النص المفهرس

صفحات 201-220

لام - هذه النسبة إِلى حَنظَلَة بن مالك ، ينسب إليه بطن من تميم.
والمرْوَزي : قد تقدم القول فيه في المرْوَروني .
٨٦
ابن مرار الشيباني
أبو عمرو إسحاق بن مِرار الشيباني النحوي اللغوي؛ هو من رمادة
الكوفة ونزل إلى بغداد ، وهو من الموالي ، وجاور شيبان للتأديب فيها فنسب
إليها، وكان من الأئمة الأعلام في فنونه ، وهي : اللغة والشعر ، وكان كثير
الحديث كثير السماع ثقةً، وهو عند الخاصة من أهل العلم والرواية مشهور
معروف. والذي قصَّر به عند العامة من أهل العلم أنه كان مشتهراً بشرب النبيذ.
وأخذ عنه جماعة كبار ، منهم : الإمام أحمد بن حنبل وأبو عبيد القاسم بن
سلام ويعقوب بن السكيت صاحب (( إِصلاح المنطق )) ، وقال في حقه : عاش
مائة وثماني عشرة سنة ، وكان يكتب بيده إلى أن مات ، وكان ربما استعار
الكتاب مني وأنا إذ ذاك صبي آخذ عنه وأكتب من كتبه .
وقال ابن كامل: مات إسحاق بن مِرارٍ في اليوم الذي مات فيه أبو العتاهية
وإبراهيم النديم الموصلي سنة ثلاثَ عَشْرَةَ ومائتين ببغداد . وقال غيره : بل
توفي سنة ست ومائتين، وعمره مائة وعشر سنين، وهو الأصح، رحمه الله تعالى.
وله من التصانيف كتاب ((الخيل))، وكتاب ((اللغات)) وهو المعروف بالجيم
ويعرف أيضاً بكتاب الحروف، وكتاب (( النوادر الكبير)) ثلاث نسخ، وكتاب
٨٦ - لابن مرار أبي عمرو الشيباني ترجمة في الزبيدي: ٢١١ وتاريخ بغداد ٦ : ٣٢٩ ومعجم
الأدباء ٦ : ٧٧ والوافي ٨، الورقة: ١٩٤ ونزهة الألباء: ٦١ وانباه الرواة ١ : ٢٢١
وبغية الوعاة: ١٩٢ وتهذيب التهذيب ١٢: ١٨٢ والبداية والنهاية ١٠: ٢٦٥ والشذرات
٢ : ٢٣ ونور القبس : ٢٧٧.
٢٠١

((غريب الحديث))، وكتاب ((النخلة))، وكتاب ((الإبل))، وكتاب (( خلق
الإنسان)). وكان قد قرأ دواوين الشعراء على المفَضَّل الضبّي. وكان الغالب عليه
النوادر وحفظ الغريب وأراجيز العرب . قال ولده عمرو: لما جمع أبي أشعار
العرب ودوَّنها كانت نيفاً وثمانين قبيلة، فكان كلما عمل منها قبيلة وأخرجها إلى
الناس كتب مصحفاً وجعله في مسجد الكوفة ، حتى كتب نيفاً وثمانين
مصحفاً بخطه .
ومِرار - بكسر الميم وبعدها راءان بينهما ألف - . والشيباني : قد
تقدم القول فيه .
وقيل : توفي يوم السعانين سنة عشر ، والله أعلم .
٨٧
اسحاق الموصلي
أبو محمد إسحاق بن إبراهيم بن ماهان بن بهمن بن نسك التميمي بالولاء
الأرجاني الأصل المعروف بابن النديم الموصلي ، وقد سبق ذكر أبيه والكلام
في نسبته ونَسَبِه فأغنى عن الإعادة ؛ كان من ندماء الخلفاء وله الظرف
المشهور والخلاعة والغناء اللذان تفرد بهما. وكان من العلماء باللغة والأشعار
وأخبار الشعراء وأيام الناس ، وروى عنه مُصعب بن عبد الله الزبيري والزبير
ابن بكار وغيرهما . وكان له يد طولى في الحديث والفقه وعلم الكلام .
قال محمد بن عطية العطوي الشاعر : كنت في مجلس القاضي يحيى بن أكثم ،
فوافى إسحاق بن إبراهيم الموصلي ، وأخذ يناظر أهل الكلام حتى انتصف
٨٧ - راجع ترجمة اسحاق الموصلي في الأغاني ١٧: ٦٢، ٢٠ : ٢٨٤، وطبقات ابن المعتز :
٣٦٠ وانباه الرواة ١: ٢١٥ وتاريخ بغداد ٦: ٣٣٨ والوافي ٨، الورقة: ١٧٩ ومعجم
الأدباء ٦ : ٥ وتهذيب ابن عساكر ٢: ١٤؛ ونزهة الألباء: ١١٦ ونور القبس: ٣١٦.
٢٠٢

منهم ، ثم تكلم في الفقه ، فأحسن وقاس واحتجً ، وتكلم في الشعر واللغة ،
ففاق مَنْ حَضَر ، ثم أقبل على القاضي يحيى فقال له : أعز الله القاضي !
أفي شيء مما ناظرت فيه وحكيته نقص أو مطعن ؟ قال : لا ، قال : فما بالي
أقوم بسائر هذه العلوم قيامَ أهلها وأُنسب إلى فن واحد قد اقتصر الناس عليه؟
يعني الغناء . قال العطوي: فالتفت إليّ القاضي يحيى وقال لي: الجواب في
هذا عليك ، وكان العطوي من أهل الجدل ، فقال للقاضي يحيى : نعم ، أعز
الله القاضي ! الجوابُ عليَّ . ثم أقبل على إسحاق فقال: يا أبا محمد ، أنت
كالفرّاء والأخفش في النحو ؟ فقال: لا ، فقال: فأنت في اللغة ومعرفة الشعر
كالأصمعي وأبي عُبيدة ؟ قال : لا ، قال : فأنت في علم الكلام كأبي الهذيل
العلاَّف والنَّظّام البلخي ؟ قال : لا ، قال : فأنت في الفقه كالقاضي؟ وأشار
إلى القاضي يحيى ، قال : لا ، قال : فأنت في قول الشعر كأبي العتاهية وأبي
نُوَاس؟ قال : لا ، قال: فمن ههنا نُبت إلى ما نسبت إليه لأنه لا نظير
لك فيه ، وأنت في غيره دون رؤساء أهله ، فضحك وقام وانصرف . فقال
القاضي يحيى للعطوي : لقد وفيت الحجة حقها ، وفيها ظلم قليل لإسحاق ،
وإِنه من يقلُّ في الزمان نظيره .
وذكر صاحبنا عماد الدين أبو المجد إسماعيل بن باطيش الموصلي في كتابه
الذي سماه ((التمييز والفصل)): أن إسحاق بن إبراهيم الموصلي كان مليح المحاورة
والنادرة ، ظريفاً فاضلاً، كتب الحديث عن سفيان بن عُيَيْنَة ومالك بن أنس
وهشيم بن بشير وأبي معاوية الضرير، وأخذ الأدب عن الأصمعي وأبي عبيدة ،
وبرع في علم الغناء فغلب عليه ونُسب إليه .
وكان الخلفاء يكرمونه ويقرّبونه، وكان المأمون يقول: لولا ما سبق
لإسحاق على ألسنة الناس واشتهر بالغناء لولَّته القضاء ، فإنه أولى وأعف
وأصدق وأكثر ديناً وأمانة من هؤلاء القضاة ، ولكنه اشتهر بالغناء وغلب على
جميع علومه ، مع أنه أصغرها عنده ، ولم يكن له فيه نظير .
وله نظم جيد وديوان شعر ، فمن شعره ما كتبه إلى هارون الرشيد :
وآمِرَةٍ بالبخل قلت لها اقْصِري فليس إلى ما تأمرينَ سبيلُ
٢٠٣

1
أرى الناسَ خِلاَّنَ الجوادِ ولا أرى بخيلاً لهُ في العالمين خليل
فأكرمْتُ نفسي أن يقالَ بخيل
وإني رأيتُ البخل يُزْري بأهله
إذا قال شيئاً أن يكون ينيل
ومنْ خير حالاتِ الفتى لو علمتهِ
ومالي كما قد تعلمين قليل
عطائي عطاءُ المكثرين تكرُّماً
وكيفَ أخافُ الفقرَ أو أُحرم الغنى ورأيُ أمير المؤمنينَ جميل
(٢٤)* وكان كثير الكتب ، حتى قال أبو العباس ثعلب : رأيت لإسحاق
الموصلي ألف جزء من لغات العرب ، وكلها بسماعه . وما رأيت اللغة في منزل
أحد قط أكثر منها في منزل إسحاق ثم منزل ابن الأعرابي .
ونقلت من حكاياته أنه قال : كان لنا جار يُعرف بأبي حفص، ويُنْبَزُ
باللوطي ، فمرض جار له فعاده ، فقال له : كيف تجدك ؟ أما تعرفني؟ فقال له
المريض بصوت ضعيف : بلى ، أنت أبو حفص اللوطي ، فقال له : تجاوزت
حدَّ المعرفة ، لا رفع الله جنبك .
وكان المعتصم يقول : ما غَنّاني إسحاق بن إبراهيم قَطُ إِلا خيل لي أنه
قد زيد في ملكي .
وأخباره كثيرة ، وكان قد عمي في أواخر عمره قبل موته بسنتين (٢٥) *.
ومولده في سنة خمسين ومائة ، وهي السنة التي وُلد فيها الإمام الشافعي ،
رضي الله عنه ، كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى .
وتوفي في شهر رمضان سنة خمس وثلاثين ومائتين بعلة الذرب ، وقيل :
في شوال سنة ست وثلاثين، والأول أشهر، وقيل : توفي يوم الخميس بعد الظهر
لخمس خَلَوْنَ من ذي الحجة سنة ست وثلاثين ، رحمه الله تعالى .
ورثاه بعض أصحابه بقوله :
ثاوياً في محلة الأحبابِ
أصبحَ اللهو تحت عَفْرِ الترابِ
إِذ مَضَى الموصِليُّ وانقرض الأذ سُ ومحّتْ مشاهدُ الأطراب
بكتِ الملهياتُ حزناً عليه وبكاه الهوى وصفوُ الشراب
٢٠٤

وبكت آلة المجالس حتى رحمَ العودُ عَبْرَةَ المضراب
وقيل : إِن هذه المرئية في أبيه إبراهيم ، والصحيح الأول .
٨٨
اسحاق بن حنين
أبو يعقوب إسحاق بن حُنَيْن بن إسحاق العِبادِيُّ، الطبيب المشهور؛ كان
أوحد عصره في علم الطب ، وكان يلحق بأبيه في النقل ، وفي معرفته باللغات
وفصاحته فيها . وكان يُعَرِّبُ كتب الحكمة التي بلغة اليونانيين إلى اللغة العربية
كما كان يفعل أبوه ، إلا أن الذي يوجد من تعريبه في كتب الحكمة من كلام١
أرسطاطاليس وغيره أكثر مما يوجد من تعريبه لكتب الطب ، وكان قد خدم
من الخلفاء والرؤساء مَنْ خدمه أبوه ، ثم انقطع إلى القاسم بن عبيد الله وزير
الإمام المعتضد بالله ، واختص به ، حتى إن الوزير المذكور كان يطلعه على
أسراره ، ويُفْضِي إليه بما يكتمه عن غيره .
وذكر ابنُ بطلان في كتاب ((دعوة الأطباء))٢ أن الوزير المذكور بلغه أن
إسحاق المذكور استعمل دواء مسهلاً ، فأحبَّ مداعبته ، فكتب إليه :
أبِنْ لي كيفَ أَمسيتَ وما كان مِنَ الحالِ
وكم سارت بكَ الناق لةُ نحوَ المنزل الخالي
٨٨ - ترجمة اسحاق بن حنين في الوافي ٨، الورقة: ١٨٨ وابن أبي أصيبعة ١ : ٧١ وتاريخ
الحكماء : ٨٠ .
١ أ ب ج : من كتب .
٢ انظر كتاب دعوة الأطباء: ٦٥ وفي تهذيب ابن عساكر ١: ٤٥٨ أن الذي كتب البيتين
الأولين هو جحظة ، أو صديق للصنوبري ، أرسلهما الى الصنوبري فأجابه بالبيتين على قافية
الفاء، وهذان ثابتان في ديوان الصنوبري المخطوط (الورقة : ١٥٤ ب).
٢٠٥

فكتب إليه جوابه :
بخيرٍ بتُ مسروراً رخيّ البالِ والحال
فأما السير والناق ◌ُ والمرْتَبَعُ الخالي
فإِجلالُك أنسانيه يا غايَةَ آمالي
وكنت قد وقفت في كتاب ((الكنايات)) على مثل هذه القضية ، فذكر أن
الأول كتب البيتين الأوّلين وأن الثاني كتب الجواب :
كتبتُ إليك والنَّعْلان ما إن أُقِلِتُّها منَ المشي العنيفِ!
فإِن رُمْتَ الجوابَ إِليَّ فاكتبْ على العنوانِ يُوصَل٢ُ في الكنيفِ
وله ولأبيه المصنَّفات المفيدة في الطب - وسيأتي ذكر أبيه إن شاء الله
تعالى - ولحقه الفالج في آخر عمره .
وكانت وفاته في شهر ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين ، وقيل : تسع وتسعين
ومائتين .
والعِبادِيُّ - بكسر العين المهملة وفتح الباء الموحدة وبعد الألف دال
مهملة - هذه النسبة إلى عباد الحِيرَة ، وهم عدة بطون من قبائل شتى نزلوا
الحِيرَة وكانوا نصارى ينسب إليهم خلق كثير ، منهم عدي بن زيد العبادي
الشاعر المشهور وغيره ، قال الثعلبي في تفسيره في سورة المؤمنين في قوله تعالى :
فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون ﴾ أي مطيعون متذللون،
والعرب تسمي كل من دان لملك عابداً له ، ومن ذلك قيل لأهل الحيرة العباد ،
لأنهم كانوا أهل طاعة لملوك العجم .
والحيرة - بكسر الحاء المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الراء
وبعدها هاء - وهي مدينة قديمة كانت لبني المنذر ومَنْ تقدمهم من ملوك العرب
مثل عمرو بن عدي اللخمي، وهو جد بني المنذر ومن بعده من أبنائه ، وكانت
١ ديوان الصنوبري : أغبهما من السير العنيف .
٢ ديوان الصنوبري : يدفع .
٢٠٦

من قبل عمرٍوٍ لخاله جذيمة الأبرش الأزدي صاحب الزَّبَّاء ، وخربت الحيرة ،
وبنيت الكوفة في الإسلام على ظهرها في سنة سبعَ عشرة للهجرة ، بناها عمر
ابن الخطاب - رضي الله عنه - على يد سَعْد بن أبي وقّاصٍ ، رضي الله عنه .
٨٩
الميهني
أبو الفتح أسعد بن أبي نصر ابن أبي الفضل المِيهَنيُّ ، الفقيه الشافعي الملقب
محيي الدين ؛ كان إماماً مبرزاً في الفقه والخلاف ، وله فيه تعليقة مشهورة ، تفقه
بمَرْ و ثم رحل إلى غزنة واشتهر بتلك الديار وشاع فضله، وقد مدحه الغزي
المقدم ذكره ، ثم ورد إلى بغداد وفُوِّض إليه تدريسُ المدرسة النظامية ببغداد
مرتين ، فالأولى في سنة سبع وخمسمائة ، ثم عزل في ثامن عشر شعبان سنة
ثلاث عشرة ، والمرة الثانية في سنة سبع عشرة في شعبان ، وخرج إلى العسكر
في ذي القعدة من السنة ، وتولى غيره مكانه ، واشتغل عليه الناس وانتفعوا به
وبطريقته الخلافية، وذكره الحافظ أبو سعد السمعاني في ((المذيل )) وقال : قدم
علينا من جهة السلطان محمود السلجوقي رسولاً إِلى مَرْوَ ، ثم توجه رسولاً من
بغداد إلى هَمَذان فتوفي بها سنة سبع وعشرين وخمسمائة ، رحمه الله تعالى، قال
السمعاني في ((الذيل)): سمعت أبا بكر محمد بن علي بن عمر الخطيب يقول : سمعت
فقيهاً من أهل قَزْوين - وكان يخدم الإمام أسعد في آخر عمره بهمذان - قال:
كنا في بيت وقت أن قرب أجله فقال لنا : اخرجوا من ههنا ، فخرجنا ،
فوقفت على الباب وتسمَّعت فسمعته يلطم وجهه ويقول : يا حسرتى على ما
فرّطت في جَنْبِ الله ، وجعل يبكي ويلطم وجهه ويردّد هذه الكلمة إلى أن
مات ، رحمه الله تعالى ؛ ذكر لي هذا أو معناه فإني كتبته من حفظي .
٨٩ - ترجمة الميهني في طبقات السبكي ٤ : ٢٠٣ وفيه أسعد بن محمد بن أبي نصر .
٢٠٧

والمِيهَنيُّ - بكسر الميم وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الهاء والنون -
وهذه النسبة إلى ميهنة ، وهي قرية من قرى خابران١ وهي ناحية بين سرخس
وأبيورد من إقليم خراسان .
٩٠
منتجب الدين العجلي
أبو الفتوح أسعد بن أبي الفضائل محمود بن خلف بن أحمد بن محمد العجلي
الأصبهاني الملقب منتجب٢ الدين الفقيه الشافعي الواعظ؛ كان من الفقهاء الفضلاء
الموصوفين بالعلم والزهد مشهوراً بالعبادة والنسك والقناعة٣ لا يأكل إلا من
كسب يده ، وكان يُوَرِّقُ ويبيع ما يتقوَّتُ به ، وسمع ببلده الحديث على أم
إبراهيم فاطمة بنت عبد الله الجوزدانية٤، والحافظ أبي القاسم إسماعيل بن محمد
ابن الفضل وأبي الوفاء غانم بن أحمد بن الحسن الجلودي وأبي الفضل عبد الرحيم
ابن أحمد بن محمد البغدادي وأبي المطهر القاسم بن الفضل بن عبد الواحد الصيدلاني°
وغيرهم ، وقدم بغداد وسمع بها من أبي الفتح محمد بن عبد الباقي بن سلمان
المعروف بابن البطي في سنة سبع وخمسين وخمسمائة وغيره . وله إجازة٦ حدث
بها من أبي القاسم زاهر بن طاهر الشحامي وأبي الفتح إسماعيل بن الفضل الإخشيد
١ قال ياقوت : خابران ناحية ومدينة فيها عدة قرى بين سرخس وأبيورد من خراسان ، ومن
قراها ميهنة ، وكانت مدينة كبيرة خرب أكثرها .
٩٠ - ترجمته في طبقات السبكي ه: ٥٠ وشذرات الذهب ٤: ٣٤٤.
٢ في بعض الأصول : منتخب .
٣ د : والطاعة .
٤ نسبة إلى جوزدان - بضم الجيم وسكون الواو والزاي - وهي محملة على باب أصبهان؛ وفي أ ج:
الجوزجانية ، والنسبة الثانية الى جوزجان بخراسان .
٥ هـ : الأنصاري .
٦ د : أخبار .
٢٠٨

وأبي المبارك عبد العزيز بن محمد الأزدي وغيرهم، وعاد إلى بلده وتبحر ومهر١
واشتهر، وصنف عدة تصانيف، فمن ذلك ((شرح مشكلات الوجيز والوسيط
للغزالي)) تكلم في المواضع المشكلة من الكتابين ونقل من الكتب المبسوطة
عليهما، وله كتاب ((تتمة التتمة)) لأبي سعد المتولي وعليه كان الاعتماد في الفتوى
بأصبهان . وكان مولده في أحد الربيعين سنة خَمْسَ أو أربعَ عشرةَ وخمسمائة
بأصبهان . وتوفي بها في ليلة الخميس الثاني والعشرين من صفر سنة ستمائة ، رحمه
الله تعالى .
والعِجْلي - بكسر العين المهملة وسكون الجيم وبعدها لام - هذه النسبة
إلى عِجْل بن لُجَيْم، وهي قبيلة كبيرة مشهورة من بني ربيعة الفرس، ولُجَيْم
- بضم اللام وفتح الجيم وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها ميم - وهو عجل
ابن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل ، قال أبو عبيدة : كان عجل بن لجيم
يُعدُّ فِي الحَمْقى بين العرب ، وكان له فرس جواد ، فقيل له : إِن لكل فرس
جواد اسماً فما اسم فرسك ؟ فقال: لم أُسمِّه بَعْد ، فقيل له : فسمِّه ، ففقا
إحدى عينيه وقال : قد سميته الأعور . وفيه قال بعض شعراء العرب :
رَمَتْني بنو عجل بداء أبيهمُ وهل أحدٌ في الناس أحمق من عِجْلٍ
أليسَ أبوهُمْ عارَ عينَ جَوادِهِ فسارت به الأمثال في الناس بالجَهْل
يقال : عار العين - بالعين المهملة - إِذا فقأها .
١ أج هـ : وتمهر .
١٤ - ١ ٠
٢٠٩

٩١
الأسعد ابن مماتي
القاضي الأسعد أبو المكارم أسعد بن الخطير أبي سعيد مهذب بن مينا بن
زكريا بن أبي قدامة ابن أبي مَلِيح مَمّاتي المصري الكاتب الشاعر ؛ كان ناظر
الدواوين بالديار المصرية، وفيه فضائل، وله مصنفات عديدة ونظم ((سيرة
السلطان صلاح الدين)) رحمه الله تعالى، ونظم كتاب (« كليلة ودمنة))، وله ديوان
شعر رأيته بخط ولده ونقلت منه مقاطيع ، فمن ذلك قوله :
تُعاتِبُني وتَنْهى عن أمورٍ سبيلُ الناسِ أن يَنْهَوْكَ عنْها
وحقّكَ ما عليّ أَضَرّ مِنْها
أتقدِرُ أن تكون كمثل عيني
وله في شخص ثقيل رآه بدمشق :
حكى نهْرَيْنِ ما في الأر ض مَنْ يحكيهما أبَدا
حكى في خَلْفِهِ ثَوْرى وفي أخلاقهِ برَدَى
وقد أخذ ابن ◌َمّاتي معنى بيتيه هذين من قول بعضهم :
ضاهى ابنُ بُشْرَانٍ مَدِينةَ جِلقٍ فَكلاهما يوْمَ الفخار فريدُ
ثورى، ونقصُ العَقْلِ منهُ يزيدُ
ألفاظهُ بَرَدَى، وصُورَة خَلْقِهِ
وله من جملة قصيدة طويلة :
النيرانه في الليل أيُّ تحرُّقٍ على الضيف إِن أَبْطا وأيُّ تلهُّبِ
٩١ - ترجمة الأسعد ابن مماتي في معجم الأدباء ٦: ١٠٠ وانباه الرواة ١: ٢٣١ والخريدة (قسم
مصر) ١: ١٠٠ والنجوم الزاهرة ٦: ١٧٨ وشذرات الذهب ٥ : ٢٠ وحسن المحاضرة
١ : ٣٢٥ والبداية والنهاية ١٣: ٥٣ ومسالك الأبصار ١٢ : ٥٨ .
٢١٠

وما ضَرُّ من يَعْشُو إِلى ضوء ناره إِذا هو لم ينزلْ بآلِ المهلسَّبِ
وله في غلام نحوي :
وأهيفٍ أَحْدَثَ لي نحوُهُ تعجباً يُعْرِبُ عن ا ظَرْفِهِ
علامَةُ التأنيث في لفظه وأحرفُ العلة في طَرْقِهِ
ومن شعره ثلاثة أبيات مذكورة في ترجمة يحيى بن نزار المنبجي في حرف
الياء ، وفي شعره أشياء حسنة .
وذكره العماد الأصبهاني في كتاب (( الخريدة)) وأورد له عدّة مقاطيع ، ثم
أعقبه بذكر أبيه الخطير ، وذكر كثيراً من شعره ، فمن ذلك قوله في كتمان
السّر وبالغ فيه :
وأكْتُم السِّر حتى عن إِعادتهِ إِلى المُسِرِّ به من غير نسْيانِ
وذاكَ أن لساني لَيسَ يُعْلمه سَمْعي بسرِّ الذي قد كان ناجاني
وقال : لقيته بالقاهرة متولي ديوان جيش الملك الناصر ، وكان هو وجماعته
نصارى فأسلموا في ابتداء الملك الصلاحي٢ .
وللمهذب ابن الخيمي في الأسعد ابن مَمَّاتي المذكور يهجوه :
وحديثِ الإسلامِ واهي الحديثِ باسم الثغر عن ضمير خبيث
لو رأى بعضَ شعره سيبويهِ زادهُ في علامة التأنيث
وكان الحافظ أبو الخطاب ابن دحية المعروف بذي النسبين ، رحمه الله تعالى،
عند وصوله إلى مدينة إِربل ، ورأى اهتمام سلطانها الملك المعظم مظفر الدين ابن
زين الدين ، رحمه الله تعالى ، بعمل مولد النبي صلى الله عليه وسلم ، حسبما هو
مشروح في حرف الكاف من هذا الكتاب عند ذكر اسمه ، صنف له كتاباً سماه
١ أ : يعرف من .
٢ أج : الدولة الصلاحية.
٢١١

(( التنوير في مولد السراج المنير» ، وفي آخر الكتاب قصيدة طويلة مدح بها
مظفر الدين ، أولها :
لولا الوشاة وهُمُ أعداؤنا ما وهموا
وقرأ الكتاب والقصيدة عليه ، وسمعنا نحن الكتابَ على مظفر الدين في
شعبان سنة ست وعشرين وستمائة والقصيدة فيه ، ثم بعد ذلك رأيت هذه
القصيدة بعينها في مجموعة منسوبة إلى الأسعد ابن ◌َمّاتي المذكور ، فقلت : لعل
الناقل غلط ، ثم بعد ذلك رأيتها في ديوان الأسعد بكمالها ، مدَح بها السلطان
الملك الكامل ، رحمه الله تعالى ، فقوي الظن . ثم إني رأيت أبا البركات ابن
المستوفي قد ذكر هذه القصيدة في (( تاريخ إربل )) عند ذكر ابن دحية، وقال :
سألته عن معنى قوله فيها :
يفديه من عطا جما دَى كفه المحرّم
فما أحار جواباً ، فقلت : لعله مثل قول بعضهم :
تَسَمّى بأسْماءِ الشهور فكفُّهُ جُمادى وما ضمّتْ عليه المحرّمُ
قال : فتبسم وقال : هذا أردت ، فلما وقفت على هذا ترجَّحَ عندي أن
القصيدة للأسعد المذكور ، فإنها لو كانت لأبي الخطاب لما توقف في الجواب ،
وأيضاً فإن إنشاد القصيدة لصاحب إِربل كان في سنة ست وستمائة . والأسعد
المذكور توفي في هذه السنة كما سيأتي ، وهو مقيم بحلب لا تعلق له بالدولة
العادلية ، وبالجملة فالله أعلم لمن هي منهما (٢٦) * .
وكان الأسعد المذكور قد خاف على نفسه من الوزير صفي الدين بن شكر ،
فهرب من مصر مستخفياً وقصد مدينة حلب لائذاً بجناب السلطان الملك
الظاهر، رحمه الله تعالى، وأقام بها حتى توفي في سَلْخِ جمادى الأولى سنة ست
وستمائة يوم الأحد ، وعمره اثنتان وستون سنة ، رحمه الله تعالى ، ودفن في
المقبرة المعروفة بالمقام على جانب الطريق بالقرب من مشهد الشيخ علي الهروي .
وتوفي أبوه الخطير في يوم الأربعاء سادس شهر رمضان من سنة
٢١٢

سبع وسبعين وخمسمائة .
ومينا : بكسر الميم وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح النون وبعدها ألف.
ومماتي - بفتح الميمين والثانية منهما مشددة وبعد الألف تاء مثناة من فوقها
وهي مكسورة وبعدها ياء مثناة من تحتها - وهو لقب أبي مليح المذكور وكان
نصرانياً ، وإِنما قيل له ماتي لأنه وقع في مصر غلاء عظيم ، وكان كثير الصدقة
والإطعام ، وخصوصاً لصغار المسلمين ، فكانوا إذا رأوه ناداه كل واحد منهم
مماتي ، فاشتهر به ، هكذا أخبرني الشيخ الحافظ زكي الدين أبو محمد عبد العظيم
المنذري ، نفع الله به ، ثم أنشدني عقيب١ هذا القول مرئية فيه وقال : أظن
هذين البيتين لأبي طاهر ابن مكنسة المغربي٢ ، وهما :
طُويَتْ سماءُ المكرما ت وكوّرتْ شمس المديح
منْ ذا أؤمِّل أو أرجِّي بعد مَوْتٍ أبي المليح
ثم كشفت عنهما فوجدتهما له ، وله فيه مدائح أيضاً [ وكان أبو الطاهر ابن
مكنسة خصيصاً بأبي مليح مماتي جد الأسعد المذكور ؛ وكان في بستانه المعروف
بظاهر مصر، مجاور جامع راشدة الحاكمي ، منظرته المعروفة بالنزهة ولها البئر
الموصوف ماؤها بشدة البرد والحلاوة في الصيف حتى إن صاحب قصر الحكمة
كان ينفذ من يأخذ من مائها لشربه ، وفيها يقول ابن مكنسة من جملة قصيدة
يمدحه بها ويصف المنظرة :
ومن عجائبها البئر التي انفردت بالقرّ في الحرّ والأمواه تضطرم
كأنما ماؤها في كل هاجرة ريق الحبيب عقيبَ الهجر وهي فم]
١ د : بعد .
٢ هو إسماعيل بن محمد ، عده العماد من شعراء مصر وقال: ان الأفضل جفاه بسبب هذين البيتين
(الخريدة - قسم مصر ٢: ٢٠٣ وانظر الرسالة المصرية: ٤٣ والفوات ١: ٣٦) وتوفي ابن
مكنسة سنة ٥١٠ .
٢١٣

٩٢
البهاء السنجاري
أبو السعادات أسعد بن يحيى بن موسى بن منصور بن عبد العزيز بن وهب١
ابن هبان بن سوار بن عبد الله بن رُفَيع بن ربيعة بن هبان السلمي السنجاري
الفقيه الشافعي الشاعر المنعوت بالبهاء ؛ كان فقيهاً ، وتكلم في الخلاف ، إلا
أنه غلب عليه الشعر وأجاد فيه واشتهر به وخدم به الملوك وأخذ جوائزهم ،
وطاف البلاد ومدح الأكابر ، وشعره كثير في أيدي الناس ، يوجد قصائد
ومقاطيع ، ولم أقف له على ديوان ولم أدر هل دوّن شعره أم لا ، ثم وجدت
له في خزانة كتب التربة الأشرفية بدمشق ديواناً في مجلد كبير .
ومن شعره من جملة قصيدة مدح بها القاضي كمال الدين ابن الشهرزوري٢ :
ولَأنت أعْلَمُ في الغرام بحالهِ
وهَوَاكَ مَا خَطَرَ السُّلُوُّ ببالهِ
سألٍ هوَاكِ فذاك من عُذَّاله
ومتى وشى واشٍ إِليك بأنَّهُ
أوَلَيْسَ الكَلِفِ المعنَّى شاهِدٌ من حاله يُغنيك عن تسآله
جددت ثوب سَقامه ، وهتكت ستر غرامهِ ، وصَرَمت حبل وصاله
أفزلة سبَقَتْ له أم خلة مألوفةٌ من تِيههِ ودلاله
يا للعجائب من أسير دأبُهُ يَقْدِي الطليق بنفسه٣ وبماله
بأبي وأُمي نابِلٌ بِلِحاظِهِ لا يتَّقى بالدِّرْعِ حَدُّ نِباله
٩٢ - ترجمة البهاء السنجاري في الخريدة (قسم الشام) ٢: ٤٠١ وقد أشرنا إلى بعض مصادر
ترجمته فيما تقدم ص : ١١١.
١ د : وهيب .
٢ هو كمال الدين أبو الفضل محمد بن عبد الله بن القاسم الشهر زوري كان قاضياً بدمشق؛ وسيترجم
له ابن خلكان .
٣ أ : بروحه .
٢١٤

شرِقَتْ معاطفُه بطيب زلاله
ريّان من ماء الشبيبة والصِّبا
فتكاد تَغْرق في بحار جماله
تَسْري النواظِرُ في مراكب حسنه
وكفى كمالَ الدين عينُ كماله
فكفَاهُ عينُ كماله في نفسِهِ
نُوناً وأعجَمها بنُقطةِ خالهِ
كتَبَ العِذار١ُ على صحيفةِ خدهِ
وبياضُ غُرَّتِهِ كَيَوْمٍ وصالهِ
فسَواد طُرَّتِهِ كليل صُدُوده
ولولا خوف الإطالة لذكرتها جميعها. وهذا القدر هو المشهور له، وقد أضافوا
إِليها بيتين، ولا أتحققهما فتركتهما .
وله أيضاً من جملة قصيدة :
ومُهَفْهَفٍ حُلِْ الشمائل فاتر الألحاظِ فيهِ طاعَةٌ وعُقُوقُ
فجَرَى به من خدِّهِ راوُوق
وقفَ الرَّحيقُ على مراشف ثغره
سُبُلَ السلوّ فما إِليهِ طريق
سدَّت محاسنُهُ على عُشّاقه
وله من قصيدة أخرى :
هبَّتْ لُسيماتُ الصّبَا سحرةً ففاحَ منها العنبرُ الأشهَبُ
فقُلْتُ إِذ مرَّت بوادي الغضا من أيْنَ هذا النَّفَسُ الطيِّبُ
(11) وكان قد جاءنا ونحن في بلادنا في سنة ثلاث وعشرين وستمائة الشيخ
جمال الدين أبو المظفر عبد الرحمن بن محمد المعروف بابن السنينيرة٢ الواسطي ،
وكان من أعيان شعراء عصره ، ونزل عندنا بالمدرسة المظفرية ، وكان قد طاف
البلاد ومدح الملوك وأجازوه الجوائز السنية، وإذا قعد حضر عنده كل من
له عناية بالأدب ، وتجري بينهم محاضرات ومذاكرات لطيفة ، وكان قد طعنَ
في السن ، فقال يوماً : رافقني البهاء السنجاري في بعض الأسفار من سنجار إلى
رأس عين، أو قال: من رأس عين إِلى سنجار، فنزلنا في الطريق في مكان وكان
١ هـ : الجمال .
٢ هـ : السنينير .
٢١٥
٠٠

له غلام اسمه إبراهيم ، وكان يأنس به ، فأبعد عنا الغلامُ فقام يطلبه فناداه :
يا إبراهيم يا إبراهيم مراراً فلم يسمع نداءه لبعده عنا ، وكان ذلك الموضع له
صَدِّى، فكلما قال: يا إبراهيم أجابه الصدى: يا إبراهيم، فقعد ساعة ثم أنشدني:
بنفسي حبيبٌ جارَ وَهْوَ مُجاور بعيدٌ عن الأبصار وهْوَ قريبُ
يجيبُصَدَى الوادي إذا ما دعوتُه على أنه صخرٌ وليسَ يُجيبُ
وكان للبهاء السنجاري صاحب ، وبينهما ١ مودة أكيدة واجتماع كثير ، ثم
جرى بينهما في بعض الأيام عتاب وانقطع ذلك الصاحب عنه ، فسير إليه يعتبه
لانقطاعه ، فكتب إليه بيتي الحريري اللذين ذكرهما في المقامة الخامسة
عشرة وهما :
غيرَ يومٍ ولا تزدْهُ علَيهِ
لا تزُر من تحبُّ في كلِّ شهر
ثم لا تنظر العُيون إليهِ
فاحتلاء الهلال في الشهر يوم
فكتب إليه البهاء من نظمه :
فزُرهُ ولا تخفْ منهُ مَلالا
إِذا حقَّقْتَ من خلٍّ وداداً
وكن كالشمس تطلع كل يوم ولا تكُ في زيارتهِ هلالا
وله ، وهما من شعره السائر :
وطيبُ أوقاتي على حاجِر
للهِ أيامي على رامةٍ
تكادُ للشُّرْعة في مرّها أوَّلها يَعثر بالآخِرِ
وله من قصيدة في وصف الخمر ، وهو معنى مليح :
كادَتْ تطيرُ وقد طِرنا بها طَرَبَاً لولا الشباك التي صيغَتْ منَ الحَبَب
وذكره عماد الدين الأصبهاني الكاتب في كتاب ((السيل والذيل)) وقال :
أنشدني لنفسه :
١ ج ھـ : وكان بينهما .
٢١٦

ومنَ العَجائب أنني في لج بحر الجود راكِبْ
وأموتُ من ظمإٍ وا كن عادة البحر العَجائب
وله أشياء حسنة .
وكانت ولادته سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة، وتوفي في أوائل سنة اثنتين
وعشرين وستمائة بسنجار ، رحمه الله تعالى .
٩٣
المزني صاحب الشافعي
أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن عمرو بن مسلم المُزَنيُّ صاحب
الإمام الشافعي رضي الله عنه ؛ هو من أهل مصر ، وكان زاهداً عالماً مجتهداً
مِحْجاجاً غوّاصاً على المعاني الدقيقة ، وهو إمام الشافعيين وأعرفهم بطرقه
وفتاويه وما ينقله عنه ، صنف كتباً كثيرة في مذهب الإمام الشافعي ، منها
((الجامع الكبير)) و((الجامع الصغير)) و((مختصر المختصر)) و((المنثور))
و ((المسائل المعتبرة)) و((الترغيب في العلم)) وكتاب (( الوثائق )) وغير ذلك ،
وقال الشافعي رضي الله عنه في حقه: المزني ناصر مذهبي١. وكان إذا فرغ من
مسألة وأودعها مختصره قام إلى المحراب وصلى ركعتين شكراً لله تعالى . وقال
أبو العباس أحمد بن سُرَيْج: يخرج مختصر المزني من الدنيا عذراء لم تفتضّ،
وهو أصل الكتب المصنفة في مذهب الشافعي رضي الله عنه ، وعلى مثاله رتبوا
ولكلامه فسروا وشرحوا .
ولما ولي القاضي بكار بن قتيبة الآتي ذكره إن شاء الله تعالى القضاء بمصر
٩٣ - ترجمة المزني في طبقات السبكي ١ : ٢٣٨ وقال انه ولد سنة ١٧٥ .
١ من أقوال الشافعي فيه : لو ناظر الشيطان لغلبه .
٢١٧

وجاءها من بغداد ، وكان حنفي المذهب ، توقع الاجتماع بالمزني مدة ، فلم يتفق
له ، فاجتمعا يوماً في صلاة جنازة فقال القاضي بكار لأحد أصحابه : سل المزني
شيئاً حتى أسمع كلامه ، فقال له ذلك الشخص : يا أبا إبراهيم ، قد جاء في
الأحاديث تحريم النبيذ وجاء تحليله أيضاً ، فلم قدمتم التحريم على التحليل ؟
فقال المزني : لم يذهب أحد من العلماء إلى أن النبيذ كان حراماً في الجاهلية ثم
حلل، ووقع الاتفاق على أنه كان حلالاً، فهذا يعضد صحة الأحاديث بالتحريم،
فاستحسن ذلك منه ، وهذا من الأدلة القاطعة . وكان في غاية الوَرَعِ ، وبلغ
من احتياطه أنه كان يشرب في جميع فصول السنة من كوز نحاس ، فقيل له في
ذلك، فقال: بلغني أنهم يستعملون السِّرْجِينَ في الكيزان ، والنار لا تطهرها.
وقيل إنه كان إذا فاتته الصلاة في جماعة صلى منفرداً خمساً وعشرين صلاة
استدراكاً لفضيلة الجماعة ، مستنداً في ذلك إلى قوله صلى الله عليه وسلم ((صلاة
الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين درجة)).
وكان من الزهد على طريقة صعبة شديدة ، وكان مُجاب الدعوة، ولم يكن
أحد من أصحاب الشافعي يحدِّث نفسه في شيء من الأشياء بالتقدم عليه، وهو
الذي تولى غسل الإمام الشافعي ، وقيل : كان معه أيضاً حينئذ الربيعُ .
وذكره ابن يونس في تاريخه وسماه، وجعل مكان اسم جده إسحاق ((مسلماً»،
ثم قال: صاحب الشافعي، وذكر وفاته كما تقدم١، وقال: كانت له عبادة
وفضل ، ثقة في الحديث ، لا يختلف فيه حاذق من أهل الفقه ، وكان أحد
الزهاد في الدنيا وكان من خير خلق الله عز وجل ، ومناقبه كثيرة .
وتوفي لست بقين من شهر رمضان سنة أربع وستين ومائتين بمصر ، ودفن
بالقرب من تربة الإمام الشافعي ، رضي الله عنه ، بالقرافة الصغرى بسَفْح
المقطم ، رحمه الله تعالى ، وزرت قبره هناك .
وذكر ابن زولاق في تاريخه الصغير أنه عاش تسعاً وثمانين سنة ، وصلى
عليه الربيع بن سليمان المؤذن المُرادي .
١ كذا ، وذكر وفاته لم يتقدم .
٢١٨

والمُزَني - بضم الميم وفتح الزاي وبعدها نون - هذه النسبة إلى مُزَيْنَة
بنت كَلْب ، وهي قبيلة كبيرة مشهورة .
٩٤
أبو العتاهية
أبو إسحاق إسماعيل بن القاسم بن سُوَيد بن كيْسان العَنَزي بالولاء، العيني،
المعروف بأبي العتاهية الشاعر المشهور؛ مولده بعَيْنِ التمر، وهي بُليدة١ بالحجاز
قرب المدينة ، وقيل : إنها من أعمال سقي الفرات ، وقال ياقوت الحموي في
كتابه (( المشترك)) إنها قرب الأنبار ، والله أعلم .
ونشأ بالكوفة وسكن بغداد، وكان يبيع الجرار فقيل له: الجَرّار ،
واشتهر بمحبة٢ عُتبَةَ جارية الإمام المهدي، وأكثر نسيبه فيها فمن ذلك
قوله ٣ :
أُعلمْتُ عُتْبَة أنني منها على شَرَفٍ مُطِلُّ
وشكوْتُ ما ألقى إلي بها والمدامِعُ تَسْتَهِلُّ
حتى إِذا بَرِمَتْ بما أشكو كما يشكو الأقلُ
قالت : فأيُّ الناس يَعْ لم ما تقول ؟ فقلت : كلُّ
٩٤ - ترجمة أبي العتاهية في الأغاني ٤: ٣ والشعر والشعراء: ٦٧٥ وطبقات ابن المعتز: ٢٢٨
ومعاهد التنصيص ٢: ٢٨٥ والشذرات ٢: ٢٥ وتاريخ بغداد ٦ : ٢٥٠ والموشح : ٢٥٤
وقد حقق ديوانه الدكتور شكري فيصل (دمشق : ١٩٦٥).
١ أهـ : بلدة .
٢ هـ : بحبه .
٣ ديوانه : ٥٩٨ وطبقات ابن المعتز : ٢٢٨.
٢١٩

.=
وكتب مرة إلى المهدي وعَرَّض بطلبها منه ١ :
نفسي بشيء من الدنيا مُعَلَّقَةٌ اللهُ والقائم المَهْديُّ يَكْفيها
إني لأيأسُ منها ثم يُطْمِعُني فيها احْتِقَارُكَ للدنيا وما فيها
وقال أبو العباس المبرد في كتاب ((الكامل))٢: إِن أبا العتاهية كان قد
استأذن في أن يطلق له أن يهدي إلى أمير المؤمنين في النيروز والمهرجان، فأهدى
له في أحدهما برنية ضخمة فيها ثوب ناعم مُطَيب قد كتب على حواشيه هذين
البيتين المقدَّم ذكرهما، فهمَّ بدفع عُتْبَة إِليه ، فجزعت ، وقالت: يا أمير
المؤمنين ، حُرْمتي وخدمتي ، أتدفعني٣ إلى رجل قبيح المنظر بائع جرار
ومتكسب بالشعر٤ ؟ فأعفاها وقال : املأوا له البرنية مالاً، فقال للكتّاب :
أمر لي بدنانير ، وقالوا : ما ندفع إليك ذاك، ولكن إن شئت أعطيناك دراهم
إلى أن يُفْصِحَ بما أراد ، فاختلف في ذلك حولاً، فقالت عتبة : لو كان عاشقاً
كما يزعم لم يكن يختلف منذ حول في التمييز بين الدراهم والدنانير، وقد أعرض
عن ذكري صَفْحاً .
ومن مديحه° :
لمَّا علقْتُ من الأمير حِبالا
إني أمنتُ من الزمان وصَرْفه
تَخِذُوا له حُرَّ الخدودِ نِعالا
لو يَستَطيعُ الناسُ من إِجلالهِ
قَطَعَتْ إِليك سَباسبا٦ً ورمالا
إن المطايا تشتكيك لأنها
وإِذا صَدَرْنَ بِنا صَدَرْنَ ثِقالا
فإذا ورَدْنَ بنا وردْنَ خفائفاً
وهذه الأبيات قالها في عمر بن العلاء ، فأعطاه سبعين ألفاً، وخلع عليه حتى
١ ديوانه : ٦٦٨ ومعاهد التنصيص .
٢ الكامل ٢ : ٣٠٢.
٣ الكامل : أبعد حرمتيّ وخدمتي تدفعني ... الخ.
٤ الكامل : بالعشق .
ه انظر ديوانه : ٦٠٥.
٦ د : فدافداً .
٢٢٠