النص المفهرس

صفحات 141-160

(4) وذكر ابن بشكوال في كتاب ((الصلة))١ أباه وأثنى عليه ، وقال :
كان يكنى أبا بكر . وتوفي بالبيرة سنة خمس وأربعمائة ، وسيق إلى قرطبة
فدفن بها يوم الاثنين لست خلون من شهر ربيع الآخر من السنة. وكانت ولادته
سنة أربع وخمسين وثلثمائة . وكان يخضب بالسواد ، رحمه الله تعالى .
(5) وكان لأبي الوليد المذكور ابنٌ يقال له أبو بكر٢ ، وتولى وزارة
المعتمد بن عباد ، وقتل يوم أخذ يوسف بن تاشفين قرطبةَ من ابن عباد المذكور
لما استولى على مملكته ، كما سيشرح بعد هذا في ترجمة المعتمد وابن تاشفين إن
شاء الله تعالى ، وذلك يوم الأربعاء ثاني صفر سنة أربع وثمانين وأربعمائة ،
وكان قتله بقرطبة .
وزيدون : بفتح الزاي وسكون الياء المثناة من تحتها وضم الدال المهملة
وبعدها واو ونون .
وأما القرطبي فقد تقدم الكلام في ضبطه فلا حاجة إلى إعادته ، وذلك في
ترجمة أحمد بن عبد ربه، مصنف كتاب ((العقد))، وأخذها الفرنج من المسلمين
في شوال سنة ثلاث وثلاثين وستمائة .
٥٨
ابن الأبار الخولاني
أبو جعفر أحمد بن محمد الخَوْلانيُّ الأندلسي الإشبيلي المعروف بابن الأبار
١ انظر الصلة : ٢٥٢.
اسم أبي بكر ابن زيدون (الابن) محمد، وقد كان في الوفد الذي أرسله المعتمد لاستصراخ يوسف
٢
ابن تاشفين .
٥٨ - ترجمة ابن الأبار الخولاني في الذخيرة ٢: ٥٢ (نسخة بغداد) والمغرب ١: ٢٥٣ والجذوة:
: ١٠٧ وبغية الملتمس (رقم: ٣٦٤) ومسالك الأبصار ١١: ٤١٨ وله ذكر في النفح وكتاب
البديع في وصف الربيع .
١٤١

الشاعر المشهور ؛ كان من شعراء المعتضد عَبّاد بن محمد اللّخْمي صاحب
إشبيلية، المجيدين في فنونه، وكان عالماً فجمع وصنف، وله في صناعة النظم فضل
لا يرد ، وإِحسان لا يعدّ ، فمن محاسن شعره قوله :
لم تَدْرِ ما خَلَّدَتْ عيناكَ في خلدي منَ الغرام ولا ما كابَدَتْ كَبِدِي
يَسْطِعْهُ من غرَقٍ في الدمعِ مُتَّقِد
أفديه من زائر رامَ الدُّنوَّ فلم
خاف العيونَ فوافاني على عجَلٍ
معطِلاً جيدَهُ إِلا من الجَيَد
منْ ذلك الشَّنَبِ المعسولِ والبرَد
عاطَيْتُه الكأس فاستحيَتْ مُدامتها
حتى إذا غازَلَتْ أجفانَهُ سِنَةٌ
وصيَّرتهُ يدُ الصهباء ◌َوْعَ يدي
فقال : كفتُّك عندي أفضلُ الوُسُد
أردْتُ تَوْسيدَهُ خدِّي وقلَّ لهُ
فبات في حَرَمِ لا غَدْرِ يذعَرُهُ
وبتُ ظمآنَ لم أصدر ولم أرِدِ
والأفق محلولك الأرجاء منْ حَسَد
بدرٌ أَمَّ وبَدرُ التِّمِّ مُمتحقٌ
تحير الليلُ منهُ أَيْنَ مطلعُهُ أما دَرَى الليلُ أَنَّ البدرَ في ◌َعَضُدي
[وله أبيات ثابتة في المجموع الكبير بخطي في الكراس المنقول بالإسكندرية ]١
وله على هذا الأسلوب مقاطيع ملاح، وله ديوان شعر ، وذكره ابن بسام في
(( الذخيرة ».
وتوفي سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة ، رحمه الله تعالى .
والأبار : بفتح الهمزة وتشديد الباء الموحدة وبعد الألف راء .
والخَوْلاني - بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو وبعد اللام ألف ونون -
هذه النسبة إلى خَوْلان بن عمرو ، وهي قبيلة كبيرة نزلت الشام .
-
والإشبيلي : نسبة إلى إشبيلية - بكسر الهمزة وسكون الشين المثلثة وكسر
الباء الموحدة وسكون الياء المثناة من تحتها وكسر اللام وفتح الياء تحتها نقطتان
وبعدها هاء - وهي من أعظم بلاد الأندلس .
....
١ هذه العبارة المزيدة من د ذات أهمية بالغة في الكشف عن مراحل تأليف «الوفيات».
١٤٢

٥٩
المنازي الكاتب
أبو نصر أحمد بن يوسف السَّليكي المَنازيُ الكاتب ؛ كان من أعيان
الفضلاء وأماثل الشعراء ، وزَرَ لأبي نصر أحمد بن مروان الكردي ، صاحب
مَيّافارقين وديار بكر - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى - . وكان فاضلاً
شاعراً كافياً ، وترسَّلَ إلى القسطنطينية مراراً ، وجمع كتباً كثيرة ثم وقفها
على جامع ميافارقين وجامع آمد ، وهي إلى الآن موجودة بخزائن الجامعين ،
ومعروفة بكتب المَنازي . وكان قد اجتمع بأبي العلاء المعري بمعرة النعمان ،
فشكا أبو العلاء إليه حاله، وأنه منقطعٌ عن الناس وهم يؤذونه ، فقال: ما لهم
ولك وقد تركت لهم الدنيا والآخرة ؟ فقال أبو العلاء : والآخرة أيضاً ؟!
وجعل يكررها ، ويتألم لذلك ، وأطرق ولم يكلمه إلى أن قام ، وكان قد
اجتاز في بعض أسفاره بوادي بُزاعا فأعجبه حُسْنه وما هو عليه ، فعمل فيه
هذه الأبيات١ :
وقانا لفحَةَ الرَّمضاء وادٍ وقاهُ مُضاعَفُ النبت٢ العميم
حُنوَّ المرضِعاتِ على الفَطيم
نزلنا دَوْحَهُ فحَنا علينا
وأرشَفَنا على ظما زُلالاً ألذَّ من المدامة النديم
٥٩ - للمنازي ذكر في العبر ٣: ١٨٧ والشذرات ٣: ٢٥٩ وترجمة في الوافي ٨، الورقة: ١٣١
ومعجم البلدان : (منازجرد) .
١ أكثر المشارقة على أن هذه الأبيات للمنازي ولكن الأندلسيين ينسبونها إلى الشاعرة حمدونة
بنت زياد ؛ نقل صاحب النفح عن الرعيني قوله : ((ان مؤرخي بلادنا نسبوها لحمدة من قبل
أن يوجد المنازي الذي ينسبها له أهل المشرق ». وحكى ابن النديم في تاريخ حلب أن المنازي
أنشدها لأبي العلاء فكان كلما أنشد مصراعاً سبقه أبو العلاء إلى الثاني (النفح ٤: ٢٨٨ -
٢٨٩ ط. صادر).
٢ ج : الغيث .
١٤٣

يُراعي الشمس أنَّ قابَلَتْه١ُ فيحجبها ويأذنُ النَّسيم
فَتَلْمُسُ جانبَ العقدِ النَّظيم
تروعُ حَصاهُ حاليةَ العذارى
وهذه الأبيات بديعة في بابها .
وذكره أبو المعالي الحظيري في كتاب ((زينة الدهر))٢ وأورد له شيئاً من
شعره ، فمما أورد له قوله :
كخط إقليدس٣َ لا عَرْضَ لهْ
ولي غلامٌ طال في دقةٍ
فصار كالنقطة لا حُزْءَ له
وقد تناهى عقلُه خِفَّةً؛
ويوجد له بأيدي الناس مقاطيع . وأما ديوانه فعزيز الوجود ، وبلغني أن
القاضي الفاضل° - رحمه الله تعالى - أوصى بعض الأدباء السَّفّارة أن يحصل له
ديوانه ، فسأل عنه في البلاد التي انتهى إليها فلم يقع له على خبر ، فكتب
إلى القاضي الفاضل كتاباً يخبره بعدم قدرته عليه ، وفيه أبيات من جملتها عجز
بيت وهو :
وأقفر منْ شِعْرِ المَنازي المنازلُ
وكانت وفاته سنة سبع وثلاثين وأربعمائة ، رحمه الله تعالى .
والمَنازي - بفتح الميم والنون ، وبعد الألف زاي - هذه النسبة إلى
منازِ جِرْدَ - بزيادة جيم مكسورة وبعدها راء ساكنة ثم دال مهملة - وهي
مدينة عند خرت برت، وهي غير مَنازكِرْدَ القلعةِ من أعمال خلاط - وسيأتي
ذكرها في ترجمة تقي الدين عمر صاحب حماة - .
١ أج هـ : قابلتنا .
٢ هو ذيل على دمية القصر لأبي المعالي سعد بن علي المعروف بالوراق الحظيري المتوفى سنة ٥٦٨
(كشف الظنون ٢: ٩٧٢) .
٣ ب : أوقليدس .
٤ د : قلة ؛ هـ : دقة.
٥ د : الفاضل عبد الرحيم .
١٤٤

وخرت برت : هي حصن زياد المشهور .
وبُزاعا - بضم الباء الموحدة وفتح الزاي وبعد الألف عين مهملة ثم ألف -
وهي قرية كبيرة ما بين حلب ومنبج في نصف الطريق .
٦٠
ابن الخياط الدمشقي
أبو عبد الله أحمد بن محمد بن علي بن يحيى بن صدَقَة التغلبي المعروف بابن
الخياط الشاعر الدمشقي الكاتب ؛ كان من الشعراء المجيدين ، طاف البلاد ،
وامتدح الناس ، ودخل بلاد العجم وامتدح بها ، ولما اجتمع بأبي الفتيان ابن
حَيُّوس الشاعر المشهور بجلب وعرض عليه شعره قال : قد نَعاني هذا الشاب
إلى نفسي، فقلما نشأ ذو صناعة ومهرَ فيها إلا وكان دليلاً على موت الشيخ من
أبناء جنسه، ودخل مرة إلى حلب وهو رقيق الحال لا يقدر على شيء ، فكتب
إلى ابن حَيُّوسٍ المذكور يستمنحه ١ شيئاً من بره بهذين البيتين٢:
لم يَبْقَ عندي ما يُباعُ بحبّةٍ وكفاكَ علماً مَنْظَري عن مخبَري
إِلا بقيةَ ماء وجهٍ صُنْتُها عن أن تباعَ وأين أين المشتري
فلما وقف عليهما ابن حيوس قال: لو قال ((وأنت نعم المشتري)) لكان
أحسن .
ولا حاجة إلى ذكر شيء من شعره لشهرة ديوانه، ولو لم يكن له إلا
٦٠- ترجمة ابن الخياط الدمشقي في تهذيب ابن عساكر ٢: ٦٧ وابن القلانسي: ٢٣٤ والوافي
٨، الورقة: ٢٩ والعبر ٤: ٣٩ والشذرات ٤: ٥٤ وديوانه مطبوع بتحقيق المرحوم
خليل مردم (دمشق : ١٩٥٨) .
١ ج : يستميحه .
٢ ديوانه : ٢٧٨.
١٠ - ١
١٤٥

قصيدته البائية التي أولها١ :
خُذا من صَبا نجدٍ أماناً لقلبهِ فقد كاد رَيّاها يطيرُ بلبِّهِ
لكفاه ، وأكثر قصائده غرر ، وتتمة هذه القصيدة :
وإياكما ذاك النّسيمَ فإِنَّهُ مَتِى هبَّ كَان الوَجْدُ أنْسرَ خطْهِ
محلّ الهوى من مُغْرم القلب صبِّه
خليليَّ لو أحْبَبْتما لَعَلِمْما
يَتوق ومن يعْلَقْ به الحبُّ يُصْبِهِ
تذَكّر والذّكرى تشُوق وذو الهوى
وشوقٌ على بُعْدِ المزار وقُرْبُه
غرامٌ على يأس الهوى ورجائه
متى يَدْعُه داعي الغرام يُلْبِّه
وفي الرَّكبِ مَطويُ الضلوع على جَوِّى
تضَمَّنَ منها داؤه دون صحبه
إذا خطرت من جانب الرمل نفحة"
وفي القلب من إعراضه مثلُ حُجْبه
ومحتجب بين الأسنة معرضٍ
أغارُ إِذا آنستُ في الحي أنةً حذاراً وخوفاً أن تكون لحبِّه
وهي طويلة فنقتصر منها على هذا القدر .
ومن شعره أيضاً قوله٢ :
سلوا سَيْفَ ألحاظِهِ المتَشَقْ أُعِنِدَ القلوب دَمٌ للحَدَقْ
إذا عنف الشَّوْقُ يوماً رَفَق
أما مِنْ مُعِين ولا عاذرٍ
تجلى لنا صارمُ المقليـ
ن مُضْنى٣ الموسَّحِ والمنتَطَق
بأفْتَكَ مِن طَرْفِهِ إِذْ رَمَق
من التشُّرْكِ ما سهمُهُ إِذ رَمى
سميرَ السهادِ ضجيعَ القَلَق
وليلةَ وافَيْتُهُ؛ زائراً
إليه، وكم مُقْدِمٍ مِنْ فَرَق
دَعَتني الخافَةُ من فتكهِ
ووقَّرَ بالسُّكر منه النَّزَق
وقد راضَتِ الكأسُ أخلاقَهُ
١ ديوانه: ١٧٠ وهي في مدح مجد الدين أبق بن عبد الرزاق .
٢ ديوانه : ٢٢١.
٣ الديوان : ماضي .
٤ الديوان : راقبته .
١٤٦

وحُقَّ العناق فقَبَّلتُهُ شهيَّ المقبَّلِ والمعتنَق
أُزَوْرٌ طَرا أم خَيَال ◌َرَق
وبتُ أُخالجُ فكري به
وأعجبُ للوَصل كيف اتفَق
أفكرُ في الهجر كيفَ انقضى
وللحبِّ ما عزَّ مني وهانَ وللحُسنِ ما جَلَّ منه ودق
ويعجبني من شعره بيتان من جملة قصيدة ، وهما في غاية الرقة١ :
وبالجزعِ حَيِّ كلما عَنَّ ذكرُهُمْ أمات الهوَى مني فؤاداً وأحياهُ
تمنيتُهُمْ بالرقْمَتين ودارُهم بوادي الغضا يا بُعْدَ ما أتمناهُ
ومن شعره أيضاً يعتب على أهله وأصحابه٢ :
يا مَنْ بمجتمعِ الشَّطَّيْن إِن عَصَفَتْ بكم رياحي فقَدْ قَدَّمْتُ أعذاري
لا تنكرُنَّ رَحيلي عن دياركمُ ليسَ الكريمُ على ضيم، بصَبّارٍ
وله أيضا٣ً :
أتظنني لا أستطيعُ أُحيلُ عنك الدهْرَ وُدِّي
من ظنَّ أن لا بُدَّ مِنْ هُ فإنَّ منه ألفَ بُدُ
وكانت ولادته سنة خمسين وأربعمائة بدمشق ، وتوفي بها في حادي عشر
شهر رمضان سنة سبع عشرة وخمسمائة ، رحمه الله تعالى ، وقيل : إِنه مات في
سابع عشر شهر رمضان ، والأول أصح .
...
ديوانه : ٧٣ .
١
٢ ديوانه : ١٥٦.
٣ ديوانه : ١٣٩ .
١٤٧

٦١
الميداني
أبو الفضل أحمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم الميداني النيسابوري الأديب ؛
كان فاضلاً عارفاً باللغة ، اختص بصحبة أبي الحسن الواحدي صاحب
التفسير ، ثم قرأ على غيره ، وأتقن فن العربية خصوصاً اللغة وأمثال العرب ،
وله فيها التصانيف المفيدة، منها كتاب ((الأمثال)) المنسوب إليه ولم يعمل
مثله في بابه، وكتاب ((السامي في الأسامي)) وهو جيد في بابه ، وكان قد سمع
الحديث ورَواه ، وكان ينشد كثيراً وأظنهما له :
فقُلْتُ عَساه يَكتَفي بعِذاري
تنفَّسَ صُبْحُ الشّيب في ليل عارِ ضي
ألا هَلْ تَرى صُبْحاً بغيرِ نهارَ
فلما فَشا عاتبْتُهُ فأجابني
وتوفي يوم الأربعاء الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة ثماني عشرة
و خمسمائة بنیسابور ، ودُفِن على باب میدان زياد .
والمَيْداني - بفتح الميم وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الدال المهملة
وبعد الألف نون - هذه النسبة إلى مَيدان زياد بن عبد الرحمن ، وهي محلة
في نيسابور .
وابنه أبو سعد سعيد بن أحمد كان أيضاً فاضلاً ديّناً، وله كتاب ((الأسماء!
في الأسماء )»، وتوفي سنة تسع وثلاثين وخمسمائة ، رحمه الله تعالى.
٦١ - للميداني ترجمة في معجم الأدباء ٥: ٤٥ وانباه الرواة ١: ١٢١ ونزهة الالباء: ٢٧٢ وبغية
الوعاة: ١٥٥ والبداية والنهاية ١٢ : ١٩٤ والوافي ٧، الورقة : ١٥٧.
١ كذا ورد اسمه وفي كشف الظنون: أسما، ولعله «أسمى»؛ وقد ذكر أنه أخذه من كتاب أبيه.
١٤٨

٦٢
ابن الخازن الكاتب
أبو الفضل أحمد بن محمد بن الفضل بن عبد الخالق المعروف بابن الخازن ،
الكاتب الشاعر الدينوري الأصل البغدادي المولد والوفاة ؛ كان فاضلاً نادرة
في الخط أوحد وقته فيه ، وهو والد أبي الفتح نصر الله الكاتب المشهور ، كتب
من المقامات نسخاً كثيرة وهي موجودة بأيدي الناس ، واعتنى يجمع شعر
والده فجمع منه ديواناً ، وهو شعر جيد حسن السبك جميل المقاصد ، فمن
ذلك قوله ، وهو من المعاني البديعة :
مَنْ يستقمْ يُحْرَمْ مُنَاهُ، ومنْ يزعْ يختصّ بالإسعافِ والتمكينِ
انظرْ إلى الألِفِ استقامَ ففاتَهُ عَجْمٌ وفازَ بهِ اعوجاجُ النُّون
وله أيضاً :
مِنْ لي بأسمَرَ حَجْبُوهُ بمثلهِ في لوْنِهِ والقدِّ والعَسلانِ
طَرَفِ السنانِ وطرْقهِ الوسْنان
مِنْ رامهُ فليدّرغْ صبراً على
راحُ الصِّبا تثنيهِ لا ريحُ الصَّبا
سَكرانُ بِي مِنْ حُبِّهِ سُكران
أرْسلتُ فَضْلَ عِنانِهِ عَنَّاني
طرفٌ کطِرْفٍ جامعٍ مرحٍ مَتی
وله أيضاً :
أيا عالم الأسرارِ إِنكَ عالمٌ بضعف اصطباري عنْ مُداراةٍ خُلْقِهِ
ففترْ غرامي فيه تفتيرَ لحظهٍ وأَحسنْ عَزائِي فيهِ تحسينَ خَلْفُه
بقلبي المعنَى مِن تكاليفٍ عشقه
فحملُ الرّواسي دونَ ما أنا حاملٌ
٦٢ - ترجمة ابن الخازن في المنتظم ٩: ٢٠٤ والوافي ٨، الورقة: ٣٤ والشذرات ٤ : ٥٧.
١٤٩

وكتب إلى الحكيم أبي القاسم الأهوازي ، وقد فصده فآلمه :
مِنْ ساعِدَيَكَ مُبْضَّع بالمبضعِ
رَحِمَ الإِلهُ مجدّلِينَ سلیمُهُمْ
نُشِيرَتْ فتطوى أذرعاً في الأذرُع
فعَصائبٌ تأتيهمُ بعصائبٍ
وخْزاً بأطرافِ الرماح الشُّرَّع
أفصدْتهمْ باللهِ أم أقْصَدْتَهُمْ
أمْ ذو الفقار مَعَ البطين الأنزع
دَسْتُ المباضِعِ أَمْ كنانةُ أسْهُمٍ
غرراً بنفسي إنْ لقيتكَ بعدَها يا عَنترَ العبسيّ غيرَ مُدَرَّع
وكان الحكيم المذكور قد أضافه يوماً وزاد في خدمته ، وكان في داره
بستان وحمام فأدخله إليهما ، فعمل أبو الفضل المذكور :
وافَيَتُ منزله فلمْ أرَ حاجباً إِلا تلَقَّاني بسنّ ضاحكِ
والبِشِرُ في وجه الغلام أمارةٌ لمقدّمات حَيَاءٍ وجه المالك
ودخَلتُ جنتهُ وزُرْتُ جحيمهُ فشكرتُ رضواناً ورأْفَةَ مالك
ثم إني وجدت هذه الأبيات للحكيم أبي القاسم هبة الله بن الحسين بن علي
الأهوازي الطبيب الأصبهاني، ذكرها العماد الكاتب في (( الخريدة)) له ، وقال:
توفي سنة نيف وخمسين وخمسمائة ، وذكرها في ترجمة أبي الفضل ابن الخازن
المذكور ، والله أعلم لمن هي منهما .
ومن شعره أيضاً - [أعني ابن الخازن] - :
وناظرهُ الفَتان يُعْزى إلى الهندِ
وأهْيَفَ ينميه إِلى العُرْب لفظُهُ
لساعةٍ وصلٍ منهُ أحلى منَ الشهد
تَجَرَّعْتُ كأسَ الصبر منْ رُقبائِهِ
سوى واحدٍ منهمْ غيورٍ على الخدِّ
وهادنتُ أعماماً لهُ وخؤولةً
كنقطة مسك أُودعتْ جُلَّنارةً رأيتُ بها غرْس البنفسج في الورد
[وكان أبو بكر الخوارزمي يروي لمعاً من شعره كقوله في وصف العيار ،
١٥٠

وذكر أنه لم يسمع في معناه أملح منه وهو :
إن هذا العيار ألبس عطفي عسلياً ودينيَ التوحيد ].
وله أيضاً :
منْ أعين الرقباء غَمْضَ مروّعٍ
وافى خيالك فاستعارتْ مقلتي
منهُ ولا كَفّايَ ضمّ مودّع
ما استكملتْ شفتايَ لَثم مسلِّم
وأظنهمْ فطنُوا فكلٌّ قائلٌ لوْ لم يَزُرْهُ خيالُها لمْ يَجع
فانصاعَ يسرقُ نفسهُ فكأنما طلَعَ الصباحُ بها وإِن لم يطلع
وجل شعره مشتمل على معان حسان .
وكانت وفاته في صفر سنة ثماني عشرة وخمسمائة ، وعمره سبع وأربعون
سنة، وقال الحافظ ابن الجوزي في كتابه (( المنتظم)): توفي سنة اثنتي عشرة
وخمسمائة ، والله أعلم ، رحمه الله تعالى .
وكان ولده أبو الفتح نصر الله المذكور حيّاً في سنة خمس وسبعين وخمسمائة
ولم أقف على تاريخ وفاته .
٦٣
ناصح الدين الأرجاني
أبو بكر أحمد بن محمد بن الحسين الأرجاني الملقب ناصح الدين ؛ كان قاضي
تُسْتَرَ وعسكر مُكْرَم، وله شعر رائق في نهاية الحسن، ذكره العماد الكاتب
الأصبهاني في كتاب ((الخريدة)) فقال: كان الأرجاني في عنفوان عمره
٦٣ - راجع ترجمة الأرجاني في طبقات السبكي ٤: ٥١ والوافي ٧، الورقة: ١٨١ والعبر ١٢١:٤
والشذرات ٤ : ١٣٧، وله ديوان مطبوع .
١٥١

بالمدرسة النظامية بأصبهان ، وشعره من آخر عهد نظام الملك ، منذ سنة نيف
وثمانين وأربعمائة ، إلى آخر عهده ، وهو سنة أربع وأربعين وخمسمائة ، ولم يزل
نائب القاضي بعسكر مُكْرَم ، وهو مبجل مكرم ، وشعره كثير والذي
جمع منه لا يكوّن عشره، ولما وافيت عسكر مُكْرَم سنة تسع وأربعين
وخمسمائة لقيت بها ولده محمداً رئيس الدين أعارني إضبارة كبيرة من شعر والده.
مَنْبتُ شجرته أَرَّجان، وموطن أسرته تُسْتَر وعسكر مُكرَم من
خوزستان ، وهو وإن كان في العجم مولده ، فمن العرب محتده ، سلفه القديم
من الأنصار، لم يسمح بنظيره سالف الأعصار، أوْسِيُّ الأسِّ خَزْرَجيّه،
قسيُّ النطق إيادِيُّه ، فارسي القلم وفارس ميدانه ، وسلمان برهانه ، من أبناء
فارس الذين نالوا العلم المتعلق بالثريا ، جمع بين العذوبة والطيب في الري والريا.
انتهى كلام العماد .
قلت : ونقلت من ديوانه أنه كان ينوب في القضاء ببلاد خوزستان ، ثارة
بتُستَرَ وقارة بعَسكر مُكرَم ، مرة عن قاضيها ناصر الدين أبي محمد عبد
القاهر بن محمد ، ومن بعده عن عماد الدين أبي العلاء رجاء ، وفي ذلك يقول :
ومِنَ النوائب أنني في مثل هذا الشغل نائب"
ومنَ العجائب أنّ لي صبراً على هذي العجائب"
وكان فقيهاً شاعراً ، وفي ذلك يقول :
أنا أشعرُ الفقهاءِ غيرَ مدافعٍ في العصرِ، أوْ أنا أُفقَهُ الشعراءِ
بالطبع لا بتكلُّفِ الإلقاء
شعري إذا ما قلتُ دَوَّنَهُ الورى
للسمع هاجَ تجاوبَ الأصداء
كالصوت في قُلَلِ الجبال إذا علا
ومن شعره أيضاً :
يوماً، وإن كنت من أهل المشورات
شاور سواك إذا نابتك نائبة"
فالعينُ تنظر منها ما دنا ونأى ولا ترى نفسها إِلا بمرآةٍ
ومن شعره أيضاً :
١٥٢

ما جُبْتُ آفاقَ البلادِ مُطَوَفاً إلا وأنتم في الوَرَى مُتَطَلَّي
تجدُون عنكم فهو سعْيُ الدهر بي
سعي إليكم في الحقيقةِ ، والذي
عنكم فسيري مثلُ سیر الکو کب
والسير رأيّ العينِ نحو المغرب
أنْحوكمُ ويردُّ وجهي القهقرى
فالقَصْدُ نحو المشرق الأقصى لكم
ومن شعره أيضاً ما كتبه إلى بعض الرؤساء يعتب عليه لعدم سؤاله عنه
وقد انقطع عنه مدة :
نفسي فِداؤُكَ أيهذا الصاحبُ يا مَنْ هَوَاهُ عَلَيَّ فَرضٌ واجبُ
فأنا الغداة مُقَصِّرٌ ومُعاتِب
قد غِيتُ أياماً وما لي طالِب
يُطلَبْ فمولى العبدِ منه هارب
لِمْ طالَ تقصيري وما عاتّبتني
ومن الدليلِ على ملالِكَ أنني
وإِذا رأيْتَ العَبْدَ يَهْرُبُ ثم لم
وله أيضاً ، وهو معنى غريب :
رئى لي وقد ساوَيْته في نُحُوله
فدَلَسَ بي حتَّى طَرَقتُ مکانَهُ
خَيَالِيَ لَمَّا لم يكن لي راحِمُ
وأَوْهَمتُ إِلفي أنه بيَ حالم
وبتْنا ولم يَشْعُر بنا الناسُ ليلةٌ أنا ساهِرٌ فِي جَفْنِهِ وَهْوَ نائم
وله من قصيدة وأجاد فيها :
تأمُّلْ تحت ذاكَ الصُّدْغِ خالاً لتَعْلَم كم خَبايا في الزوايا
وله أيضاً :
شِبْتُ أنا والتّحى حبيبي وبانَ عنّي وبنتُ عَنْهُ
وابْيَضّ ذاك السوادُ منّي واسْوَدَّ ذاك البياضُ مِنْهُ
وله أيضاً :
سأل الفضا عنه وأصْغى للصَّدى كما يُجيبَ فقال مثْلَ مَقالِهِ
ناداه أينَ ترى مَحَطُ رحالِهِ فأجاب أينَ ترى مَحَطُ رحالٍهٍ
١٥٣
.

وله أيضاً :
لو كنتُ أجهلُ ما علمت١ُ لسَرَّنِي جَهْلي كما قد ساءَني ما أَعلَمُ
كالصَّعْو يرتَعُ في الرياض، وإِنما حُبِسَ الهَزَارُ لأنه يَتَرَنَّم٢ُ
ومثل قول بعضهم :
يَقصِدُ أهلَ الفضلِ دونَ الوَرَى مَصائبُ الدُّنْيا وآفاتُها
كالطير لا يُحْبَسُ مِن بينها إِلاَّ التي تُطربُ أصْواتها
وهذا ينظر إلى قول الغزي أبي إسحاق المقدم ذكره من جملة قصيدة طويلة :
لا غَرْوَ أن تَجْني عليَّ فضائلِي سَببُ احتراق المندلِيِّ دُخانُهُ
ونقتصر على هذه المقاطيع من شعره ، ولا حاجة إلى ذكر شيء من قصائده
المطولات خوفاً من الإطالة .
وله أيضاً :
أُحبُ المرْءَ ظاهرُهُ جميلٌ لِصاحبهِ وباطنُهُ سليمُ
مَودَّتهُ تَدُومُ لكلِّ هَوْلٍ وهَلْ كَلِّ مَوَدَتُه تَدُومُ
وهذا البيت - أعني الثاني منهما - يُقرأ معكوساً، ويوجد في ديوان الغزّي
المذكور أيضاً ، والله أعلم .
وله ديوان شعر فيه كل معنى لطيف .
ومولده سنة ستين وأربعمائة ، وتوفي في شهر ربيع الأول سنة أربع وأربعين
وخمسمائة بمدينة تُسْتَر، رحمه الله تعالى ، وقيل بعسكر مُكرَم .
والأرَّجاني - بفتح الهمزة وتشديد الراء المهملة وفتح الجيم وبعد الألف
نون - هذه النسبة إلى أرّجان ، وهي من كور الأهواز من بلاد خُوزستان ،
.......
١ هـ : ما أقول .
٢ هـ : يتكلم؛ والصعو : عصفور صغير.
١٥٤

وأكثر الناس يقولون : إنها بالراء المخففة ، واستعملها المتنبي في شعره مخففة
في قوله١ :
أرْجانَ أيتها الجياد، فإنهُ عَزْمي الذي يَذَر٢ الوَشيجَ مُكَسَّرا
وحكاها الجوهري في ((الصحاح))، والحازمي في كتابه الذي سماه ((ما اتفق
لفظه وافترق مسماه )) بتشديد الراء .
وتُسْتر - بضم التاء المثناة من فوقها وسكون السين المهملة وفتح التاء الثانية
وبعدها راء - مدينة مشهورة بجوزستان ، والعامة تسميها ششتر .
وعسكر مكرم - قد اختلفوا في مكرم ، فأكثر العلماء على أنه مكرم
أخو مطرِّف بن سيدان بن عقيلة بن ذكوان بن حيّان بن الخرزق بن عيلان بن
حاوَةَ بن معْن بن مالك بن أعْصُر بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار
ابن معَدّ بن عدنان، هكذا نسبه استخرجته على هذه الصورة من كتاب
(((الجمهرة)) لابن الكلبي، وليس في نسبه باهلة، ومكرم المذكور يعرف بمكرم
الباهلي الحاوي، والله أعلم . وقيل: هو مكرم أحد بني جَعْوَنةَ العامري .
وقيل : هو مكرم مولى الحجاج بن يوسف الثقفي، نَزَلَه لمحاربة خُرَّزادَ
ابن بارس فسمي بذلك .
وخُوز ستان - بضم الخاء المعجمة وبعد الواو زاي ثم سين مهملة - وهو
إقليم متسع بين البصرة وفارس .
١ من قصيدته في مدح ابن العميد .
٢ أ: يدع .
١٥٥

٦٤
ابن منير الطرابلسي
أبو الحسين أحمد بن مُنِيرِ بن أحمد بن مُفْلِح الطرابلسي الملقب مهذب
الدين عين الزمان الشاعر المشهور ؛ له ديوان شعر، وكان أبوه ينشد١ الأشعار ،
ويغني في أسواق طرابُلُس٢َ، ونشأ أبو الحسين المذكور، وحفظ القرآن
الكريم وتعلم اللغة والأدب ، وقال الشعر، وقدم دمشق فسكنها ، وكان
رافضياً كثير الهجاء خبيث اللسان ، ولما كثر منه ذلك سَجَنه بوري بن أتابك
طُفْتكين صاحب دمشق مدة وعزم على قطع لسانه ، ثم شفعوا فيه فنفاه ،
وكان بينه وبين أبي عبد الله محمد بن نصر بن صغير المعروف بابن القَيْسَراني٣
مكاتبات وأجوبة ومهاجاة ، وكانا مقيمين بحلب ومتنافسين في صناعتهما كما
جرت عادة المتماثلين .
ومن شعره من جملة قصيدة :
وإذا الكريمُ رأى الخُمولَ نزيلَهُ في منزل فالحزمُ أنْ يترحَّلاً؛
طلب الكمالِ فحازَهُ مُتَنَقِّلا
كالبدرِ لما أن تضاءَلَ جَدّ في
رَنقٍ ورزقُ الله قد ملأ المَلا
سفهاً لحلمك أن رَضِيتَ بِمَشْرَبٍ
أفلا فَلَيْتَ بهنَّ ناصيةَ الفَلا
ساهمْتَ عِيسَكَ مُرَّ عيشِكَ قاعداً
٦٤ - أطنب العماد في ترجمته وإيراد المختار من شعره في الخريدة (قسم الشام) ١: ٧٦ وله ترجمة
في تهذيب ابن عساكر ٢ : ٩٧ وابن القلانسي: ٣٢٢ والوافي ٨، الورقة : ٨٧ والنجوم
الزاهرة ٥ : ٢٩٩ والشذرات ٤: ١٤٦ وله شعر كثير في (« الروضتين» لأبي شامة .
١ أ : يعمل.
٢ أهـ : ويغني في الأسواق بطرابلس.
٣ انظر الخريدة المذكورة : ٩٦ والحاشية ونشأ بقيسارية فلسطين، وولد بعكا، ثم انتقل عن
بلاده إلى دمشق .
٤ أ : يتحولا ، وبعض الأبيات في الخريدة : ٨٩.
١٥٦

فارق تَرُقْ كالسيف سُلَّ فبان في مَتْنَيهِ ما أخفى القِرابُ وأخْمَلا
لا تحسبَنَّ ذهابَ نفسِكَ ميتةٌ ما الموتُ إلا أن تعيشَ مُذَلَّلا
للقَفْرِ لا للفَقْرِ هبها إنما
مغناك ما أغناك أن تَتَوَسَّلا
لا ترضَ من دُنياكَ ما أدناك من دَنَسٍ وكن طيفاً جلا ثم انْجَلَى.
وصِلِ الهجيرَ بِهَجْرِ قوم كلما أُمْطِرْتَهِمْ شَهْدَاً جَنَوْا لك حَنظَلا
فإذا محضتَ له الوفاءَ تأوّلا
ذنبُ الفضيلة عندهم أن تكمُلا
إِن قلْتَ قالَ وإِن سكَتَّ تَقَوَّلا
سامتهُ همتهُ السَّمَاكَ الأعزلا
مِنْ غادرٍ خَبُلَتْ مغارسُ ودهِ
للهِ علمي بالزمان وأهلهِ
طُبِعُوا على لؤم الطباع فخيرُهُم
أنا مَنْ إذا ما الدهر ثمَّ بخَفْضِهِ
واعٍ خطابَ الخطب وهو مُجَمجمٌ راعٍ أكلَّ العيسَ من عدم الكلا
زَعْمٌ كمنبلجِ الصباحِ وراءَهُ عزم كحد السيف صادفَ مقتلا
ومن محاسن شعره القصيدة التي أولها :
مَنْ رَكَّبَ البدر في صَدر الرُّدينيِّ ومؤَّهَ السِّحْرَ في حدِّ اليمانيّ
مَدَارُهُ فِي القَباءِ الخُسرُوانيّ
وأغيَدٌ ماسَ أم أعطافُ خطِّيِّ
وأنزلَ النَّيِّرَ الأعلى إلى فلكٍ
طَرْقٌ رَنا أم قِراب سُلَّ صارمهُ
أذلَّي بعد عز والهوَى أَبَداً يستَعبِدِ الليْثَ للظبي الكناسيِّ
ومنها أيضاً :
أما وذائِب مسكٍ من ذوائبهِ على أعالي القضيبِ الخَيْزُرانيِّ
وما يُجِنُّ عَقيقيُّ الشفاهِ منَ الـ ريقِ الرحيقيِّ والثّغْرِ الجُمانيِّ
إِذا تجلَّ لقال ابنُ الفُلانيّ
تألَّفَتْ بين مَسْمُوعٍ ومَرْأيّ
رقِ العِراقيّ والنشُّطْقِ الحِجازيّ
لو قيل للبَدر مَنْ في الأرض تحسُدُ،
أُرْبى عليَّ بشَتَّى من تَحاسِنِهِ
إياء فارس في لين الشآمِ مَعَ الظَّ
وما المدامَةُ بالألباب أفْتك من فصاحَةِ البدْوِ في ألفاظ تركيّ
١٥٧

وله أيضاً ١ :
أُنكَرَتْ مقلتُه سفْكَ دمي وعلا وجنَتَهُ فاعْتَرَفتْ
قطرة٢ً من دم جفني نطَفَتْ
لا تَخالوا خالهُ في خدّه
ذاك٣ من نار فؤادي جَذْوةٌ فيه ساخَتْ وانطفتْ ثم طَفَتْ
وله من جملة قصيدة :
لا تغالطني فما تخ فى علاماتُ المريبِ
أين ذاك البشرُ يا مَوْ لاي من هذا القُطوبِ ؟
ونقلت من خط الشيخ الحافظ المحدث زكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي
المنذري المصري رحمه الله تعالى قال: حكى لي أبو المجد قاضي السويداء ، قال:
كان بالشام شاعران ابن مُثِيرٍ وابن القَيْسَراني، وكان ابن مُنير كثيراً ما يبكت؛
ابن القيسراني بأنه ما صحب أحداً إلا نُكِبَ" ، فاتفق أن أتابك عماد الدين
زَنْكَي صاحب الشام غَنّاه مُفَنّ على قلعة جعبر ، وهو يحاصرها، قولَ
الشاعر :
وَيَلِي مِنَ المُعْرِضِِ الغضبانِ إِذ نقلَ الب واشي إليه حديثاً كلهُ زورٌ
سلَّمْتُ فَازْوَرَّ يَزْوي قَوْسَ حاجبه كأنني كأسُ خَمْرٍ وَهْوَ مُمُور
فاستحسنها زَنْكي ، وقال : لمن هذه ؟ فقيل : لابن منير ، وهو بحلب ،
فكتب إلى والي حلب يُسيره إليه سريعاً ، فسيره، فليلةَ وصل ابنُ مُنيرٍ قتل
أتابك زَنْكي - قلت: وسيأتي شرح الحال في ذلك على التفصيل في ترجمة زنكي
إن شاء الله تعالى - قال: فأخذ أسدُ الدين شِير كُوه، صاحبُ حمص، نور الدين
١ الخريدة : ٨٠.
٢ الخريدة : نقطة .
٣ الخريدة : تلك .
٤ هـ : يثلب .
٥ هـ : ثلبه .
١٥٨

محمود بن زنكي وعسكَرَ الشام وعاد بهم إلى حلب ، وأخذ زين الدين علي ولد
مظفر الدين صاحب إربل عساكِرِ بلاد الشرق وعاد بهم إلى الموصل ، إلى
سيف الدين غازي بن زنكي وملكه الموصل، فلما دخل ابن منير إلى حلب صحبة
العسكر ، قال له ابن القيسراني : هذه يجميع ما كنتَ تبكتني به ! قلت :
ولابن القيسراني المذكور في ابن منير ، وكان قد هجاه :
ابنَ مُشِيرٍ هَجَوْتَ مِنِّي حَبْراً أفادَ الوَرَى صَوابهْ
ولم تضيقْ بذاكَ صَدْري فإِنَّ لي أسوَة الصحابهْ
وأشعاره لطيفة فائقة .
وكانت ولادته سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة بطرابُلُسَ ، وكانت وفاته في
جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وخمسمائة بحلب ، ودفن في جبل جَوْشن ،
بقرب المشهد الذي هناك ، رحمه الله تعالى .
وزرت قبره ورأيت عليه مكتوباً :
مَنْ زارَ قبري فليكنْ مُوقِناً أنَّ الذي ألقاهُ يلقاهُ
فيرْحمُ الله امرءًا زارَني وقالَ لِي: يَرْحَمُكَ اللهُ
وذكرَهُ الحافظ ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)»، فقال في ترجمته: حَدَّث
الخطيب السديد أبو محمد عبد القاهر بن عبد العزيز خطيب حماة ، قال :
رأيت أبا الحسين ابن مُنيرٍ الشاعر في النوم بعد موته، وأنا على قُرْنة١ بستان
مرتفعة ، فسألته عن حاله وقلت له : اصعد إلى، فقال : ما أقدر من رائحتي ،
فقلت : تشرب الخمر ؟ فقال : شرّاً من الخمر يا خطيب ، فقلت له : ما هو ؟
فقال : تدري ما جَرى عليَّ من هذه القصائد التي قلتها في مَثالب الناس ؟ فقلت
له: ما جرى عليك منها ؟ فقال: لساني قد طال وثَخُنَ حتى صار مَدَّ البصر،
وكلما قرأت قصيدة منها قد صارت كلاًّباً تتعلّق في لساني ، وأبصرتُه حافياً
عليه ثياب رَثّة إلى غاية، وسمعت قارئاً يقرأ من فوقه ﴿لهم من فوقهم ظُلل
١ أ : غرفة .
١٥٩

من النار - الآية ﴾ ثم انتبهت مرعوباً.
قلت : ثم وجدت في ديوان أبي الحكم عبيد الله الآتي ذكره أن ابن منير
توفي بدمشق سنة سبع وأربعين ، ورثاه بأبيات تدل على أنه مات بدمشق ،
منها وهي هزلية على عادته في ذلك :
أتوا به فوق أُعْوادٍ تسيرُ به وغَسْلوه بِشَطّيْ نهر قلتُوطِ
وأسْخَنُوا الماء في قِدْرٍ مُرَصَّصةٍ وأشعَلوا تحته عِيدان بَلتُوطٍ
وعلى هذا التقدير فيحتاج إلى الجمع بين هذين الكلامين ، فعساه أن يكون
قد مات بدمشق ثم نقل إلى حلب فدفن بها ، والله أعلم .
ومنير : بضم الميم وكسر النون وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها راء .
ومفلح : بضم الميم وسكون الفاء وكسر اللام وبعدها حاء مهملة .
والطرابُلُسي - بفتح الطاء المهملة والراء وبعد الألف باء موحدة مضمومة
ولام مضمومة ثم سين مهملة - هذه النسبة إلى طَرابُلُس، وهي مدينة بساحل
الشام قريبة من بَعْلَبَك»، وقد تزاد الهمزة إلى أوّلها فيقال أطرابلس، وأخذها
الفرنج سنة ثلاث وخمسمائة، وصاحبها يومئذ أبو علي عمار بن محمد بن عمار، بعد
أن حُوصِرت سبع سنين، والشرح في ذلك يطول .
وجَوْشَن: بفتح الجيم وسكون الواو وفتح الشين المثلثة ثم نون [ جبل
بجلب ] .
٦٥
القاضي الرشيد ابن الزبير
القاضي الرشيد أبو الحسين أحمدُ ابن القاضي الرشيد أبي الحسن علي ابن القاضي
٦٥ - للقاضي الرشيد ترجمة في الخريدة (قسم مصر) ٢٠٠:١ والطالع السعيد: ٥٢ ومعجم الأدباء
٤ : ٥١ والوافي ٧ ، الورقة : ١٠٦ وكتاب الروضتين ١ : ١٤٧ والشذرات ٤ : ١٩٧ ،
٢٠٣ وفي معجم السفر السلفي بعض أخبار عنه .
١٦٠