النص المفهرس

صفحات 341-360

تحوّل ذا نعمى وتعقب ذا بلوى
وما هي إلا دولة بعد دولة
من الملك حطت ذا إلى غاية سفلى
إذا نزلت هذا منازل رفعة
وقال صالح بن طريف فيهم :
ولْأيامكُمُ المَقْتَبَلَهْ
يا بني برمَك واها لكُم
كانت الدنيا عروساً بكمُ وهي اليَومَ تكولٌ أرملة
ولولا خوف الإطالة لأوردت طرفاً كبيراً من أقوال الشعراء فيهم مديحاً
ورثاء .
وقد طالت هذه الترجمة ، ولكن شرح الحال وتوالي الكلام أحوج إليه .
ومن أعجب ما يؤرخ١ من تقلبات الدنيا بأهلها ما حكاه محمد بن غسان بن
عبد الرحمن الهاشمي صاحبُ صلاة الكوفة ، قال : دخلت على والدتي في يوم
نحر، فوجدت عندها امرأة بَرْزَةً في ثياب رَثَّة، فقالت لي والدتي : أتعرف
هذه ؟ قلت : لا ، قالت : هذه أم جعفر البرمكي ، فأقبلت عليها بوجهي
وأكرمتها ، وتحادثنا زماناً ثم قلت : يا أمه ، ما أعجب ما رأيت ! فقالت:
لقد أتى علي يا بني عيدٌ مثل هذا وعلى رأسي أربعمائة وصيفة ، وإني لأعدُّ ابني
عاقّاً لي ، ولقد أتى علي يا بني هذا العيد وما مُناي إلا جلدا شاتين أفترش
أحدهما وألْتَحِفُ الآخر ، قال : فدفعت إليها خمسمائة درهم ، فكادت تموت
فرحاً بها ، ولم تزل تختلف إلينا حتى فرق الموت بيننا .
والعُمْر - بضم العين المهملة وسكون الميم وبعدها راء - هكذا وجدته
مضبوطاً في نسخة مقروءة مضبوطة ، وقال أبو عبيدٍ عبدُ الله بن عبد العزيز بن
محمد البكري في كتاب ((معجم ما استعجم))٢: ((قلاية العمر)) والعمر عندهم
الدير٣ ، والله أعلم .
١ اختلف نص هذه الحكاية في أعما ورد هنا ولكن المعنى واحد .
٢ معجم ما استعجم : ٠١٠٨٩
٣ العمر: من السريانية ((عمرا)) وهي تعني البيت ثم خصصت بالدير. أما القلاية فهي صومعة
الراهب ، ويضم الدير على هذا عدة قلايات .
٣٤١

١٣٢ ب
جعفر البرمكي
أبو الفضل جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك البرمكي وزير هارون الرشيد ؛
كان من الكرم وسعة العطاء كما قد اشتهر، ويقال إنه لما حج ...... العطاء .
ولم يبلغ أحد من الوزراء منزلة بلغها من الرشيد ؛ قال إبراهيم : قال لي
جعفر بن يحيى يوماً : إني استأذنت أمير المؤمنين في الخلوة غداً فهل أنت
مساعدي؟ فقلت: جُعلت فداك، أنا أسعد بمساعدتك وأُسر بمحادثتك، [قال:
فبكّرْ إليّ بكور الغراب؛ قال: فأتيته عند الفجر فوجدت الشمعة بين يديه]
وهو ينتظرني للميعاد ، فصلينا ثم أفضنا في الحديث ، ثم قدم إلينا الطعام فأكلنا
فلما غسلنا أيدينا جُعلت علينا ثياب المنادمة وبخرنا وطيبنا ثم ضمخنا بالخلوق ،
ومدت الستارة ، وظللنا بأنعم يوم مرَّ بنا، ثم إنه ذكر حاجة فدعا الحاجبَ
وقال : إذا أتى عبد الملك فأذن له - يعني قهر ماناً له؛ فاتفق ان جاء عبد الملك
ابن صالح عم الرشيد وهو من جلالة القدر والامتناع من منادمة أمير المؤمنين
على أمر جليل ، وكان الرشيد قد اجتهد أن يشرب معه قدحاً فلم يقدر عليه
رفعاً لنفسه ، فلما رفع الستر وطلع علينا سقط ما في أيدينا وعلمنا أن الحاجب
قد غلط بينه وبين عبد الملك القهرمان ، فأعظم جعفر ذاك وارتاع له ، ثم قام
إليه إجلالاً ، فلما نظر إلينا على تلك الحال دعا غلامه فدفع إليه سيفه وسواده
وعمامته ثم قال : اصنعوا بنا ما صنعتم بأنفسكم ؛ قال : فجاء الغلمان فطرحوا
عليه ثياباً وخلَّقوه ودعا بالطعام فطعم وشرب ثلاثاً ، ثم قال : لتخفف عني
فإنه شيء والله ما شربته قط، فتهلل وجه جعفر وفرح ، ثم التفت إليه فقال :
جعلت فداك، قد تطولت وتفضلت وساعدت فهل من حاجة تبلغ إليها مقدرتي
وتحيط بها نعمتي فأقضيها مكافأة لما صنعت ؟ قال : بلى إن في قلب أمير المؤمنين
عليَّ هنة فاسأله الرضى عني ، فقال له جعفر: قد رضي أمير المؤمنين عنك ، ثم
قال : وعلي عشرة آلاف دينار ، فقال : هي لك حاضرة من مالي ولك من
٣٤٢

مال أمير المؤمنين ضعفها ، ثم قال: وابني إبراهيم أُحب أن اشد ظهره بصهر
من أمير المؤمنين، قال : وقد زوجه أمير المؤمنين ابنته العالية ، قال : وأحب
أن تخفق عليه الألوية، قال : قد ولاه أمير المؤمنين مصر. فانصرف عبد الملك
ابن صالح، قال إبراهيم بن المهدي : فبقيت متعجباً من إقدامه على أمير المؤمنين
من غير استئذان وقلت : عسى أن يجيبه فيما سأل من الرضى والمال والولاية ،
فمتى أطلق لجعفر أو لغيره تزويج بناته ؟
فلما كان من الغد بكرت إلى باب الرشيد لأرى ما يكون ، فدخل جعفر
فلم يلبث أن دعا بأبي يوسف القاضي وإبراهيم بن عبد الملك بن صالح ، فخرج
إبراهيم وقد عقد نكاحه بالعالية بنت الرشيد وعقد له على مصر والرايات بين
يديه وحملت البِدَر إلى منزل عبد الملك بن صالح، وخرج جعفر فأشار إلينا، فلما
صرنا إلى منزله التفت إلينا فقال : تعلقت قلوبكم بحديث عبد الملك فأحببتم علم
آخره : لما دخلت على أمير المؤمنين ومثلت بين يديه قال : كيف كان يومك يا
جعفر ؟ فقصصت عليه حتى بلغت إلى دخول عبد الملك بن صالح ، وكان متكئاً
فاستوى جالساً وقال: ايه لله أبوك! فقلت: سألني في رضاك يا أمير المؤمنين ،
قال : نعم فيم أجبته؟ قلت : رضي أمير المؤمنين عنك ، قال : قد أجزت ، ثم
ماذا؟ قلت: وذكر أن عليه عشرة آلاف دينار، قال: فبمَ أجبته؟ قلت: وقد قضاها
أمير المؤمنين عنك ، قال : قد قضيت ، ثم ماذا ؟ قال : قد رغب أن يشد
أمير المؤمنين ظهر ولده إبراهيم بصهر منه ، قال : فبم أجبته؟ قلت : قد زوجه
أمير المؤمنين ابنته العالية ، قال : قد أمضيت ذلك ، ثم ماذا الله أبوك ؟ قلت :
واحب أن تخفق الألوية على رأسه ، قال : فيم أجبته ؟ قلت : قد ولاه أمير
المؤمنين مصر، قال : قد وليت، فأحضر إبراهيم والقضاة والفقهاء فحضروا وتم
له جميع ذلك من ساعته ؛ قال ابراهيم بن المهدي : فوالله ما ادري أيهم أكرم
وأعجب فعلاً، ما ابتدأه عبد الملك من المساعدة وشرب الخمر ولم يكن شربها
قط ، ولبسه ما لبس من ثياب المنادمة وكان رجل جد ، أم إقدام جعفر
على الرشيد بما أقدم ، أم إمضاء الرشيد جميع ما حكم به جعفر عليه .
وركب يوماً الرشيد وجعفر يسايره ، وقد بعث علي بن عيسى بهدايا
٣٤٣

خراسان بعد ولاية الفضل ، فقال الرشيد لجعفر : أين كانت هذه أيام أخيك ؟
قال : في منازل أربابها .
وبلغ الرشيد أن يهودياً ينجم بحكم في عمره ويترب وقتاً ، فأحضره وسأله
عما قال فقال : استدللت من النجوم بكذا وكذا ، ودخل جعفر فرأى غمً
الرشيد فقال له : أتحب أن يخرج هذا من صدرك ؟ قال : نعم ، قال : سله
عن عمره فإنه بالمعرفة به أولى به من غيره ، قال : فسأله عن ذلك فقال : هو
كذا وكذا ، فقال جعفر : اضرب الآن عنقه لتعلم خطأه في عمرك وعمره .
فيحكى ان الرشيد تغير عليه في آخر الأمر وكان سبب ذلك أن الرشيد
كان لا يصبر عن جعفر وعن أخته عباسة بنت المهدي وكان يحضرهما إذا جلس
للشرب فقال لجعفر: أزوّجكما ليحل لك النظر إليها ولا تقربها فإني لا أطيق
الصبر عنكما ، فأجابه إلى ذلك، فزوّجها منه، وكانا يحضران معه ثم يقوم عنهما،
وهما شابان ، فجامعها جعفر فحملت منه فولدت له غلاماً ، فخاف الرشيد
فسيَّرَ به مع حواضن إلى مكة ، واعطته الجواهر والنفقات . ثم إن عباسة
وقع بينها وبين بعض جواريها شرٍ ، فأنهت أمرها إلى الرشيد ، فحج هارون
سنة ١٨٦ وبحث عن الأمر فعلمه، وكان جعفر يصنع للرشيد طعاماً بعسْفان إذا
حج، فصنع ذلك الطعام ودعاه فلم يحضر عنده ، وكان ذلك أول تغير أمرهم .
وقيل كان سبب ذلك ...... من أمره ما كان .
وقيل من الأسباب أن جعفراً بنى داراً غرم عليها عشرين ألف درهم فرُفع
ذلك إلى الرشيد وقيل: هذه غرامة في دار فما ظنك بنفقاته وصلاته وغير ذلك ؟
فاستعظمه .
وحكي أن جعفر بن يحيى لما عزم على الانتقال إلى قصره هذا جمع المنجمين
لاختيار وقت ينتقل فيه اليه فاختاروا له وقتاً من الليل ، فلما حضر الوقت
خرج على حمار من الموضع الذي كان منزله إلى قصره والطرق خالية والناس
هادئون ، فلما صار إلى سوق يحيى رأى رجلاً قائماً وهو يقول :
يُدَبّر بالنجوم وليس يدري وربُّ النجم يفعلُ ما يُريدُ
فاستوحش ووقف ودعا بالرجل فقال له: أعدْ عليّ ما قلت ، فأعاده فقال :
٣٤٤

ما أردتَ بهذا ؟ فقال: ما أردتُ به معنى من المعاني ، لكنه شيء عرض لي
وجاء على لساني في هذا الوقت ، فأمر له بدنانير ومضى لوجهه وقد تنغص عليه
سروره .
وكان من الأسباب أيضاً ...... فاستجيب به .
قال علماء السير : لما انصرف الرشيد عن الحج سنة ١٨٧ وقيل ١٨٨، أرسل
الرشيد مسروراً الخادم ومعه جماعة من الجند ليلاً وعنده بختيشوع المتطبب وأبو
زكار المغني وهو يغني :
فلا تبعد ......
قال مسرور: فقلت له: يا أبا الفضل الذي جئت له هو والله ذاك، قد طرقك
الأمر، أجِبْ أمير المؤمنين، فوقع على رجلي يقبلها وقال: حتى أدخل فأوصي،
فقلت: فأما الدخول فلا سبيل إليه وأما الوصية فاصنع ما شئت، فأوصى بما أراد
وأعتق مماليكه، وأتتني رسل الرشيد تستحثني ، فمضيت إليه وأعلمته وهو في
فراشه ، فقال : ائتني برأسه ، فأتيت جعفراً فأخبرته فقال : الله أكبر
فراجِعْهُ، فعدْت أراجعه ، فلما سمع حسي قال : يا ماصَّ بظر أمه ، ائتني
برأسه ، فرجعت إليه وأخبرته فقال : وأمره، فرجعت فحذفني بعمود كان في
يده وقال : نفيت من المهدي ان لم تأتني برأسه لأقتلنك، قال : فخرجت فقتلته
وحملت رأسه إليه ، وكان قتله ليلة السبت أول ليلة من صفر بالأنبار وهو ابن
سبع وثلاثين سنة ، ثم أمر بنصب رأسه على الجسر وتقطيع يديه وصلب كل
قطعة على جسر ، فلم يزل كذلك حتى مرَّ عليه الرشيد حين خروجه إلى
خراسان فقال : ينبغي أن يحرق هنا ، فأحرق ، ووجه الرشيد من ليلته إلى
الرقة في قبض أمرائهم وما كان من رقيقهم ومواليهم وحشمهم .
وحكي عن الأصمعي أنه قال : لما قتل الرشيد جعفر بن يحيى أرسل إلي
ليلاً فراعني وأعجلني الرسل فزادوا في وجلي ، فصرت إليه ، فلما مثلت بين
يديه أومأ إلي بالجلوس فجلست ، ثم قال :
لو ان جعفر ... الخ.
٣٤٥

ثم قال: إِلحق بأهلك يا ابن قريب، فنهضت ولم أحر جواباً ، وفكرت فلم
أعرف لما كان منه معنى إلا أنه أراد أن يسمعني شعره فأحكيه .
ولما نُكبوا قال الرقاشي :
وأمسك من يجدي ومن كان يحتدي
الان استرحنا واستراحت ركابنا
وطي الفيافي فدفداً بعد فدفد
فقل للمطايا قد أمنت من السرى
ولن تظفري من بعده بمسوّد
وقل للمنايا قد ظفرت يجعفر
وقل للرزايا كلَّ يوم تجددي
وقل العطايا بعد فضلٍ تعطَّلي
أصيب بسيفٍ هاشميٍ مهند
ودونك سيفاً برمكياً مهنداً
وله أيضاً في جعفر :
أما والله لولا خوف واش ... الخ.
ووقَّع جعفر في قصة رجل شكا بعض عماله: قد كثر شاكوك وقل شاكروك،
فإما عدلت وإما اعتزلت . ورأى رجلاً في الشمس فقال : أفي الشمس ؟ قال :
أطلبُ الظل، قال: لأولينك ولايةَ يطول فيها ظلك. وفضائله كثيرة رحمه
الله تعالى .
١٣٣
جعفر بن حنزابة
أبو الفضل جعفر بن الفضل بن جعفر بن محمد بن موسى بن الحسن بن الفرات
المعروف بابن حِنْزابة؛ كان وزير بني الإخشيد بمصر مدة إمارة كافور، ثم استقل
١٣٣ - انظر ترجمة ابن حنزابة في تاريخ بغداد ٥: ٢٧٥ ومعجم الأدباء ٧ : ١٦٣ والوافي الصفدي
ومواضع متفرقة في جـ ٤ من النجوم الزاهرة وكتاب الكندي والفوات ١ : ٢٠٣ والمغرب
(قسم مصر): ٢٥١ وسقطت ترجمته من تهذيب ابن عساكر مع أن المؤلف ذكره في الأصل
وعنه نقل ابن خلكان .
٣٤٦

كافور بملك مصر واستمر على وزارته، ولما توفي كافور استقل بالوزارة وتدبير المملكة
لأحمد بن علي بن الإخشيد بالديار المصرية والشامية ، وقبض على جماعة من أرباب
الدولة بعد موت كافور وصادرهم ، وقبض على يعقوب بنِ كلِّس وزير العزيز
العبيدي - الآتي ذكره - وصادره على أربعة آلاف دينار وخمسمائة وأخذها
منه ، ثم أخذه من يده أبو جعفر مسلم بن عبيد الله الشريف الحسيني ، واستقر
عنده ، ثم هرب مستتراً إلى بلاد المغرب ؛ ولم يقدر ابن الفرات على رضى
الكافورية والإخشيدية والأتراك والعساكر ، ولم تحمل إليه أموال الضمانات ،
وطلبوا منه ما لا يقدر عليه ، واضطرب عليه الأمر فاستتر مرتين ونهبت دوره
ودور بعض أصحابه ، ثم قدم إلى مصر أبو محمد الحسين بن عبيد الله بن طُفْجَ
صاحب الرملة فقبض على الوزير المذكور وصادره وعذبه واستوزر عوضه كاتبه
الحسن بن جابر الرياحي ، ثم أُطلق الوزير جعفر بوساطة الشريف أبي جعفر
الحسيني ، وسلم إِليه الحسين أمر مصر وسار عنها إلى الشام مُسْتَهَلَّ ربيع
الآخر سنة ثمان وخمسين وثلثمائة .
وكان عالماً محبّاً للعلماء ، وحدَّث عن محمد بن هارون الحضرمي وطبقته من
البغداديين ، وعن محمد بن سعيد البرجمي الحمصي ، ومحمد بن جعفر الخرائطي ،
والحسن بن أحمد بن بسطام، والحسن بن أحمد الداركي ، ومحمد بن عمارة بن
حمزة الأصبهاني ، وكان يذكر أنه سمع من عبد الله بن محمد البغوي مجلساً ، ولم
يكن عنده، فكان يقول : مَنْ جاءني به أغنيته ، وكان يُمْلي الحديثَ بمصر
وهو وزير ، وقَصَده الأفاضل من البلدان الشاسعة ، وبسببه سار الحافظ أبو
الحسن علي المعروف بالدارقطني من العراق إلى الديار المصرية ، وكان يريد أن
يُصَنِّفَ مسنداً فلم يزل الدارقطني عنده حتى فرغ من تأليفه ، وله تواليف في
أسماء الرجال والأنساب وغير ذلك .
وذكر الخطيب أبو زكريا التبريزي في شرحه ديوان المتنبي أن المتنبي لما
قصد مصر ومَدَح كافوراً مدح الوزير أبا الفضل المذكور بقصيدته الرائية
التي أولها :
بادٍ هَوَاكَ صَبَرْتَ أو لم تَصْبِرا
٣٤٧

وجعلها موسومةً باسمه، فتكون إحدى القوافي ((جعفرا)»، وكان قد
نظم قوله في هذه القصيدة :
صُفْتُ السوار لأيِّ كَفّ بَشَسَّرَتْ بابِنِ العميد وأيِّ عبد كبَّرا
(((بشرت بابن الفرات)) فلما لم يُرْضِهِ صَرَفها عنه ولم ينشدهُ إياها ،
فلما توجَّه إلى عضد الدولة قصد أرَّجانَ وبها أبو الفضل ابن العميد وزير ركن
الدولة بن بوَيْه والد عضد الدولة - وسيأتي ذكرهم إن شاء الله تعالى - فحوَّل
القصيدة إليه ومدحه بها وبغيرها ، وهي من غرر القصائد .
وذكر الخطيب أيضاً في الشرح أن قول المتني في القصيدة المقصورة التي
يذكر فيها مسيره إلى الكوفة ويصف منزلاً منزلاً ويهجو كافوراً:
ولكنَّهُ ضَحِكٌُ كالبكا
وماذا بمصرَ من المضحكات
يُدرَّسُ أنْسابَ أهل الفَلا
بها نَبَطَيِّ منَ أهل السَّوادِ
يُقالُ لهُ أنتَ بَدرُ الدجى
وأَسْوَدُ مِشْفَرُهُ نصفُهُ
نّ بين القريض وبين الرقى
وشعرٌ مَدحتُ به الكركد
فما كانَ ذلك مَدْحاً لهُ ولكنه كان هَجْو الورى
إِن المراد بالنََّطي أبو الفضل المذكور ، والأسود كافور ، وبالجملة فهذا
القدر ما غض منه، فما زالت الأشراف تهجى وتُمْدَح .
[وأنشد أبو اسحاق إبراهيم بن عبد الله النجيرمي بديهاً في الوزير أبي الفضل
المذكور وقد دعا له داع فلحن في قوله: أدام الله أيامك، بخفض ((أيامك))
المنصوبة :
لا غرو أن لحن الداعي لسيدنا وغص من دهشة بالعيّ والبهر
بين البليغ وبين النطق بالحصر
فمثل هيبته حالت جلالتها
في موضع النصب أو من قلة البصر
وإن يكن خفض الأيام عن دهش
والفأل نأثره عن سيد البشر
فقد تفاءلت في هذا لسيدنا
بأن أيامه خفض بلا نصَب وأن دولته صفو بلا كدر]
٣٤٨

وذكر الوزير أبو القاسم المغربي في كتاب ((أدب الخواص)): كنت أحادث
الوزير أبا الفضل جعفراً المذكور وأجاريه شعرَ المتني ، فيُظْهر من تفضيله .
زيادة تُنبه على ما في نفسه خوفاً أن يرى بصورة من ثَنَاهُ الغضب الخاص
عن قول الصدق في الحكم العام ، وذلك لأجل الهجاء الذي عرض له به
المتنبي .
وكانت ولادته لثلاث خَلَوْنَ من ذي الحجة سنة ثمان وثلثمائة ، وتوفي يوم
الأحد ثالثَ عَشَرَ صفر ، وقيل : في شهر ربيع الأول سنة إحدى وتسعين
وثلثمائة بمصر ، رحمه الله تعالى ، وصلى عليه القاضي حسين بن محمد بن النعمان ،
ودفن في القرافة الصغرى ، وتربته بها مشهورة .
وحِنْزابة - بكسر الحاء المهملة وسكون النون وفتح الزاي وبعد الألف باء
موحدة مفتوحة ثم هاء - وهي أم أبيه الفضل بن جعفر ، هكذا ذكره
ثابت بن قرة في تاريخه ، والحنزابة في اللغة : المرأة القصيرة الغليظة .
وذكره الحافظ ابن عساكر في («تاريخ دمشق))، وأورد من شعره قوله ١:
مَنْ أخْمَلَ النفسَ أحياها ورَوَّحَها ولم يَبتْ طاوياً منها على ضَجَرٍ
إن الرياحَ إذا اشتدَّتْ عَواصفُها فليسَ ترمي سوى العالي من الشَّجر٣ِ
وقال : كان كثير الإحسان إلى أهل الحرمين ، واشترى بالمدينة داراً
بالقرب من المسجد ليس بينها وبين الضريح النبوي - على ساكنه أفضل الصلاة
والسلام - سوى جدار واحد ، وأوصى أن يُدْفَنَ فيها، وقرر مع الأشراف
ذلك، ولما مات حُمل تابوته من مصر إلى الحرمين ، وخرجت الأشراف إلى
لقائه وفاء بما أحسن إليهم ، فحجوا به وطافوا ووقفوا بعرفة ثم ردوه إلى
المدينة ودفنوه بالدار المذكورة ، وهذا خلاف ما ذكرته أولاً ، والله أعلم
بالصواب ، غير أني رأيت التربة المذكورة بالقرافة وعليها مكتوب ((هذه
١ البيتان في المغرب: ٢٥٢ والفوات .
٢ الفوات : فليس تقصف إلا عالي الشجر .
٣٤٩

تربة أبي الفضل جعفر بن الفرات )) ثم إني رأيت بخط أبي القاسم ابن الصوفي١
أنه دفن في مجلس داره الكبرى ثم نقل إلى المدينة .
١٣٤
المتوكل على الله
أبو الفضل جعفر بن المعتصم بن الرشيد بن المهدي ، وأمه تركية واسمها
شجاع، بويع له لست بقين من ذي الحجة سنة ٢٣٢، وقتل ليلة الأربعاء لثلاث
خلون من شوال سنة ٢٤٧ وله إحدى وأربعون سنة ، ودفن في القصر
الجعفري ، وهو قصر ابتناه بسر من رأى . وقال الدولابي في تاريخه : إنه دفن
هو والفتح بن خافان وزيره ولم يصلّ عليهما، فكانت خلافته أربع عشرة سنة
وتسعة أشهر وتسعة أيام .
وقتل المتوكلَ محمدٌ ولده المنتصر بالله بسرَّ من رأى وهو على خلوة مع
وزيره ، فابتدره باغر التركي بسيف ، فقام وزيره الفتح بن خاقان في وجهه
ووجوه القوم ، فاعتوره القوم بسيوفهم فقتلوهما معاً وقطعوهما حتى اختلطت
لحومهما فدفنا معاً ، على ما قيل . وكان السبب في قتله على ما حكي انه قدَّم
المعتزَّ على المنتصر ، والمنتصر أسن منه، وكان يتوعده ويسبه ويسب أمه ويأمر
الذين يحضرون مجلسه من أهل السخف بسبه ، فسعى في قتله ووجد الفرصة في
تلك الليلة . وكان من الاتفاق العجيب أن المتوكل كان قد أهدي له سيف قاطع
لا يكون مثله ، فعرض على جميع حاشيته وكل يتمناه فقال المتوكل : لا يصلح
هذا السيف إلا لساعد باغر، ووهبه له دون غيره ، فاتفق أنه أول داخل عليه
فضربه به فقطع حبل عاتقه وكان ما ذكرنا من أمره .
وحكى علي بن يحيى بن المنجم قال : كنت أقرأ على المتوكل قبل قتله
١ هكذا في ب هـ ؛ وفي سائر النسخ: ابن الصير في.
٣٥٠

بأيام كتب الملاحم فوقف على موضع فيه أن الخليفة العاشر يُقتل في مجلسه ،
فتوقفت عن قراءته فقال: ما لك ؟ فقلت : خير ، قال : لا بد أن تقرأه ،
فقرأته وحدتُ عن ذكر الخلفاء فقال : ليت شعري من هذا الشقي المقتول ؟
وكان مربوعاً أسمر خفيف شعر العارضين، رفع المحنة في الدين ، وأخرج
أحمد بن حنبل كما ذكرنا من الحبس وخلع عليه .
وكان بالدينور شيخ يتشيع ويميل إلى مذهب أهل الإمامة ، وكان له
أصحاب يجتمعون إليه ويأخذون عنه ويدرسون عنده ، يقال له بشر الجعاب ،
فرفع صاحب الخبر بالدينور إلى المتوكل أن بالدينور رجلاً رافضياً يحضرهُ جماعة
من الرافضة ويتدارسون الرفض ويسبّون الصحابة ويشتمون السلف ، فلما وقف
المتوكل على كتابه أمر وزيره عبيد الله بن يحيى بالكتاب إلى عامله على
الدينور بإشخاص بشر هذا والفرقة التي تجالسه ، فكتب عبيد الله بن يحيى
بذلك ، فلما وصل إلى العامل كتابه - وكان صديقاً لبشر الجعاب حسن المصافاة
له شديد الإشفاق عليه - همّه ذلك وشقَّ عليه فاستدعى بشراً وأقرأه ما كوتب
به في أمره وأمر أصحابه ، فقال له بشر: عندي في هذا رأي إن استعملته كنت
غير مستبطٍ فيما أُمرت به وكنت بمنجاة مما أنت خائف عليَّ منه ، قال :
وما هو ؟ قال : بالدينور شيخ خفاف اسمه بشر ومن الممكن المتيسر أن تجعل
مكان الجعاب الخفاف وليس بمحفوظ عنده ما نسبت إليه من الحرفة والصناعة ،
فسرَّ العامل بقوله وعمد إلى العين من الجعاب فغير عينها وغير استواء خطها
وانبساطه ووصل الباء بما صارت به فاء ؛ فكان أخبره عن بشر الخفاف أنه أبله
في غاية البله والغفلة وأنه هُزأة عند أهل بلده وضُحكة ، وذلك أن أهل سواد
البلد يأخذون منه الخفاف التامة والمقطوعة بنسيئة ويعدونه باثمانها عند حصول
الغلّة ، فإذا حصلت وحازوا ما لهم منها ماطلوه بدينه ولووه بحقه واعتلّوا
بأنواع الباطل عليه ، فإذا انقضى وقت السادر ودنا الشتاء واحتاجوا إلى الخفاف
وما جرى مجراها ، وافَوا بشراً هذا واعتذروا إليه وخدعوه وابتدروا يعدونه
الوفاء ويؤكدون مواعيدهم بالأيمان الكاذبة والمعاهدة الباطلة ، ويضمنون له أداء
الديون الماضية والمستأنفة ، فيحسن ظنه بهم وسكونه ويستسلم اليهم ويستأنف
٣٥١

إعطاءهم من الخفاف وغيرها ما يريدونه ، فإذا حضرت الغلة أجروه على العادة
وحملوه على ما تقدم من السنّة ثم لا يزالون على هذه الوتيرة من أخذ سلعه في
وقت حاجتهم ودفعه عن حقه في إبان غلاتهم فلا يتنبه من رقدته ولا يفيق من
سكرته ؛ فأنفذ صاحب الخبر كتابه وأشار بتقدم الخفاف أمام القوم والإقبال
عليه بالمخاطبة وتخصيصه بالمسألة ساكناً إلى أنه من ركاكته وفهاهته بما
يضحك الحاضرين ويحسم الاشتغال بالبحث عن هذه القصة ، ويتخلص من هذه
الثلاثة ؛ فلما ورد كتاب صاحب الخبر أعلم عبيد الله بن يحيى المتوكل به
وبحضور القوم ، فأمر أن يجلس ويستحضرهم ويخاطبهم فيما حكي عنهم ، وأمر
فعلق بينه وبينهم سبيبة ليقف على ما يجري ويسمعه ويشاهده ، ففعل ذلك ،
وجلس عبيد الله واستدعى المحضرين ، فقدموا إليه يقدمهم بشر الخفاف ، فلما
جلسوا أقبل عبيد الله على بشر فقال له: أنت بشر الخفاف ؟ فقال : نعم ،
فسكنت نفوس الحاضرين معه إلى تمام هذه الحيلة وإتمام هذه المدالسة وجواز هذه
المغالطة ، فقال له: إنه رفع إلى أمير المؤمنين من أمركم شيء أنكره فأمر
بالكشف عنه وسؤالكم بعد إِحضاركم عن حقيقته ، فقال له بشر : نحن
حاضرون فما الذي تأمرنا به ؟ قال : بلغ أمير المؤمنين أنه يجتمع اليك قوم
فيخوضون معك في الترفض وشتم الصحابة، فقال بشر: ما أعرف من هذا شيئاً،
قال : قد أمرت بامتحانكم والفحص عن مذاهبكم ، فقال : ما تقول في السلف؟
فقال : لعن الله السلف، فقال له عبيد الله: ويلك أتدري ما تقول؟ قال: نعم لعن
الله السلف ، فخرج خادم من بين يدي المتوكل فقال لعبيد الله : يقول لك أمير
المؤمنين: سله الثالثة فإن أقام على هذا فاضرب عنقه، فقال له : إني سائلك هذه
المرة فإن لم تتب وترجع عما قلت أمرت بقتلك، فما تقول الآن في السلف ؟ فقال:
لعن الله السلف، قد خرب بيتي وأبطل معيشتي وأتلف مالي وأفقرني وأهلك
عيالي ، قال : وكيف ؟ قال : أنا رجل أسلف الأكرة وأهل الدستان الخفاف
والتمسكات على أن يوفوني الثمن مما يحصل من غلاتهم، فأصير اليهم عند حصول
الغلة في بيادرهم ، فإذا أحرزوا الغلات دفعوني عن حقي وامتنعوا من توفيتي
مالي ، ثم يعودون عند دخول الشتاء فيعتذرون إلي ويحلفون بالله لا يعاودون
٣٥٢

مطلي وظلمي ، فإنهم يؤدون إِلى المتقدم والمتأخر من مالي ، فأجيبهم إلى ما
يلتمسونه وأعطيهم ما يطلبونه ، فإِذا جاء وقت الغلة عادوا إلى مثل ما كانوا
عليه من ظلمي وكسر مللي فقد اختلَّت حالي وافتقرت عيالي ؛ قال : فسمع
ضحك عالٍ من وراء السبيبة، وخرج الخادم فقال: استحلل هؤلاء القوم وخلٌ
سبيلهم ؛ فقالوا : يا أمير المؤمنين في حلٍ وسعة ، فصرفهم فلما توسطوا صحن
الدار قال بعض الحاضرين : هؤلاء قوم مجان محتالون وصاحب الخبر متيقظ لا
يكتب إِلا بما يعلمه ويثق بصحته ، وينبغي أن يستقصى الفحص عن هذا والنظر
فيه، فأمر بردهم، فلما أُمروا بالرجوع قال بعض الجماعة التابعة لبعض: ليس هذا
من ذلك الذي تقدم فينبغي أن نتولى الكلام نحن ونسلك طريق الجد والديانة ،
فرجعوا فأمروا بالجلوس ، ثم أقبل عبيد الله على القوم فقال : إِن الذي كتب في
أمركم ليس ممن يقدم على الكتب بما لا يقبله علماً ويحيط [به] خبراً وقد أخذ أمير
المؤمنين باستئناف امتحانكم وانعام التفتيش عن أمركم ، فقالوا : افعل ما أمرت
به ، فقال : من خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قلنا : علي بن
أبي طالب ، فقال الخادم بين يديه : قد سمعت ما قالوا ، فأخبر أمير المؤمنين
به، فمضى ثم عاد فقال: يقول لكم أمير المؤمنين هذا مذهبي، فقلنا: الحمد لله الذي
وفق أمير المؤمنين في دينه ووفقنا لاتباعه وموافقته على مذهبه ، ثم قال لهم :
ما تقولون في أبي بكر رضي الله عنه ؟ فقالوا : رحمة الله على أبي بكر نقول فيه
خيراً ، قال : فما تقولون في عمر ؟ قلنا : رحمة الله عليه ولا نحبه ، قال : ولم ؟
قلنا : لأنه أخرج مولانا العباس من الشورى ، قال : فسمعنا من وراء السبيبة
ضحكاً أعلى من الضحك الأول ، ثم أتى الخادم فقال لعبيد الله عن المتوكل :
أتبعهم صلة فقد لزمتهم في طريقهم مؤونة واصرفهم ، فقالوا : نحن في غنى وفي
المسلمين من هو أحق بهذه الصلة وإليها أحوج ، وانصرفوا .
وذكر أبو عبد الله حمدون قال : قال لي الحسين بن الضحاك : ضربني الرشيد
في خلافته لصحبتي إياه ثم ضربني الأمين لمائلتي ابنه عبد الله ثم ضربني المأمون
لميلي إلى محمد ثم ضربني المعتصم لمودّة كانت بيني وبين العباس بن المأمون ثم
ضربني الواثق لشيء بلغه من ذهابي إلى المتوكل ، وكل ذلك يجري مجرى الولع
٢٣ - ١
٣٥٣

والتحذير لي، ثم أحضرني المتوكل وأمر شفيعاً أن يولع بي ، فتغاضب المتوكل
علي ، فقلت : يا أمير المؤمنين إِن كنت تضربني كما ضربني آباؤك فاعلم أن
آخر ضرب ضربته كان بسببك ، فضحك وقال : بل، أصونك وأكرمك .
وقال المتوكل يوماً لمن حضره : ما أرى أحسن من وصيف الصغير ، يعني
خادمه ، فجعل كل يصفه غير بغا الكبير فقال : يا بغا ما سكوتك ؟ اما تحب
وصيفاً ؟ قال: لا ، قال: ولم ؟ قال: لأني أحبّ من يحبك ولا أحب من يحبه.
ودخل أبو العيناء على المتوكل فقال له: بلغني عنك بذاء، قال: إن يكن البذاء
صفة المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته فقد مدح الله وذم قال ﴿ نعم العبد إنه
أواب﴾ وقال عز وجل ﴿هماز مشاء بنميم مناع للخير معتد أثيم عتلّ بعد ذلك
زنيم﴾ فذمه حتى قذفه، وأما أن أكون كالعقرب التي تلسع النبي والذمي١
بطبع لا يميز فقد أعاذ الله عبدك من ذلك ، وقد قال الشاعر :
إذا أنا بالمعروف لم أثنِ صادقاً ولم أشتم الجبس اللثيم المذمما
ففيم عرفت الشر والخير باسمه وشق ليَ الله المسامع والفما
ولما أُسلم نجاح بن سلمة إلى موسى بن عبد الملك٢ الأصبهاني ليؤدي ما عليه من
الأموال عاقبه فتلف في مطالبته ، فحضر يوماً عند المتوكل فقال له : ما عندك
من خبر نجاح بن سلمة ؟ قال: ما قال الله ﴿فوكزه موسى فقضى عليه ﴾، فاتصل
ذلك بموسى فلقي الوزير عبيد الله بن يحيى بن خاقان فقال : أيها الوزير أردت
قتلي فلم تجد لذلك سبيلاً إلا بإدخال أبي العيناء إلى أمير المؤمنين وعداوته لي ،
فعاتب عبيد الله أبا العيناء في ذلك فقال : والله ما استعذبت الوقيعة فيه حتى
ذممت سيرته لك، فأمسك عنه. ثم دخل بعد ذلك أبو العيناء على المتوكل فقال:
كيف كنت بعدي ؟ فقال : في أحوال مختلفة خيرها رؤيتك وشرها غيبتك ،
فقال: قد والله اشتقتك، قال: إِنما يشتاق العبد لأنه يتعذر عليه لقاء مولاه وأما
السيد فمتى أراد عبده دعاه ، فقال له المتوكل : من أسخى من رأيت ؟ قال :
١ في الأصل البني والمدمى؛ وانظر في التصحيح ثمار القلوب: ٤٣٠.
٢ في الأصل: عبد الله؛ وانظر هذه الحادثة في تاريخ ابن الأثير ٧ : ٨٨.
٣٥٤

ابن أبي داود، قال المتوكل: تأتي إلى رجل قد رفضته فتنسبه إلى السخاء ؟ قال:
إن الصدق يا أمير المؤمنين على موضع من المواضع أنفق منه على مجلسك وإن
الناس يغلطون فيمن ينسبونه إلى الجود لأن سخاء البرامكة منسوب إلى الرشيد،
وسخاء الفضل والحسن بن سهل منسوب إلى المأمون ، وجود ابن أبي دوادا
منسوب إلى المعتصم ، وإذا نسب الفتح وعبيد الله٢ إلى السخاء فذاك سخاؤك يا
أمير المؤمنين ، قال: صدقت فمن أبخل من رأيت؟ قال : موسى بن عبد الملك ،
قال : وما رأيت من بخله ؟ قال : رأيته يحرم القريب كما يحرم الغريب، ويعتذر
من الإحسان كما يعتذر من الإساءة ، فقال له: قد وقعت فيه عندي وقعتين وما
أُحب ذلك ، فالقه واعتذر إليه ولا يعلم أني وجهت بك، قال: يا أمير المؤمنين
من يسكنه بحضرة ألف ؟ قال : لن تخاف على الاحتراس من الخوف، فسار إِلى
موسى واعتذر كل واحد منهما إلى صاحبه ، وافترقا إلى صلح ، فلقيه بالجعفري
فقال: يا أبا عبد الله قد اصطلحنا فما لك لا تأتينا ؟ قال: ﴿أتريد أن تقتلني
كما قتلت نفساً بالأمس﴾ ما أرانا إلا كما كنا أولاً.
وكان المتوكل قد غضب على عبادة ونفاه إلى الموصل وكان عبادة من أطيب
الناس وأخفهم روحاً وأحضرهم نادرة ، وكان أبوه من طباخي المأمون وكان
معه ، فخرج حاذقاً بالطبيخ ثم مات أبوه ونجب . حكى أبو حازم الفقيه ،
وقد جرى ذكر عبادة ، قال: ما كان أظرفه، قيل : وكيف ؟ قال : لما
حصل بالموصل تبعه غرماؤه وطلبوه وقدموه إلى علي بن إبراهيم العمري وهو
قاضي الموصل فحلف لواحد ثم لآخر ثم لآخر ، فقال له علي بن إبراهيم: ويحك
ترى هؤلاء كلهم قد اجتمعوا على ظلمك ؟ فاتق الله وارجع إلى نفسك ، فإن
كانت عسرة بإزائها نظرة ، فقال : صدقت فديتك ليس كلهم ادعى الكذب
ولا كلهم ادعى الصدق ، ولكني دفعت بالله ما لا أطيق . وقيل له وقد مات
زوج أخته : ما ورثت أختك من زوجها ؟ قال : أربعة أشهر وعشراً .
وحكى علي بن الجهم قال: لما أفضت الخلافة إلى المتوكل أهدى إليه ابن طاهر
١ في الأصل : ابن أبي داود .
٢ في الأصل : عبد الله.
٣٥٥
٠

من خراسان هدية جليلة فيها جوارٍ فيهن جارية يقال لها محبوبة قد نشأت
بالطائف وبرعت في الأدب وأجادت قول الشعر وحذقت الغناء وقربت من قلب
المتوكل وغلبت عليه فكانت لا تفارق مجلسه ، فوجد عليها مرة فهجرها أياماً؛
وبكّرتُ عليه فقال: يا علي، قلت: لبيك يا أمير المؤمنين، قال: رأيت الليلة في
منامي كأني رضيت عن محبوبة وصالحتها وصالحتني، قلت: خيراً يا أمير المؤمنين
أقرَّ الله عينك وسرك، إنما هي عبدتك والرضى والسخط بيدك ، فوالله أنا لفي
ذلك إذ جاءت وصيفة فقالت : يا أمير المؤمنين سمعت صوت عود من حجرة
محبوبة ، فقال : قم بنا يا علي ننظر ما تصنع ، فنهضنا حتى أتينا حجرتها فإذا
هي تضرب العود وتغني :
أدور في القصر لا أرى أحداً أشكو إليه ولا يكلمني
ليس لها توبة تخلصني
كأنني قد أتيت معصية
قد زارني في الكرى وصالحني
فهل شفيع لنا إِلى ملك
حتى إذا ما الصباحُ لاح لنا عاد إلى هجره فصارمني
قال : فصاح أمير المؤمنين وصحت معه ، فسمعت فتلقته وأكبت على قدميه
تقبلهما ، فقال : ما هذا ؟ قالت : يا مولاي رأيت في ليلتي كأنكَ رضيتَ عني
فتعللت بما سمعت، قال: وأنا والله رأيت مثل ذلك، فقال لي : يا علي رأيت أعجب
من هذا كيف اتفق؟ ورجعنا إلى الموضع الذي كنا فيه ودعا بالجلساء والمغنين واصطبح
وما زالت تغنيه الأبيات يومه ذلك؛ قال: وزادت حظوة عنده حتى كان من أمره
ما كان، فتفرق جواريه وصارت محبوبة إلى وصيف الكبير فما زالت حزينة باكية،
فدعاها يوماً وأمرها أن تغني فاستعفته وجيء بعود فوضع في حجرها فغنت :
أيُّ عيش يلذ لي لا أرى فيه جعفرا
كل من كان في ضنى وسقامٍ فقد برا
غير محبوبة التي لو ترى الموت يشترى
لاشترته بما حوته يداها لتقبرا
ولبست السواد والصوف وما زالت تبكيه وترثيه حتى ماتت، رحمها الله تعالى.
٣٥٦

١٣٥
ابن السراج
أبو محمد جعفر بن أحمد بن الحسين بن أحمد بن جعفر السراج المعروف بالقاري
البغدادي ؛ كان حافظ عصره ، وعلاَّمة زمانه ، وله التصانيف العجيبة ، منها
كتاب (( مصارع العشاق)) وغيره ، حدث عن أبي علي بن شاذان ، وأبي القاسم
ابن شاهين، والخلال، والبرمكي ، والقزويني ، وابن غيلان ، وغيرهم ، وأخذ
عنه خلق كثير ، وروى عنه الحافظ أبو الطاهر السلفي رحمه الله تعالى ، وكان
يفتخر بروايته مع أنه لقي أعيان ذلك الزمان وأخذ عنهم .
وله شعر حسن ، فمنه١ :
بانَ الخليطُ فأدمعي وجْداً عليهمْ تسْتَهلُّ
ق عن المنازل فاسْتقلُّوا
وحَدا بهم حادي الفرا
عن ناظري والقلبَ حلتُوا
قل للذين تَرَحَّلوا
ودمي بلا جُرْمٍ أتيـ
ما ضَرَّهُمْ لو أنهلوا
ت غداةَ بينهمُ استحلُّوا
مِنْ ماء وصلهمُ وعلُّوا
ومن شعره أيضاً رحمه الله تعالى :
وعَدْتِ بأن تَزوري كل شَهْرٍ فزوري قد تَقَضَّى الشهرُ زوري
١٣٥ - راجع ترجمته في ذيل ابن رجب ١: ١٢٣ وبغية الوعاة: ٢١١ ومعجم الأدباء ٥ : ١٥٣
وفيه نقل عن ابن عساكر ؛ وكان السراج ذا طريقة جميلة ومحبة للعلم والأدب ، وكان يسافر
الى مصر وغيرها ، وتردد الى صور عدة دفعات ثم قطن بها زماناً ، وعاد الى بغداد وأقام بها
الى أن توفي، وأكثر أشعاره في الزهد والفقه ، وله سوى مصارع العشاق كتاب اسمه «زهد
السودان )» .
١ الأبيات في مصارع العشاق ١ : ١٣٠.
٣٥٧

وشقة بَيْننا نهرُ المعلى إلى البلد المسمى شَهْرَزورِ
وأشْهُرُ هَجْرِكِ المحتومِ صدق ولكن شَهْرُ وصلك شَهْرُ زورٍ
وأورد له العماد الكاتب الأصبهاني في كتاب ((الخريدة)):
ومُدَّعِ شَرْخَ شَبَابٍ وقد عمَّمَهُ الشَّيبُ على وَفْرَتَهْ
يكفيه أن يكذبَ في لحيته
يخضب بالوشمة عثنونه
وله غير ذلك نظم جيد .
وكانت ولادته إما في أواخر سنة سبع عشرة وأربعمائة أو أوائل سنة ثماني
عشرة وأربعمائة ، وذكر الشريف أبو المعمر المبارك بن أحمد بن عبد العزيز
الأنصاري في كتاب ((وفيات الشيوخ)) أن مولده سنة ست عشرة ببغداد ،
وتوفي بها ليلة الأحد الحادي والعشرين من صفر سنة خمسمائة، ودفن بباب أبرز.
١٣٦
أبو معشر المنجم
أبو مَعْشَر جعفر بن محمد بن عمر البَلْخي المنجِّم المشهور ؛ كان إِمام
وقته في فنه، وله التصانيف المفيدة في علم النجامة، منها ((المدخل)) و((الزيج))
و ((الألوف)) وغير ذلك، وكانت له إصابات عجيبة .
رأيت في بعض المجاميع أنه كان متصلاً بخدمة بعض الملوك ، وأن ذلك
الملك طلب رجلاً من أتباعه وأكابر دولته ليعاقبه بسبب جريمة صدرت منه ،
١٣٦ - ترجمة أبي معشر في الفهرست: ٢٧٧ وتاريخ الحكماء: ١٥٢ وابن أبي أصيبعة ٢٠٧:١
ومختصر الدول : ٢٥٨ وطبقات صاعد: ٥٦ وقد كتب عنه الأستاذ ر. لامي كتاباً بعنوان:
Abu Ma'shar and Latin Aristotelianism (Beirut 1962).
٣٥٨

فاستخفى ، وعلم أن أبا معشر يدل عليه بالطرائق التي يستخرج بها الخبايا١
والأشياء الكامنة ، فأراد أن يعمل شيئاً لا يهتدي إليه ويبعد عنه حِسَّه٢
فأخذ طَسْتاً وجعل فيه دماً وجعل في الدم هاون ذهب ، وقعد على الهاون
أياماً ، وتَطَلَّبَ الملك ذلك الرجلَ وبالغ في التطلب ، فلما عجز عنه أحضر
أبا معشر وقال له : تعرّفني موضعه بما جرت عادتك به ، فعمل المسألة التي
يستخرج بها الخبايا ، وسكت زماناً حائراً ، فقال له الملك : ما سبب سكوتك
وحيرتك ؟ قال : أرى شيئاً عجيباً ، فقال : وما هو ؟ قال : أرى الرجل
المطلوب على جبل من ذهب والجبل في بحر من دم ، ولا أعلم في العالم موضعاً
من البلاد على هذه الصفة ، فقال له : أعد نظرك وغير المسألة وجدد أخذ
الطالع ، ففعل ثم قال : ما أراه إلا كما ذكرت، وهذا شيء ما وقع لي
مثله ، فلما أيس الملك من القدرة عليه بهذا الطريق أيضاً نادى في البلد بالأمان
للرجل ولمن أخفاه ، وأظهر من ذلك ما وثق به ، فلما اطمأن الرجل ظهر٣
وحضر بين يدي الملك ، فسأله عن الموضع الذي كان فيه ، فأخبره بما اعتمده؛ ،
فأعجبه حسن احتياله في إخفاء نفسه ، ولطافة أبي معشر في استخراجه .
وله غير ذلك من الإصابات .
وكانت وفاته في سنة اثنتين وسبعين ومائتين ، رحمه الله تعالى .
والبَلْخي - بفتح الباء الموحدة وسكون اللام وبعدها خاء معجمة - هذه
النسبة إِلى بَلْخ ، وهي مدينة عظيمة من بلاد خُراسان فتحها الأحْنَفُ بن
قَيْس التميمي في خلافة عثمان رضي الله عنه ، وهذا الأحنف هو الذي يُضْرب
به المثل في الحلم ، وسيأتي ذكره في حرف الضاد إن شاء الله تعالى .
١ أج ـ وآيا صوفيا: الخفايا.
٢ آيا صوفيا : حدسه .
٣ ب د : خرج .
٤ أ : بما فعل .
٣٥٩

١٣٧
جعفر الأندلسي ممدوح ابن هانىء
أبو علي جعفر بن علي بن أحمد بن حمدون الأندلسي صاحب المَسيلة وأمير
الزاب من أعمال إفريقية؛ كان سخياً كثير العطاء مؤثراً لأهل العلم ، ولأبي
القاسم محمد بن هانىء الأندلسي فيه من المدائح الفائقة ما يجاوز حسنها حد
الوصف ، وهو القائل فيه :
جسمي وطَرْفٌ بابليِّ أَحْوَرُ
المدنَقانِ من البرية كُلّهـا
الشمسُ والقَمَرُ المنير وجَعْفَرُ
والمُشْرقاتُ النيرات ثلاثة
وأما القصائد الطوال فلا حاجة إلى ذكر شيء منها .
وكان أبوه علي قد بنى المَسيلَةَ، وهي معروفة بهم إلى الآن ، وكان بينه
وبين زيري بن مَناد جدِّ المعز بن باديس إِحَنٌ ومشاجرات أفْضتْ إلى القتال،
فتواقعا وجرت بينهما معركة عظيمة ، فقتل زيري فيها ثم قام ولده بُلُكِّين
- المقدم ذكره في حرف الباء - مقام أبيه ، واستظهر على جعفر المذكور، فعلم
أنه ليس له به طاقة، فترك بلاده ومملكته وهرب إلى الأندلس، فقتل بها في سنة
أربع وستين وثلثمائة، رحمه الله تعالى، وشرحُ حديثه يطول وهذا القدر خلاصته .
والمَسيلة - بفتح الميم وكسر السين المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها
وبعدها لام مفتوحة ثم هاء ساكنة - وهي مدينة من أعمال الزاب .
والزّاب - بفتح الزاي وبعد الألف باء موحدة - كورة بإفريقية ، وقد
تقدم ذكر إفريقية .
١٣٧ - انظر بعض أخباره في ترجمة أخيه يحيى في الحلة السيراء ١: ٣٠٥ وابن عذاري ٢:
٢٤٢ وأعمال الأعلام: ٦٠ وفي خبر عودة جعفر الى الأندلس انظر المقتبس (تحقيق الحجي)
في صفحات متعددة منه .
٣٦٠