النص المفهرس
صفحات 161-180
الرشيد أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن الحسين بن الزبير الغساني الأسواني؛ كان من أهل الفضل والنباهة والرياسة، صنف كتاب « [جنان] الجنان ورياض الأذهان)) وذكر فيه جماعة من مشاهير الفضلاء١، وله ديوان شعر ، ولأخيه القاضي المهذب٢ أبي محمد الحسن ديوان شعر أيضاً، وكانا مجيدين في نظمهما ونثرهما. (6) ومن شعر القاضي المهذب - وهو معنى لطيف غريب - من جملة قصيدة بديعة : تَسْقِي الرياض يحَدْولٍ ملآنٍ وتَرى المجرّة والنجومَ كأنّها٣ أبداً نجومُ الحوتِ والسَّرَ طانِ لو لم تكن نهراً لما عامَتْ بها وله أيضاً من جملة قصيدة : وما لي إلى ماءٍ سِوى النِّيل غُلَّةٌ ولو أنه، أستغفر اللهَ، زَمْزَمُ وله كل معنى حسن ، وأول شعر قاله سنة ست وعشرين وخمسمائة . وذكره العماد الكاتب في كتاب ((السيل والذيل)) وهو أشعر من الرشيد ، والرشيد أعلم منه في سائر العلوم ، وتوفي بالقاهرة سنة إحدى وستين وخمسمائة في رجب ، رحمه الله تعالى . وأما القاضي الرشيد فقد ذكره الحافظ أبو الطاهر السَّلَفيُّ - رحمه الله تعالى - في بعض تعاليقه، وقال : ولي النظر بثغر الإسكندرية في الدواوين السلطانية بغير اختياره في سنة تسع وخمسين وخمسمائة ، ثم قتل ظلماً وعدواناً في المحرم سنة ثلاث وستين وخمسمائة ، رحمه الله تعالى؛ وذكره العماد أيضاً في كتاب ((السيل والذيل)) الذي ذيل به على ((الخريدة)) فقال: الخِضَمُّ الزاخر، والبحر العُباب، ذكرته في (( الخريدة)) وأخاه المهذب ، قتله شاور ظلماً لميله إلى أسد الدين شيركوه في سنة ثلاث وستين وخمسمائة ، كان أسود الجلدة ، ١ زاد في هـ: وله كتاب العجائب والطرف والهدايا والتحف. ٢ انظر أخبار المهذب وشعره في الخريدة : ٢٠٤ والحاشية . ٣ في رواية : في السماء كأنها ، وفي الخريدة : في النجوم . ١١ - ١ ١٦١ وسيد البلدة، أوحد عصره في علم الهندسة والرياضيات١، والعلوم الشرعيات ، والآداب الشعريات ، ومما أنشدني له الأمير عضد الدولة٢ أبو الفوارس مرهف ابن أسامة بن منقذ ، وذكر أنه سمعها منه : جَلَّتْ لدَيَّ الرزايا بل جلَتْ هِمَمي وهَلْ يضرُّ جلاء الصارِمِ الذَّكَرِ صَرْقُ الزمان وما يأتي مِنَ الغِيَر غيري يغيره عَنْ حُسْن شيمتهِ لكان يَشْتَبِهُ الياقوتُ بِالحَجَر لو كانتِ النارُ الياقوتِ مُحْرقَةٌ فإنما هي أصْدافٌ على دُرَر لا تُغْرَرَنَّ بأطماري وقيمتها ولا تظنَّ خفاء النجمِ من صِغَرٍ فالذنْبُ في ذاك محمُولٌ على البَصَرِ قلت : وهذا البيت مأخوذ من قول أبي العلاء المعري في قصيدته الطويلة المشهورة ، فإنه القائل فيها : والنجمُ تَسْتَصْغِرُ الأبصارُ رؤيتَهُ والذنْبُ الطَّرْقِ لا للنجم في الصَّغَرِ وأورد له العماد الكاتب في (( الخريدة)) أيضاً قوله في الكامل بن شاور : ولم يرْتَحِلْ عنها فليس بذي حَزْمِ إذا ما نبَتْ بالحُرِّ دارٌ يوَدُّها سيُزْعِجُه منها الحِمامُ على رَغْمِ وهَبْهُ بها صَبّاً ألم يَدْرِ أنهُ وقال العماد : أنشدني محمد بن عيسى اليمني ببغداد سنة إحدى وخمسين ، قال : أنشدني القاضي الرشيد باليمن لنفسه في رجل : لئن خابَ ظني في رَجائك بَعْدَما ظنَنتُ بأني قد ظفرْتُ بُمُنْصِفٍ فإنكَ قد قلَّدْتَني كلَّ مِنَّةٍ ملكتَ بها شكْري لدى كلِّ موقِفٍ لأنك قد حَذّرتني كل صاحبٍ وأعلمتني أن ليسَ في الأرضِ مَن يفي وكان الرشيد أسود اللون ، وفيه يقول أبو الفتح محمود بن قادوس٣ ١ هـ : والرياضة. ٢ ٥ هـ : عضد الدين. ٣ ابن قادوس محمود بن إسماعيل الدمياطي كان كاتب الإنشاء بالحضرة المصرية وتوفي سنة ٥٥١ وترجمته وأشعاره في الخريدة : ٢٢٦. ١٦٢ الكاتب الشاعر يهجوه : يا شِبْهَ لقمان بلا حكمةٍ وخاسراً في العلمِ لا راسخا سلختَ أشعارَ الوَرى كلها فصرتَ تُدْعِى الْأسْوَدَ السالخا وفيه أيضاً كما يغلب على ظني هذا : تَ وفُقْتَ كلَّ الناسِ فَهْما إِن قلتَ من نارٍ خلِقْ قلنا صدقت فما الذي أضناكَ حتى صِرْتَ فحما وكان الرشيد سافر إلى اليمن رسولاً، ومدح جماعة من ملوكها، وممن مدحه منهم علي بن حاتم الهمداني قال فيه : فلستُ أنال القحطَ في أرض قحطانِ لأن أَجدَبَتْ أرضُ الصعيدِ وأقحَطوا فلست على أُسوان يوماً بأسوان ومذ كَفَلَتْ لي مأرب بمآربي فَقَدْ عَرَفَتْ فَضْلي غطارفُ حَمْدان وإِن جَهِلَتْ حَقِّ زعانف خِندِفٍ فحسده الداعي في عَدَن على ذلك ، فكتب بالأبيات إِلى صاحب مصر ، فكانت سبب الغَضَب عليه ، فأمسكه وأنفذه إليه مقيداً مجرداً ، وأخذ جميع موجوده ، فأقام باليمن مدة ثم رجع إلى مصر ، فقتله شاور كما ذكرناه ، وكتب إليه الجليس بن الحباب : ثروَةُ المكرُماتِ بعدك فقْرُ ومَحَلُّ العُلا ببعدك قَفْرُ بك تُجْلى إِذا حَلَلتَ الدَّياجي وتمرُ الأيامِ حَيْث تَمُرُّ أَذْنَبَ الدَّهرُ فِي مَسِيركَ ذَنْباً ليْسَ منه سوى إيابِكَ عُذْرُ والغَسّاني - بفتح الغين المعجمة والسين المهملة وبعد الألف نون - هذه النسبة إلى غَسّان وهي قبيلة كبيرة من الأزد شربوا من ماء غسّان ، وهو باليمن ، فسُمُّوا به . والأسواني - بضم الهمزة وسكون السين المهملة وفتح الواو وبعد الألف نون - هذه النسبة إلى أُسوان ، وهي بلدة بصعيد مصر ، قال السمعاني : هي ١٦٣ ٠٠ بفتح الهمزة ، والصحيح الضم ، هكذا قال لي الشيخ الحافظ زكي الدين أبو محمد عبد العظيم المُنْذِرِي حافظ مصر ، نفعنا الله به آمين . ٦٦ أحمد القطرسي النفيس أبو العباس أحمد بن أبي القاسم عبد الغني بن أحمد بن عبد الرحمن بن خلف ابن المسلم اللخمي المالكي القُطرُسي، المنعوت بالنفيس؛ كان من الأدباء ، وله ديوان شعر أجاد فيه ، ونقلت منه قصيدة يمدح بها الأمير شجاع الدين جَلْدَك التقويّ ، المعروف بوالي دمياط ، أوّلها : قل للحبيبِ أُطَلْتَ صَدَّكْ وجعلتَ قتلي فيك وُكْدَكْ عليَّ قلبي فَهْو عِنْدَك رتنا بطَيفٍ منكَ وَعْدك تَ وإنْ نقضْتَ عليَّ عهدك بِ حَشايَ لمَّا ذُقْتُ بِرْدك لما طلبتُ إليكَ شهْدك جبني وقدْ عاينتُ قدَّك ؟ إِنْ شِئْتَ أن أسْلُو فَرُدَّ أُخْلَفتَ حتى في زيا وأنا عليكَ كما عهدْ أحرَقتَ يا ثغرَ الحبيـ وشهدتَ أنَّ ظالمٌ أتظُنُّ غُصنَ البانِ يُه حاظي وقدْ شاهدْتُ خدَّك مَنْشُوق يحمي منكَ وَرْدْكِ مَوْلايَ حتى صِرْتُ عبدك طِفُه عَلينا ما أشدَّك أمْ يخدعُ التفاحُ أكْ أمْ خلتَ آسَ عذاركَ الـ لا والذي جعَلَ الهوى يا قَلبَ مَنْ لانَتْ معا أتظنني جَلدَ الهَوى أوْ أنّ لي عَزَمَاتٍ جَلْدَك ٦٦ - النفيس القطرسي ترجمة في الوافي ٧، الورقة: ٣٥؛ وقد صرح المؤلف بأن العماد ترجم له في الخريدة ، ولكن يبدو أن ترجمته سقطت من القسم المصري . ١٦٤ وهي قصيدة جيدة ، ونقتصر منها على هذا القدر خوف الإطالة . وجاب النفيس المذكور البلاد ، ومدح الناس ، واستجدى بشعره . وذكره العماد الكاتب في ((الخريدة))، فقال: فقيه مالكي المذهب ، له يدٌ في علوم الأوائل والأدب ، ومن شعره قوله : يُسَرُّ بالعيدِ أقوامٌ لهمْ سَعَةٌ مِنَ الثراءِ، وأما المقترونَ فلا هلْ سَرَّتِي وثيابي فيه قومُ سَبا أو راقني وعلى رأسي به ابن جَلا يعني قوم سبأ مزقناهم كل ممزق ، وابن جَلا ما له عمامة ، يشيرُ إِلى قول الشاعر سحيم بن وثيل الرياحي : أنا ابنُ جَلا وطَلاَّعُ الثنايا مَتِى أَضَعِ العمامَةَ تَعرِفُوني وذكره العماد أيضاً في كتاب ((السيل)) فقال : كان من الفقهاء بمصر ، وقد رأيتُ القاضي الفاضل يثني عليه ، ووجدت له قصيدة كتبها من مصر إليه ونقلت من ديوانه أيضاً : يا راحلاً وجميلُ الصبر يتبعُهُ هلْ مِنْ سبيلٍ إِلى لُقُياكَ يَتفقُ ما أنصفتكَ جفوني وهْيَ داميةٌ ولا وفى لكَ قلبي وهْوَ محترقُ [ ومن شعره أيضاً في الأمير فخر الدين إسماعيل بن ثعلب : مدحتُ الجعفريَّ فما أثابت يداه فظنَّ مدحي للثوابِ وما كان احتسابُ الأجرِ فيه على كذبِ المدائحِ في الحسابِ ومن شعره أيضاً : يأبى العذارُ المستديرُ بوجهه وكمال بهجة حسنه المنعوت فكأنما هو صولجانُ زمرد متلقف كرة من الياقوتِ ] وله في كأس سقطت وهو معنى بديع : ما سَقَطَتْ كَاسُكَ من علةٍ لكنْ يد الفضل بتبديدها ١٦٥ هيهات أن تحفظَها راحة" ما حفظتْ قط سوى جودها وله : فؤادي إليك شديد الظما وعينيَ تشكو لك الحاجبا فرتَبْ ليَ الإذنَ سهلاً لديك فإنّيَ أرضى به راتبا [ وكتب إلى القاضي الأسعد بن عثمان يستدعيه من جملة أبيات : صِرْ إِلينا على البراقِ وإِلاَ جاءك العتبُ بعد فوتِ المرادِ وصار إليه وأنشده ارتجالاً : قد أجبت النداء يا داعيَ الـ مجد ولو كنت موثقاً في صفاد فودادي يصونني عن عتابٍ وبراقي عزيمتي في الوداد] وله في مغنٍ اسمه حسام ويعرف بالأقرع وهي من الشعر المختار : وفتيان تملكت الحميّا أزمّةَ أمرهم ملك الأميرِ أرادوا من حسامٍ أن يغني ليطربهم وذاك من الغرور حسامٌ قطُ في زمن السرور فقلتُ لهم متى بالله غنى [ ومن شعره أيضاً: لا تسأل اليوم عن حالي وعن خبري دهت فؤادي دواهي الحسنِ والقدر أصبحتُ قد ضل قلبي في هوى قمر فاعجبْ لمن ضلَّ بين الشمس والقمر وله أيضاً وكتب بهما إلى بعض أصدقائه يعاتبه : إِن مسني من جنابٍ كنت أعهد لي فيه النعيمَ تكاليفٌ من الشَّظَفِ فالشمسُ والبدرُ حسبي أسوةً بهما وربما كسفا في البيتِ والشرفٍ ومن شعره يصف دير القصير أولها : قصرنا على ديرِ القصيرِ ركابنا ليالي قضاها السرورُ قصارا] ١٦٦ محلّ يريك النيل والروض والمها ويدني من النجم البعيد مزارا وتهدي إلى أبصارنا وقلوبنا بغير عناء قوة وقدارا ويقتصر من شعره على هذا القدر . وكان جده يقال له قُطْرُس . وتوفي في الرابع والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وستمائة بمدينة قوص ، وقد ناهز سبعين سنة من عمره ، رحمه الله تعالى . واللَّخْمي - بفتح اللام وسكون الخاء المعجمة وبعدها ميم - هذه النسبة إلى لَخْمِ بن عدي، واسمه مالك ، وهو أخو جُذام ، واسم جذام عمرو بن عدي، وكانا قد تشاجرا فلَخَمَ عمرو مالكاً - أي لطمه - فضرب مالك عمراً بمدية فجذم يده - أي قطعها - فسمي مالك لحماً ، وسمي عمرو جذاماً لهذا السبب . والقُطرسي - بضم القاف وسكون الطاء المهملة وضم الراء وبعدها سين مهملة - هذه النسبة كشفت عنها كثيراً ولم أقف لها على حقيقة ، غير أنه كان من أهل مصر ، ثم أخبرني بهاء الدين زهير بن محمد الكاتب الشاعر - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - أن هذه النسبة إلى جده قُطْرُس ، وكان صاحبه ، وروى عنه شيئاً من شعره . (7) وجلدك: أبو المظفر عتيقُ تقيّ الدين عمر، صاحب حماة - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - وكان ديّناً فاضلاً. ومات في الثامن والعشرين من شعبان سنة ثمان وعشرين وستمائة بالقاهرة ، وقد ناهز ثمانين سنة ، وله شعر ، وروى عن الحافظ السَّلَفيِ وغيره ، ومن جملة ما روى بهاء الدين زهير من شعره في غلام يتعلم علم الهندسة والهيئة : وذي هيئةٍ يزهُو بوجهِ مهندس أمُوتُ به في كل يوم وأُبعثُ محيطٌ بأشكالِ الملاحةِ وجههُ كأنّ به إقليدساً يَتَحدَّث به نقطة والصُّدْعُ شكلٌ مثلث فعارِضِهُ خطُ استواء وخالُه وتنسب هذه الأبيات إلى أبي جعفر العلويّ المصري ، والله أعلم . ١٦٧ ٦٧ ابن الرشيد أبو العباس أحمد بن هارون الرشيد بن المهدي بن المنصور الهاشمي المعروف بالسَّبْتِي ؛ كان عبداً صالحاً ، ترك الدنيا في حياة أبيه مع المقدرة ، ولم يتعلق بشيء من أمورها ، وأبوه خليفة الدنيا ، وآثر الانقطاع والعزلة ، وإنما قيل له السبتي لأنه كان يكتسب بيده في يوم السبت شيئاً ينفقه في بقية الأسبوع ، ويتفرغ للاشتغال بالعبادة، فعُرف بهذه النسبة ، ولم يزل على هذه الحال إلى أن توفي سنة أربع وثمانين ومائة قبل موت أبيه ، رحمهما الله تعالى ؛ وأخباره مشهورة، فلا حاجة إلى التطويل فيها، وذكره ابن الجوزي في ((شذور العقود)) وفي ((صفة الصفوة)) وهو مذكور في كتاب ((التوابين)) وفي ((المنتظم)) أيضاً. ٦٨ ابن العريف أبو العباس أحمد بن محمد بن موسى بن عطاء الله الصِّنْهاجي الأندلسي المَريّي المعروف بابن العريف ؛ كان من كبار الصالحين والأولياء المتورعين ، وله المناقب ٦٧ - انظر كتاب التوابين: ١٦٢ وصفة الصفوة: ٢: ١٧٤ والوافي ٨، الورقة: ١٠٠. ٦٨ - راجع ترجمة ابن العريف في الصلة: ٨٣ والتحفة: ١٧ ومعجم الصدفي (رقم: ١٤) والبغية (رقم: ٣٦٠) ونيل الابتهاج: ٥٨ (على هامش الديباج) والوافي ٨، الورقة: ٥٠، وله أخبار وشعر في نفح الطيب . ١٦٨ 1 المشهورة، وله كتاب ((المجالس))١ وغيره من الكتب المتعلقة بطريق القوم ، وله نظم حسن في طريقهم أيضاً ، ومن شعره٢ : شَدُّوا المطيّ وقدْ نالوا المُنِى بِمِنِّى وكلهمْ بأليم الشوْقِ قَدْ بَاحا سارَتْ ركائبهمْ تندى روائحها طيباً بما طابَ ذاكَ الوفْدُ أشباحا رَوْحٌ إِذا شَرِبُوا مِن ذكره راحا نسيمُ قبرِ النبي المصطفى لهمُ زُرْتُمْ جسوماً وزرنا نحن أرواحا يا واصلينَ إِلى المختار مِنْ مُضَرٍ إِنا أقمنا على عذرٍ وعَنْ قَدَرٍ ومَن أقامَ على عذرٍ كمنْ راحا وبينه وبين القاضي عياض بن موسى اليَحْصُبي مكاتبات حسنة ، وكانت عنده مشاركة في أشياء من العلم ، وعناية بالقراءات وجمع الروايات واهتمام بطرقها وحَمَلتها، وكان العُبّاد وأهلُ الزهد يألفونه ويحمدون صحبته . وحكى بعض المشايخ الفضلاء أنه رأى بخطه فصلاً في حق أبي محمد علي بن أحمد المعروف بابن حزم الظاهري الأندلسي ، وقال فيه : كان لسان ابن حزم المذكور وسيف الحجاج بن يوسف شقيقين ، وإنما قال ذلك لأن ابن حزم كان كثير الوقوع٣ في الأئمة المتقدمين والمتأخرين ، لم يكد يسلم منه أحد . ومولده يوم الأحد بعد طلوع الفجر ثاني جمادى الأولى سنة إحدى وثمانين وأربعمائة . وكانت وفاة ابن العريف المذكور سنة ست وثلاثين وخمسمائة بمراكش، رحمه الله تعالى ، ليلة الجمعة أول الليل ، ودفن يوم الجمعة الثالث والعشرين من صفر ، وقد كان سعي به إلى صاحب مراكش ، فأحضره إليها فمات ، واحتفل الناس يجنازته وظهرت له كرامات ، فندم على استدعائه ؛ وصاحب مراكش الذي استدعاه هو علي بن يوسف بن تاشفين - الآتي ذكره في ترجمة أبيه يوسف إن شاء الله تعالى - . ١ طبع هذا الكتاب باسم « محاسن المجالس)» وقد ذكره حاجي خليفة في الموضعين ، ولا أدري هل الثاني موجز للأول أو هما كتاب واحد . ٢ وردت الأبيات في الوافي والنفح ٤: ٣٣١ (ط. صادر). ٣ لفظة « الوقوع)» هنا مضللة، لأنها قد توحي بالتهجم المتعسف، وابن حزم حاد اللهجة في النقد، ولكنه لا « يقع » في الأئمة . ١٦٩ والمَريّي : هذه النسبة إلى المرية ، وهي بفتح الميم وكسر الراء وتشديد الياء المثناة من تحتها وبعدها هاء ، وهي مدينة عظيمة بالأندلس . ٦٩ ابن الحطيئة اللخمي أبو العباس أحمد بن عبد الله بن أحمد بن هشام بن الحطيئة اللَّخْمي الفاسي ؛ من مشاهير الصلحاء وأعيانهم ، وكان مع صلاحه فيه فضيلة ومعرفة بالأدب ، وكان رأساً في القراءات السبع ، ونسخ بخطه كثيراً من كتب الأدب وغيرها ، وكان جيد الخط ، حسن الضبط ، والكتب التي توجد بخطه مرغوب فيها للتبرك بها ولإتقانها . ومولده في الساعة الثامنة من يوم الجمعة سابع عشر جمادى الآخرة سنة ثمان وسبعين وأربعمائة بمدينة فاس ، وانتقل إلى الديار المصرية ، ولأهلها فيه اعتقاد كبير لما رأوه من صلاحه، وكان قد حج ودخل الشام ، واستوطن خارج مصر في جامع راشدة، وكان لا يقبل لأحد شيئاً ولا يرتزق على الإقراء ، واتفق بمصر نجاعة شديدة فمشى إليه أجِلاً، المصريين وسألوه قبول شيء فامتنع، فأجمعوا رأيهم أن يخطب أحدهم البنت التي له، وكان يُعرف بالفضل بن يحيى الطويل، وكان عدلاً بزازاً في القاهرة ، فتزوجها وسأل أن تكون أمها عندها، فأذن في ذلك، وكان قصدهم تخفيف العائلة عنه ، وبقي منفرداً ينسخ ويأكل من نَسْخه [ وكان يعرض عليه المال فلا يقبل منه شيئاً؛ قيل: جاء بعض التجار بمئزر أسود صوف وحلف عليه به ، فقال : اجعله على ذلك الوتد ، فأقام ثلاثين سنة موضعه. لم يزل بالشرق إلى نوبة مصر المشهورة وحريقها فنزل في دويرة بها ... ] وتوفي في أواخر المحرم سنة ستين وخمسمائة بمصر ، ودفن في القرافة الصغرى ٦٩ - ترجمة ابن الحطيئة في الوافي ٧، الورقة: ٥٩ وغاية النهاية ٧١:١ والشذرات ١٨٨:٤. ١٧٠ وقبره يزار بها ، وزرته ليلاً فوجدت عنده أنساً كثيراً ، رحمه الله تعالى . وكان يقول : أُدرجت سعادة الإسلام في أكفان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، أشار إلى أن الإسلام لم يزل في أيامه في نمو وازدياد ، وشرع بعده في التضعضع والاضطراب . وذكر في كتاب ((الدول المنقطعة))١ في ترجمة أبي الميمون عبد المجيد صاحب مصر أن الناس أقاموا بلا قاض ثلاثة أشهر في سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة ثم اختير في ذي القعدة أبو العباس ابن الحطيئة، فاشترط أن لا يقضي بمذهب الدولة فلم يمكن من ذلك ، وتولى غيره ، والله تعالى أعلم . والخطيئة : بضم الحاء المهملة وفتح الطاء المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعد الهمزة هاء . والفاسي - بفتح الفاء وبعد الألف سين مهملة - هذه النسبة إلى فاس وهي مدينة كبيرة بالمغرب بالقرب من سَبْتَةَ خرج منها جماعة من العلماء . ٧٠ ابن الرفاعي أبو العباس أحمد بن أبي الحسن علي بن أبي العباس أحمد المعروف بابن الرفاعي؛ كان رجلاً صالحاً فقيهاً شافعي المذهب ، أصله من العرب ، وسكن في البطائح بقرية يقال لها : أم عَبِيدَةَ ، وانضم إليه خلق عظيم من الفقراء ، وأحسنوا الاعتقاد فيه وتبعوه . والطائفة المعروفة بالرفاعية والبطائحية من الفقراء ١ كتاب من تأليف ابن ظافر الأزدي المتوفى سنة ٦٢٣، قال حاجي خليفة: يقع في نحو أربع مجلدات (١ : ٧٦٢). ٧٠ - ترجمة ابن الرفاعي في طبقات السبكي ٤: ٤٠ ومرآة الزمان: ٣٧٠ وابن الساعي: ١١٢ والوافي ٧، الورقة: ١٠٥ والشذرات ٤: ٢٥٩. ١٧١ منسوبة إليه ، ولأتباعه أحوال عجيبة : من أكل الحيات وهي حية ، والنزول إلى التنانير وهي تتضرّم بالنار فيطفئونها ، ويقال : إنهم في بلادهم يركبون الأسود ، ومثل هذا وأشباهه ، ولهم مواسم يجتمع عندهم من الفقراء عالم لا يُعد ولا يحصى ، ويقومون بكفاية الكل . ولم يكن له عقب ، وإنما العقب لأخيه ، وأولاده يتوارثون المشيخة والولاية على تلك الناحية إلى الآن، وأمورهم مشهورة مستفيضة ، فلا حاجة إلى الإطالة فيها . وكان الشيخ أحمد - مع ما كان عليه من الاشتغال بعبادته - شعر، فمنه على ما قيل : إِذا جَنَّ ليلي هامَ قلِ بذكركم أنُوحُ كما ناحَ الحمامُ المطوَّقُ وتحتي بحارٌ بالأسى تتدَفَّق وفوْقي سحاب يمطرُ الهَمَّ والأسى تُفَكُ الأسارَى دُونِهُ وهو مُوثَق)) ((سلوا أُمَّ عمرو كيف باتَ أسيرُها ((فَلَا هُوَ مقتول ففي القتل راحةٌ ولا هُوَ ممنون عليْه فيطلَقُ))١ ولم يزل على تلك الحال إلى أن توفي يوم الخميس الثاني والعشرين من جمادى الأولى سنة ثمان وسبعين وخمسمائة بأم عبيدة ، وهو في عشر السبعين ، رحمه الله تعالى . والرفاعي - بكسر الراء وفتح الفاء وبعد الألف عين مهملة - هذه النسبة إلى رجل من العرب ، يقال له رفاعة ، هكذا نقلته من خط بعض أهل بيته . وأم عَبيدة : بفتح العين المهملة وكسر الباء الموحدة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعد الدال المهملة المفتوحة هاء . والبطائح - بفتح الباء الموحدة والطاء المهملة وبعد الألف ياء مثناة من تحتها ثم حاء مهملة - وهي عدة قرى مجتمعة في وسط الماء بين واسط والبصرة ، ولها شهرة بالعراق . ١ يبدو أنه ضمن هذين البيتين فهما من قديم الشعر لشبيب بن البرصاء كما في الأغاني ١٢ : ٢٥٤، ٠٢٧٢ ١٧٢ 1 ٧١ أحمد بن طولون الأمير أبو العباس أحمد بن طُولُونَ ، صاحب الديار المصرية والشامية والثغور ؛ كان المعتز بالله قد ولاه مصر ، ثم استولى على دمشق والشام أجمع وأنطاكِيَةَ والثغور في مدة اشتغال الموفَّق أبي أحمد طلحة بن المتوكل ، وكان نائباً عن أخيه المعتمد على الله الخليفة وهو والد المعتضد بالله ، بحرب صاحب الزَّنْج . وكان أحمد عادلاً جواداً شجاعاً متواضعاً حسن السيرة صادق الفراسة ، يباشر الأمور بنفسه ويعمر البلاد ويتفقد أحوال رعاياه ويحب أهل العلم ، وكانت له مائدة يحضرها كل يوم الخاص والعام ، وكان له ألف دينار في كل شهر للصدقة، فأناه وكيله يوماً فقال : إني تأتيني المرأة وعليها الإزار وفي يدها خاتم الذهب فتطلب مني ، أَفأعطيها ؟ فقال له: مَنْ مَدَّ يده إليك فأعطِهِ. وكان - مع ذلك كله - طائش السيف ، قال القضاعي : يقال إنه أُحصي من قتله ابن طولون صبراً ومن مات في حبسه فكان عددهم ثمانية عشر ألفاً . وكان يحفظ القرآن الكريم ، ورزق حسن الصوت ، وكان من أدرس الناس للقرآن ، وبنى الجامع المنسوب إليه الذي بين القاهرة ومصر في سنة تسع وخمسين ومائتين، وهذه الزيادة حكاها الفرغاني في تاريخه ، وذكر القضاعي في كتاب (( الخطط)) أنه شرع في عمارته سنة أربع وستين ومائتين ، وفرغ منه في سنة ست وستين ومائتين ، والله أعلم ، وأنفق على عمارته مائة ألف وعشرين ألف دينار على ما حكاه أحمد بن يوسف مؤلف سيرته . وكان أبوه مملوكاً أهداه نوح بن أسد الساماني عامل بخارى إلى المأمون في جملة رقيق حمله إليه في سنة مائتين، ومات طولون في سنة أربعين ومائتين . ٧١ - أخباره في كتب التواريخ العامة ، وسيرة أحمد بن طولون البلوي ، والمغرب (قسم مصر) . ١٧٣ وكانت ولادة ولده أحمد بسامَرًّا في الثالث والعشرين من شهر رمضان سنة عشرين ومائتين ، ويقال إن طولون تَبَنّاه ولم يكن ابنه ، ودخل مصر لتسع - وقيل : لسبع - بقين من شهر رمضان سنة أربع وخمسين ومائتين ، وقيل : يوم الاثنين الخمس بقين منه . وتوفي بها في ليلة الأحد لعشر بقين - وقال الفرغاني : لعشر خلون - من ذي القعدة سنة سبعين ومائتين بزلق الأمعاء ، رحمه الله تعالى . وزرت قبره في تربة عتيقة بالقرب من الباب المجاور للقلعة على طريق المتوجه إلى القرافة الصغرى بسفح المقطم . وطولون : بضم الطاء المهملة وسكون الواو وضم اللام [ وسكون الواو ] وبعدها نون ، وهو اسم تركي . والساماني - بفتح السين المهملة وبعد الألف ميم مفتوحة وبعد الألف الثانية نون - هذه النسبة إلى سامان ، وهو جد الملوك السامانية بما وراء النهر وخراسان . وسامَرًا - بفتح السين المهملة وبعد الألف ميم مفتوحة ثم راء مشددة وبعدها ألف - مدينة كبيرة بناها المعتصم في سنة عشرين ومائتين بالعراق فوق بغداد، وحكى فيها الجوهري في كتاب ((الصحاح)) ست لغات في فصل ((رأى)) وهذه اللغة إحدى تلك الست ، وليس هذا موضع استقصاء الست ، وقد ذكرتها في ترجمة إبراهيم بن المهدي (١٨) * . ٧٢ معز الدولة ابن بويه أبو الحسين أحمد بن أبي شجاع بُوَيْه بن فَنّاخُسْرُو بن ثَمام بن كوهي بن ٧٢ - أخباره في ابن الأثير وتجارب الأمم لمسكويه وتاريخ ابن خلدون والمنتظم لابن الجوزي . ١٧٤ شيرزيل الأصغر ابن شيركوه بن شيرزيل الأكبر ابن شيران شاه بن شيرفنه بن شتان شاه بن سسن فرو بن شروذيل ١ بن سسناد٢ بن بهْرامَ جُور الملك بن يَزْدَ جِرْد بن هُرْمُز كرمانشاه بن سابور الملك بن سابور ذي الأكتاف ، وبقية النسب معروفة في ملوك بني ساسان فلا حاجة إلى الإطالة . وأبو الحسين المذكور يلقب مُعِزَّ الدولة، وهم ثلاثة إخوة، وسيأتي ذكر الجميع ، وهو عم عضد الدولة وأحد ملوك الديلم ، كان صاحب العراق والأهواز وكان يقال له (( الأقطع)) لأنه كان مقطوع اليد اليسرى وبعض أصابع اليمنى ، وسبب ذلك أنه كان في مبدإ ٣ عمره وحداثة سنه تبعاً لأخيه عماد الدولة ، وكان قد توجه إلى كرمان بإشارة أخويه عماد الدولة وركن الدولة ، فلما وصلها سمع به صاحبها فتركها ورحل إلى سجستان من غير حرب، فملكها معز الدولة ، وكان بتلك الأعمال طائفة من الأكراد قد تغلبوا عليها ، وكانوا يحملون لصاحب كرمان في كل سنة شيئاً من المال بشرط أن لا يطأوا بساطه ، فلما وصل معز الدولة سيَّر إليه رئيس القوم وأخذ عهوده ومواثيقه بإجرائهم على عادتهم ، ففعل ذلك ، ثم أشار عليه كاتبه بنَقْض العهد وأن يسري؛ إليهم على غفلة ويأخذ أموالهم وذخائرهم ، ففعل معز الدولة ذلك ، وقصدهم في الليل في طريق مُتَوَعْرَةٍ ، فأحسوا به فقعدوا له على مضيق ، فلما وصل إِليهم بعسكره ثاروا عليهم من جميع الجوانب، فقتلوا وأسروا ، ولم يُفْلِت منهم إلا اليسير ، ووقع بمعز الدولة ضربات كثيرة ، وطاحت يدُهُ اليسرى وبعض أصابع يده اليمنى، وأُثخن بالضرب في رأسه وسائر جسده ، وسقط بين القتلى، ثم سلم بعد ذلك، وشرحُ ذلك يطول، وكان وصوله إلى بغداد من جهة الأهواز، فدخلها متملكاً يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة ، في خلافة المستكفي ، وملكها بلا كلفة . ١ د : شيرويل؛ هـ : شذويل؛ أ: سرديل. ٢ ج د : سيساد؛ هـ : سناذ . ٣ دهـ : مبتدأ. ٤ د : يسير . ١٧٥ وذكر أبو الفرج ابن الجوزي في كتاب ((شذور العقود)» أن معز الدولة المذكور كان في أول أمره يحمل الخَطَب على رأسه، ثم ملك هو وإخوته البلاد وآل أمرهم إلى ما آل (١٩)*، وكان معز الدولة أصغرَ الإخوة الثلاثة، وكانت مدة ملكه العراق ١ إحدى وعشرين سنة وأحدَ عشرَ شهراً . وتوفي يوم الاثنين سابعَ عَشرَ شهر ربيع الآخر سنة ست وخمسين وثلثمائة ببغداد ، ودفن في داره ، ثم نقل إلى مشهد بني له في مقابر قريش . ومولده في سنة ثلاث وثلثمائة ، رحمه الله تعالى (٢٠) * . ولما حضره الموتُ أعتق مماليكه، وتصدق بأكثر ماله٢، وردًّ كثيراً من المظالم . قال أبو الحسين٣ أحمد العلوي: بينا أنا في داري على دجلة بمشرعة القصب؛ في ليلةٍ ذاتٍ غَيْمٍ ورَعدٍ وبَرْقٍ ، سمعت صوت هاتف٥ٍ يقول: لمَّا بلَغْتَ أبا الحسيْ ن مُراد نفسك في الطلب" لي واحتَجبْتَ عن الشُّوَب وأمِنْتَ من حدَثِ اللّيا . وأُخِذْتَ من بيت الذهب مدّتْ إِليكَ يدُ الردَى قال : فإذا بمعز الدولة قد توفي في تلك الليلة . ولما توفي ملك موضِعَهُ ولدُه عز الدولة أبو المنصور بَخْتِيار، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى . وبُوَيْه: بضم الباء الموحدة وفتح الواو وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها هاء ساكنة . وفَنَاخُسْرُو : بفتح الفاء وتشديد النون وبعد الألف خاء معجمة مضمومة ثم سين مهملة ساكنة ثم راء مضمومة وبعدها واو . ١ د : للعراق . ٢ أج : أمواله . ٣ أده: الحسن . ٤ أ : بشرعة النصيب . ه أ : خائف . ١٧٦ وتَمام : بفتح التاء المثناة من فوقها وبعدها ميم مخففة مفتوحة وبعد الألف مي . ولولا خوف التطويل لقيدت بقية الأجداد ، وقد ضبطته خطي ، فمن نقله فلينقله على هذه الصورة فهو صحيح ، وسيأتي ذكر أخويه عماد الدولة علي وركن الدولة حسن . ٧٣ نصر الدولة ابن مروان الكردي أبو نصر أحمد بن مروان بن دوستك١ ، الكردي الحميدي الملقب نصر الدولة صاحب مَيّافارِقين وديار بكر؛ ملك البلاد بعد أن قُتل أخوه أبو سعيد منصور ابن مروان في قلعة الهَتّاخ٢ ليلة الخميس خامس جمادى الأولى سنة إحدى وأربعمائة ، وكان رجلاً مسعوداً عالي الهمة حسن السياسة كثير الحزم ، قضى من اللذات وبلغ من السعادة ما يقصر الوصف عن شرحه . وحكى ابن الأزرق الفارقي٣ في تاريخه أنه لم ينقل أن نصر الدولة المذكور صادر أحداً في أيامه، سوى شخص واحد، وقص قصته ولا حاجة إلى ذكرها، وأنه لم تفته صلاة الصبح عن وقتها مع انهاكه في اللذات ، وأنه كان له ثلثمائة وستون جارية يخلو كلَّ ليلة من ليالي السنة بواحدة ، فلا تعود النَّوْبَة إِليها إِلا في مثل تلك الليلة من العام الثاني ، وأنه قسم أوقاته : فمنها ما ينظر فيه في مصالح دولته ، ومنها ما يتوفّر فيه على لذاته والاجتماع بأهله وألزامه، وخلف أولاداً كثيرة، وقصده شعراء عصره ومدحوه وخَلَّدوا مدائحه في دواوينهم. ٧٣ - أخباره في المنتظم ٨: ٢٢٢ وانظر الوافي ٨، الورقة: ٧٩ والعبر ٣: ٢٢٩ والشذرات ٣ : ٢٩٠ وابن الأثير ٩: ٣٤٧ - ٣٤٩ وصفحات أخرى من هذا الجزء. ١ هـ : دوشك ؛ الوافي : دوسك . ٢ قلعة حصينة في ديار بكر . ٣ هـ : الفارقاني . ١٢ - ١ ١٧٧ ومن جملة سعاداته أنه وزَرَ له وزيران كانا وزيري خليفتين : أحدهما أبو القاسم الحسين بن علي المعروف بابن المغربي صاحب الديوان الشعر والرسائل والتصانيف المشهورة ، وكان وزير خليفة مصر وانفصل عنه ، وقدم على الأمير أبي نصر المذكور فوزر له مرتين ، والآخر فخر الدولة أبو نصر بن جهير ، كان وزيره ثم انتقل إلى وزارة بغداد - وسيأتي ذكرهما إن شاء الله تعالى - . ولم يزل على سعادته وقضاء أوطاره إلى أن توفي في التاسع والعشرين من شوال سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة ، ودفن يجامع المُحْدَثة ، وقيل: في القصر بالسِّدِلِّ ، ثم نقل إلى القبة المعروفة بهم الملاصقة لجامع المحدَثة . وعاش سبعاً وسبعين سنة١ ، وكانت إمارته اثنتين وخمسين سنة ، وقيل : اثنتين وأربعين سنة ، رحمه الله تعالى . ومَيّافارِقين مشهورة فلا حاجة إلى ضبطها . والمُحْدَثة - بضم الميم وسكون الحاء المهملة وفتح الدال المهملة وبعدها ثاء مثلثة - رباط بظاهر ميافارقين . والسِّدِلِّي - بكسر السين المهملة والدال المهملة وبعدها لام مشددة مكسورة أيضاً - قبة في القصر مبنية على ثلاث دعائم ، وهو لفظ عجمي معناه ثلاث قوائم . وملك بعده ابنهُ نظامُ الدين أبو القاسم نصر . ٧٤ المستعلي الفاطمي أبو القاسم أحمد المنعوت بالمستعلي ابن المستنصر بن الظاهر بن الحاكم بن العزيز ١ أ ج : ٧٩ سنة . ٧٤ - انظر اتعاظ الحنفا : ٢٨٢ والدرة المضيئة: ٤٤٣ والنجوم الزاهرة ٥ : ١٤٢. ١٧٨ ابن المعز بن المنصور بن القائم بن المهدي عبيد الله ، وستأتي تتمة النسب عند ذكر المهدي في حرف العين وكيفية الاختلاف فيه ، إن شاء الله تعالى . ولي الأمر بعد أبيه المستنصر بالديار المصرية والشامية ، وفي أيامه اختلّت دولتهم١، وضعف أمرهم، وانقطعت٢ من أكثر مدن الشام دعوتهم، وانقسمت البلاد الشامية بين الأتراك والفرنج - خذلهم الله تعالى - فإنهم دخلوا الشام ونزلوا على أنطاكيةَ في ذي القعدة سنة تسعين وأربعمائة ، ثم تسلموها في سادس عشر رجب سنة إحدى وتسعين، وأخذوا مَعَرَّة النعمان في سنة اثنتين وتسعين وأخذوا البيت المقدّس في شعبان سنة اثنتين وتسعين أيضاً ، وكان الفرنج قد أقاموا عليه نَيِّفاً وأربعين يوماً قبل أخذه، وكان أخذهم له ضحى يوم٣ الجمعة، وقتل فيه من المسلمين خلق كثير في مدة أسبوع ، وقتل في الأقصى ما يزيد على سبعين ألفاً ، وأخذوا من عند الصخرة من أواني الذهب والفضة ما لا يضبطه الوصف ، وانزعج المسلمون في جميع بلاد الإسلام بسبب أخذه غاية الانزعاج؛ - وسيأتي ذكر طرف من هذه الواقعة في ترجمة الأفضل ابن أمير الجيوش في حرف الشين إن شاء الله تعالى -. وكان الأفضل شاهنشاه المنعوت بأمير الجيوش قد تسلمه من سُكْمان® بن أُرْتُق في يوم الجمعة الخمس بقين من شهر رمضان سنة إحدى وتسعين ، وقيل: في شعبان سنة تسع وثمانين، والله أعلم بالصواب ، وولى فيه من قبله فلم يكن لمن فيه طاقة بالفرنج فتساموه منه ، ولو كان في ید الأرتقية لكان أصلح للمسلمين ، ثم استولى الفرنج على كثير من بلاد الساحل في أيامه ، فملكوا حيفا في شوال سنة ثلاث وتسعين ، وقيسارية في سنة أربع وتسعين . ولم يكن للمستعلي مع الأفضل حكم ، وفي أيامه هرب أخوه نزار إلى الإسكندرية ، ونزار هو الأكبر وهو جد أصحاب الدعوة بقلعة الألموت وتلك القلاع وكان من أمره ما قد شهر ، والشرح يطول (٢١) *. ١ أج : أحوالهم . ٢ أج : وانقطع . ٣ أ : ضحى نهار يوم. ٤ هـ : الإزعاج . ه أج : سقمان . ١٧٩ وكانت ولادة المستعلي لعَشْر ليالٍ بقين من المحرم سنة تسع وستين وأربعمائة بالقاهرة ، وبويع في يوم عيد غدير خم، وهو الثامنَ عَسَرَ من ذي الحجة سنة سبع وثمانين وأربعمائة ، وتوفي بمصر يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة بقيت١ من صفر سنة خمس وتسعين وأربعمائة ، رحمه الله تعالى ، [ وله من العمر ثمان وعشرون سنة وأيام، فكانت مدة ولايته سبع سنين وكسراً؛ وتولى بعده ولده أبو علي المنصور الملقب بالآمر ، وله من العمر خمس سنين وشهر وأربعة أيام ، ولم يكن في من تسمى بالخلافة قط أصغر منه ومن المستنصر ، وكان المستنصر أكبر من هذا ، ولم يقدر يركب وحده الفرس . وقام بتدبير دولته الأفضل ابن أمير الجيوش أحسن قيام إلى أن قتل في التاريخ المذكور في بابه في حرف الشين ] . ٧٥ عماد الدين ابن المشطوب أبو العباس أحمد ابن الأمير سيف الدين أبي الحسن علي بن أحمد بن أبي الهيجاءِ ابن عبد الله بن أبي الخليل٢ ابن مرزبان٣ الهَكَّريُّ المعروف بابن المشطوب الملقب عماد الدين ، والمشطوب لقب والده ، وإنما قيل له ذلك لشطبة كانت بوجهه ؛ كان أميراً كبيراً وافر الحرمة عند الملوك ، معدوداً بينهم مثل واحد منهم ، وكان عالي الهمة غزير الجود واسع الكرم شجاعاً أبيّ النفس تهابه الملوك وله وقائع مشهورة في الخروج عليهم ، ولا حاجة إلى ذكرها . وكان من أمراء الدولة الصلاحية ، فإن والده لما توفي وكانت نابلس إقطاعاً ١ أج : خلت . ٧٥ - تجد أخباره في صفحات متفرقة من كتاب («مرآة الزمان». ٢ أج : عبد الجليل . ٣ د : مهرزان . ١٨٠