النص المفهرس

صفحات 181-200

له أرصد منها السلطان صلاح الدين رحمه الله تعالى الثلث لمصالح بيت المقدس
وأقطع ولده عماد الدين المذكور باقيها . وجدُّه أبو الهيجاء كان صاحب العمادية
وعدة قلاع من بلاد الهَكارية .
ولم يزل قائم الجاه والحرمة إلى أن صدر منه في سنة دمياط ما قد شهر ،
وقد شرحت ذلك في ترجمة الملك الكامل ، فانفصل عن الديار المصرية ، وآلت
حاله إلى أن حوصر في شهر ربيع الآخر بتل يعفور١ القلعة التي بين الموصل
وسنجار، والقضية مشهورة، فراسله الأمير بدر الدين لؤلؤ أنابك صاحب الموصل
ولم يزل يخدعه ويطمنه إلى أن أذعن للانقياد ، وحلف له على ذلك ، فانتقل
إلى الموصل ، وأقام٢ بها قليلاً، ثم قبض عليه، وذلك في سنة سبع عشرة
وستمائة (٢٢)* وأرسله إلى الملك الأشرف مظفر الدين ابن الملك العادل . وإنما
قبض عليه تقرباً إلى قلبه ، فإن خروجه في هذه الدفعة كان عليه ، فاعتقله
الملك الأشرف في قلعة حران، وضيق عليه تضييقاً شديداً، من الحديد الثقيل في
رجليه والخشب في يديه، وحصل في رأسه ولحيته وثيابه من القُمَّل شيء كثير
على ما قيل ، وكنت أسمع بذلك في وقته وأنا صغير ، وبلغني أن بعض من
كان متعلقاً بخدمته كتب في ذلك الوقت إلى الملك الأشرف دوبيت في
معناه وهو :
يا من بدوام سعده دار فَلَكْ ما أنت من الملوك بل أنت مَلَكْ
مملوكك ابن المشطوب في السجن هَلَك أطلقه فإن الأمر لله ولك
ومكث على تلك الحال إلى أن توفي٣ في الاعتقال في شهر ربيع الآخر سنة
تسع عشرة وستمائة ، وبَنت له ابنته قبة على باب مدينة رأس عين ، ونقلته من
حران إِليها ودفنته بها ، رحمه الله تعالى ؛ ورأيت قبره هناك .
ولما كان في السجن كتب إليه بعض الأدباء دوبيت ، وهو :
١ هـ : يعقوب؛ وهو تل أعفر أو يعفر (ياقوت).
٢ هـ : فأقام .
٣ هـ : هلك .
١٨١

يا أحمد ما زلت عماداً للدين يا أشجع من أمْسَك رُمْحاً بيمين
لا تأس١ إذ حصلت٢ في سجنهم ها يوسف قد أقام في السجن سنين
وهذا مأخوذ من قول البحتري من جملة أبيات٣ :
أَمَا فِي رَسُولِ الله يُوسُفَ أُسْوَةٌ لمثلك مَحْبُوساً على الظلم والإفكِ
أقام جميلَ الصبر في السّجنِ بُرْهَةِ؛ فَآل به الصبر الجميل إلى المُلْكِ
وكانت ولادة الأمير عماد الدين في سنة خمس وسبعين وخمسمائة° تقديراً .
ورأيت في بعض رسائل القاضي الفاضل أن الأمير سيف الدين أبا الحسن علي
ابن أحمد الهَكّاري المعروف بالمشطوب كتب إلى الملك الناصر صلاح الدين يخبره
بولادة ولده عماد الدين أبي العباس أحمد ، وأن عنده امرأة أخرى حاملاً ،
فكتب القاضي الفاضل جوابه (( وصل كتاب الأمير دالاً على الخبر بالولدين ،
الحالِّ على التوفيق ، والسائر كتب الله سلامته في الطريق ، فسررنا بالغُرَّةِ
الطالعة من لثامها ، وتوقعنا المسرة بالثمرة الباقية في أكمامها )).
(8) وأما والده سيف الدين المشطوب فإن السلطان صلاح الدين كان قد
رتبه في عكا لما خاف عليها من الفرنج ، هو وبهاء الدين قراقوش - الآتي ذكره
إن شاء الله تعالى - ولم يزل بها حتى حاصرهم الفرنج بها وأخذوها . ولما
خلص منها وصل إلى السلطان وهو بالقدس، يوم الخميس مستهلَّ جمادى الآخرة
سنة ثمان وثمانين وخمسمائة . قال ابن شداد٦ً : دخل على السلطان بغتة ، وعندهُ
أخوه الملك العادل ، فنهض إليه واعتنقه، وسُرَّ به سروراً عظيماً، وأخلى
المكان وتحدث معه طويلاً .
١ أده : لا تيأس .
٢ د : جعلت .
٣ ديوان البحتري : ١٥٦٨.
٤ د : مدة .
٥ هـ : ٥٥٧ ٠
٦ انظر سيرة ابن شداد : ٢٠١.
١٨٢

وكانت وفاة سيف الدين يوم الخميس السادس والعشرين من شؤَّال١ سنة
ثمان وثمانين وخمسمائة بنابلس ، رحمه الله تعالى ؛ هكذا ذكره العماد الكاتب
الأصبهاني في كتاب ((البرق الشامي)). وقال بهاء الدين بن شداد في كتابه
((سيرة صلاح الدين)) إنه توفي يوم الأحد الثالث والعشرين من شوال من السنة
المذكورة بالقدس الشريف ، ودفن في داره بعد أن صلي عليه بالمسجد الأقصى.
ولم يكن في أمراء الدولة الصلاحية أحد يضاهيه ولا يدانيه في المنزلة وعلو
المرتبة ، وكانوا يسمونه الأمير الكبير، وكان ذلك عَلَماً عليه عندهم لا يشاركه
فيه غيره، ورأيت بخط القاضي الفاضل ((ورد الخبر بوفاة الأمير سيف الدين
المشطوب ، أمير الأكراد وكبيرهم . وكانت وفاته يوم الأحد الثاني والعشرين
من شوال من السنة المذكورة بالقدس ، وخبزه يوم وفاته بنابلس وغيرها
ثلثمائة ألف دينار ، وكان بين خلاصه من أسره وحضور أجله دون مائة يوم .
فسبحان الحيّ الذي لا يموت، وتهدَّم به بنيان قوم، والدهر قاضٍ ما عليه
لَوْم)).
قلت: وقوله ((وتهدم به بنيان قوم)) هذا الكلام حلَّ فيه بيت الحماسة
وهو٢ :
فما كانَ قَيسٌ هُلكهُ هلك واحدٍ ولكنهُ بُنْيانُ قَوْمُ تَهَدَّما
وهذا البيت من جملة مرئية عَبَدَة بن الطبيب التي رثى بها قيس بن عاصم
التميمي الذي قدم من البادية على النبي صلى الله عليه وسلم في وفد بني تميم في
سنة تسع للهجرة، وأسلم)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في حقه: ((هذا سيد
أهل الوبر))، وكان عاقلاً مشهوراً بالحلم والسودد، وهذا البيت لأهل العربية في
إعرابه كلام ليس هذا موضع ذكره ، وقد ذكره أبو تمام الطائي في باب المرائي
من جملة ثلاثة أبيات ، وهي :
عليْكَ سلامُ الله قَيْسُ بِنَ عاصِمٍ ورَحِمَتُهُ ما شاءَ أنْ يترَحَّما
١ ج : شعبان .
٢ انظر السمط: ٦٩ والحماسية رقم ٢٦٣ (شرح المرزوقي).
١٨٣

تحيةُ مَنْ غادَرْتَهُ غَرَضَ الرَّدَى إِذا زارَ عَنْ شَخْطٍ بلادَكَ سلّمَا
فما كانَ قَيْسٌ هلكهُ هلك واحِدٍ ولكنهُ بُنيانُ قَوْمٍ تَهَدَّما
وهذا قيس أول مَنْ وأَدَ البنات في الجاهلية للغيرة والأنفة من النكاح ،
وتبعه الناس في ذلك إلى أن أبطله الإسلام .
(9) وأما الأمير بدر الدين لؤلؤ المذكور ، فإنه توفي يوم الجمعة ثالث شعبان
سنة سبع وخمسين وستمائة بقلعة الموصل ، ودفن بها في مشهد هناك ، وعمره
مقدار ثمانين سنة ، رحمه الله تعالى .
٧٦
صلاح الدين الإربلي
أبو العباس أحمد بن عبد السيد بن شعبان بن محمد بن جابر بن قحطان الإربليُّ
الملقب صلاح الدين ، وهو من بيت كبير بإربل ؛ وكان حاجباً عند الملك المعظم
مظفر الدين بن زين الدين صاحب إِربل ، فتغير عليه واعتقله مدة ، فلما أفرج
عنه خرج منها قاصداً بلاد الشام في سنة ثلاث وستمائة١ صحبة الملك القاهر بهاء
الدين أيوب ابن الملك العادل، فاتصل بخدمة الملك المغيث ابن الملك العادل، وكان
قد عرَفَه من إِربل ، وحسنت حاله عنده ، فلما توفي المغيث انتقل الصلاح إلى
الديار المصرية ، وخدم الملك الكامل ، فعظمت منزلته عنده ، ووصل منه إلى
ما لم يصل إليه غيره ، واختص به في خلواته وجعله أميراً .
وكان الصلاح ذا فضيلة تامة ومشاركات حسنة . بلغني أنه كان يحفظ
٧٦ - للصلاح الإربلي ترجمة في مرآة الزمان: ٦٩٢ والوافي ٧، الورقة: ٢٩ والشذرات ٥ :
٠١:٣
١ هـ : ٦٠٦ ٠
١٨٤

((الخلاصة)) في الفقه للإمام الغزالي ، وله نظم حسن ودوبيت رائق ، وبه
تقدم عند الملوك .
ثم إن الملك الكامل تغير عليه واعتقله في المحرم سنة ثماني عشرَةَ وستمائة
وهو بالمنصورة في قبالة الفرنج ، وسيره إلى قلعة القاهرة ، ولم يزل في الاعتقال
مُضَيّقاً عليه على هذه الحال إلى شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وعشرين وستمائة ،
فعمل الصلاح دوبيت وأملاه على بعض القيان ، فغناه عند الملك الكامل ،
فاستحسنه وسأله : لمن هذا ؟ فقال : للصلاح ، فأمر بالإفراج عنه ، والدوبيت
المذكور :
أفنيتُ زَماني بِالأَسَى والأسَفِ
ما أمرُ تجنِّكَ على الصب خفي
ما ذا غَضَبٌ بقدر ذَنبي ولقدْ بالغتَ وما أرَدْتَ إِلاَّ تلَفي
وقيل : إِن الدوبيت الذي كان سبب خلاصه قوله :
اصنعْ ما شئت أنت أنتَ المحبوبْ ما لي ذنب، بلى كما قلت ذنُوبْ
هلْ تسْمح بالوصال في ليلتنا تجلو صدأ القلب وتعفو وأتُوبْ
فلما خرج عادت مكانته عنده إلى أحسن مما كانت عليه :
وكان الملك الكامل قد تغير على بعض إخوته - وهو الملك الفائز سابق
الدين إبراهيم ابن الملك العادل - فدخل على الصلاح وسأله أن يصلح أمره مع
أخيه الملك الكامل ، فكتب الصلاح إليه١ :
وشرطُ صاحب مِصْرٍ أن يكونَ كما
قدْ كان يُوسفُ في الحسنى الإخوَتِهِ
أَسَوْا فقابلهمْ بالعفوِ، وافتقرُوا فَبَرَّهُمْ، وتَوَلاَّهُمْ برَحِمَتِهِ
وعند وصول الانبرور٢ صاحبٍ صَقليةَ إلى ساحل الشام في سنة ست
١ ١ب هـ : فأجابه الصلاح وكتب إليه .
٢ الأنبرور (Emperor): هو الامبراطور فردريك الثاني صاحب صقلية، وقد زار البلاد المقدسة
وأخذ القدس صلحاً من الملك الكامل؛ وكان عالماً متبحراً في علم الهندسة والرياضيات، وهو =
١٨٥

وعشرين وستمائة بعث الملكُ الكاملُ الصلاحَ إليه رسولاً، فلما قرر القواعد
واستحلفه كتب إلى الملك الكامل :
زَعَمَ الزعِيم١ُ الأنبرُورُ بأنهُ سِلِمٌ يَدُومِ لنا على أقوالهِ
شرب اليمين فإن تعرض ناكثاً فليأكلنَّ لِذاكَ لحمَ شِمالِهِ
ومن شعره أيضاً :
وإِذا رأيتَ بنيكَ فاعلم أنهُمْ
قطعُوا إِليكَ مسافةَ الآجالِ
وتجهَّزَ الآباءُ لِلترْحالِ
وَصَلَ البنونَ إِلى محل أبيهِمُ
وأنشدني بعض أصحابنا له :
من كل هَوْلٍ فكنْ منهُ على حذَرٍ
يوْمُ القيامة فيه ما سمعتَ بهِ
إِلا إِذا ذقتَ طعم الموت في السفرِ
يكفيكَ منْ هَوْلهِ أن لستَ تبلغه
وكتب إليه شرف الدين ابن عنين الشاعر الدمشقي كتاباً من دمشق إلى
الديار المصرية ، قال لي صاحبنا عفيف الدين أبو الحسن علي بن عدلان النحوي
المترجم الموصلي : إِن هذا الكتاب كان على يده ، وتضمن الوصية عليه ،
وفي أوله :
أَبُثْتُكَ ما لقيتُ مِنَ الليالي فقدْ حصَّتْ نوائبها جناحي
وكيفَ يُفيقُ منْ عنتِ الرزايا مريضٌ ما يَرى وجْهَ الصَّلاحِ
وللصلاح المذكور ديوان شعر وديوان دوبيت ، وما زال وافر الحرمة
عالي المنزلة عنده وعند الملوك . فلما قصد الملك الكامل بلاد الروم وهو في الخدمة
= الذي وجه المسائل الصقليات إلى ابن سبعين، وفي بلاطه عاش كثير من العلماء وترجموا كثيراً
من الكتب العربية ، وقد كان الامبراطور نفسه يتكلم العربية لأن قاضي صقلية هو الذي رباه
(انظر: العرب في صقلية للدكتور إحسان عباس ص: ٣١٩ وفيه ذكر للمصادر الهامة عن هذا
الامبراطور) .
١ أج د : اللعين .
١٨٦

مرض في المعسكر بالقرب من السويداء ، فحمل إلى الرها ، فمات قبل دخولها
في الخامس والعشرين من ذي الحجة سنة إحدى وثلاثين وستمائة ودفن بظاهرها،
وقيل : مات يوم السبت العشرين من ذي الحجة ودفن بظاهر الرها بمقبرة باب
حران ، ثم نقله ولده من هناك إلى الديار المصرية، فدفنه في تربة هناك بالقرافة
الصغرى في آخر شعبان سنة سبع وثلاثين وسمائة١ ، وكنت يومئذ بالقاهرة .
وكان تقدير عمره يوم وفاته ستين سنة ، رحمه الله تعالى ؛ ثم وقفت على تاريخ
مولده في شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة بإربل .
والإرْبليُّ - بكسر الهمزة وسكون الراء وكسر الباء الموحدة وبعدها
لام - هذه النسبة إلى إِربل ، وهي مدينة كبيرة بالقرب من الموصل ، من
جهتها الشرقية .
٧٧
ابن عبد الحميد الجرجاني
أبو العباس أحمد بن أبي نصر الخصيب بن عبد الحميد بن الضحاك الجرجاني
الأصل ؛ كان وزير المستنصر بالله ومن بعده المستعين بالله ، ونفاه المستعين إلى
جزيرة أقريطش بجريرة صدرت منه سنة ٤٨، وكان ينسب إلى الطيش والتهور،
وله في ذلك أخبار ؛ وكان قد ركب يوماً فوقف له متظلم وشكا حاله فأخرج
رجله من الركاب وزجّ المتظلم في فؤاده فقتله ، فتحدث الناس بذلك فقال
بعض الشعراء في ذلك الزمان هذين البيتين :
قل للخليفة يابنَ عمِّ محمدٍ أُشكلْ وزيرك إنه ركّالُ
أُشكله عن ركل الرجال وإِن ◌ُتُردْ مالاً فعند وزيرك الأموالُ
١ أج : سنة ٦٣٩ ٠
٧٧ - انظر ابن الطقطقى: ٢١٨ وابن الأثير ٧ : ١١١.
١٨٧

يقال : ركله إذا رفسه ، وأبوه الخصيب ممدوح أبي نواس الحكمي ، كان
سبب توليته أن الرشيد قرأ يوماً في المصحف فانتهى إلى قوله تعالى: ﴿ أليس
لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي ، الآية ﴾ فقال : لعنه الله ما كان
أرقعه، ادعى الربوبية بملك مصر ، والله لأولينها أخسَّ خدمي، فولاها الخصيب
وكان على وضوئه . ولأبي نواس فيه قصيدتاه الرائيتان وكان قد قصده بها إِلى
مصر وهو أميرها ، وما أحسن قوله في إحداهما :
تقولُ التي من بيتها خفَّ مَركبي عزيزٌ علينا أن نراكَ تسيرٌ
بلى إن أسباب الغنى لكثير
أما دون مصر للغنى متطلب
جرت فجرى من جريهنَّ عبير
فقلتُ لها واستعجلتْها بوادرٌ
إلى بلدٍ فيه الخصيبُ أميرا
دعيني أُكشر حاسدیكِ برحلةٍ
وهي طويلة وأجازه عليها جائزة سنية .
وكانت وفاة أحمد المذكور سنة ٢٦٥ وكان نفيه إلى أقريطش في سنة ٢٤٨.
وأَقْريطِش جزيرة ببلاد المغرب٢ خرج منها جماعة من العلماء وأخذها الفرنج
سنة ٣٥٠ .
٧٨
عزيز الدين المستوفي
أبو نصر أحمد بن حامد بن محمد بن عبد الله بن علي بن محمود بن هبة الله بن
أَلْ الأصبهاني الملقب عزيز الدين المستوفي عم العماد الكاتب الأصبهاني ،
١ اكتفينا بهذا القدر من القصيدة وحذفنا ١٠ أبيات لأن القصيدة وردت في ترجمة ابن دراج.
٢ كذا، وهو واضح الخطأ .
٧٨ - ترجمة عم العماد في المنتظم ١٠: ٢٨ ومعجم الألقاب ٤٠٣:١/٤ والنقل فيه عن الخريدة.
وقال فيه العماد («اخترع في علم الاستيفاء رسوماً، وأجد فيه رقوماً، وصنف للممالك قانوناً ،
وتولى المملكة السلجوقية وكان صدور المملكة جهالاً يحسدون العزيز لعلمه ... )
١٨٨

وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى .
كان العزيز المذكور رئيساً كبير القدر ، ولي المناصب العلية في الدولة
السلجوقية ، ولم يزل مقدماً فيها ، قصَدَه بنو الحاجات ، ومدحه الشعراء ،
وأحسن جوائزهم . وفيه يقول أبو محمد الحسن بن أحمد بن جكينا البغدادي
الشاعر المشهور من جملة قصيدة :
أمِيلُوا١ بنا نحوَ العراق ركابَكُمْ لنَكْتَال من مال العزيزِ بصاعِهِ
وللقاضي أبي بكر أحمد بن محمد الأرَّجاني المقدَّم ذكره فيه مدائح، والأبيات
البائية المذكورة في ترجمته هي من جملة قصيدة طويلة يمدح بها عزيز الدين
المذكور، وكان ابن أخيه العماد يفتخر به كثيراً، وقد ذكره في أكثر تواليفه٢،
وكان في آخر أمره متولي الخزانة للسلطان محمود بن محمد بن مَلِكْشاه بن أَلْب
أرسلان السلجوقي .
وكان السلطان محمود المذكور زوج بنت عمه السلطان سنجر بن مَلِكْشاه،
فماتت عنده فطالبه عمه بما خرج معها في جهازها من أنواع التحف والغرائب
التي لا توجد في خزائن الملوك ، فجحدها محمود ، وخاف من عزيز الدين أن
يشهد بما وصل صحبتها لأنه كان مطلعاً عليه من جهة الخزانة ، فقبض عليه
وسَيَّرَهُ إِلى قلعة تكريت ، وكانت القلعة له إذ ذاك ، فحبسه بها ثم قتله بعد
ذلك في أوائل سنة خمس وعشرين وخمسمائة ، رحمه الله تعالى .
وذكر ابن أخيه العماد الكاتب في كتاب ((الخريدة)» أن مولده بأصبهان
سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة ، وقتله سنة ست وعشرين وخمسمائة بتكريت ،
وكان قبضه ببغداد ، وذكر العماد الكاتب أنه لما قتل كان الأميران نجم الدين
أيوب أبو السلطان صلاح الدين وأخوه أسد الدين شيركوه في القلعة المذكورة
متولي أمورها وأنهما دافعا عنه فما أجدى الدفاع .
١ د ب هـ : فميلوا .
٢ ٥ : تعاليقه .
١٨٩

وأَله - بفتح الهمزة وضم اللام وسكون الهاء - لفظة عجمية معناها
بالعربية العقاب ، وقد تقدم الكلام في ضبط اصبهان فلا حاجة إلى الإعادة .
٧٩
أبو العباس القسطلاني
الشيخ أبو العباس أحمد بن علي القسطلاني صحب الشيخ أبا عبد الله القرشي
وانتفع به وتمت عليه بركته وروى عنه وجمع جميع كلامه وما كان يصدر عنه
في مجلد كبير ووقفت عليه ونقلت منه ما مثاله : قال أبو العباس أحمد بن علي
القسطلاني رحمه الله في ذي الحجة سنة عشر وستمائة سمعت الشيخ أبا عبد الله
القرشي يقول : كنت عند الشيخ أبي إسحاق إبراهيم بن طريف حاضراً فأتى
إليه إنسان فسأله : هل يجوز للإنسان أن يعقد على نفسه عقداً لا يحله إلا بنيل
مطلوبه ؟ فقال الشيخ : نعم ، واستدل بحديث أبي لبابة الأنصاري في قصة بني
النضير ، وقوله صلى الله عليه وسلم : أما انه لو أثاني لاستغفرت له ولكن إذا
فعل ذلك بنفسه ، فدعوه حتى يحكم الله فيه ؛ قال : فسمعت هذه المسألة وعقدت
على نفسي أنني لا أتناول شيئاً إلا بإظهار قدره فمكثت ثلاثة أيام وكنت إذ
ذاك أعمل في الحانوت صناعتي ، فبينا أنا جالس على الكرسي إذ ظهر لي شخص
بيده شيء في إناء فقال لي : اصبر إلى العشاء تأكل من هذا، ثم غاب عني، فبينا أنا
في وردي بين العشاءين إذ انشقّ الجدار وظهرت لي حوراء بيدها ذلك الإناء الذي
كان بيد ذلك الشخص فيه شيء يشبه العسل ، فتقدمت إلي وألعقتني منه ثلاثاً
فصعقت وغشي عليَّ ثم أفقت وقد ذهبت فلم يطب لي بعد ذلك طعام ، وأشربت في
قلبي تلك الصورة فما استحسنت بعدها شخصاً ولا كنت أتمكن من سماع كلام الخلق .
٧٩ - انفردت مخطوطة آياصوفيا ٣٥٣٢ بهذه الترجمة، وانظر الديباج: ٦٧ ونيل الابتهاج : ٦٣
على هامشه والشذرات ٥ : ١٧٩ .
١٩٠

٨٠
أرتق
أُرْتُقُ بن أكْسَب جد الملوك الأرتقية؛ هو رجل من التركمان تغلّب على
حُلْوان والجبل ثم سار إلى الشام مفارقاً لفخر الدولة أبي نصر محمد بن جهير
خائفاً من السلطان محمد بن مَلِكْشاه ، وذلك في سنة ثمان أو تسع وأربعين
وأربعمائة، وملك القدس من جهة تاج الدولة تُتُشَ السلجوقي الآتي ذكره إِن
شاء الله تعالى، ولما توفي أُرتقُ في التاريخ المذكور فيه تولاه بعده ولداه سُكمان
وإيلغازي ابنا أُرتق، ولم يزالا به حتى قصدهما الأفضل شاهنشاه١ أمير الجيوش
الآتي ذكره إن شاء الله تعالى من مصر بالعساكر ، وأخذه٢ منهما في شوال سنة
إحدى وتسعين وأربعمائة٣ ، وتوجها إلى بلاد الجزيرة الفراتية وملكا ديار بكر.
وصاحبُ قلعة ماردين الآن من أولاده ، وملك ولده نجم الدين إِيلغازي مدينة
ماردين سنة إحدى وخمسمائة ، وكان ولاه السلطان محمد شحنكية بغداد ، وتوفي
سكان بن أُرتق بعلة الخوانيق في طريق الفرات بين طرابلس والقدس ، سنة
ثمان وتسعين وأربعمائة .
وكان أُرتقُ رجلاً شهماً ذا عزمة وسعادة وجد واجتهاد. وتوفي سنة
أربع وثمانين وأربعمائة ، رحمه الله تعالى .
وهو بضم الهمزة وسكون الراء وضم التاء المثناة من فوقها وبعدها قاف .
وأكسب : بفتح الهمزة وسكون الكاف وفتح السين المهملة وبعدها باء
موحدة . وقيل : هو أكسك - بالكاف بدل الباء - والله أعلم .
٨٠ - لأرتق ترجمة في الوافي ٨ ، الورقة : ١٥٥.
١ ب هـ : شاهانشاه .
٢ د : فأخذه .
٣ زاد في د : وقيل شعبان سنة ٤٩٢.
٤ أج هـ : عزيمة .
١٩١

٨١
أرسلان البساسيري
أبو الحارث أرسلان بن عبد الله البساسيري التركي مقدم الأتراك ببغداد ،
يقال : إنه كان مملوك بهاء الدولة بن عَضُد الدولة بن بُوَيْه ، والله أعلم ؛ وهو
الذي خرج على الإمام القائم بأمر الله ببغداد ، وكان قد قدمه على جميع الأتراك،
وقلده الأمور بأسرها ، وخطب له على منابر العراق وخوزستان فعظم أمره
وهابته الملوك، ثم خرج على الإمام القائم وأخرجه من بغداد، وخطب للمستنصر
العبيدي صاحب مصر، فراح الإمام القائم إلى أمير العرب محيي الدين أبي الحارث
متهارش بن المجلّي العقيلي صاحب الحديثة وعانة فآواه وقام بجميع ما يحتاج
إليه مدة سنة كاملة حتى جاء طُغْرُ الْبَك السلجوقي المذكور بعد هذا وقاتَلَ
البساسيري المذكور وقتله وعاد القائم إلى بغداد ، وكان دخوله إليها في مثل
اليوم الذي خرج منها بعد حول كامل ، وكان ذلك من غرائب الاتفاق وقصته
مشهورة ، وقتله عسكر السلطان طُغْرُ لْبَك السلجوقي ببغداد يوم الخميس
خامس عشر ذي الحجة، وقال ابن العظيمي: يوم الثلاثاء حادي عشر ذي الحجة
سنة إحدى وخمسين وأربعمائة وطيف برأسه في بغداد وصلب قبالة باب النوبي .
والبساسيري - بفتح الباء الموحدة والسين المهملة وبعد الألف سين مهملة
مكسورة ثم ياء ساكنة مثناة من تحتها وبعدها راء - هذه النسبة إلى بلدة
بفارس يقال لها بسا، وبالعربية فسا، والنسبة إليها بالعربي( فَسَويّ، ومنها
٨١ - انظر أخبار البساسيري في المنتظم ٨: ٢٠١ والعبر ٣: ٢٢٥ والشذرات ٣: ٢٧٨
والوافي ٨ ، الورقة : ١٥٧، وله ذكر في سيرة المؤيد هبة الله الشيرازي ، وفي كتب التاريخ
فيما يتصل بالأحداث بين الفاطميين والعباسيين (انظر مثلاً أخبار الدولة السلجوقية الحسيني
ص : ١٨ - ٢٢) .
١ ب ٥ هـ : بالعربية .
١٩٢

الشيخ أبو علي الفارسي النحوي صاحب ((الإيضاح))، ويقال له فَسَوي أيضاً،
وأهل فارس يقولون في النسبة إليها : البساسيري، وهي نسبة شاذة على خلاف
الأصل ، وكان سيد أرسلان المذكور من بَسا فنسب المملوك إليه ، واشتهر
بالبساسيري ، هكذا ذكره السمعاني١ نقلاً عن الأديب أبي العباس أحمد بن علي
ابن بابه القاشي٢ ، وفي هذه اللفظة زيادة ليست في الأصل .
ومات الأمير مُهارش بن المجلسّي في صفر سنة تسع وتسعين وأربعمائة وقد
ناهز ثمانين سنة ، وهو مهارش بن المجلي بن عليث بن قبان بن شعب بن المقلد بن
جعفر بن عمرو بن المهنا، وبقية نسبه ستأتي في ترجمة المقلد بن المسيب ، إن
شاء الله تعالى .
٨٢
الملك العادل أتابك
أبو الحارث أرسلان شاه بن عز الدين مسعود بن قطب الدين مودود بن عماد
الدين زَنْكي بن آق سنقر صاحب الموصل المعروف بأتابك الملقب الملك العادل
نور الدين، وسيأتي ذكر جماعة من أهل بيته إن شاء الله تعالى، كل واحد في حرفه.
ملك نور الدين المذكور الموصل بعد وفاة أبيه في التاريخ المذكور هناك ،
وكان ملكاً شهماً عارفاً بالأمور ، وانتقل إلى مذهب الشافعي رضي الله عنه ،
ولم يكن في بيته شافعي سواه ، وبنى مدرسة للشافعية بالموصل قلَّ أن يوجد
مدرسة في حسنها .
وتوفي ليلة الأحد التاسع والعشرين من رجب سنة سبع وستمائة٣ في شارة
١ انظر الأنساب ٢: ٢١٨.
٢ في الأصول : القابسي ، والتصويب عن الأنساب.
٨٢ - ترجمته في الوافي ٨، الورقة: ١٥٧ والشذرات ٥: ٢٤ والتاريخ الباهر: ١٨٩ - ٢٠١.
٣ ٥ : ١٩ رجب سنة ٦٠٩ .
١٣ - ١
١٩٣

بالشط ظاهر الموصل - والشبارة عندهم هي الحراقة بمصر - وكتم موته حتى
دخل به إلى دار السلطنة بالموصل . ودفن في تربته التي بمدرسته المذكورة ،
رحمه الله تعالى (٢٣) * .
وخلف ولدين هما الملك القاهر عز الدين مسعود ، والملك المنصور عماد
الدين زنكي . وهما مذكوران في ترجمة جدهما عز الدين مسعود بن مودود بن
زَنكي فليطلب منه إن شاء الله تعالى ، وقام بالمملكة بعدهُ ولده الملك القاهر
كما هو مشروح هناك ، وهو أستاذ الأمير بدر الدين أبي الفضائل لؤلؤ الذي
تغلب على الموصل وملكها في سنة ثلاثين وستمائة في أواخر شهر رمضان ، وكان
قبل نائباً بها ثم استقل . وهو المذكور في ترجمة عماد الدين بن المشطوب .
٨٣
أزهر السمان
أبو بكر أزهر بن سعد١ السمان الباهلي بالولاء البصري ؛ روى الحديث عن
حميد الطويل ، وروى عنه أهل العراق ، كان يصحب أبا جعفر المنصور قبل
أن يلي الخلافة، فلما وليها جاءه أزهر مهنئاً، فحجبه المنصور فترصَّد له٢ يوم
جلوسه العام وسلم عليه ، فقال له المنصور : ما جاء بك ؟ قال : جئت مهنئاً
بالأمر ، فقال المنصور : أعطوه ألف دينار ، وقولوا له : قد قضيت وظيفة
الهناء ، فلا تعد إليَّ، فمضى وعاد في قابل ، فحجبه فدخل عليه في مثل ذلك
المجلس وسلم عليه ، فقال له : ما جاء بك ؟ فقال له : سمعت أنك مرضت
فجئتك عائداً ، فقال : أعطوه ألف دينار وقولوا له : قد قضيت وظيفة العيادة
٨٣ - ترجمة أزهر السمان في الوافي ٨، الورقة: ١٧٢ والعبر ١ : ٣٣٩ والشذرات ٢: ٥.
١ أج : أسعد .
٢ ج : فرصده أزهر .
١٩٤

فلا تعد إليّ ، فإني قليل الأمراض . فمضى وعاد في قابل، فقال له في مثل ذلك
المجلس : ما جاء بك ؟ فقال : سمعت منك دعاء مستجاباً فجئت لأتعلمه منك ،
فقال له : يا هذا ، إِنه غير مستجاب ، إني في كل سنة أدعو الله به أن لا تأتيني
وأنت تأتي . وله وقائع وحكايات مشهورة . وكانت ولادته سنة إحدى عشرة
ومائة . وتوفي سنة ثلاث ومائتين ، وقيل : سبع ومائتين ، رحمه الله تعالى .
وأزهر - بفتح الهمزة وسكون الزاي وفتح الهاء وبعدها راء - وهو
اسم علم .
والسمان - بفتح السين المهملة وتشديد الميم وبعد الألف نون - هذه النسبة
إلى بيع السَّمْن وحمله .
والبصري - بفتح الباء الموحدة وكسرها وسكون الصاد المهملة وبعدها راء -
هذه النسبة إلى البَصْرَة ، وهي من أشهر مدن العراق وهي إِسلامية ، بناها
عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في سنة أربع عشرة للهجرة على يدي عُنْبَة
ابن غَزْوان، رضي الله عنه. قال ابن قتيبة في كتاب ((أدب الكاتب))١ في
باب ما يغير من أسماء البلاد (( البصرة : الحجارة الرخوة ، فإِن حذفوا الهاء
قالوا: البِصْرُ)) - بكسر الباء - وإِنما أجازوا في النسب بِصْريّ لذلك،
والبصر أيضاً : الحجارة الرخوة ، قاله في الصحاح .
٨٤
أسامة بن منقذ
أبو المظفر أسامة بن مُرْشد بن علي بن مُقَلَّد بن نصر بن مُنْقِذ الكناني
١ أدب الكاتب : ٤٥٧.
٨٤ - لأسامة ترجمة في معجم الأدباء ٥: ١٨٨ وتهذيب ابن عساكر ٢: ٤٠٠ والخريدة ( قسم
الشام ) ١: ٤٩٩ والوافي ٨، الورقة: ١٧٤ وكتابه (« الاعتبار» يمثل جانباً من سيرة حياته،
وله من الكتب المطبوعة : لباب الآداب والمنازل والديار وديوان شعره .
١٩٥

الكلبي الشَّيْزَري الملقب مؤيد الدولة مجد الدين، من أكابر بني مُنْقِذ أصحاب
قلعة شَيْزَر وعلمائهم وشجعانهم ، له تصانيف عديدة في فنون الأدب .
ذكره أبو البركات ابن المستوفي في ((تاريخ إِرْبلَ)) وأثنى عليه وعَدَّه في
جملة مَن ورد عليه وأورد له مقاطيع من شعره .
وذكره العماد الكاتب في (( الخريدة )) وقال بعد الثناء عليه : سكن دمشق
ثم نَبَتْ به كما تنبو الدار بالكريم ، فانتقل إلى مصر فبقي بها مؤمَّراً مشاراً
إليه بالتعظيم إلى أيام الصالح بن رُزِّيك . ثم عاد إلى الشام وسكن دمشق ، ثم
رماه الزمان إلى حصن كيفا ، فأقام به حتى ملك السلطان صلاح الدين - رحمه
الله تعالى - دمشق ، فاستدعاه وهو شيخ قد جاوز الثمانين .
وقال غير العماد : إِن قدومه مصر كان في أيام الظافر بن الحافظ والوزيرُ
يومئذ العادل بن السلاَّر، فأحسن إليه وعمل عليه حتى قتل حسبما هو مشروح
في ترجمته .
قلت : ثم وجدت جزءًا كتبه بخطه للرشيد بن الزبير حتى يلحقه بكتاب
((الجنان))، وكتب عليه أنه كتبه بمصر سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، فيكون
قد دخل مصر في أيامه وأقام بها حتى قتل العادل بن السلار ، إذ لا خلاف أنه
حضر هناك وقت قتله .
وله ديوان شعر في جزأين موجود في أيدي الناس ورأيته بخطه . ونقلت
منه قوله ١ :
لا تَستعرْ جَلَداً على هجرانهمْ فقواكَ تضعفُ عنْ صُدودٍ دائمِ
واعلم بأنكَ إِنْ رَجَعتَ إِليهمُ طوعاً وإلا عُدْتَ عودة راغمٍ
ونقلت منه في ابن طليب المصري ، وقد احترقت داره :
انظر إلى الأيام كيف تسوقنا قسراً إلى الإقرار بالأقدارِ
ما أوقدَ ابنُ طليب قطُ بداره ناراً وكانَ خرابها بالنارِ
١ ديوانه : ٤٢ ٠
١٩٦

(10) ومما يناسب هذه الواقعة أن الوجيه ابن صورة المصري دلال الكتب
كانت له بمصر دار موصوفة بالحسن فاحترقت ، فعمل نشء الملك أبو الحسن علي
ابن مفرج المعروف بابن المنجم١ المعرِّيّ الأصل المصري الدار والوفاة:
والنار فيها مارجٌ يَتَضَرَّمُ
أقول وقد عاينت دار ابن صورة
فعمّا قليل في نَهابِرَ يعدم
كذا كل مالٍ أصله من مَهاوِش
فجاءَتْهُ لما استبطأته جهم
وما هو إلا كافر طال عمره
والبيت الثاني مأخوذ من قوله صلى الله عليه وسلم (( من أصاب مالاً من
مَهَاوِشَ أذهبه الله في نَهابِرَ))، والمهاوش : الحرام ، والنهابر : المهالك.
والوجيه المذكور : هو أبو الفتوح ناصر بن أبي الحسن علي بن خلف الأنصاري
المعروف بابن صورة، وكان سمساراً في الكتب٢ بمصر، وله في ذلك حظ كبير،
وكان يجلس في دهليز داره لذلك ، ويجتمع عنده في يومي الأحد والأربعاء أعيان
الرؤساء والفضلاء ويعرض عليهم الكتب التي تباع، ولا يزالون عنده إلى انقضاء
وقت السوق ، فلما مات السلفي سار إلى الإسكندرية لبيع كتبه ، ومات
في السادس عشر من شهر ربيع الآخر سنة سبع وستمائة بمصر ودفن بقرافتها ،
رحمه الله تعالى .
ولابن منقذ من قطعة يصف ضعفه :
فاعجب لضَعْفٍ يدي عن حَمْلها قلماً من بعد حَطْمُ القنا في لبَّة الأسَدِ
ونقلت من ديوانه أيضاً أبياتاً كتبها إلى أبيه مرشد جواباً عن أبيات كتبها
أبوه إليه ، وهي٣ :
٠
١ كتب في الخريدة «نشر الدولة)»، ضمن الصابون والملاهي واكتسب في عسف الناس المناهي،
فشكوه فنفي إلى عيذاب ثم رحل إلى اليمن والشام في خدمة تورانشاه ( انظر الخريدة ١ :
١٦٨ والحاشية ) .
٢ أ: سمسار الكتب .
٣ ديوان أسامة : ١١٥.
١٩٧

وما أَشكو تلوُّنَ أهلِ ودي ولو أَجْدَتْ شكْيَّتُهُم شكوْتُ
فما أرجوهُ فيمَنْ رجَوْت
مَلِلتُ عتابَهُمْ ويئستُ منهم
كظمْتُ على أذاهم وانطَوَيْت
إِذا أدمَتْ قوارصُهُمْ فؤادي
كأني ما سمعت ولا رأيت
ورُحت عليهمُ طَلْقَ المحيّا
يَدايَ ولا أمرتُ ولا نهيت
تجنَّوْا لي ذنوباً ما جَنَتْها
ولا والله ما أضمرتُ غَدْراً كما قد أظهروه ولا نَوَيْت
ويوم الحشر موعِدُنا وتبْدُو صحيفَةُ مَا جَنَوْهُ وما جنيت
وله بيتان في هذا الروي والوزن كتبهما في صدر كتاب إلى بعض أهل بيته
في غاية الرقة والحسن ، وهما :
ورُوِّعَ بالنوى حَيٌّ ومَيْتُ
شكا ألَمَ الفراق الناسُ قَبْلي
وأما مثل ما ضمَّتْ ضُلوعي فإني ما سمعتُ ولا رَأَيْتُ
والشيء بالشيء يُذكر ، أنشدني الأديب أبو الحسين يحيى بن عبد العظيم
المعروف بالجزار المصري ١ لنفسه في بعض أدباء مصر ، وكان شيخاً كبيراً ،
وظهر عليه جَرَب فالتطخ بالكبريت ، قال : فلما بلغني ذلك كتبت إليه :
أيُّها السَّيِّدُ الأديبُ دعاءً من محبٍ خالٍ من التَّكِيتِ
أنت شَيخٌ وقد قَرُبتَ من النار فكيف ادّهَنْتَ بالكبريتِ
ونقلت من خط الأمير أبي المظفر أسامة بن منقذ المذكور لنفسه ، وقد قلع
ضرسه ، وقال : عملتهما ونحن بظاهر خِلاطٍ ، وهو معنى غريب ويصلح أن
يكون لغزاً في الضرس :
وصاحب لا أملُ الدهْرَ صُحْبَتَه يشقى لِنفعي ويسعى سعيَ مجتهدٍ
١ الجمال أبو الحسين الجزار، كان أبوه وأقاربه جزارين بالفسطاط وكان هو في أول أمره قصاباً
فحام على الأدب مدة حتى اشتهر . وشعره سهل يلقى قبولاً لسهولته وخفة روحه ؛ وقد تجول
كثيراً في البلاد المصرية وتوفي سنة ٦٧٩ (المغرب: ٢٩٦ وحسن المحاضرة ١ : ٣٢٧
والشذرات ٣٤٦:٥ والنجوم الزاهرة ٧: ٣٤٥ والمسالك ١٢: ١٦٦ والفوات ٣١٩:٢).
١٩٨

لم ألقَهُ مذ تَصاحبنا فحين بَدا لناظِرَيَّ افترَقْنَا فُرْقَةَ الأبدِ
قال العماد الكاتب : وكنت أتمنى أبداً لقياه وأشِيمُ على البعد حَيَاه حتى
لقيته في صفر سنة إحدى وسبعين وسألته عن مولده، فقال : يوم الأحد السابع
والعشرين من جمادى الآخرة سنة ثمان وثمانين وأربعمائة . اهـ. قلت : بقلعة
شَيْزَرَ . وتوفي ليلة الثلاثاء الثالث والعشرين من شهر رمضان سنة أربع وثمانين
وخمسمائة بدمشق ، رحمه الله تعالى ؛ ودفن من الغد شرقي جبل قاسيون ودخلت
تربته وهي على جانب نهر يزيد الشمالي ، وقرأت عنده شيئاً من القرآن
وترحَّمْتُ عليه .
وتوفي والده أبو أسامة مرشد سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة ، رحمه الله تعالى.
وشَيْزَرُ - بفتح الشين المثلثة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها زاي
مفتوحة ثم راء - قلعة بالقرب من حماة وهي معروفة بهم ، وسيأتي ذكرها في
حرف العين عند ذكر جده علي بن مقلد ، إن شاء الله تعالى .
٨٥
ابن راهويه
أبو يعقوب إسحاق بن أبي الحسن إبراهيم بن مَخْلَد بن إبراهيم بن عبد الله
ابن مطر١ بن عبيد الله بن غالب بن عبد الوارث بن عبيد الله بن عطية بن مرة بن
كعب بن همام بن أسد بن مرة بن عمرو بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم
ابن مرة الحنظلي المروزي المعروف بابن راهْوَيْه ؛ جمع بين الحديث والفقه
والورع ، وكان أحد أئمة الإسلام ، ذكره الدارقطني فيمن روى عن الشافعي
٨٥ - ترجمته في تهذيب ابن عساكر ٢: ٠٩: والوافي ٨، الورقة: ١٧٨ والعبر ١ : ٤٢٦
وطبقات السبكي ١ : ٢٣٢ والشذرات ٢: ٨٩ وتاريخ بغداد ٦ : ٣٤٥.
١ ج : مظفر .
١٩٩

رضي الله عنه ، وعدّه البيهقي في أصحاب الشافعي ، وكان قد ناظر الشافعي
في مسألة جواز بَيْع دور مكة١، وقد استوفى الشيخ فخر الدين الرازي صورة
ذلك المجلس الذي جرى بينهما في كتابه الذي سماه ((مناقب الإمام الشافعي
رضي الله عنه)) فلما عرف فضله نسخ كتبه وجمع مصنفاته بمصر .
قال أحمد بن حنبل رضي الله عنه : إسحاق عندنا إمام من أئمة المسلمين ،
وما عبَرَ الجَسْرَ أفقه من إسحاق ، وقال إسحاق : أحفظ سبعين ألفَ
حديث ، وأُذاكر بمائة ألف حديث ، وما سمعت شيئاً قط إِلا حفظته ، ولا
حفظت شيئاً قط فنسيته ، وله مسند مشهور ، وكان قد رحل إلى الحجاز
والعراق واليمن والشام ، وسمع من سفيان بن عُيَيْنة ومَنْ في طبقته ، وسمع
منه البخاري ومسلم والترمذي .
وكانت ولادته سنة إحدى وستين، وقيل : سنة ثلاثٍ وستين، وقيل : سنة
ست وستين ومائة، وسكن في آخر عمره نيسابور، وتوفي بها ليلة الخميس النصف
من شعبان - وقيل : الأحد ، وقيل : السبت - سنة ثمان ، وقيل : سبع
وثلاثين ومائتين ، وقيل : سنة ثلاثين ومائتين ، رحمه الله تعالى .
وراهويه - بفتح الراء وبعد الألف هاء ساكنة ثم واو مفتوحة وبعدها ياء
مثناة من تحتها ساكنة وبعدها هاء ساكنة - لقب أبيه أبي الحسن إبراهيم، وإِنما
لقب بذلك لأنه ولد في طريق مكة، والطريق بالفارسية ((راه)) و((ويه))
معناه وُجِدَ، فكأنه وجد في الطريق، وقيل فيه أيضاً ((راهُويَه)) بضم الهاء
وسكون الواو وفتح الياء ، وقال إسحاق المذكور : قال لي عبد الله بن طاهر
أمير خراسان : لمَ قيل لك ابن راهويه ؟ وما معنى هذا؟ وهل تكره أن يقال
لك هذا؟ قلت: اعلم أيها الأمير أن أبي ولد في الطريق فقالت المراوزة ((راهويه))
لأنه ولد في الطريق ، وكان أبي يكره هذا، وأما أنا فلست أكره ذلك .
ومَخْلَد : بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح اللام وبعدها دال مهملة .
والحنظلي - بفتح الحاء المهملة وسكون النون وفتح الظاء المعجمة وبعدها
١ ذكر السبكي هذه المناظرة ص : ٢٣٦.
٢٠٠