النص المفهرس
صفحات 221-240
لا يقدر١ أن يقوم، فغار الشعراء من ذلك ، فجمعهم ثم قال: يا معشر الشعراء عجباً لكم ! ما أشدَّ حسدَكم بعضكم بعضاً ! إن أحدكم يأتينا ليمدحنا بقصيدة يشبب فيها بصديقته بخمسين بيتاً، فما يبلغنا حتى تذهب لذاذة مدحه ورَونَق شعره ، وقد أثانا أبو العتاهية فشبب بأبيات يسيرة ، ثم قال ، وأنشد الأبيات المذكورة : فما لكم منه تغارون ؟ وكان أبو العتاهية لما مدحه بهذه الأبيات تأخر عنه بره قليلاً فكتب إليه يستبطئه٢ : أصابَتْ علينا جُودَك العينُ يا عُمَرْ فنحن لها نَبغي التََّائِمَ والنُّشَر٣ سَنَرْقِيكَ بالأشعار حتى تمَلَّها وإِن لم تُفِقِْ منها رَقَيْنَاكَ بِالسُّوَرْ قال أشجع السلمي الشاعر المشهور : أذن الخليفة المهدي للناس في الدخول عليه فدخلنا ، فأمَرَنا بالجلوس ، فاتفق أن جلس يجني بشار بن بُرْدٍ وسكت المهدي فسكت الناس ، فسمع بشار حسّاً فقال لي : من هذا ؟ فقلت : أبو العتاهية، فقال: أتراه ينشد في هذا المحفل ؟ فقلت: أحسبه سيفعل، قال: فأمره المهدي أن ينشد ، فأنشد؛ : أَلا ما لِسَيِّدَتي ما لَها أُدلَّتْ فأحْمَلَ إِذْلالَها قال : فنخسني بشار بمرفَقِه وقال : ويحكَ ! أرأيت أجسر من هذا ؟ ينشد مثل هذا الشعر في مثل هذا الموضع ، حتى بلغ إلى قوله : أَتَتَهُ الخلافَةُ منقادةً إِليْه تجرِّرُهُ أَنْيالَها فلم تَكُ تَصْلح إِلاَّ لَهُ ولم يَكُ يصلح إلاَّ لها ولو رامَها أحدٌ غِيْرُهُ لَزلْزلَتِ الأرض زلزالها ١ د : لم يستطع . ٢ ديوانه : ٥٥٧ وأمالي القالي ١ : ٢٤٣. ٣ النشر : الرقى . ٤ ديوانه : ١٩٧ وفي الحاشية تخريج مستقصى . ه أ : تجرجر . ٢٢١ ولو لم تُطِعْه بنات القلوب لمَا قَبَلَ الله أعمالها فقال لي بشار : انظر ويحك يا أشجع ، هل طار الخليفة عن عرشه ؟ قال أشجع : فوالله ما انصرف أحد عن هذا المجلس بجائزة غير أبي العتاهية . وله في الزهد أشعار كثيرة ، وهو من مُقَدَّمي المولدين في طبقة بشار وأبي نواس وتلك الطائفة ، وشعره كثير . وكانت ولادته في سنة ثلاثين ومائة ، وتوفي يوم الاثنين لثمان أو ثلاث خلون من جمادى الآخرة سنة إحدى عشرة١ ، وقيل : ثلاث عشرة ومائتين ببغداد ، وقبره على نهر عيسى قبالة قنطرة الزياتين ، رحمه الله تعالى . ولما حضرته الوفاة قال : أشتهي أن يجيء مخارق المغني ويغني عند رأسي ، والبيتان له من جملة أبيات٢ : إذا ما انقَضَتْ عنّي من الدهر مُدَّتي٣ فإنَّ عَزاء الباكِياتِ قَليلُ سَيُعرَضُ عنِ ذِكري وتُنسى مَوَدَّتِي وَيَحْدُث بَعْدِي لِلخَليل خَلِيلُ وأوصى أن يكتب على قبره هذا البيت؛ : إِنَّ عيشاً يكونُ آخرَهُ الْمَوْ تُ لَعيشٌ مُعجِلُ التنغيصِ ويحكى أنه لقي يوماً أبا نواس فقال له : كم تعمل في يومك من الشعر ؟ فقال له : البيت والبيتين ، فقال أبو العتاهية : لكنني أعمل المائة والمائتين في اليوم ، فقال أبو نواس : لأنك تعمل مثل قولك : يا عُتْبَ ما لي ولَكِ يا ليتني لمْ أَرَكِ ١ أ : سنة ٢١٠. ٢ ديوانه : ٣١٧ . ٣ الديوان : إذا انقطعت عني من العيش مدتي . ٤ لم يرد في ديوانه . ٢٢٢ ولو أردت مثل هذا الألفَ والألفين لقدرتُ عليه، وأنا أعمل مثل قولي : مِنْ كفّذاتٍ حِرٍ فِي زيّ ذِي ذَكَرٍ لها مُحبّانِ: لُوطِيِّ، وزَنّاءُ ولو أردتَ مثل هذا لأعجزكَ الدهر . ومن لطيفٍ شعره قوله ١ : ولقدْ صَبَوْتُ إِليكَ حتى صارَ من فَرْط التصابي يجدُ الجليسُ إذا دَنا ريحَ التصابي في ثيابي وحكاياته كثيرة . ومن شعره في عتبة جارية المهدي٢ : فيسرُوا٣ الأكفانَ منْ عاجلِ يا إِخوَتِي إِنَّ الهَوَى قاتلي فإنني في شُغُلِ شاغِلٍ ولا تلومُوا في اتّاعِ الهَوَى ويقول فيها : بدمعها المنسكبِ السائلِ عَيني عَلى عُتْبةَ مُنْهَلَّة منْ شدَّةِ الوجد على القاتل يا مَنْ رَأى قبلي قتيلاً بكى ماذا ترُدُّون على السائل بسطتُ كفِّي نحوكم سائلاً قَوْلاً جميلاً بدَلَ النائِل إِنْ لم تُنيلوهُ، فقولوا لهُ مِنْهُ فمنتُّوهُ إِلى القابِل أو كنتمُ العامَ على عُسْرَةٍ وحكى صاعد اللغوي في كتاب ((الفصوص)): أن أبا العتاهية زار يوماً بشار بن برد ، فقال له أبو العتاهية : إني لأستحسن قولك اعتذاراً من البكاء ، إذ تقول : ١ ديوانه : ٤٩٠ . ٢ ديوانه : ٦١٦ . ٣ د : فسيروا . ٢٢٣ رِقِبُدُ البكاء مِنَ الحياء کم من صدیقٍ لي أُسا فأقولُ ما بي مِنْ بكاء وإِذا تفطَّنَ لامني لكنْ ذَهبتُ الأرْتدي فطرَفتُ عَيني بالردَاء فقال له: أيها الشيخ ، ما غرفته إِلا من بحرك، ولا نحتثُه إِلا من قدحكَ، وأنت السابق حيث تقول١ : وقالوا قد بكيتَ فقلتُ كلا وهلْ يبكي منَ الجَزَعِ الجليدُ عُوَيَدُ قَذَى له طَرفٌ حديد ولكنْ قد أصاب سَوادَ عيني أكِلِْنَا مقلتيكَ أصابَ عُود فقالوا ما لِدَمعهما سَواءٌ قال صاعد : وتقدمها إلى هذا المعنى الحطيئة حيث يقول٢ : إذا ما العينُ فاضَ الدَّمَعُ منها أَقُولُ بها قَذَّى وهوَ البكاء وكان أبو العتاهية ترك قول الشعر ، فحكى قال : لما امتنعت من قوله أمر المهدي بحبسي في سجن الجرائم ، فلما دخلته دُهشت ورأيت منظراً هالني ، فطلبت موضعاً آوي فيه ، فإذا أنا بكهل حسن البزَّة والوجه عليه سِيما الخير فقصدته ، وجلست من غير سلام عليه لما أنا فيه من الجزع والحيرة والفكر ، فمكثت كذلك مَليّاً ، وإذا الرجل ينشد : تعَوَّدتُ مَسَّ الضرّ حتى ألفتُهُ وأسامني حسنُ العزاءِ إِلى الصَّبْرِ وصَيَّرَ ني يأسي منَ الناسِ واثقاً بحسن صنيعِ اللهِ من حيثُلا أدري قال : فاستحسنت البيتين وتبركت بها ، وثاب إليَّ عقلي ، فقلت له : تفضل - أعزك الله - عليَّ بإعادتها، فقال: يا إِسماعيل، ويحكَ ما أسوأ أدبك وأقل عقلك ومروءتك ، دخلتَ فلم تسلّم عليَّ تسليمَ المسلم على المسلم ، ١ لم ترد في ديوانه . : ٢ ديوان الحطيئة : ٥٩ . ٢٢٤ ولا سألتني مسألة الوارد على المقيم ، حتى سمعت١ مني بيتين من الشعر الذي لم يجعل الله تعالى فيك خيراً ولا أدباً ولا معاشاً غيره ، طفقت تستنشدني مبتدئاً كأن بيننا أنساً وسالفَ مودَّة توجب بسط القبض ، ولم تذكر ما كان منك ، ولا اعتذرت عما بدا من إِساءة أدبك ، فقلتُ : اعذرني متفضلاً ، فدون ما أنا فيه يدهش ، قال : وفيم أنت ؟ تركت الشعر الذي هو جاهك عندهم وسببك إليهم ، ولا بد أن تقوله فتطلق ، وأنا يُدْعى الساعةَ بي ، فأطلب بعيسى بن زيد ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن دلت عليه لقيتُ الله تعالى بدمه ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم خصمي فيه ، وإلا قُتِلت، فأنا أولى بالحيرة منك ، وها أنت ترى صبري واحتسابي ، فقلت : يكفيك الله عز وجل ، وخجلت منه، فقال : لا أجمع عليك التوبيخَ والمنع ، اسمع البيتين ، ثم أعادهما عليَّ مراراً حتى حفظتهما ، ثم دُعي به وبي . فقلت له: مَنْ أنت أعزك الله عز وجل ؟ قال : أنا حاضر صاحب عيسى بن زيد ، فأدخلنا على المهدي ، فلما وقفنا بين يديه قال للرجل : أين عيسى بن زيد ؟ قال : وما يدريني أين عيسى ابن زيد ؟ تطلّبته فهرب منك في البلاد وحبستني ، فمن أين أَقف على خبره ؟ قال له : متى كان متوارياً ؟ وأين آخر عهدك به ؟ وعند من لقيته ؟ قال : ما لقيته منذ توارى ، ولا عرفت له خبراً! قال: والله لتدلَّنَّ عليه ، أو لأضْرِبَنَّ عنقك الساعة ، فقال : اصنع ما بدا لك، فوالله ما أدلك على ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وألقى الله تعالى ورسوله عليه السلام بدمه ، ولو كان بين ثوبي وجلدي ما كشفت لك عنه ، قال : اضربوا عنقه ، فأمر به فضربت عنقه ، ثم دعا بي فقال : أتقول الشعر ، أو ألحقك به ؟ قلت : بل أقول ، قال : أطلقوه ، فأطلقت. وقد روى القاضي أبو علي التنوخي في البيتين المذكورين زيادة بيت ثالث ، وهو : إذا أنا لم أَقْنَعْ منَ الدَّهرِ بالذي تكَرَّمْتُ منهُ طالَ عتْبي على الدّهرِ ١ ب هـ : إذا سمعت. ١٥ - ١ ٢٢٥ وحكايات أبي العتاهية كثيرة . والعنزي - بفتح العين المهملة والنون وبعدها زاي - هذه النسبة إِلى عَنَزَة ابن أسد بن ربيعة . والعَيْنِيُّ - بفتح العين المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها نون - هذه النسبة إلى عين التمر البلدة المذكورة في الأول . ٩٥ أبو علي القالي أبو علي إسماعيل بن القاسم بن عيذون بن هارون بن عيسى بن محمد بن سلمان١ القالي اللغوي ، جَدُّه سلمانُ مولى عبد الملك بن مروان الأموي ؛ كان أحفظ أهل زمانه للغة والشعر ونحو البصريين . أخذ الأدب عن أبي بكر ابن دُرَيد الأزدي وأبي بكر ابن الأنباري ونِفْطَوَيه وابن دَرَ شْتويه وغيرهم . وأخذ عنه أبو بكر محمد بن الحسن الزبيدي الأندلسي صاحب ((مختصر العين))، وله التواليف الملاح٢، منها: كتاب ((الأمالي)) وكتاب ((البارع)) في اللغة ، بناه على حروف المعجَم، وهو يشتمل على خمسة آلاف ورقة، وكتاب (( المقصور والممدود)) وكتاب ((في الإبل ونتاجها)) وكتاب ((في حلي الإنسان والخيل وشياتها)) وكتاب ((فعلت وأفعلت)) وكتاب ((مقاتل الفرسان)) وكتاب شرح فيه القصائد المعلقات ، وغير ذلك ، وطاف البلاد ، سافر إلى بغداد في سنة ٩٥ - ترجمة القالي في الزبيدي: ٢٠٢ وابن الفرضي ١: ٨٣ والجذوة: ١٥٤ (والبغية: ٢١٦) وانباه الرواة ١ : ٢٠٤ وبغية الوعاة: ١٩٨ ومعجم الأدباء ٧ : ٢٥ والنفح ٣ : ٧٠ (ط. صادر) وفي فهرسة ابن خير: ٣٩٥ ثبت بالكتب التي أدخلها الى الأندلس. ١ د : سليمان . ٢ أ : الحسنة . ٢٢٦ ثلاث وثلثمائة، وأقام بالموصل لسماع الحديث من أبي يَعْلى الموصلي. ودخلَ بغداد في سنة خمس وثلثمائة ، وأقام بها إلى سنة ثمان وعشرين وثلثمائة ، وكتب بها الحديث ، ثم خرج من بغداد قاصداً الأندلس . ودخلَ قُرْطُبة لثلاثٍ بقينَ من شعبان سنة ثلاثين وثلثمائة واستوطنها ، وأملى كتابه ((الأمالي)) بها، وأكثر كتبه بها وضعها ، ولم يزل بها ، ومدحه يوسف بن هارون الرمادي المذكور في حرف الياء من هذا الكتاب بقصيدة بديعة ذكرت بعضها هناك فلتطلب منه . وتوفي القالي بقرطبة في شهر ربيع الآخر ، وقيل : جمادى الأولى ، سنة ست وخمسين وثلثمائة ليلة السبت لست خلون من الشهر المذكور ، وصلى عليه أبو عبد الله الجبيري . ودفن بمقبرة متعة ظاهر قرطبة ، رحمه الله تعالى، ومولده في سنة ثمان وثمانين ومائتين في جمادى الآخرة بمَناز جِرْدَ من ديار بكر ، وقد تقدم الكلام عليها في ترجمة أحمد بن يوسف المنازي. وإنما قيل له ((القالي)) لأنه سافر إلى بغداد معَ أهل «قالي قلا)) فبقي عليه الاسم . وعَيْذُون : بفتح العين المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وضم الذال المعجمة وبعد الواو نون . والقالي - نسبة إلى قالي قلا - بفتح القاف وبعد الألف لام مكسورة ثم ياء مثناة من تحتها ثم قاف بعدها لام ألف - وهي من أعمال ديار بكر ، كذا قاله السمعاني، ورأيت في ((تاريخ السلجوقية)) تأليف عماد الدين الكاتب الأصبهاني: أن قالي قلا هي أرزن الروم ، والله أعلم . وذكر البلاذري في كتاب ((البلدان وجميع فتوح الإسلام)» في فتوح أرمينية١ ما مثاله: وقد كانت أُمور الروم تشعبت٢ في بعض الأزمنة ، وكانوا كملوك الطوائف ، فملك أرمينياقس رجل منهم ، ثم مات فملكتها بعده امرأته وكانت تسمى قالي ، فبنت مدينة قالي قلا ، وسمتها قالي قاله ، ١ فتوح البلدان : ٢٣٤ . ٢ فتوح : تشتتت . ٢٢٧ ومعنى ذلك إِحسان قالي ، وصورت على باب من أبوابها ، فعربت العرب قالي قاله ، فقالوا : قالي قلا . ٩٦ الصاحب ابن عباد الصاحب أبو القاسم إسماعيل بن أبي الحسن عَبّاد بن العباس بن عباد بن أحمد ابن إدريس الطالقاني ؛ كان نادرة الدهر وأُعجوبة العصر في فضائله ومكارمه وكرمه ، أخذ الأدب عن أبي الحسين أحمد بن فارس اللغوي صاحب كتاب ((المجمل)) في اللغة ، وأخذ عن أبي الفضل ابن العميد ، وغيرهما . وقال أبو منصور الثعالبي في كتابه ((اليتيمة)) في حقه : ليست تحضرني عبارة أرضاها للإفصاح عن علو محله في العلم والأدب ، وجلالة شأنه في الجود والكرم ، وتفرده بالغايات في المحاسن ، وجمعه أشتات المفاخر، لأن همة قولي تنخفض عن بلوغ أدنى فضائله ومعاليه ، وجَهْدَ وصفي يقصر عن أيسر فواضله ومساعيه . ثم شرع في شرح بعض محاسنه وطرف من أحواله . وقال أبو بكر الخوارزمي في حقه : الصاحب نشأ من الوزارة في حِجْرِهِا، ودبَّ ودرج من وَكْرِهِا ، ورضع أفاويق دَرِّها، وورثها عن آبائه كما قال أبو سعيد الرستمي في حقه : ورثَ الوزارة كابراً عن كابرٍ مَوَصُولة الإسناد بالإسنادِ ٩٦ - ترجمة الصاحب ابن عباد في اليقيمة ٣: ١٩٢ ومعجم الأدباء ٦: ١٦٨ وبغية الوعاة : ١٩٦ ويضم كتاب « أخلاق الوزيرين» لأبي حيان قسماً كبيراً من أخباره ؛ وقد ألف فيه الشيخ محمد حسن آل ياسين كتاباً ونشر عدداً من آثاره بما في ذلك ديوانه ، وهناك مجموعة من رسائله حققها الدكتور عبد الوهاب عزام والدكتور شوقي ضيف (القاهرة : ١٣٦٦). أما مشاركته في الحياة السياسية فتراجع فيها الكتب المتصلة بتاريخ البويهيين . ٢٢٨ يروي عن العباس عبّادٌ وزا رَته وإِسماعيلُ عَنْ عَبّادِ وهو أول من لقب بالصاحب من الوزراء لأنه كان يصحب أبا الفضل ابن العميد ، فقيل له : صاحب ابن العميد، ثم أطلق عليه هذا اللقب لما تولى الوزارة وبقي علماً عليه. وذكر الصابىء في كتاب ((التاجي)) أنه إنما قيل له الصاحب لأنه صحب مؤيد الدولة بن بويه منذ الصبا وسماه الصاحب ، فاستمر عليه هذا اللقب واشتهر به ، ثم سمي به كل مَنْ ولي الوزارة بعده . وكان أولاً وزير مؤيد الدولة أبي منصور بويه بن ركن الدولة بن بويه الديلمي تولى وزارته بعد أبي الفتح علي بن أبي الفضل ابن العميد المذكور في ترجمة أبيه محمد ، فلما توفي مؤيد الدولة في شعبان سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة يحُرْجان استولى على مملكته أخوه فخر الدولة أبو الحسن علي، فأقر الصاحبَ على وزارته، وكان مبجلاً عنده ومعظماً نافذ الأمر . وأنشده أبو القاسم الزعفراني ١ يوماً أبياتاً نونية ومن جملتها٢ : أيا مَنْ عطاياه تُهدِي الغِنى إلى راحَتَيْ مَن نأى أو دَنا كُساً لمِ نَخَلْ مثلَها مُمْكنا كَسَوْتَ المقيمينَ والزائرينَ وحاشيةُ الدار يمشون في صنوف من الخز إِلا أَنا فقال الصاحب : قرأت في أخبار مَعْن بن زائدة الشيبانيّ أن رجلاً قال له: احملني أيها الأمير، فأمر له بناقة وفرس وبغل وحمار وجارية ، ثم قال: لو علمت أن الله سبحانه وتعالى خلق مركوباً غير هذا لحملتك عليه ، وقد أمرنا لك من الخز يجبة وقميص وعمامة ودراعة وسراويل ومنديل ومُطْرَف ورداء وكساء وجورب وكيس ، ولو علمنا لباساً آخر يتخذ من الخز لأعطيناكه . واجتمع عنده من الشعراءِ ما لم يجتمع عند غيره ، ومدحوه بغرر المدائح (٢٧)* ١ هو عمر بن ابراهيم من أهل العراق، كان واسطة عقد ندماء الصاحب وقال فيه الصاحب « وأما شيخنا أبو القاسم الزعفراني أيده الله فصورته لدي صورة الأخ، أو وده أرمخ» (اليقيمة ٣: ٣٤٦) . ٢ انظر اليقيمة ٣ : ١٩٥ . ٢٢٩ وكان حسن الأجوبة [سريعها]، رفع الضرابون من دار الضرب إليه رقعة في مظلمة مترجمة بالضرابين، فوقَّع تحتها (( في حديد بارد)). وكتب بعضهم إليه ورقة أغار فيها على رسائله وسرق جملة من ألفاظه فوقَّع فيها ﴿ هذه بضاعتنا رُدت إلينا﴾. وحبس بعض عماله في مكان ضيق يجواره ، ثم صعد السطح يوماً فاطَّع عليه فرآه فناداه المحبوس بأعلى صوته ﴿ فاطَّع فرآه في سواء الجحيم ﴾ فقال الصاحب اخسأوا فيها ولا تكلمونٍ ﴾ ونوادره كثيرة . وصنف في اللغة كتاباً سماه ((المحيط)) وهو في سبع مجلدات ، رتبه على حروف المعجم ، كثر فيه الألفاظ وقلل الشواهد فاشتمل من اللغة على جزء متوفر، وكتاب ((الكافي)) في الرسائل وكتاب ((الأعياد وفضائل النيروز)) وكتاب ( الإمامة)) يذكر فيه فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه ويثبت إمامة من تقدمه، وكتاب ((الوزراء)) وكتاب (( الكشف عن مساوىء شعر المتنبي)) وكتاب ((أسماء الله تعالى وصفاته)) وله رسائل بديعة ونظم جيد، فمنه قوله ١ : وشادِنٍ جمالُه تَقْصُر عنه صِفِتي فقلت قَبّل شَفَتيّ أهوى لتقبيل يدي وله في رقة الخمر٢ : رقَّ الزجاجُ ورَقَّتٍ ٣ الخمرُ وتشابها فتَشاكل الأمرُ فكأنما خمرٌ ولا قَدَحُ وكأنما قدَحٌ ولا خمرُ وله يرني كثير بن أحمد الوزير وكنيته أبو علي؛ : يقولون لي أوْدَى كَثِيرُ بن أحمدٍ وذلك مرزوء عليَّ جليلُ ١ اليقيمة : ٢٥٨ . ٢ المصدر نفسه : ٢٦٣ . ٣ أ : وراقت . ٤ كذا ورد، وفي اليتيمة: وقال يرثي أبا منصور ... الخ . ٢٣٠ فقلت دَعُوني والعلا نَبْكِهِ معاً فمثلُ كثيرٍ في الرجال قليلُ وحكى أبو الحسين محمد بن الحسين الفارسي النحوي أن نوح بن منصور أحد ملوك بني سامان كتب إليه ورقة في السر يستدعيه ليفَوّضَ إليه وزارته وتدبير أمر مملكته ، فكان من جملة أعذاره إليه أنه يحتاج لنقل كتبه خاصة إلى أربعمائة جمل ، فما الظن بما يليق بها من التجمل . وفي هذا القدر من أخباره كفاية . وكان مولده لأربَعَ عَشْرَةَ ليلة بقيت من ذي القعدة سنة ست وعشرين وثلثمائة بإصطخر ، وقيل : بالطّالَقان ، وتوفي ليلة الجمعة الرابع والعشرين من صفر سنة خمس وثمانين وثلثمائة بالري ، ثم نقل إلى أصبهان ، رحمه الله تعالى ، ودفن في قبة بمحلة تُعرف بباب دزيه ، وهي عامرة إلى الآن ، وأولاد بنته يتعاهدونها بالتبييض . قال أبو القاسم ابن أبي العلاء الشاعر الأصبهانيّ: رأيت في المنام قائلاً يقول لي: لمَ لمْ ترثِ الصاحب مع فضلك وشعرك ؟ فقلت: ألجمتني كثرة محاسنه فلم أدرِ بمَ أبدأ منها ، وقد خفت أن أقصر وقد ظن بي الاستيفاء لها ، فقال : أجز ما أقوله ، فقلت : قل ، فقال : توَى الجودُ والكافي معاً في حفيرةٍ فقلت : ليأنَسَ كلٌّ منهما بأخيهِ فقال : هما اصْطَحَبا حيَّيْنِ ثم تَعَانَقا ضجيعَينِ في لحدٍ بباب دزيهِ فقلت : فقال : إِذا ارتحَلَ الثاوونَ عن مُستقَرِّهِمْ ٢٣١ فقلت : أقاما إلى يوم القيامة فيهِ ذكر هذا البياسي١ في حماسته . ورأيت في أخباره أنه لم يَسْعَدْ أحدٌ بعد وفاته كما كان في حياته غير الصاحب فإنه لما توفي أغلقت له مدينة الري واجتمع الناس على باب قصره ينتظرون خروج جنازته، وحضر مخدومه فخر الدولة المذكور أولاً وسائر القواد وقد غيروا لباسهم ، فلما خرج نعشُه من الباب صاح الناس بأجمعهم صيحةً واحدة وقبَّلوا الأرض ، ومشى فخر الدولة أمام الجنازة مع الناس وقعد للعزاء أياماً . ورثاه أبو سعيد الرُّسْتُميُّ بقوله : أَبَعْدَ ابنِ عَبَادٍ بِهَشُّ إلى السرَى أخو أمل أو يُسْتَمَاحُ جَوَاهُ أبى الله إلا أن يَمُوا بموته٢ فما لَهُما حتى المَعَاد٣ِ مَعَادُ وتوفي والده أبو الحسن عبّاد بن العباس في سنة اربع - أو خمس - وثلاثين وثلثمائة ، رحمه الله تعالى ؛ وكان وزير ركن الدولة بن بُوَيْهِ ، وهو والد فخر الدولة المذكور ، ووالد عضد الدولة فَناخُسْرُ و ممدوح المتنبي . وتوفي فخر الدولة في شعبان سنة سبع وثمانين وثلثمائة ٤ ، رحمه الله تعالى ، ومولده في سنة إحدى وأربعين وثلثمائة . والطَّالَقاني - بفتح الطاء المهملة وبعد الألف لام مفتوحة ثم قاف وبعد الألف الثانية نون - هذه النسبة إلى الطَّالَقان، وهو اسم لمدينتين : إحداهما ١ هو أبو الحجاج يوسف بن محمد البياسي الأندلسي (- ٦٥٣) وحماسته في مجلدين صنفها بتونس ، جمع فيها ما اختاره من أشعار العرب جاهليها ومخضرمها وإسلاميها ومولدها ، ومن أشعار المحدثين من أهل الشرق والأندلس ، ورتبها كترتيب أبي تمام . ٢ د : أبى ذلك أن الجود مات بموته . ٣ د : الممات . ٤ أ : سنة ٣٨٩. ٢٣٢ بخُراسان والأخرى من أعمال فَزْوين ، والصاحب المذكور اصله من طالقان قزوين ، لا طالقان خراسان . ٩٧ أبو الطاهر السرقسطي أبو الطاهر إسماعيل بن خلف بن سعيد بن عمران الأنصاري المقرىء النحوي الأندلسي السرقسطي ؛ كان إماماً في علوم الآداب ومتقناً لفن القراءات ، . وصنف كتاب ((العنوان)) في القراءات، وعمدَةُ الناس في الاشتغال بهذا الشأن! عليه، واختصر كتاب ((الحجة)) لأبي علي الفارسي، وذكره أبو القاسم ابن بشكوال في كتاب ((الصلة))، وأثنى عليه، وعدَّدَ فضائله٢. ولم يزل على اشتغاله وانتفاع الناس به إلى أن توفي يوم الأحد مُسْتَهَلَّ المحرم سنة خمس وخمسين وأربعمائة رحمه الله تعالى . والسَّرَقُسْطِي - بفتح السين المهملة والراء وضم القاف وسكون السين الثانية وبعدها طاء مهملة - هذه النسبة إلى مدينة في شرق الأندلس يقال لها سرَقُسْظة من أحسن البلاد ، وخرج منها جماعة من العلماء وغيرهم ، وأخذها الفرنج من المسلمين في سنة اثنتي عشرة وخمسمائة . ٩٧ - ترجمة أبي الطاهر السرقسطي في الصلة: ١٠٥ وغاية النهاية ١: ١٦٤، وكان السرقسطي يقرىء في جامع عمرو بن العاص بمصر؛ وقال ابن بشكوال توفي سنة ٤٥٣ . ١ د : الفن . ٢ اذا صح هذا القول من ابن خلكان فإن ترجمة السرقطي في («الصلة» تعد ناقصة، لأنه لم يثن عليه ولم يعدد فضائله . ٢٣٣ ٩٨ المنصور العبيدي أبو الطاهر إسماعيل الملقب المنصور بن القائم بن المهدي صاحب إِفريقية ، وستأتي بقية نسبه عند ذكر جده المهدي في حرف العين إن شاء الله تعالى. وقد تقدم ذكر المستعلي ، وهو من أحفاده . بُويِعَ المنصور يوم وفاة أبيه القائم - على ما سيأتي في ترجمته في حرف الميم - ؛ وكان بليغاً فصيحاً يرتجل الخطب، وذكر أبو جعفر أحمد بن محمد المَرْوَروذيُّ قال : خرجت مع المنصور يوم هزم أبا يزيد٢ ، فسايرته وبيده رُمْحان، فسقط أحدهما مراراً فمسحته وناولته إياه ، وتفاءَلتُ له، فأنشدته: فألقَتْ عَصاها واستَقَرَّ بها النَّوَى كما قرّ عيناً بالإياب المسافرُ فقال: ألاَّ قلت ما هو خير من هذا وأصدق ﴿وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون ، فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون ، فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين﴾ فقلت: يا مولانا أنت ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قلتَ ما عندك من العلم . قلت : ومن أحسن ما جاء في ذلك ما ذكره التيمي في سيرة الحجاج بن يوسف قال : أمر عبدُ الملك بن مروان أن يُعمل بابُ بيت المقدس ويُكتب عليه اسمه ، وسأله الحجاج أن يعمل له باباً ، فأذن له ، فاتفق أن صاعقة وقعت ٩٨ - راجع أخباره في اتعاظ الحنفا: ١٢٦ والدرة المضيئة: ١١٦ وابن خلدون ٤ : ٤٣ وابن عذاري ١ : ٢١٨ وأعمال الأعلام (القسم الثالث) : ٥٤ وخطط المقريزي . ١ ج هـ : محمد . ٢ هو أبو يزيد مخلد بن كيداد النكاري الثائر على العبيديين وسيأتي بعد قليل طرف من خبره ، وأخباره مفصلة في المراجع المذكورة قبلاً . ٢٣٤ فاحترق منها باب عبد الملك وبقي باب الحجاج ، فعظم ذلك على عبد الملك ، فكتب الحجاج إليه (( بلغني أن ناراً نزلت من السماء فأحرقت باب أمير المؤمنين ولم تحرق باب الحجاج، وما مثلنا في ذلك إِلا كمثل ابْنَيْ آدم إِذ قَرَّبًا قُرْباناً فتُقُبِّلَ من أحدهما ولم يُتَقَبَّل من الآخر)) فسُرِّيَ عنه لما وقف عليه. وكان أبوه قد ولاه محاربة أبي يزيد الخارج عليه ، وكان هذا أبو يزيد مخلد ابن كيداد رجلاً من الإباضية يُظهر التزهد وأنه إنما قام غضباً لله تعالى ، ولا يركب غير حمار، ولا يلبس إِلا الصوف، وله مع القائم والِدِ المنصور وقائع١ كثيرة ، وملك جميع مدن القيروان ، ولم يبق للقائم إلا المهدية ، فأناخ٢ عليها أبو يزيد وحاصرها فهلك القائم في الحصار، ثم تولى المنصور فاستمر على محاربته وأخفى موت أبيه ، وصابر الحصار حتى رجع أبو يزيد عن المهدية ، ونزل على سُوسَةَ وحاصرها٣، فخرج المنصور من المهدية ولقيه على سُوسة فهزمه، ووالى عليه الهزائم إلى أن أسره يوم الأحد خمس بقين من المحرم سنة ست وثلاثين وثلثمائة ، فمات بعد أسره بأربعة أيام من جراح كانت به ، فأمر بسلخه وحشا جلده قطناً وصلبه وبنى مدينته في موضع الوقعة وسماها المنصورية٤، واستوطنها . وكان المنصور شجاعاً رابط الجأش ، بليغاً يرتجل الخطبة ؛ وخرج في شهر رمضان سنة إحدى وأربعين من المنصورية إلى مدينة جَلُولاء° ليتنزه بها ومعه حَظِيَّتُه قضيبُ ، وكان مغرماً بها ، فأمطر الله سبحانه وتعالى عليهم برَداً كثيراً وسلط عليهم ريحاً عظيمة ، فخرج منها إلى المنصورية ، فاشتدَّ عليه البرد فأوهن جسمه، ومات أكثر مَنْ معه، ووصل إلى المنصورية فاعتل بها فمات يوم الجمعة آخر شوال سنة إحدى وأربعين وثلثمائة ، وكان سبب علته أنه ١ أ : وقعات . ٢ ج : وأناخ . ٣ ج : وحصرها . ٤ تقع على بعد نصف ميل من القيروان وهي نفسها ((صبرة)» المتصلة بالقيروان . ٥ جلولاء - حسب تحديد ياقوت - مدينة قديمة بينها وبين القيروان أربعة وعشرون ميلاً . ٢٣٥ لما وصل المنصورية أراد أن يدخل الحمام ، فنهاه طبيبه إسحاق بن سليمان الإسرائيلي١، فلم يقبل منه ، ودخل الحمام ففنيت الحرارة الغريزية منه ولازمه السهر ، فأقبل إِسحاق يعالجه والسهر باقٍ على حاله ، فاشتد ذلك على المنصور، فقال لبعض٢ الخدم: أما بالقيروان طبيب يخلصني٣ من هذا الداء ؟ فقالوا له : ههنا شاب قد نشأ يقال له إبراهيم، فأمر بإحضاره ، فحضر فعرّفه حاله وشكا إليه ما به٤ ، فجمع له أشياء منومة، وجُعلت في قِنِّيِنَةٍ على النار وكَلَّفه شمَّها فلما أدمن شمها نام، وخرج إبراهيم مسروراً بما فعل ، وجاء إِسحاق فطلب الدخول عليه فقالوا له : هو نائم ، فقال: إن كان قد صُنع له شيء ينام منه فقد مات ، فدخلوا عليه فوجدوه ميتاً ، فأرادوا قتل إبراهيم ، فقال إسحاق : ما له ذنب ، إنما داواه بما ذكره الأطباء ، غير أنه جهل أصل المرض وما عَرَّفْتموه ، وذلك أني كنت أعالجه وأنظر في تقوية الحرارة الغريزية ، وبها يكون النوم ، فلما عولج بما يُطفئها علمت أنه قد مات . ودفن بالمهدية ، ومولده بالقيروان في سنة اثنتين ، وقيل : إِحدى وثلثمائة ، وكانت مدة ملكه سبع سنين وستة أيام ، رحمه الله تعالى . وإفريقية - بكسر الهمزة وسكون الفاء وكسر الراء وسكون الياء المثناة من تحتها وكسر القاف وبعدها ياء معجمة باثنتين من تحتها، وهي مفتوحة وبعدها هاء - إقليم عظيم من بلاد المغرب ، فتح في خلافة عثمان بن عفان ، رضي الله عنه ، وكرسي مملكته القَيْرَوان ، واليوم كرسيها تونس . ١ أبو يعقوب اسحاق بن سليمان الإسرائيلي: أصله من مصر وكان في أوليته كحالاً ثم سكن القيروان وتتلمذ على الطبيب اسحاق ابن عمران وخدم المهدي وخلفاءه من العبيديين ، وله كتاب الحميات، خمس مقالات (ابن أبي أصيبعة ٢: ٣٦ - ٣٧). ٢ هـ : لأحد . ٣ أ : يخلص . ؛ د : إليه ما يجده من السهر . ٢٣٦ ٩٩ الظافر العبيدي أبو المنصور إسماعيل الملقب الظافر ابن الحافظ محمد بن المستنصر بن الظاهر بن الحاكم بن العزيز بن المعز بن المنصور بن القائم بن المهدي وقد تقدم ذكر جده المنصور قبله . بويع الظافر١ يوم مات أبوه بوصية أبيه، وكان أصغر أولاد أبيه سنّاً، وكان كثير اللهو واللعب والتفرد بالجواري واستماع الأغاني ، وكان يأنس إلى نصر بن عباس ، وكان عباس وزيره - وسيأتي ذكره في ترجمة العادل علي بن السلار إن شاء الله تعالى - فاستدعاهُ إلى دار أبيه ليلاً سرّاً بحيث لم يعلم به أحد [وكانت] تلك الدار هي [المعروفة بدار يونس وهي] الآن المدرسة الحنفية المعروفة بالسيوفية، فقتله بها وأخفى قتله وقضيته مشهورة، وكان ذلك في منتصف المحرم سنة تسع وأربعين وخمسمائة ، رحمه الله تعالى ؛ وقيل: ليلة الخميس سلخ المحرم من السنة المذكورة (٢٨)* ومولده بالقاهرة يوم الأحد منتصف شهر ربيع الآخر ، وقيل : الأول ، سنة سبع وعشرين وخمسمائة . وكان من أحسن الناس صورة ، ولما قتله نصر حضر إلى أبيه عباس وأعلمه بذلك من ليلته ، وكان أبوه قد أمره بقتله لأن نصراً كان في غاية الجمال ، وكان الناس يتهمونه به، فقال له أبوه : إِنك أتلفت عرضك بصحبة الظافر، وتحدث الناس في أمركما ، فاقتله حتى تسلم من هذه التهمة فقتله ، فلما كان صباح تلك الليلة حضر عباس إلى باب القصر وطلب الحضور عند الظافر في شغل مهم ، فطلبه الخدم في المواضع التي جرت عادته بالمبيت فيها فلم يوجد ، فقيل له : ما نعلم أين هو ، فنزل عن مركوبه ودخل القصر بمن معه ممن يثق إليهم وقال ٩٩ - الظافر العبيدي: راجع أخباره في اتعاظ الحنفا : ٢٨٦ والدرة المضيئة: ٥٥٧ وابن خلدون ٤ : ٧٣ وفي خطط المقريزي . ١ د : للظافر . ٢٣٧ للخدم : أخرجوا إِليَّ أخوَيْ مولانا، فأخرجوا له جبريل ويوسف ابني الحافظ فسألهما عنه فقالا : سَلْ ولدك عنه فإِنه أعلم به منا ، فأمر بضرب رقابهما ، وقال : هذان قَتَلاه . هذه خلاصة هذه القضية ، وقد بسطت القول فيها في ترجمة الفائز عيسى بن الظافر المذكور ، والله أعلم . والجامع الظافري الذي بالقاهرة داخل باب زويلة منسوب إِليه، وهو الذي ◌َمَرَه ووقف عليه شيئاً كثيراً على ما يقال . ١٠٠ أشهب تلميذ مالك أبو عمرو أشهب بن عبد العزيز بن داود بن إبراهيم القَيسِيُّ ثم الجَعْدِيُّ الفقيه المالكي المصري ؛ تفقه على الإمام مالك ، رضي الله عنه ، ثم على المدنيين والمصريين . قال الإمام الشافعي ، رضي الله عنه : ما رأيت أفقه من أشْهَبَ لولا طَيْشٌ فيه، وكانت المنافسة بينه وبين ابن القاسم ، وانتهت الرياسة إليه بمصر بعد ابن القاسم . وكانت ولادته بمصر سنة خمسين ومائة، وقال أبو جعفر ابن الجزار في تاريخه : ولد سنة أربعين ومائة ، وتوفي سنة أربع ومائتين بعد الشافعي بشهر ، وقيل : بثمانية عشر يوماً . وكانت وفاة الشافعي ، رضي الله عنه ، في سلخ رجب من السنة المذكورة ، وكانت وفاته بمصر ودفن بالقرافة الصغرى ، وزرت قبره وهو مجاور قبر ابن القاسم ، رحمه الله تعالى . ويقال : إِن اسمه مسكين ، وأشهب لقب عليه، والأول أصح . وكان ثقة فيما روى عن مالك ، رضي الله عنه ، وقال أبو عبد الله القضاعي ١٠٠ - ترجمة أشهب في الديباج: ٩٨ والعبر ١: ٣٤٥ والشذرات ٢: ١٢. ٢٧٠ ٢٣٨ في كتاب ((خطط مصر)): كان لأشهب رياسة في البلد ، ومال جزيل ، وكان من أنظر أصحاب مالك ، رضي الله عنه ، قال الشافعي رحمه الله تعالى: ما ناظرت أحداً من المصريين مثله لولا طَيشٌ فيه ، ولم يدرك الشافعي رحمه الله تعالى بمصر من أصحاب مالك ، رضي الله عنه ، سوى أشهب وابن عبد الحكم . وقال ابن عبد الحكم : سمعت أشهب يدعو على الشافعي بالموت ، فذكرت ذلك الشافعي فقال متمثلاًا : تَمَنَّ رِجالٌ أَنْ أَمُوتَ وإِنْ أُمُتْ فِتلكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فيها بأَوْحَدٍ فَقُلْ للَّذِي يَبْغِي خِلافَ الذي مَضى تَزَوَّدْ لأخْرِى غَيرِها فكأنْ قَدِ قال : فمات الشافعي ، فاشترى أشهب من تركته عبداً ، ثم مات أشهب فاشتريت أنا ذلك العبد من تركة أشهب . وذكره ابن يونس في تاريخه فقال : أشهب القيسي ثم العامري من بني جَعْدَةَ، يكنى أبا عمرو أحد فقهاء مصر وذوي رأيها. ولد سنة أربعين ومائة وتوفي يوم السبت لثمان بقين من شعبان سنة أربع ومائتين ، وكان يخضب عَنْفَقَتَهُ . وقال محمد بن عاصم المعافري : رأيت في المنام كأن قائلاً يقول : يا محمد ، فأجبته ، فقال : ذَهَبَ الذين يقالُ عندَ فِراقهمْ لَيَتَ البلادَ بأهلها تَتَصَدَّعُ قال : وكان أشهب مريضاً ، فقلت : ما أَخْوَفَني أن يموت أشهب ، فمات في مرضه ذلك ، والله أعلم . ١ البيتان ينسبان لعبيد بن الأبرص؛ وقال الراجكوتي في ذيل السمط : ١٠٤ انه وجد الشعر في كتاب الاختيارين منسوباً لمالك بن القين الخزرجي، وانظر أمالي القالي ٢ : ٢١٨ والعقد ٤ : ٤٤٣ ومروج الذهب ٣ : ١٣٦. ٢٣٩ ١٠١ أصبغ المالكي أبو عبد الله أصْبَغُ بن الفرج بن سعيد بن نافع الفقيه المالكي المصري ؛ تفقه بابن القاسم وابن وهب وأشهب . وقال عبد الملك بن الماجشون في حقه: ما أخرجت مصر مثل أصبغ ، قيل له : ولا ابن القاسم ؟ قال : ولا ابن القاسم . وكان كاتب ابن وهب ، وجده نافع عتيق عبد العزيز بن مروان بن الحكم الأموي والي مصر . [ حكى عون بن عبد الله قال، قال لي أصبغ: سمعت من أبيك كلاماً نفعني الله تعالى به وهو : لأن يخطىء الإمام في العفو خير من أن يخطىء في العقوبة ]١ . وتوفي يوم الأحد لأربع بقين من شوال سنة خمس وعشرين ومائتين ، وقيل : سنة ست وعشرين ، وقيل : سنة عشرين ، رحمه الله تعالى . وأصبغ : بفتح الهمزة وسكون الصاد المهملة وفتح الباء الموحدة وبعدها غين معجمة . ١٠١ - ترجمة أصبغ في الديباج: ٩٧ والعبر ١: ٣٩٣ والشذرات ٢: ٥٦؛ ولأصبغ مؤلفات منها كتاب الأصول في عشرة أجزاء ، وتفسير غريب الموطأ ، وكتاب آداب الصيام ، وكتب سماعه من ابن القاسم وكتاب الرد على أهل الأهواء وغيرها . ١ زيادة من نسخة آياصوفيا رقم: ٣٥٣٢. ٢٤٠