النص المفهرس

صفحات 21-40

وبعد أن صار كذلك لم يكن بُدّ من استفتاحه بخطبة وجيزة للتبرك بها ؛
فنشأ من مجموع ذلك هذا الكتاب ، وجعلته تذكرة لنفسي . وسميته كتاب
((وَفَيَات الأعيان، وأنباء أبناء الزمان ، مما ثبت بالنقل أو السماع أو أثبته
العِيان)) ليستدل على مضمون الكتاب بمجرد العنوان .
فمن وقف عليه من أهل الدراية بهذا الشأن ورأى فيه خللاً فهو المُثاب في
إصلاحه بعد التثبت فيه ، فإني بذلت١ الجهد في التقاطه من مظانٌ الصحة ،
ولم أتساهل في نقله ممن لا يوثق به، بل تحرّيْتُ فيه حسبما وصلت القدرة إليه.
٢
وكان ترتيبي له في شهور سنة أربع وخمسين وستمائة بالقاهرة المحروسة مع
شواغل عائقة ، وأحوال عن مثل هذا متضايقة ، فليعذر الواقف عليه ، وليعلم
أن الحاجة المذكورة ألجأت إليه، لا أن النفس تحدثها الأماني من الانتظام في
سلك المؤلفين بالمحال ، ففي أمثالهم السائرة ((لكل عمل رجال )) ومن أين ني
ذلك والبضاعة من هذا العلم قدر منزور، والمتَشَبع بما لم يُعْطَ كلابس ثوبَيْ
زُورٍ، حرسنا الله تعالى من التردِّي في مهاوي الغواية ، وجعل لنا من العرفان
بأقدارنا أمنع وقاية ، بمنِّه وكرمه ، آمين .
١ ج : قد بذلت .
٢١

حرف الهَزَة

١
ابراهيم النخعي
أبو عِمْران، وأبو عمار، إبراهيم بن يزيد بن الأسود بن عمرو بن ربيعة١ بن
حارثة بن سعد بن مالك بن النَّخَع ، الفقيه ، الكوفي ، النخعي ؛ أحد الأئمة
المشاهير ، تابعي رأى عائشة رضي الله عنها ودخل عليها ، ولم يَثْبُتْ له منها
سَماع [ وكان إبراهيم إذا طلبه إنسان لا يحب أن يلقاه خرجت الخادم فقالت
اطلبه في المسجد ؛ وقال آخر : كنا إذا خرجنا من عند إبراهيم يقول : إن
سئلتم عني فقولوا لا ندري أين هو ، فإنكم إذا خرجتم لا تدرون أين أكون ]٢.
توفي سنة ست وقيل خمس وتسعين للهجرة ، وله تسع وأربعون سنة ، وقيل :
ثمان وخمسون سنة، والأول أصح . ولما حَضَرته الوفاة٣ جزع جزَعاً شديداً،
فقيل له في ذلك ، فقال : وأي خَطَر أعظم مما أنا فيه ؟ إنما أتوقع رسولاً
يأتي علي من ربي إِما بالجنة، وإِما بالنار ، والله لوَدِدْتُ أنها تَلَجْلَجُ في
حلقي؛ إِلى يوم القيامة .
وأمه مُلَيكة بنت يزيد بن قيس النخعية ، أخت الأسود بن يزيد النخعي ،
فهو خاله رضي الله عنه .
ونسبته إِلى النَّخَعِ - بفتح النون والخاء المعجمة وبعدها عين مهملة - وهي
قبيلة كبيرة من مَذْحِج باليمن. واسم النَّخع جَسْر بن عمرو بن عُلَة بن خالد
ابن مالك بن أُدَد ، وإنما قيل له النخع لأنه انْتَخَعَ من قومه : أي بعد عنهم،
١ - راجع في ترجمته ابن حبان: ١٠١ وابن سعد ٦ : ٢٧٠ - ٢٨٤، وقال ابن سعد أجمعوا
على أنه توفي سنة ٩٦ ، وروى أنه نيف على خمسين سنة .
١ د : ابن ذهل بن ربيعة .
٢ ما بين معقفين في كل موضع زيادة من نسخة د ، إلا أن يذكر غير ذلك .
٣ د : ولما احتضر .
٤ أد : في صدري .
٢٥
م

وخرج منهم خلق كثير ، وقيل في نسبه غير هذا ، هذا هو الصحيح ، نقلته
من (( جمهرة النسب )) لابن الكلي .
٢
أبو ثور صاحب الشافعي
أبو ثور إبراهيم بن خالد بن أبي اليان الكلبي الفقيه البغدادي صاحب الإمام
الشافعي رضي الله عنه وناقل الأقوال القديمة عنه ؛ وكان أحد الفقهاء الأعلام
والثقات المأمونين في الدين ، له الكتب المصنفة في الأحكام جمع فيها بين الحديث
والفقه، وكان أول اشتغاله بمذهب أهل الرأي ، حتى١ قدم الشافعي العراق
فاختلف إليه واتَّبعه ورفض مذهبه الأول ، ولم يزل على ذلك إلى أن توفي
لثلاث بَقينَ من صفر سنة ست وأربعين ومائتين ببغداد ، ودفن بمقبرة باب
الكناس٢، رحمه الله تعالى. وقال أحمد بن حنبل: هو عندي في مِسْلاخ سفيان
الثوري ، أعرفه بالسُّنة منذ خمسين سنة .
٣
أبو اسحاق المروزي
أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن إسحاق المَرْوَزِيّ الفقيه الشافعي ؛ إمام
٢ - انظر طبقات السبكي ١: ٢٢٧ وتاريخ بغداد ٦ : ٦٥.
١ د : إلى أن .
٢ د : الكماس، والصواب ما أثبت في المتن .
٣ - تاريخ بغداد ٦ : ١١.
٢٦

عصره في الفتوى والتدريس ، أخذ الفقه عن أبي العباس بن سُرَيج وبرع فيه ،
وانتهت إليه الرياسة بالعراق بعد ابن سريج، وصنف كتباً كثيرة ، وشَرَحَ
مختصر المزني، وأقام ببغداد دهراً طويلاً يُدَرِّسُ ويفتي ، وأُنجب من أصحابه
خلق كثير، وإليه يُنسَب درب المروزي ببغداد الذي في قطيعة الربيع١.
ثم ارتحل إلى مصر في أواخر عمره فأدركه أجله بها فتوفي لتسع ◌َخَلَونَ من
رجب سنة أربعين وثلثمائة ، ودفن بالقرب من تربة الإمام الشافعي ، رضي الله
عنه؛ وقيل: إنه توفي بعد العَتَمة٢ من ليلة السبت لإحدى عَشْرَة ليلةٌ خلت
من رجب من السنة المذكورة [وذكره الخطيب في تاريخه].
والمروزي - بفتح الميم وسكون الراء وفتح الواو وبعدها زاء معجمة -
نسبة إِلى مَرْو الشَّاهجان ، وهي إحدى كراسيّ خراسان، وكراسي خراسان
أربع مدن: هذه، ونيسابور، وهَراة، وبَلْخ. وإنما قيل لها ((مرو
الشاهجان)) لتتميز عن مرو الروذ ، والشاهجان : لفظ عجمي ، تفسيره روح
الملك ، فالشاه : الملك ، والجان : الروح ، وعادتهم أن يقدموا ذكر المضاف
إليه على المضاف ، ومرو هذه بناها الإسكندر ذو القرنين ، وهي سرير الملك
بخراسان ، وزادوا في النسبة إليها زاء كما قالوا في النسبة إلى الري : رازي ،
وإلى إصْطَخْر : إصطخرزي ، على إحدى النسبتين ، إلا أن هذه الزيادة
تختص ببني آدم عند أكثر أهل العلم بالنسب ، وما عدا ذلك لا يزاد فيه الزاء ،
فيقال ((فلان المروزي)) والثوب وغيره من المتاع ((مَرْويّ)) - بسكون
الراء - وقيل : إنه يقال في الجميع بزيادة الزاء ، ولا فرق بينهما ، وهو من
باب تغيير النسب ، وسيأتي في ترجمة القاضي أبي حامد أحمد بن عامر
المَرْ وَروذِيِ الفقيه الشافعي بقية الكلام على هذين البلدين، إن شاء الله تعالى .
١ أ : قصبة الربيع ؛ والصواب ما أثبت .
٢ أب : بعد عتمة .
٢٧

٤
الأستاذ الإسفرايني
أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران الإسفرايني الملقب بركن
الدين ، الفقيه الشافعي المتكلم الأصولي؛ ذكره الحاكم أبو عبد الله ، وقال:
أُخذَ عنه الكلام والأصول عامة شيوخ نيسابور ، وأقر له بالعلم أهل العراق ،
وخراسان، وله التصانيف الجليلة، منها: كتابه الكبير الذي سماه «جامع
الحلى في أصول الدين والرد على الملحدين)) رأيته في خمسة مجلدات ، وغير ذلك
من المصنفات، وأخذ عنه القاضي أبو الطيب الطَّبَري أصول الفقه بإسفرايِن١َ
وبُنيت له المدرسة المشهورة بنيسابور ، وذكره أبو الحسن عبد الغافر الفارسي ،
في سياق ((تاريخ نيسابور))، فقال في حقه: أحد مَنْ بلغ حد الاجتهاد من
العلماء لتبحره في العلوم واستجماعه شرائط الإمامة ، وكان طراز ناحية الشرق،
وكان يقول : أشتهي أن أموت بنيسابور حتى يصلي عليَّ جميعُ أهل نيسابور ،
فتوفي بها يوم عاشوراء ، سنة ثماني عشرة وأربعمائة ، ثم نقلوه إلى إِسفراين ،
ودفن في مشهده ، رحمه الله تعالى . واختلف إلى مجلسه أبو القاسم القُشَيري،
وأكثر الحافظ أبو بكر البيهقي الرواية عنه في تصانيفه وغيره من المصنفين ،
رحمهم الله أجمعين ، وسمع بخراسان أبا بكر الإسماعيلي ، وبالعراق أبا محمد
دَعْلَج بن أحمد السَّجْزي وأقرانهما، وسيأتي الكلام على إسفراين في ترجمة
الشيخ أبي حامد أحمد بن محمد الإسفرايني .
٤ - ترجمته في طبقات السبكي ٣ : ١١١ والقطعة الثانية من The Histories of Nishapur
الورقة : ٣٥ .
١ ب هـ : بإسفرايين.
٢٨

٥
أبو اسحاق الشيرازي
الشيخ أبو إسحاق إبراهيمُ بن علي بن يوسف ، الشيرازي ، الفيروز اباذي
الملقب جمال الدين ؛ سكن بغداد، وتفقه على جماعة من الأعيان [منهم أبو أحمد
عبد الوهاب بن محمد بن رامين وأبو عبد الله محمد بن عبد الله البيضاوي وأبو
القاسم منصور بن عمر الكرخي وغيرهم ] وصحب القاضي أبا الطيب الطَّبَري
كثيراً ، وانتفع به ، وناب عنه في مجلسه ، ورتبه مُعيداً في حلقته ، وصار
إمام وقته ببغداد ، ولما بنى نِظام الملك مدرسته ببغداد ، سأله أن يتولاها ،
فلم يفعل، فولاها لأبي نصر ابن الصباغ صاحب ((الشامل)) مدة يسيرة ، ثم
أجاب إلى ذلك فتولاها ، ولم يزل بها إلى أن مات ، وقد بسطت القول في
ذلك في ترجمة الشيخ أبي نصر عبد السيد بن الصباغ، صاحب ((الشامل))،
فليطلب منه . [وسمع الحديث من أبي بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب
الخوارزمي البرقاني الحافظ وأبي علي الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان البزار
وأبي الفرج محمد بن عبد الله الخرجوشي الشيرازي وغيرهم] . وصنف التصانيف
المباركة المفيدة، منها: ((المهذب في المذهب))، و((التنبيه)) في الفقه ،
و((اللمع)) وشرحها في أصول الفقه، و((النكت)) في الخلاف، و((التبصرة))،
و ((المعونة))، و((التلخيص ))١، في الجدل، وغير ذلك، وانتفع به خلق كثير.
وله الشعر الحسن ، فمنه :
فَقالوا مَا إِلى هَذا سَبِيلُ
سألْتُ النّاسَ عَن ◌ِخِلٍ وَفِيّ.
فإِنَّ الحُرَّ في الدُّنيا قَلِيل
تَمَسَّكْ إِن ◌َظَفِرْت٢َ بذَيل٣ِحُرٍ
٥ - طبقات السبكي ٣ : ٨٩ - ١١١.
١ السبكي : الملخص .
٢ أ : إن قدرت .
٣ السبكي : بود .
٢٩

وقال الشيخ أبو بكر محمد بن الوليد الطُّرْ طُوشي الآتي ذكره إن شاء الله
تعالى : كان ببغداد شاعر مغلق ، يقال له عاصم ، فقال يمدح الشيخ أبا
إسحاق قدَّس الله سره١ :
تَراهُ مِنَ الذكاء نحِيفَ جِسْمٍ عَليهِ مِن تَوَقَهُّدِهِ دَليلُ
إذا كانَ الفتى ضخمَ المَعالي فليسَ يضُرُه٢ُ الجسمُ النَّحيل
وكان في غاية من الوَرَع والتشدّد٣ في الدين، ومحاسنه أكثر من أن تحْصَر.
ولد في سنة ثلاث وتسعين وثلثمائة بفِيرُ وزاباذَ، وتوفي ليلة الأحد ، الحادي
والعشرين من جمادى الآخرة، قاله السمعاني في ((الذيل)) ، وقيل : في جمادى
الأولى ، قاله السمعاني أيضاً ، سنة ست وسبعين وأربعمائة ، ببغداد ، ودفن
من الغد بباب أبْرَز٤ ، رحمه الله .
ورثاه أبو القاسم ابنُ ناقياء ، واسمه عبد الله ، وسيأتي ذكره إن شاء الله
تعالى ، بقوله :
أجْرَى المدَامِعَ بالدَّمِ المُهْراقِ خَطْبٌ أقامَ قِيامةَ الآماقِ
بعدَ ابنِ بَجدَتِها أبي إسحاق
ما للَّيَالي لا تؤلِّفُ شمِلَهَاْ
إِنْ قِيلَ ماتَ فلم يُتْ مَنْ ذِكرُهُ حَيّ على مرّ الليالي باقي
وذكره محب الدين بن النجار في ((تاريخ بغداد )) ، فقال في حقه : إمام
أصحاب الشافعي، ومن انتشر فضله في البلاد، وفاق أهل زمانه بالعلم والزهد،
وأكثرُ علماء الأمصار٦ من تلامذته. ولد بغِيرُ وزاباذ ، بلدةٍ بفارس ، ونشأ
بها ، ودخل شيراز ، وقرأ بها الفقه على أبي عبد الله البيضاوي ، وعلى أبي أحمد
........
١ هـ : روحه .
٢ ج : يضيره .
٣ هـ : والتشديد .
٤ في الأصول : أبزر .
٥ ج : شملنا .
٦ أ : العلماء في الأمصار .
٣٠

عبد الوهاب بن رامين ، ثم دخل البصرة وقرأ على الحوزي ، ودخل بغداد في
شوال سنة خمس عشرة وأربعمائة وقرأ على أبي الطيب الطَّبري ، ومولده في
سنة ثلاث وتسعين وثلثمائة .
وقال أبو عبد الله الحميدي: سألته عن مولده، فذكر دلائل دَلَّتْ على
سنة ست وتسعين، قال : ورحلت١ في طلب العلم إلى شيراز ، في سنة عشر
وأربعمائة"، وقيل : إن مولده في سنة خمس وتسعين ، والله أعلم .
وجلس أصحابه للعزاء بالمدرسة النظامية ، ولما انقضى العزاء رتب مؤيد
الملك بن نظام الملك أبا سعد٢ المتولي مكانه ، ولما بلغ الخبرُ نظامَ الملك كتب
بإنكار ذلك، وقال : كان من الواجب أن تُغْلَق المدرسة سنةً لأجله، وَزرَى
على من تولى موضعه ، وأمر أن يدرس الشيخ أبو نصر عبد السيد بن الصباغ
في مكانه ، رحمهم الله تعالى .
وفِيرُوزاباذ - بكسر الفاء وسكون الياء المثناة من تحت وضم الراء
المهملة وبعد الواو الساكنة زاء مفتوحة معجمة وبعد الألف باء موحدة وبعد
الألف ذال معجمة - بلدة بفارس، ويقال : هي مدينة جُور ، قاله الحافظ أبو
سعد ابن السمعاني في كتابه ((الأنساب))٣، وقال غيره: هي بفتح الفاء، والله أعلم.
٦
إبراهيم بن أدهم
[أبو إسحاق إبراهيم بن منصور بن زيد بن جابر العجلي ويقال التميمي؛ أصله
١ ج د هـ : ودخلت .
٢ هـ : سعيد .
٣ انظر اللباب ٢ : ٢٣٢.
٦ - ترجمة إبراهيم بن أدهم في تهذيب ابن عساكر ٢: ١٦٧ وكتاب التوابين: ١٤٩ وحلية الأولياء
٧ : ٣٦٧، ٨: ٣ والبداية والنهاية ١٠: ١٣٥ وشرح المقامات ٢: ٨٢ والعبر ١: ٢٣٨
والوانفيه: رقم ٢٣٩٠ وطبقات السلمي: ١٣؛ وقد انفردت النسختان ج د بالترجمة التي أثبتناها هنا.
٣١

من بلخ وكان من أولاد الملوك ، روى عن جماعة من التابعين كأبي إسحاق
السبيعي وأبي حازم وقتادة ومالك بن دينار والأعمش وأبان١، واشتغل بالزهد
عن الرواية وكان يكون بالكوفة ثم بالشام ؛ مرَّ به يوماً بريد وهو ينطر كرماً
فقال : ناولني من هذا العنب ، فقال: ما أذن لي صاحبه ، فقلب السوط وجعل
يقنع رأسه ، فطأطأ إبراهيم رأسه وقال: اضرب رأساً طال ما قد عصى الله ،
قال : فانخذل ومضى .
وقال شقيق البلخي: قال لي إبراهيم أخبرني عما أنت عليه، فقلت: إذا رزقت
أكلت وإِذا منعت صبرت ، قال: هكذا تعمل كلاب بلخ عندنا٢. قلت له :
فكيف٣ تعمل أنت ؟ قال : إذا رزقت آثرت وإذا منعت شكرت .
وكان إبراهيم في البحر وهبت ريح٤ واضطربت السفن وبكى الناس فقيل
لبعضهم° : هذا إبراهيم بن أدهم لو سألته أن يدعو الله، وكان٦ قائماً في ناحية
من السفينة ملفوف رأسه ، فدنا إليه وقال : يا أبا إسحاق ، ما ترى ما فيه
الناس ؟ فرفع رأسه وقال : اللهم قد أريتنا قدرتك فأرنا رحمتك ، فهدأت
السفن .
قال رجل لبشر بن الحارث: إني أحب أن أسلك طريق إبراهيم بن أدهم ،
قال: لا تقوى ، قال: ولمَّ ؟ قال: لأن إبراهيم بن أدهم عمل ولم يقل وأنت قلت
ولم تعمل .
قال أبو سليمان الداراني : صلى إبراهيم خمس عشرة صلاة بوضوء واحد، وتوفي
سنة ١٤٠ في الجزيرة وحمل إلى صور فدفن هناك ، رحمه الله تعالى ونفعنا
ببركاته ، إنه على ما يشاء قدير ] .
٠
١ وأبان : زيادة من د وحدها .
٢ عندنا : زيادة من د .
٣ ٢ : كيف .
٤ د : الربح .
٥ د : فقال بعضهم .
٦ د : قال وكان.
٣٢

ں۔۔
٧
العراقي الخطيب
أبو إسحاق إبراهيمُ بن منصور بن المُسَلَّم، الفقيه الشافعي المصري المعروف
بالعراقيّ، الخطيب بجامع مصر؛ كان فقيهاً فاضلاً، وشرح كتاب ((المهذب))،
تصنيف الشيخ أبي إسحاق الشيرازي - رحمه الله تعالى - في عشرة أجزاء شرحاً
جيداً، ولم يكن من العراق، وإنما سافر إلى بغداد، واشتغل بها مدة، فنُسب إليها
[لإقامته بها تلك المدة، وعاد إلى مصر وتولى الخطابة بجامعها العتيق والإمامة به
والتصدر، ولم يزل على الخطابة والإمامة به والإفادة إلى حين وفاته ومضى على
سداد وأمر جميل] . قرأ ببغداد الفقه على أبي بكر محمد بن الحسين الأرمَوي ،
وكان من أصحاب الشيخ أبي إسحاق الشيرازي ، وعلى أبي الحسن محمد بن
المُبارَك بن الخل البغدادي، وتفقه ببلده على القاضي أبي المعالي مجَلّي بن مُجميع
الآتي ذكره إن شاء الله تعالى ، وكان في بغداد يُعرف بالمصري ، فلما رجع إلى
مصر قيل له : العراقي ، والله أعلم .
وقد رُوي عن الخطيب أبي إسحاق المذكور أنه كان يقول : أنشدني شيخنا
ابن الخل المذكور ببغداد ، ولم يسم قائلاً :
في زُخْرُف القَوْلِ تَزْيينٌ لِباطِهِ والحقُّ قد يعترِيهِ سُوءُ تعبير
وإِنْ ذَمتَ تقلْ قيءُ الزنابير
تقولُ هَذا مُجاجُ النحل تمدَحُهُ
حُسْنُ البيان يُري الظلماء كالنور
مَدْحاً وَدَمًّا وما جاوزت وَصْفَهما
وكانت ولادته بمصر ، سنة عشر وخمسمائة ، وتوفي يوم الخميس الحادي
والعشرين من جمادى الأولى ، سنة ست وتسعين وخمسمائة بمصر ، ودفن بسفح
المقطَّم ، رحمه الله تعالى .
٧ - طبقات السبكي ٤ : ٢٠١ .
٣ - ١
٣٣

والمسلَّم : بضم الميم وتشديد اللام .
(1) وكان له ولد فاضل، نبيل القدر، اسمه أبو محمد عبد الحكم١، ولي
الخطابة بجامع مصر بعد وفاة والده ، وكانت له خطب جيدة ، وشعر لطيف .
فمن شعره في العماد ابن جبريل ، المعروف بابن أخي العَلم - وكان صاحب
ديوان بيت المال بمصر ، وكان قد وقع فانكسرت يده - قوله :
إِنَّ العمادَ بنَ جبريل أخي عَلَمٍ له يدٌ أصبحت مذمومةَ الأثرِ
فجاءها الكسرُ يَستقصي عن الخبر
تأخْرَ القطعُ عنها وهي سارقة "
وله غير ذلك أشعارٌ نادرة"، ثم وجدت هذين البيتين في ديوان جعفر بن
شمس الخلافة الآتي ذكره ؛ والله أعلم .
ومن شعر عبد الحكم المذكور في رجل وجب عليه القتل ، فرماه المُستَوفي
للقِصاص بسهم فأصاب كبده فقتله ، فقال عبد الحكم٢:
أُخْرَجْتَ مِن كبدِ القَوْسِ ابْنَها فَغَدَتْ
تَيْنُ والأمُّ قد تحنُو عَلى الوَلَدِ
وما دَرَت أنهُ لما رَميتَ بهِ ما سارَ مِن كبدٍ إِلا إلى كبد
قلت : البيت الأول من هذين البيتين مأخوذ من قول بعض المغاربة :
لا غَرَوَ مِنْ جَزَعي لِبَيْنِهمُ يَوْمَ النوَى وأنا أُخُو الهَمِّ
فالقَوْسُ مِن خَشَبٍ تثنُّ إِذا ما كَلَّفُوها فُرِقَةَ السَهْمِ
والبيت الثاني مأخوذ من قول الفقيه عمارة اليمني ، الآتي ذكره إن شاء الله
تعالى ، في قصيدته الميمية التي ذكرتها هناك ، وقد قدم من مكة - شرّقها الله
تعالى - إلى الديار المصرية ، وامتدح بها مليكها يومئذ ، وهو الفائز عيسى بن
الظافر العُبيدي ، ووزيره الصالح طلائع بن رُزيك ، وكلاهما مذكوران في هذا
التاريخ ، فقال من جملة القصيدة ، يمدح العيس التي حملته إلى مصر :
١ ترجمة عبد الحكم في المغرب (قسم مصر): ٢٥٧ وانظر حسن المحاضرة ١ : ٢٢٩ .
٢ البيتان في المغرب .
٣٤

وَقْداً إِلى كعبةِ المعرُوفِ والكرمِ
وَرُحْنَ مِنْ كِعْبةِ البطحاءِ والحرَمِ
ما سِرتُ مِن حَرَمٍ إِلا إِلى حَرَم
فَهَلْ دَرَى البيتُ أَنِّي بَعدَ فُرْقَتِهِ
ومن شعر عبد الحكم أيضاً :
قامَتْ تُطالِبُني بِلُؤُلُؤُ نخْرِهِا لِمَّا رَأْتْ عَيني تَجُودُ بِدُرِّها
وتَبَسَّمَتْ عَجَبَاً فقُلْتُ لِصاحِي هذا الذي اتَّهَمَتْ بِهِ فِي ثَغرِها
قلت : وهذا المعنى مأخوذ من قول أبي الحسن علي بن عطية المعروف بابن
الزقاق الأندلسي البَلَنْسي١:
وَشَادِنٍ ٢طافَ بالكؤوسِ ضُحَّى فَحَثَّهَا والصباحُ قد وَضَحَا
وآسُهُ العَنْبِرِيُّ قد نَفحا
والرَّوْضُ يُبْدِي لنا شقائقَه٣ُ
أودعتُهُ ثَغر من سقى القدحا
قلتُ : وأينَ الأقاحُ ؟ قالَ لنا :
قالَ ، فلمَّا تَبَسَّمَ افتَضحا
فِظَلَّ ساقي المدامِ يجحدُ ما
وكان الوزير صفي الدين أبو محمد عبدالله بن علي المعروف بابن شكر وزير
الملك العادل بن أيوب بمصر ، قد عزل عبد الحكم المذكور عن خطابة جامع
مصر ، فكتب إليه؛ :
وبأيّ جودٍ غير جودكَ أطمعُ
فلأيّ بابٍ غيرِ بابِكَ أُرجِعُ
إلا إليكَ فدُلَّي ما أصنع
سُدَّت عليَّ مسالكي ومَذاهي
وكأنما أنت الخليقة أجمع
فكأنما الأبواب بابك وحدهُ
قلت : والبيت الأخير مأخوذ من قول السلاميّ الشاعر المشهور، وهو :
فبَسَّرْتُ آمَالِي بِمَلْكٍ هُوَ الوَرَى وَدارٍ هِيَ الدنيا ويَومٍ هو الدهر٥ُ
١ ديوانه: ١٢٤ والوافي: ١٣٤ والشريشي ٢: ١٣ والمغرب ٢: ٣٢٤.
٢ الديوان : وأغيد .
٣ أ : حدائقه .
٤ المغرب : ٢٥٨.
٥ قبل البيت :
إليك طوى عرض البسيطة جاعلاً
قصارى المطايا أن يلوح له القصر
٣٥

وسيأتي ذكرها في ترجمة عضد الدولة بن بويه في حرف الفاء، إِن سكاء الله تعالى.
[ولعبد الحكم المذكور يستجلي زوجته:
سَتَرَتْ وَجهها بِكَفٍ عَلَيْهِ شَكُ النَّقْشِ وهيَ تجلى عَرُوسا
ومَتى خَطَّت الشَِّّاكُ الشُّمُوسا؟
قلتُ لم يُغْنِ عَنكِ سَتْرُكِ شيئاً
وله أيضاً :
ومأدبةٍ بتْنا بها في لَذَاذَةٍ يخيَّلُ لي أنَّا على الماء نُوّمُ
ففي تلك أقمار وفي تِيكَ أنجُم
فمن فوقنا الأفلاكُ والفُلك تحتنا
وله أيضاً :
عَلى مَهَلٍ ففي الأحوالِ رَيْثُ أتخشَى أن تُضَامَ وأنتَ لَيْثُ
بمصرٍ إِنْ أَقَمْتَ فَأنْتَ نِيلٌ وإِن سِرتَ الشَّامِ فأنتَ غيث]
وكانت ولادته ليلة الأحد تاسع عَشْسَرَ جمادى الآخرة سنة ثلاث وستين
وخمسمائة .
وتوفي سُحْرَة الثامن والعشرين من شعبان سنة ثلاثَ عَشْرَةَ وستمائة ،
بمصر ، ودفن من الغَدِ بسفح المقطم ، رحمة الله تعالى عليه .
وأنشدني ولده شيئاً كثيراً من شعره ، وطريقَتُه فيه لطيفة .
(2) وأما العِماد المذكور فهو أبو عبد الله محمد بن أبي الأمانة جبريل بن
المُغِيرة بن سلطان بن نِعْمَة، وكان فاضلاً مشهوراً بكثرة الأمانة فيما يتولاه ،
وتقلَّب في الخدم الديوانية بمصر والإسكندرية ، وكانت ولادته سنة ثمان وخمسين
وخمسمائة ، وتوفي في خامس شعبان سنة سبع وثلاثين وستمائة بالقاهرة ، رحمه
الله تعالى .
٣٦

٨
ابن عسكر الموصلي
أبو إسحاق إبراهيم بن نَصْر بن عسكر ، الملقب ظهير الدين ، قاضي
السَّلاَّمية ، الفقيه الشافعي الموْصِلي ؛ ذكره ابن الدبيني١ في تاريخه ، فقال:
أبو إسحاق من أهل الموصل ، تفقه على القاضي أبي عبد الله الحسين بن نصر بن
خميس الموصلي بالموصل ، وسمع منه ، قَدِمَ بغداد وسمع بها من جماعة ، وعاد
إلى بلده ، وتولى قضاء السَّلاَّمية إحدى قرى الموصل ، وروى بإرْبلَ عن أبي
البركات عبد الرحمن بن محمد الأنباري النحوي شيئاً من مصنفاته . سُمِع منه
ببغداد ، وسمِع منه جماعة من أهلها . انتهى كلامه .
وكان فقيهاً فاضلاً أصله من العراق من السندية ، تفقه بالمدرسة النظامية
ببغداد وسمع الحديث ورواه . وتولى القضاء بالسَّلاَّمية - وهي بلدة بأعمال
الموصل - وطالت مدته بها . وغلب عليه النظم ، ونظمه رائق . فمنه :
لا تَنْسبُوني يا ثقاتي إلى غَدْرٍ، فليس الغدر من شِيمَتِي
أقسمت بالذاهب
وبالمسرّات التي وَلّت
من عيشنا
وعُقْدَةُ الميثاق ما حُلّت
أُني علی ◌َهْدِ کُمُ لم أُحُلْ
ومن شعره أيضاً :
وقد تأخَرَ لم يَسلمْ من الكدَرِ
جُودُ الكريم إذا ما كان عن عِدَةٍ
نفعاً إذا هي لم تمطر على الأثر
إن السحائب لا تَجْدي بَوارِقُها
يَداه من بعدِ طول المَطل٢ِ بالبِدَر
وماطلُ الوعدِ مذمومٌ وإن سَمَحَتْ
١ جم : الذهبي؛ ولم ترد ترجمته في مختصر الدبيثي.
٢ أ : الوعد .
٣٧

يَادُوْحَةَ الجودِ لا ◌َعَتْب١ٌ على رجُلٍ يَهُزُّها وهْوَ محتاجٌ إلى الثمر
وكان بالبوازيج - وهي بليدة بالقرب من السَّلاَّمية - زاوية ◌ٌ لجماعة من
الفقراء اسم شيخهم مكي ، فعمل فيهم :
فحقُّ النصيحة أن تُسْتَمَعْ
ألا قُلْ لمِكِيِّ قَوْلَ النَّصُوحِ
بأن الغنا سُنَّةٌ تُتَبَع ؟
متى سمعَ الناسُ في دينهمْ
ويرْقُصَ فِي الْجَمْعِ حتى يَقَع
وأن يأكل المرءُ أكلَ البَغيرِ
لما دارَ من ◌َطَرَبٍ واسْتَمَع
فلو كانَ طاوي الحَشا جائِعاً
وما أسكر القومَ إِلا القِصَع
وقالوا سكِرْنا بحبِّ الإلهِ
يُنَقِّزها ريها والشبَع
كذاكَ الحميرُ إِذا أُخْصَبَتْ
ذكره أبو البركات ابن المستوفي في ((تاريخ إِرْبِل))، وأثنى عليه، وأورد
له مقاطيع عديدة ومكاتبات جرت بينهما. وذكره العماد الكاتب في ((الخريدة))
فقال : شاب فاضل ، ومن شعره قوله :
أقولُ له صِلْنِي فيصرفُ وجهَهُ كأنتِّيَ أدعوهُ لفعلٍ محرَّمٍ
فإن كان خَوْقَ الإثم يكرَهُ وصْلَتِي فمن أعظم الآثام قَتْلةُ مُسْلم
توفي يوم الخميس ثالث شهر ربيع الآخر سنة عشر وستمائة بالسَّلاَّمية، رحمه
الله تعالى .
وكان له ولد اجتمعتُ به في حلب ، وأنشدني من شعره وشعر أبيه كثيراً،
وكان شعره جيداً ، ويقع له المعاني الحسنة .
والسلاَّمية : بفتح السين المهملة وتشديد اللام وبعد الميم ياء مثناة من تحتها
ثم هاء ، وهي بليدة على شط الموصل من الجانب الشرقي أسفلَ الموصل ، بينهما
مسافة يوم ، فالموصل في الجانب الغربي . وقد خربت السلامية القديمة التي كان
الظهير قاضيها ، وأنشئت بالقرب منها بليدة أخرى وسموها السلامية أيضاً .
١ أ : لا عمت .
٣٨

٩
ابراهيم بن المهدي
أبو إسحاق إبراهيم بن المهدي بن المنصور أبي جعفر بن محمد بن علي بن
عبد الله بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي ، أخو هارون الرشيد ؛ كانت له اليد
الطُّولى في الغناء والضّرْب بالملاهي وحسن المنادمة ، وكان أسود اللون لأن أمه
كانت جارية سوداء، واسمها شكلة - بفتح الشين المعجمة وكسرها، وسكون
الكاف، وبعد اللام هاء - وكان مع سواده عظيم الجثة، ولهذا قيل له التّنِّين،
وكان وافر الفضل١، غزير الأدب، واسع النفس، سخيَّ الكف ، ولم ير في
أولاد الخلفاء قبله أفصح منه لساناً ، ولا أحسن منه شعراً، بويع له بالخلافة
ببغداد٢ بعد المائتين٣ والمأمونُ يومئذ بخراسان، وقصته مشهورة ، وأقام خليفة
بها مقدار سنتين، وذكر الطبري في تاريخه أن أيام إبراهيم بن المهدي كانت سنة
وأُحَد عَشَرَ شهراً واثْنَي عَشر يوماً .
وكان سبب خلع المأمون وبَيْعة إبراهيم بن المهدي أن المأمون لما كان
بِخُراسان جعل ولي عهده علي بن موسى الرضا الآتي ذكره في حرف العين إِن
شاء الله تعالى، فشق ذلك على العباسيين ببغداد [خوفاً من انتقال الأمر عنهم إلى
العلويين] فبايعوا إبراهيم بن المهدي المذكور، وهو عم المأمون ، ولقبوه المبارك
[وقيل سموه المرضيّ] وكانت مبايعته يوم الثلاثاء لخمس بقين من ذي الحجة
سنة إحدى ومائتين ببغداد ، بايعه العباسيون في الباطن ثم بايعه أهلُ بغداد في
أول يوم من المحرم سنة اثنتين ومائتين ، وخلعوا المأمون ، فلما كان يوم الجمعة
٩ - أخباره في كتب التاريخ، انظر مثلاً الطبري (حوادث ٢٠١) والأغاني ٧٢:١٠ والورقة:
١٩ وأشعار أولاد الخلفاء : ١٧ - ٤٩ .
١ د : العقل .
٢ ج د : سنة ٢٠٢.
٣ أج هـ : بعد الأمين .
٣٩

خمس خلون من المحرم أظهروا ذلك ، وصعد إبراهيم المنبر ، وكان المأمون لما
بايع علي بن موسى الرضا بولاية العهد أمر الناس بترك لباس السواد الذي هو
شعار بني العباس ، وأمرهم بلباس الخضرة ، فعز ذلك على بني العباس أيضاً ،
وكان من جملة الأسباب التي نقَمُوها على المأمون ، ثم أعاد لبس السواد يوم
الخميس لليلة بقيت من ذي القعدة سنة سبع ومائتين لسبب اقتضى ذلك ، ذكره
الطبري في تاريخه (١)* فلما توجه المأمون من خراسان إلى بغداد خاف إبراهيم
على نفسه ، فاستخفى ، وكان استخفاؤه ليلة الأربعاء لثلاثَ عشرة ليلة بقيت
من ذي الحجة سنة ثلاث ومائتين، وذلك بعد أمور يطول شرحها ، ولا يحتمل
هذا المختصر ذكرها ، ثم دخل المأمون بغداد يوم السبت لأربع عشرة ليلة
بقيت من صفر سنة أربع ومائتين ، ولما استخفى إبراهيم عمل فيه دِغْيِلٌ
الخزاعي :
فهفا إليه كلُّ أطلَسَ مائِقٍ
نعر١ ابن شِكِلَةَ بالعراقِ وأهلِهِ
فلَتَصْلُحَنْ من بعده المخارِقٍ
إن كان إبراهيمُ مُضطلِعاً بها
ولتصلحنْ من بعده للمارق
ولتصلحنْ من بعد ذاك لزلزُلٍ
أنى يكونُ وليس ذاك بكائنٍ يرِثُ الخلافَةَ فاسقٌ عن فاسِقِ
ومُخَارق : بضم الميم وفتح الخاء المعجمة، وزلزل : بضم الزاءين المعجمتين،
والمارق : هؤلاء الثلاثة كانوا مُغَنِّين في ذلك العصر .
وأخبار إبراهيم طويلة شهيرة .
وقال إبراهيم : قال لي المأمون ، وقد دخلت عليه بعد العفو عني : أنت
الخليفة الأسود ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، أنا الذي مننت عليه بالعفو ، وقد
قال عَبْدُ بني الحَسْحاس٢:
أُشْعَارُ عَبْدِ بني الحَسحاسِ قُمْنَ له عندَ الفَخارِ مقامِ الأصل والوَرِقِ
إن كنتُ عبداً فنفسي حُرَّة ◌ٌ كَرَماً أو أُسْوَدَ الخَلْقِ إني أبيضُ الخُلُق
١ هـ : نفر .
٢ ديوانه : ٥٥ .
٤٠