولون وأمر بأن يؤذن فيه بحي على خير العمل وهو أول ما أذن ؛ ثم أذن بعده بالجامع العتيق وجهر في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم . ولما استقر جوهر بمصر شرع في بناء القاهرة وسير عسكراً إِلى دمشق وغزاها فملكها] . ووصلت البشارة إِلى مولاه المعز بأخذ البلاد وهو بإفريقية في نصف شهر رمضان المعظم من السنة المذكورة ، ويدعوه إلى المسير إليه ، ففرح فرحاً شديداً ، ومدحه الشعراء فمن ذلك محمد بن هانىء الأندلسي من قصيدة : يقول بنو العباس قد فتحت مصرُ فقل لبني العباس قد قضي الأمرُ وقد جاوز الإسكندرية جوهر تطالعه البشرى ويقدمه النصرُ وأقام بها حتى وصل إليه مولاه المعز وهو نافذ الأمر ، واستمر على علو منزلته وارتفاع درجته متولياً للأمور إلى يوم الجمعة سابع عشر المحرم سنة أربع وستين ، فعزله المعز عن دواوين مصر وجباية أموالها والنظر في أحوالها ، وكان محسناً إلى الناس، إلى أن توفي يوم الخميس لعشر بقين من ذي القعدة سنة إحدى وثمانين وثلثمائة ، رحمه الله تعالى، وكانت وفاته بمصر، ولم يبق بها شاعر إلا رثاه وذكر مآثره . وكان سبب إِنفاذ مولاه المعز له إلى مصر أن كافوراً الإخشيدي الخادم - الآتي ذكره في حرف الكاف - لما توفي استَقَرَّ الرأيُ بين أهل الدولة أن تكون الولاية لأحمد بن علي بن الإخشيد ، وكان صغير السن ، على أن يخلفه ابن عم أبيه أبو محمد الحسين بن عبد الله بن طُفْجَ ، وعلى أن تدبير الرجال والجيش إِلى شمول الإخشيدي ، وتدبير الأموال إلى أبي الفضل جعفر بن الفرات الوزير ، وذلك يوم الثلاثاء لمشر بقين من جمادى الأولى سنة سبع وخمسين وثلثمائة، ودُعيَ لأحمد بن علي بن الإخشيد على المنابر بمصر وأعمالها والشامات والحرَمين ، وبعده للحسين بن عبد الله ، ثم إن الجند اضطربوا لقلة الأموال وعدم الإنفاق فيهم - كما ذكرناه في ترجمة جعفر بن الفرات المقدم ذكره - فكتب جماعةٌ من وجوههم إلى المعز بإفريقية يطلبون منه إنفاذ العساكر ليسلموا له مصر، فأمر القائد ٣٧٦ جوهراً المذكور بالتجهز إلى الديار المصرية ، واتَّفَقَ أن جوهراً مرض مرضاً شديداً أيس منه فيه، وعاده مولاه المعز فقال : هذا لا يموت ، وستفتح مصر على يديه، واتفق إِبلاله من المرض، وقد جهز له كل ما يحتاج إليه من المال والسلاح والرجال ، فبرَزَ بالعساكر في موضع يقال له الرقادة ومعه أكثر من مائة ألف فارس ، ومعه أكثر من ألف ومائتي صندوق من المال ، وكان المعز يخرج إليه كل يوم ويَخْلو به ويوصيه، ثم تقدم إليه بالمسير وخرج لوداعه ، فوقف جوهر بين يديه والمعز متكئاً على فرسه يحدثه سرّاً زماناً، ثم قال لأولاده : انزلوا لوداعه ، فنزلوا عن خيولهم ، ونزل أهل الدولة لنزولهم ، ثم قَبّل جوهر يدَ المعز وحافر فرسه ، فقال له : اركب، فركب وسار بالعساكر ، ولما رجع المعز إلى قصره أنفذ لجوهر ملبوسه وكلَّ ما كان عليه سوى خاتمه وسراويله ، وكتب المعز إلى عبده أفلح صاحب بَرْقَةَ أن يترجَّل للقائد جوهر ويُقَبل يده عند لقائه ، فبَذَل أفلح مائة ألف دينار على أن يُعْفى من ذلك ، فلم يُعفَ، وفعل ما أمر به عند لقائه لجوهر . ووصل الخبر إلى مصر بوصولهم ، فاضطرب أهلها ، واتفقوا مع الوزير جعفر بن الفرات على المراسلة في الصلح وطلب الأمان وتقرير أملاك أهل البلد عليهم ، وسألوا أبا جعفر مسلم بن عبد الله الحسيني أن يكون سَفيرَهم فأجابهم ، وشرط أن يكون معه جماعة من أهل البلد ، وكتب الوزير معهم أيضاً بما يريد ، وتوجهوا نحو القائد جوهر يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رجب سنة ثمان وخمسين وثلثمائة، وكان جوهر قد نزل في تَرُوجَة - وهي قرية بالقرب من الاسكندرية - فوصل إليه الشريف بمن معه وأدى إليه الرسالة ، فأجابه إلى ما التمسوه ، وكتب له جوهر عهداً بما طلبوه ، واضطرب البلد اضطراباً شديداً، وأخذت الإخشيدية والكافورية وجماعة من العسكر الأهْبَةَ للقتال، وستروا ما في دورهم وأخرجوا مضاربهم ورجعوا عن الصلح ، وبلغ ذلك جوهراً فرحل إليهم ، وكان الشريف قد وصل بالعهد والأمان في سابع شعبان ، فركب إليه الوزير والناس واجتمع عنده الجند فقرأ عليهم العهد ، وأوصل إلى كل واحد جوابَ كتابه بما أراد من الإقطاع ٣٧٧ والمال والولاية، وأوصل إلى الوزير جواب كتابه وقد خوطب فيه بالوزير، فجرى فصل طويل في المشاجرة والامتناع ، وتفرقوا عن غير رضى ، وقدموا عليهم تحريراً الشوبزاني١، وسلموا عليه بالإمارة، وتهيأوا للقتال، وساروا بالعساكر نحو الجيزة ونزلوا بها وحفظوا الجسور . ووَصل القائد جوهر إلى الجيزة٢ ، وابتدىء بالقتال في الحادي عشر من شعبان ، وأُسرت رجال وأُخذت خيل ، ومضى جوهر إلى منية الصيادين ، وأخذ المخاضة بمنية شلقان٣، واستأمن إلى جوهر جماعةٌ من العسكر في المراكب وجعل أهل مصر على المخاضة مَنْ يحفظها ، فلما رأى ذلك جوهر قال لجعفر بن فلاح : لهذا اليوم أرادك المعز، فعَبَرَ عُرْياناً في سراويل وهو في مركب ومعه الرجال خوضاً حتى خرجوا إليهم ، ووقع القتال ، فقتل خلق كثير من الإخشيدية وأتباعهم ، وانهزمت الجماعة في الليل ، ودخلوا مصر وأخذوا من دورهم ما قدروا عليه وانهزموا وخرج حرمهم؛ مشاةً ودخلن على الشريف أبي جعفر في مكاتبة القائد باعادة الأمان ، فكتب إليه يهنئه بالفتح ويسأله٥ إعادة الأمان ، وجلس الناس عنده ينتظرون الجواب ، فعاد إليه بأمانهم ، وحضر رسوله ومعه بند أبيض وطاف على الناس يؤمنهم ويمنع من النهبٍ ، فهدأ البلد وفتحت الأسواق وسكن الناس كأن لم تكن فتنة . فلما كان آخر النهار ورد رسوله إلى أبي جعفر بأن تعمل على لقائي يوم الثلاثاء لسبع عشرة ليلة تخلو من شعبان بجماعة الأشراف والعلماء ووجوه البلد٦، فانصرفوا متأهبين لذلك ، ثم خرجوا ومعهم الوزير جعفر وجماعة الأعيان إلى الجيزة، والتقوا بالقائد ، ونادى منادٍ : ينزل الناس كلهم إِلا الشريف والوزير، فنزلوا وسلموا عليه واحداً واحداً ، والوزير عن شماله والشريف عن يمينه ، ولما ١ هـ : الشونيزاني . ٢ ٥ هـ : الجزيرة. ٣ أ : سلقان . ٤ د : حريهم . ٥ ب : وسأله . ٦ هـ : وبياض البلد. ٣٧٨ فرغوا من السلام ابتدأُوا في دخول البلد ، فدخلوا من زوال الشمس وعليهم السلاح والعُدَد ، ودخل جوهر بعد العصر وطبوله وبنوده بين يديه ، وعليه ثوب ديباج مثقل، وتحته فرس أصفر١، وشَقَّ مصر ، ونزل في مناخه موضع القاهرة اليوم ، واختط موضع القاهرة . ولما أصبح المصريون حضروا إِلى القائد للهناء ، فوجدوه قد حفر أساس القصر في الليل ، وكان فيه زورات جاءت غير معتدلة فلم تعجبه ، ثم قال : حُفِرت في ساعة سعيدة فلا أغيرها ، وأقام عسكره يدخل إلى البلد سبعة أيام أولها الثلاثاء المذكور، وبادر جوهر بالكتاب إلى مولاه المعز يبشره بالفتح وأنفذ إليه رؤوس القتلى في الوقعة ، وقطع خطبة بني العباس عن منابر الديار المصرية ، وكذلك اسمهم من على السكة، وعَوَّض عن ذلك باسم مولاه المعز، وأزال الشعار الأسود ، وألبس الخطباء الثياب البيض ، وجعل يجلس بنفسه في كل يوم سبت للمظالم بحضرة الوزير والقاضي وجماعة من أكابر الفقهاء . وفي يوم الجمعة الثامن من ذي القعدة أمر جوهر بالزيادة عقيب٢ الخطبة ((اللهم صلِّ على محمد المصطفى، وعلى عليّ المرتضى، وعلى فاطمة البَتُول ، وعلى الحسن والحسين سبطَي الرسول ، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، اللهم صلّ على الأئمة الطاهرين آباء أمير المؤمنين)). وفي يوم الجمعة ثامن عشر٣ ربيع الآخر سنة تسع وخمسين صلى القائد في جامع ابن طولون بعسكر كثير، وخطب عبدُ السميع بن عمر العباسي الخطيب، وذكر أهل البيت وفضائلهم ، رضي الله عنهم ، ودعا للقائد ، وجهَرَ القراءة ببسم الله الرحمن الرحيم، وقرأ سورة الجمعة والمنافقين في الصلاة، وأذن بحّيّ على خير العمل وهو أول من أذن به بمصر، ثم أذن به في سائر المساجد، وقَنَتَ الخطيبُ في صلاة الجمعة . وفي جمادى الأولى من السنة أذَّوا في جامع مصر العتيق بحَيَّ على خير العمل ١ د : أشقر . ٢ أ : بعد ؛ د : عقب . ٣ ٥ هـ : ثامن شهر . ٣٧٩ وسُرَّ القائد جوهر بذلك، وكتب إلى المعز وبَشَّرَه بذلك ، ولما دعا الخطيب على المنبر القائد جوهر أنكر عليه وقال : ليس هذا رسم مَوالينا . وشرع في عمارة الجامع بالقاهرة ، وفرغ من بنائه ١ في السابع٢ من شهر رمضان سنة إحدى وستين ، وجَمعَ فيه الجمعة . قلت : وأظن هذا الجامع هو المعروف بالأزهر بالقرب من باب البرقية ، بينه وبين باب النصر ، فإن الجامع الآخر بالقاهرة المجاور لباب النصر مشهور بالحاكم الآتي ذكره . وأقام جوهر مستقلا٣ بتدبير مملكة مصر قبل وصول مولاه المعز إليها أربع سنين وعشرين يوماً، ولما وصل المعز إلى القاهرة - كما هو في ترجمته - خرج جوهر من القصر إلى لقائه ، ولم يخرج معه شيئاً من آلته سوى ما كان عليه من الثياب ، ثم لم يعد إليه ، ونزل في داره بالقاهرة ، وسيأتي أيضاً طرف من خبره في ترجمة مولاه المعز ، إن شاء الله تعالى . وكان ولدهُ الحسين قائد القواد للحاكم صاحب مصر، وكان قد خاف على نفسه من الحاكم، فهرب هو وولده وصهره القاضي عبد العزيز بن النعمان ، وكان زوج أخته، فأرسل الحاكم مَنْ رَدَّهم وطيَّبَ قلوبهم وآنسهم مدة مديدة ، ثم حضروا إلى القصر بالقاهرة للخدمة ، فتقدم الحاكم إلى راشد الحقيقي٤ - وكان سيف النقمة - فاستصحب عشرة من الغلمان الأتراك، وقتلوا الحسين [وولده] وصهره القاضي ، وأحضروا رأسيهما إلى بين يدي الحاكم ، وكان قتلهم في سنة إحدى وأربعمائة ، رحمهم الله تعالى، وقد تقدم خبر الحسين في ترجمة بَرْجَوان. ١ أ : بنيانه . ٢ أهـ : في السابع عشر. ٣ ب هـ : مستقراً. ٤ ج : الحنيفي . ٣٨٠