النص المفهرس

صفحات 341-360

وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((الطَّاعُونُ رِجْزٌ أُرْسِلَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ بَنِي
إِسْرَائِيلَ، وَعَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ .. فَلَا تَدْخُلُوا
عَلَيْهِ ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا .. فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهَا فِرَاراً مِنْهُ » .
وَرُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَيْضاً رَضِيَ اللهُ تَعَالَى
عَنْهُ .
وَفِي (( سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ )) مَرْفُوعاً: ((إِنَّ مِنَ الْقَرَفِ اُلْتَّلَفَ)).
قَالَ أَبْنُ قُتَيْبَةَ: ( الْقَرَفُ ) مُدَانَاةُ الْوَبَاءِ ، وَمُدَانَةُ الْمَرْضَىُ.
وَفِي (( صَحِيحِ اٌلْبُخَارِيِّ)» : عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا :
عَنِ الْنَبِيِّ صَلَّى الهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((الْشِّفَاءُ فِي ثَلَاثٍ : شَرْبَةِ عَسَلٍ ،
وَشَرْطَةٍ مِحْجَمٍ ، وَكَيَّةِ نَارٍ . وَأَنْهَىْ أُمَّتِي عَنِ الْكَيِّ)).
وَفِي (( سُنَنِ أَبْنِ مَاجَهْ)) : عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ : قَالَ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى الهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَا مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي بِمَلَأُ .. إِلَّا
قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ؛ مُرْ أُمَّتَكَ بِالْحِجَامَةِ)). وَرَوَاهُ الْتِّرْمِذِيُّ: عَنِ أَبْنِ عَبَّاسٍ
بَلَفْظِ: ((عَلَيْكَ بِالْحِجَامَةِ يَا مُحَمَّدُ )).
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى الهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: (( خَيْرُ مَا تَدَاوَيْتُمْ
بِهِ .. أُلْحِجَامَةُ وَاَلْفَصْدُ)).
وَفِي حَدِيثٍ: (( خَيْرُ الدَّوَاءِ .. الْحِجَامَةُ وَاَلْفَصْدُ)).
وَرَوَى الْتِّرْمِذِيُّ فِي ((جَامِعِهِ )): عَنِ أَبْنِ عَبَّاسِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا
٣٣٨

يَرْفَعُهُ: ((إِنَّ خَيْرَ مَا تَحْتَجِمُونَ فِيهِ يَوْمَ سَابعَ عَشْرَةَ، أَوْ تَاسِعَ عَشْرَةَ ،
وَيَوْمَ إِحْدَىُ وَعِشْرِينَ )) .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ مَرْفُوعاً: (( مَنِ أَحْتَجَمَ يَوْمَ
اَلْأَرْبِعَاءِ ، أَوْ يَوْمَ الْسَّبْتِ ؛ فَأَصَابَهُ بَيَاضٌ، أَوْ بَرَضٌ . . فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا
نَفْسَهُ )) .
وَرَوَى الْذَّارَ قُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ نَافِع [رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَىْ] قَالَ : قَالَ لِي
عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ : تَبَّغَ بِيَ آلَدَّمُ(١) ، فَأَبْغِي حَجَّاماً، وَلَا يَكُنْ صَبِيّاً ، وَلَا
شَيْخاً كَبِيراً ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :
((الْحِجَامَةُ .. تَزِيدُ أَلْحَافِظَ حِفْظاً، وَأَلْعَاقِلَ عَقْلاً، فَأَحْتَجِمُوا عَلَى
أَسْمِ اللهِ ، وَلَا تَحْتَجِمُوا يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَأَلْجُمُعَةِ، وَالسَّبْتِ، وَالْأَحَدِ.
وَأَحْتَجِمُوا يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ، وَمَا كَانَ مِنْ جُذَامٍ وَلَا بَرَصٍ إِلَّا نَزَلَ يَوْمَ
اُلْأَرْبِعَاءِ ».
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُودَ فِي (( سُنَتِهِ)): مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللهُ
تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ الْحِجَامَةَ يَوْمَ اٌلْثُّلَاثَاءِ. وَقَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( يَوْمُ الثُّلَاثَاءِ .. يَوْمُ أَلَدَّم، وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا
يَرْقَأُ » .
وَرَوَى الْتِّرْمِذِيُّ فِي ((جَامِعِهِ)) وَأَبْنُ مَاجَهْ فِي (( سُنَتِهِ)): عَنْ أَسْمَاءَ
بِنْتِ عُمَيْسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : ((بِمَاذَا كُنْتِ تَسْتَمْشِينَ؟))، قَالَتْ: بِالْشُّبْرُم، قَالَ: ((حَارٌّ ..
(١) أي : هاجَ بي الدم وغلب ، وذلك حين تظهر حمرتُهُ في البدن .
٣٣٩
ى

حَارٌّ ))، ثُمَّ قَالَتْ: أَسْتَمْشَيْتُ بِالسَّنَى. فَقَالَ: ((لَوْ كَانَ شَيْءٌ يَشْفِي مِنَ
اُلْمَوْتِ .. كَانَ السَّنَى ».
وَ( الْشُّبْرُمُ ) : قِشْرُ عِرْقِ شَجَرَةٍ .
وَفِي (( سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ)): عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُمِّ حِرَامِ [رَضِيَ اللهُ تَعَالَى
عَنْهُ] - وَكَانَ مِمَّنْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقِبْلَتَيْنِ - قَالَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((عَلَيْكُمْ بِالسَّنَى
وَاْلْسَّنُّوتِ، فَإِنَّ فِيهِمَا شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ، إِلَّا السَّامَ)) ، قِيلَ: يَا
رَسُولَ اللهِ ؛ وَمَا ◌ٌلْسَّامُ؟ قَالَ: ((الْمَوْتُ)).
وَ( الْسَّنَى ) : نَبْتُ حِجَازِيٌّ، أَفْضَلُهُ الْمَكُِّّ .
وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى ( السَّنُّوتِ) عَلَى أَقْوَالٍ (١)، وَأَقْرَبُهَا إِلَى الصَّوَابِ:
أَنَّهُ الْعَسَلُ الَّذِي يَكُونُ فِي زِقَاقِ السَّمْنِ .
وَرَوَى الْتِّرْمِذِيُّ: عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((تَدَاوَوْا مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ بِالْقُسْطِ الْبَحْرِيِّ
وَأْلَزَّيْتِ )).
وَ(ذَاتُ الْجَنْبِ ) : وَرَمٌّ حَارٌ يَحْدُثُ فِي الْغِشَاءِ الْمُسْتَبْطِنِ لِلْأَضْلَاعِ ،
وَأَلَمٌ يُشْبِهُهُ يَعْرِضُ فِي نَوَاحِي الْجَنْبِ .
(١) قيل : إنه الزيد ، وقيل: الجبن ، وقيل : الطلاء الخائر مع الزنجبيل ، وقيل :
عصارة التمر المطبوخ وما يطبخ في التمر والعنب ، وقيل : حب يشبه الكمون ،
وقيل : الكمون الكرماني ، وقيل الرازيانج ، وهو الشمار أو الشمر .
٣٤٠

وَ( الْقُسْطُ الْبَحْرِيُّ ) هُوَ: الْعُودُ الْهِنْدِيُّ (١).
وَفِي ((الصَّحِيحَيْنِ)): أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( خَيْرُ مَا
تَدَاوَيْتُمْ بِهِ: الْحِجَامَةُ، وَالْقُسْطُ الْبَحْرِيُّ، وَلَا تُعَذِّبُوا صِبْيَانَكُمْ بِالْغَمْزِ مِنَ
الْعُذْرَةِ))(٢).
وَفِي (( السُّنَنِ وَالْمُسْنَدِ )) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ [رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا]
قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى
عَنْهَا - وَعِنْدَهَا صَبِيٍّ يَسِيلُ مِنْخِرَاهُ دَماً - فَقَالَ: ((مَا هَذَا؟)) ، قَالُوا: بِهِ
اُلْعُذْرَةُ، أَوْ: وَجَعٌ فِي رَأْسِهِ ، فَقَالَ: (( وَيْلَكُنَّ؛ لَا تَقْتُلْنَ أَوْلَادَكُنَّ،
أَيُّمَا أَمْرَأَةٍ أَصَابَ وَلَدَهَا عُذْرَةٌ ، أَوْ وَجَعٌ فِي رَأْسِهِ .. فَلْتَأْخُذْ قُسْطاً هِنْدِيّاً ،
فَتَحُكَّهُ بِمَاءٍ ، ثُمَّ تَسْعَطْهُ إِيَّهُ)) ، فَأَمَرَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ الهُ تَعَالَى عَنْهَا فَصُنِعَ
ذَلِكَ لِلَصَّبِيِّ فَبَرَأَ .
وَ( الْعُذْرَةُ): تَهَيٌّ فِي الْخَلْقِ مِنَ الدَّمِ .
وَقِيلَ: قُرْحَةٌ تَخْرُجُ فِيمَا بَيْنَ الْأُذُنِ وَالْحَلْقِ ، وَتَعْرِضُ لِلْصِّبْيَانِ
غَالِباً .
وَ( الْقُسْطُ اَلْبَحْرِيُّ) : هُوَ الْعُودُ الْهِنْدِيُّ، وَهُوَ الْأَبْيَضُ مِنْهُ ، وَفِيهِ
مَنَافِعُ عَدِيدَةٌ ، وَكَانُوا يُعَالِجُونَ أَوْلَادَهُمْ بِغَمْزِ اللَّهَاةِ(٣)، وَبِالْعِلَاقِ؛ وَهُوَ
(١) وهو العود الذي يتبخّر به ، ويجلب من الهند .
(٢) العذرة: وجع في الحلق يصيب اللوزتين بالالتهاب . والغمز: أن يُدخَل نحو
الأصبع في حلق المريض ويضغط محل الوجع ، فينفجر منه دم أسود .
(٣) اللحمة التي في أقصى الحلق .
٣٤١

شَيْءٌ يُعَلِّقُونَهُ عَلَى الصِّبْيَانِ، فَنَهَاهُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ ،
وَأَرْشَدَهُمْ إِلَى مَا هُوَ أَنْفَعُ لِلْأَطْفَالِ وَأَسْهَلُ عَلَيْهِمْ .
وَ( السَّعُوطُ ) : مَا يُصَبُّ فِي أَنْفِ الْإِنْسَانِ وَهُوَ مُسْتَلْقٍ عَلَى ظَهْرِهِ ،
وَبَيْنَ كَتِفَيْهِ مَا يَرْفَعُهُمَا؛ لِيَنْخَفِضَ رَأْسُهُ فَيَتَمَكَّنَ السَّعُوطُ مِنَ الْوُصُولِ إِلَى
دِمَاغِهِ، وَيَسْتَخْرِجَ مَا فِيهِ مِنَ الدَّاءِ بِأَلْعُطَاسِ.
وَقَدْ مَدَحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اُلْتَّدَاوِيَ بِالسَّعُوطِ فِيمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ
فِیهِ .
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ أَنْ يُسْتَرْقَى مِنَ الْعَيْنِ .
وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي (( صَحِيحِهِ )) : عَنِ أَبْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((الْعَيْنُ حَقٌّ، وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ
سَابِقَ الْقَدَرِ .. لَسَبَقَتْهُ أَلْعَيْنُ)).
وَفِي (( سُنَّنِ أَبِي دَاوُودَ )) : عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ :
كَانَ يُؤْمَرُ أَلْعَائِنُ فَيَتَوضَّأُ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ الْمَعِينُ .
قَالَ الزُّهْرِيُّ: يُؤْمَرُ الرَّجُلُ الْعَائِنُ بِقَدَحِ، فَيُدْخِلُ كَفَّهُ فِيهِ ،
فَيَتَمَضْمَضُ، ثُمَّ يَمُجُهُ فِي الْقَدَحِ ، ثُمَّ يَغْسِلُ وَجْهَهُ فِي الْقَدَحِ ، ثُمَّ يُدْخِلُ
يَدَهُ الْيُسْرَى، فَيَصُبُّ عَلَى كَفِّهِ أَلْيُمْنَى فِي الْقَدَحِ، ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ أَلْيُمْنَى،
فَيَصُبُّ عَلَى كَفِّهِ أَلْيُسْرَىُ، ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ أَلْيُسْرَى، فَيَصُبُّ عَلَى مِرْفَقِهِ
الْأَيْمَنِ، ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ أَلْيُمْنَى، فَيَصُتُّ عَلَى مِرْفَقِهِ آلْأَيْسَرِ، ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ
الْيُسْرَى، فَيَصُبُّ عَلَى قَدَمِهِ أَلْيُمِنَى، ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ أَلْيُمْنَى، فَيَصُبُّ عَلَى
قَدَمِهِ أَلْيُسْرِى ثمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ الْيُسْرَى، فَيَصُبُّ عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ
٣٤٢

يُدْخِلُ يَدَهُ أَلْيُمْنَى، فَيَصُبُّ عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَىْ، ثُمَّ يَغْسِلُ دَاخِلَةَ
إِزَارِهِ(١) ، وَلَا يُوضَعُ الْقَدَحُ فِي الْأَرْضِ ، ثُمَّ يَصُبُّ عَلَىْ رَأْسِ الرَّجُلِ
الَّذِي تُصِيبُهُ الْعَيْنُ مِنْ خَلْفِهِ صَبَّةً وَاحِدَةً .
وَمِمَّا يَدْفَعُ إِصَابَةَ الْعَيْنِ :
- قَوْلُ : ( الَّلْهُمَّ بَارِكْ عَلَيْهِ ) .
- وَقَوْلُ : ( مَا شَاءَ اللهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ ).
(١) أي الطرف المتدلِّي الذي يلي حَقْوَه الأيمن، وقيل: إنَّ المراد ما يَلي جسدَه من
الإزار .
٣٤٣

الفَصَّكُ الثَّاني
فى من صفى الله عليه وسلم ووفاة
عَنِ أَبْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ : مَكَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً يُوحَى إِلَيْهِ ، وَبِالْمَدِينَةِ عَشْراً، وَتُؤُفِّيَ وَهُوَ
أَبْنُ ثَلَاثٍ وَستِّينَ .
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ [رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ]: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ تُؤُفِّيَ وَهُوَ أَبْنُ خَمْسٍ وَسِتِينَ .
وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ تَوَفَّاهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى رَأْسِ سِتِينَ سَنَةً.
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاتَ
وَهُوَ أَبْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً .
وَعَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمِ الْأَسَدِيِّ [رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى] عَنْ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللهُ
تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّهُ سَمِعَهُ يَخْطُبُ، قَالَ : مَاتَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ وَهُوَ أَبْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِينَ ، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَأَنَا أَبْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِينَ سَنَةً .
قَوْلُهُ: ( أَنَا أَبْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِينَ ) الْمُرَادُ : أَنَّهُ كَانَ كَذَلِكَ وَقْتَ تَحْدِيثِهِ
بِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَلَمْ يَمُتْ فِيهِ ، بَلْ عَاشَ حَتَّى بَلَغَ نَحْوَ ثَمَانِينَ سَنَةً .
٣٤٤

وَأَمَّا وَفَاةُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: آخِرُ نَظْرَةِ نَظَرْتُهَا إِلَى
رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَشَفَ السِّتَارَةَ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ، فَنَظَرْتُ إِلَى
وَجْهِهِ كَأَنَّهُ وَرَقَهُ مُصْحَفٍ (١) ، وَالنَّاسُ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ ، فَكَادَ النَّاسُ أَنْ
يَضْطَرِبُوا، فَأَشَارَ إِلَى النَّاسِ : أَنِ أَثْتُوا وَأَبُو بَكْرٍ يَؤُمُّهُمْ، وَأَلْقَى
السَّجْفَ، وَتُؤُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ آخِرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ .
وَ( أُلْسِّجْفُ) : السِّتَارَةُ .
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: كُنْتُ مُسْنِدَةً اٌلْنَبِيَّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى صَدْرِي - أَوْ قَالَتْ: إِلَى حَجْرِي - فَدَعَا بِطَسْتٍ ؛ لِيَبُولَ
فِيهِ (٢) ، ثُمَّ بَالَ ، فَمَاتَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا أَيْضاً أَنَّهَا قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِالْمَوْتِ، وَعِنْدَهُ قَدَحٌ فِيهِ مَاءٌ، وَهُوَ يُدْخِلُ يَدَهُ
فِي الْقَدَحِ، ثُمَّ يَمْسَحُ وَجْهَهُ بِأَلْمَاءِ ، ثُمَّ يَقُولُ: ((الْلُهُمَّ؛ أَعِنِّي عَلَى
سَكَرَاتِ الْمَوْتِ )) .
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا أَيْضاً قَالَتْ: لَا أَغْبِطُ أَحَداً بِهَوْنِ
مَوْتٍ بَعْدَ أَلَّذِي رَأَيْتُ مِنْ شِدَّةِ مَوْتِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا أَيْضاً قَالَتْ: لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. أَخْتَلَفُوا فِي دَفْنِهِ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : سَمِعْتُ مِنْ
(١) وهو كناية عن الجمال البارع وحسنِ البَشَرة، وصَفاء الوجه واستنارته.
(٢) إناء من نحاس مستدير ، يغسل فيه . معرب ( تَشْت ).
٣٤٥

رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئاً مَا نَسِيتُهُ؛ قَالَ: « مَا قَبَضَ اللهُ نَبِيّاً إِلَّ
فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُدْفَنَ فِيهِ ، اِدْفِنُوهُ فِي مَوْضِعِ فِرَاشِهِ » .
وَعَنْ عَائِشَةَ أَيْضاً وَأَبْنِ عَبَّاسِ [رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ]: أَنّ أَبَا بَكْرٍ قَبَّلَ
النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ مَا مَاتَ.
وَعَنْ عَائِشَةَ أَيْضاً رَضِيَ الهُ تَعَالَى عَنْهَا: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ وَفَاتِهِ ، فَوَضَعَ فَمَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ، وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَىُ
سَاعِدَيْهِ ، وَقَالَ: وَانَبِيَّاهْ، وَاصَفِيَّاهُ، وَاخَلِيلَاهْ.
وَعَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْهُ قَالَ : لَمَّا كَانَ أَلْيَوْمُ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ .. أَضَاءَ مِنْهَا كُلُّ شَيْءٍ ، فَلَمَّا كَانَ
أَلْيَوْمُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ .. أَظْلَمَ مِنْهَا كُلُّ شَيْءٍ، وَمَا نَفَضْنَا أَيْدِيَنَا مِنَ اُلُّرَابِ ،
وَإِنَّا لَفِي دَفْنِهِ حَتَّى أَنْكَرْنَا قُلُوبَنَا .
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: تُؤُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ .
وَعَنْ مُحَمَّدٍ الْبَاقِرِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَهُوَ مِنَ الْتَّابِعِينَ - قَالَ: قُبِضَ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ ، فَمَكَثَ ذَلِكَ أَلْيَوْمَ ، وَلَيْلَةَ
اُلْثُّلَاثَاءِ ، وَدُفِنَ مِنَ اللَّيْلِ .
وَعَنْ سَالِمٍ بْنِ عُبَيْدٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ - قَالَ :
أَغْمِيَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضِهِ ، فَأَفَاقَ ، فَقَالَ :
((حَضَرَتِ الصَّلَاةُ؟))، فَقَالُوا: نَعَمْ، فَقَالَ: ((مُرُوا بِلَالاً فَلْيُؤَذِّنْ،
وَمُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ )) .
٣٤٦

قَالَ: ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، فَأَفَاقَ، فَقَالَ: ((حَضَرَتِ الصَّلَاةُ؟ ))،
فَقَالُوا: نَعَمْ، فَقَالَ: (( مُرُوا بِلَالاً فَلْيُؤَذِّنْ، وَمُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ
بِالنَّاسِ)).
فَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا : إِنَّ أَبِي رَجُلٌ أَسِيفٌ - أَيْ: حَزِينٌ -
إِذَا قَامَ ذَلِكَ الْمَقَامَ .. بَكَىْ، فَلَا يَسْتَطِيعُ، فَلَوْ أَمَرْتَ غَيْرَهُ .
قَالَ: ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ ، فَأَفَاقَ، فَقَالَ: (( مُرُوا بِلَالاَ فَلْيُؤَذِّنْ ، وَمُرُوا
أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ، فَإِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ - أَوْ صَوَاحِبَاتُ - يُوسُفَ))؛
أَيْ : مِثْلُهُنَّ فِي إِظْهَارِ خِلَافِ مَا يُبْطِنَّ .
قَالَ: فَأُمِرَ بِلَالٌ فَأَذَّنَ، وَأُمِرَ أَبُو بَكْرٍ فَصَلَّى بِلنَّاسِ، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَدَ خِفَّةً فَقَالَ: (( أَنْظُرُوا لِي مَنْ أَتَّكِىءُ عَلَيْهِ))،
فَجَاءَتْ بَرِيرَةُ وَرَجُلٌ آخَرُ؛ فَتَّكَأَ عَلَيْهِمَا، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ ذَهَبَ
لِيَنْكِصَ؛ فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ أَنْ يَثْبُتَ مَكَانَهُ حَتَّى قَضَى أَبُو بَكْرِ صَلَاتَهُ .
ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُبِضَ، فَقَالَ عُمَرُ: وَاللهِ؛ لَا
أَسْمَعُ أَحَداً يَذْكُرُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُبِضَ إِلَّا ضَرَبْتُهُ بِسَيْفِي
هَذَا. قَالَ : وَكَانَ النَّاسُ أُمِّيِّنَ ؛ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ نَبِيٌّ قَبْلَهُ ، فَأَمْسَكَ
النَّاسُ .
فَقَالُوا: يَا سَالِمُ؛ اِنْطَلِقْ إِلَى صَاحِبِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فَادْعُهُ ، فَأَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ - فَأَتَيْتُهُ أَبْكِي
دَهِشاً؟ فَلَمَّا رَآنِ .. قَالَ لِْ: أَقْبِضَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ،
قُلْتُ: إِنَّ عُمَرَ يَقُولُ: لَا أَسْمَعُ أَحَداً يَذْكُرُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
٣٤٧

وَسَلَّمَ قُبِضَ . . إِلَّا ضَرَبْتُهُ بِسَيْفِي هَذَا، فَقَالَ لِي : إِنْطَلِقْ، فَانْطَلَقْتُ
مَعَهُ، فَجَاءَ هُوَ وَالنَّاسُ قَدْ دَخَلُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ،
فَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ؛ أَفْرِجُوا لِي ، فَأَفْرَجُوا لَهُ ، فَجَاءَ حَتَّى أَكَبَّ عَلَيْهِ
وَمَسَّهُ فَقَالَ: ﴿ إِنَّكَ مَيِّتُ وَإِنَّهُمْ قَّبِتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠].
ثُمَّ قَالُوا : يَا صَاحِبَ رَسُولِ اللهِ ؛ أَقُبِضَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فَعَلِمُوا أَنْ قَدْ صَدَقَ .
قَالُوا : يَا صَاحِبَ رَسُولِ اللهِ ؛ أَيُصَلَّى عَلَى رَسُولِ اللهِ ؟ قَالَ: نَعَمْ ،
قَالُوا: وَكَيْفَ؟ قَالَ: يَدْخُلُ قَوْمٌ، فَيُكَبِّرُونَ وَيُصَلُّونَ، وَيَدْعُونَ ، ثُمَّ
يَخْرُجُونَ، ثُمَّ يَدْخُلُ قَوْمٌ، فَيُكَبِّرُونَ وَيُصَلُّوْنَ، وَيَدْعُونَ، ثُمَّ
يَخْرُجُونَ، حَتَّى يَدْخُلَ النَّاسُ .
قَالُوا: يَا صَاحِبَ رَسُولِ اللهِ ؛ أَيُدْفَنُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟
قَالَ : نَعَمْ ، قَالُوا: أَيْنَ؟ قَالَ : فِي الْمَكَانِ الَّذِي قَبَضَ الهُ فِيهِ رُوحَهُ ،
فَإِنَّ اللهَلَمْ يَقْبِضْ رُوحَهُ إِلَّا فِي مَكَانٍ طَيِّبٍ ، فَعَلِمُوا أَنْ قَدْ صَدَقَ .
ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يُغَسِّلَهُ بَنُو ◌َبِهِ .
وَأَجْتَمَعَ الْمُهَاجِرُونَ يَتَشَاوَرُونَ، فَقَالُوا: اِنطَلِقْ بِنَا إِلَى إِخْوَانِنَا مِنَ
الْأَنْصَارِ نُدْخِلْهُمْ مَعَنَا فِي هَذَا الْأَمْرِ ، فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ : مِنَّا أَمِيرٌ ، وَمِنْكُمْ
أَمِيرٌ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: مَنْ لَهُ مِثْلُ هَذِهِ
الثَّلَاثَةِ؟
﴿ثَانِى أَثْنَيْنِ إِذْهُمَا فِى الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَحِبِهِ، لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ
مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] مَنْ هُمَا؟.
٣٤٨

قَالَ: ثُمَّ بَسَطَ يَدَهُ فَبَايَعَهُ، وَبَايَعَهُ النَّاسُ ، بَيْعَةً حَسَنَةً جَمِيلَةً .
قَالَ أَلْبَاجُورِيُّ :
( الْفَضِيلَةُ الْأُولَىْ: كَوْنُهُ أَحَدَ اُلِأَثْنَيْنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثَانِى أَثْنَيْنِ
إِذْهُمَا فِى الْغَارِ﴾ [التوبة: ٤٠].
اَلْفَضِيلَةُ الثَّانِيَةُ: إِثْبَاتُ الْصُّحْبَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ،
لَا تَحْزَنْ﴾ [التوبة: ٤٠].
فَسَمَّاهُ اللهُ (صَاحِبَهُ)، فَمَنْ أَنْكَرَ صُحْبَتَهُ .. كَفَرَ؛ لِمُعَارَضَتِهِ
اُلْقُرْآنَ .
اَلْفَضِيلَةُ الثَّالِثَةُ: إِثْبَاتُ الْمَعِيَّةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾
[التوبة: ٤٠] .
فَثُبُوتُ هَذِهِ الْفَضَائِلِ لَهُ .. يُؤْذِنُ بِأَحَقِّيَّتِهِ بِالْخِلَافَةِ ) .
وَعَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: لَمَّا وَجَدَ رَسُولُ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ كَرْبِ الْمَوْتِ مَا وَجَدَ . . قَالَتْ فَاطِمَةُ رَضِيَ اللهُ
[تَعَالَىْ] عَنْهَا: وَاكَرْبَاهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَا كَرْبَ
عَلَىْ أَبِيكِ بَعْدَ أَلْيَوْم؛ إِنَّهُ قَدْ حَضَرَ مِنْ أَبِيكِ مَا لَيْسَ بِتَارِكِ مِنْهُ أَحَداً ،
الْمُوَافَاةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ » .
قَالَ أَلْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ فِي ((الْإِحْيَاءِ)): ( قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى
عَنْهُ: دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِ أُمِّنَا عَائِشَةَ
رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا حِينَ دَنَا الْفِرَاقُ، فَنَظَرَ إِلَيْنَا، فَدَمَعَتْ عَيْنَاهُ صَلَّى اللهُ
٣٤٩

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: ((مَرْحَباً بِكُمْ، حَيَّاكُمُ اللهُ، آوَاكُمُ اللهُ،
نَصَرَكُمُ اللهُ، وَأُوصِيكُمْ بِتَقوَى اللهِ ، وَأُوْصِي بِكُمُ اللهَ ، إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ
مُبِينٌ ؛ أَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللهِ فِي بِلَادِهِ وَعِبَادِهِ ، وَقَدْ دَنَا الْأَجَلُ، وَالْمُنْقَلَبُ
إِلَى اللهِ، وَإِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَإِلَى جَنَّةِ الْمَأْوَى، وَإِلَى الْكَأْس
اَلْأَوْفَىْ، فَأَقْرَؤُوا عَلَىْ أَنْفُسِكُمْ وَعَلَى مَنْ دَخَلَ فِي دِينِكُمْ بَعْدِيَ مِنِّيَ اٌلْسَّلَامَ
وَرَحْمَةَ اللهِ )) .
وَرُوِيَ: أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عِنْدَ مَوْتِهِ :
((مَنْ لِأُمَّتِي مِنْ بَعْدِي؟))، فَأَوْحَى اللهُ تَعَالَى إِلَى جِبْرِيلَ: أَنْ بَشِّرْ حَبِي
أَنِّي لَا أَخْذُلُهُ فِي أُمَّتِهِ ، وَبَشِّرْهُ أَنَّهُ أَسْرَعُ النَّاسِ خُرُوجَاً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا
بُعِثُوا، وَسَيِّدُهُمْ إِذَا جُمِعُوا، وَأَنَّ الْجَنَّةَ مُحَرَّمَةٌ عَلَى الْأُمَمِ ، حَتَّى تَدْخُلَهَا
أُمَّتُهُ ، فَقَالَ [صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ]: ((الْآنَ قَرَّتْ عَيْنِي )).
وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ أَنْ نُغَسِّلَهُ بِسَبْعِ قِرَبٍ مِنْ سَبْعَةِ آبَارٍ ، فَفَعَلْنَا ذَلِكَ ، فَوَجَدَ رَاحَةً ،
فَخَرَجَ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ، وَأَسْتَغْفَرَ لِأَهْلِ أُحُدٍ، وَدَعَا لَهُمْ، وَأَوْصَى
بِالْأَنْصَارِ، فَقَالَ: « أَمَّا بَعْدُ: يَا مَعْشَرَ أَلْمُهَاجِرِينَ؛ فَإِنَّكُمْ تَزِيدُونَ ،
وَأَصْبَحَتِ الْأَنْصَارُ لَا تَزِيْدُ عَلَى هَيْئَتِهَا الَّتِي هِيَ عَلَيْهَا أَلْيَوْمَ، وَإِنَّ الْأَنْصَارَ
عَيْبَتِي أَلَّتِي أَوَيْتُ إِلَيْهَا(١) ، فَأَكْرِمُوا كَرِيمَهُمْ - يَعْنِي: مُحْسِنَهُمْ - وَتَجَاوَزُوا
عَنْ مُسِيئِهِمْ )).
ثُمَّ قَالَ [صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ]: ((إِنَّ عَبْدَاً خُيِّرَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا
(١) أي : موضع سِرِّي .
٣٥٠

عِنْدَ اللهِ .. فَأَخْتَارَ مَا عِنْدَ اللهِ))، فَبَكَىْ أَبُو بَكْرِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ ،
وَظَنَّ أَنَّهُ يُرِيدُ نَفْسَهُ .
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((عَلَى رِسْلِكَ يَا أَبَا بَكْرٍ ، سُدُّوا
هَذِهِ الْأَبْوَابَ الشَّوَارِعَ فِي الْمَسْجِدِ ، إِلَّا بَابَ أَبِي بَكْرٍ ؛ فَإِنِّي لَا أَعْلَمُ أَمْرَأَ
أَفْضَلَ عِنْدِي فِي الصُّحْبَةِ مِنْ أَبِي بَكْرٍ )) .
قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا : فَقُبِضَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي
بَيْتِي، وَفِي يَوْمِي، وَبَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي(١)، وَجَمَعَ اللهُ بَيْنَ رِيقِي وَرِيقِهِ
عِنْدَ أَلْمَوْتِ، فَدَخَلَ عَلَيَّ أَخِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَبِيَدِهِ سِوَاٌ ، فَجَعَلَ يَنْظُرُ
إِلَيْهِ ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ يُعْجِبُهُ ذَلِكَ ، فَقُلْتُ لَه: آخُذُهُ لَكَ؟ فَأَوْمَأَ بِرَأْسِهِ - أَيْ :
نَعَمْ - فَنَاوَلْتُهُ إِيَّاهُ ، فَأَدْخَلَهُ فِي فِيهِ ، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ ، فَقُلْتُ: أُلَيِّئُهُ لَكَ ؟
فَأَوْمَأَ بِرَأْسِهِ - أَيْ : نَعَمْ - فَلَنْتُهُ، وَكَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةُ مَاءٍ ، فَجَعَلَ يُدْخِلُ
فِيهَا يَدَهُ وَيَقُولُ: ((لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، إِنَّ لِلْمَوْتِ لَسَكَرَاتٍ)) ، ثُمَّ نَصَبَ يَدَهُ
يَقُولُ: ((الْرَّفِيقَ الْأَعْلَىِ .. الْرَّفِيقَ الْأَعْلَى)).
فَقُلْتُ : إِذاً - وَاللهِ - لَا يَخْتَارُنَا.
وَرَوَىْ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ [رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَىُ] قَالَ: لَمَّا
رَأَتِ الْأَنْصَارُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَزْدَادُ ثِقَلاً .. أَطَافُوا
بِالْمَسْجِدِ ، فَدَخَلَ الْعَبَّاسُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ فَأَعْلَمَهُ بِمَكَانِهِمْ وَإِشْفَاقِهِمْ .
(١) السَّحْر : الصدر. والنَّحر : موضع القلادة من الصدر.
٣٥١

ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ الْفَضْلُ [رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ] فَأَعْلَمَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ .
ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ فَأَعْلَمَهُ بِمِثْلِهِ، فَمَذَّ يَدَهُ ،
وَقَالَ: ((هَا )) فَتَنَاوَلُوهُ، فَقَالَ: (( مَا يَقُولُونَ؟))، قَالُوا: يَقُولُونَ:
نَخْشَىْ أَنْ تَمُوتَ .
وَتَصَايَحَ نِسَاؤُهُمْ لِأَجْتِمَاعِ رِجَالِهِمْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ،
فَثَارَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَخَرَجَ مُتَوَكِّئاً عَلَى عَلَيٍّ وَأَلْفَضْلِ ،
وأَلْعَبَّاسُ أَمَامَهُ، وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعْصُوبُ الرَّأْسِ يَخُطُّ
بِرِجْلَيْهِ ، حَتَّى جَلَسَ عَلَى أَسْفَلِ مِرْقَةٍ مِنَ الْمِنْبَرِ، وَثَابَ النَّاسُ إِلَيْهِ،
فَحَمِدَ اللهَ ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَقَالَ :
(( أَيُّهَا النَّاسُ؛ إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تَخَافُونَ عَلَيَّ الْمَوْتَ، كَأَنَّهُ أَسْتِنْكَارٌ
مِنْكُمْ لِلْمَوْتِ؟! وَمَا تُنْكِرُونَ مِنْ مَوْتِ نَبِيِّكُمْ؟ أَلَمْ أُنْعَ إِلَيْكُمْ، وَتُنْعَى إِلَيْكُمْ
أَنْفُسُكُمْ؟!
هَلْ خُلِّدَ نَبِيٌّ قَبْلِي فِيمَنْ بُعِثَ . . فَأُخَلَّدَ فِيكُمْ؟
أَا وَإِنِّي لَاحِقٌ بِرَبِّي ، أَ وَإِنَّكُمْ لَاحِقُونَ بِهِ .
وَإِنِّي أُوصِيكُمْ بِأَلْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ خَيْراً، وَأُوصِي الْمُهَاجِرِينَ فِيمَا
بَيْنَهُمْ؛ فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: ﴿وَاَلْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ﴾ إِلَّا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [العصر: ١-٣] ... إِلَى آخِرِهَا.
وَإِنَّ الْأُمُورَ تَجْرِي بِإِذْنِ اللهِ، فَلَا يَحْمِلَنَّكُمُ أَسْتِبْطَاءُ أَمْرٍ عَلَىُ
أَسْتِعْجَالِهِ، فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَعْجَلُ لِعَجَلَةِ أَحَدٍ، وَمَنْ غَالَبَ اللّهَ ..
غَلَبَهُ، وَمَنْ خَادَعَ اللهَ .. خَدَعَهُ
٣٥٢

( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُواْ فِىِ الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُواْ أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢].
وَأُوصِيكُمْ بِالْأَنْصَارِ خَيْراً، فَإِنَّهُمُ الَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ
قَبْلِكُمْ؛ أَنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهِمْ، أَلَمْ يُشَاطِرُوكُمْ فِي الْثِّمَارِ؟! أَلَمْ يُوَسِّعُوا
عَلَيْكُمْ (١) فِي الدِّيَارِ؟! أَلَمْ يُؤْثِرُوكُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَبِهِمُ الْخَصَاصَةُ؟ ! .
أَا .. فَمَنْ وُلِّيَ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ .. فَلْيَقْبَلْ مِنْ مُحْسِهِمْ،
وَلْيَتَجَاوَزْ عَنْ مُسِيئِهِمْ .
أَلَا .. وَلَا تَسْتَأْثِرُوا عَلَيْهِمْ .
أَلَا .. وَإِنِّي فَرَطٌ (٢) لَكُمْ، وَأَنْتُمْ لَاحِقُونَ بِي .
أَا .. وَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْحَوْضُ، حَوْضِي أَعْرَضُ مِمَّا بَيْنَ بُصْرَى الشَّام
وَصَنْعَاءِ الْيَمَنِ ، يَصُبُّ فِيهِ مِيزَابُ الْكَوْثَرِ مَاءَ، أَشَدُّ بَيَاضاً مِنَ اللَّبَنِ ،
وَأَلْيَنُ مِنَ الزَّبَدِ ، وَأَحْلَى مِنَ الشَّهْدِ (٣)، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ .. لَمْ يَظْمَأْ أَبَداً ،
حَصْبَاؤُهُ اللُّؤْلُؤُ، وَبَطْحَاؤُهُ الْمِسْكُ، مَنْ حُرِمَهُ فِي الْمَوْقِفِ غَداً .. حُرِمَ
الْخَيْرَ كُلَّهُ .
أَلَا .. فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرِدَهُ عَلَيَّ غَداً .. فَلْيَكْفُفْ لِسَانَهُ وَيَدَهُ إِلَّا مَّمَا (٤)
يَنْبَغِي .
فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا نَبِيَّ اللهِ ؛ أَوْصِ بِقُرَيْشٍ .
(١) في نسخة : (لكم) .
(٢) أي : سابق .
(٣) الشهد : العسل في شمعه .
(٤) في نسخة : ( فيما ) .
٣٥٣

فَقَالَ: ((إِنَّمَا أُوْصِي بِهَذَا الْأَمْرِ قُرَيْشاً؛ وَالنَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ، بَرُّهُمْ
لِبَرِّهِمْ، وَفَاجِرُهُمْ لِفَاجِرِهِمْ(١) ، فَأَسْتَوْصُوا - آلَ قُرَيْشٍ - بِالنَّاسِ خَيْراً .
يَا أَيُّهَا النَّاسُ؛ إِنَّ الذُّنُوبَ تُغَيِّرُ النِّعَمَ وَتُبَدِّلُ الْقِسَمَ، فَإِذَا بَرَّ النَّاسُ ..
بَرَّهُمْ أَئِمَّتُهُمْ، وَإِذَا فَجَرَ النَّاسُ(٢) . . عَقُّوهُمْ.
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِ بَعْضَ الظََّلِينَ بَعْضًَا بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾))
[الأنعام : ١٢٩] .
وَرَوَى أَبْنُ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: ( سَلْ يَا أَبَا بَكْرٍ )).
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ دَنَا الْأَجَلُ؟ فَقَالَ: ((قَدْ دَنَا الْأَجَلُ،
وَتَدَلَّى )) .
فَقَالَ: لِيَهْنَكَ يَا نَبِيَّ اللهِ مَا عِنْدَ اللهِ ، فَلَيْتَ شِعْرِي عَنْ مُنْقَلَبِنَا؟ فَقَالَ :
((إِلَى اللهِ، وَإِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، ثُمَّ إِلَى جَنَّةِ الْمَأْوَى، وَأَلْفِرْدَوْسِ
الْأَعْلَى، وَأَلْكَأْسِ الْأَوْفَى، وَالرَّفِيقِ الْأَعْلَى، وَأَلْحَظِّ وَالْعَيْشِ الْمُهَنَّا )).
فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ؛ مَنْ يَلِي غُسْلَكَ؟ قَالَ: ((رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي ؛
اْأَدْنَى فَاَلْأَدْنَى)».
قَالَ (٣): يَا رَسُولَ اللهِ؛ فِيمَ نُكَفِّئُكَ؟ قَالَ: ((فِي ثِيَابِي هَذِهِ ، وَفِي
حُلَّةٍ يَمَانِيَةِ ، وَفِي بَيَاضٍ مِصْرَ)).
(١) في نسخة: (برُّهم تبعٌ لبرِّهم ، وفاجرهم تبعٌ لفاجرهم ) .
(٢)
في نسخة : ( وإذا فجرُوا) .
(٣) في نسخة : ( قلنا ).
٣٥٤

فَقَالَ: كَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكَ مِنَّا؟ وَبَكَيْنَا، وَبَكَى ... ثُمَّ قَالَ: ((مَهْلاً
غَفَرَ اللهُ لَكُمْ ، وَجَزَاكُمْ عَنْ نَبِّكُمْ خَيْراً .
إِذَا غَسَّلْتُمُونِي وَكَفَّنْتُمُونِي .. فَضَعُونِي عَلَى سَرِيرِي هَذَا ، فِي بَيْتِي
هَذَا عَلَى شَفِيرِ قَبْرِي، ثُمْ أُخْرُجُوا عَنِّي سَاعَةً - فَإِنَّ أَوَّلَ مَنْ يُصَلَّيِ عَلَيَّ اللهُ
عَزَّ وَجَلَّ ﴿ هُوَ الَّذِى يُصَلّى عَلَيْكُمْ وَمَلَتَبِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣].
ثُمَّ يَأْذَنُ لِلْمَلَائِكَةِ فِي الصَّلَاةِ عَلَيَّ، فَأَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ عَلَيَّ مِنْ خَلْقِ اللهِ
وَيُصَلِّي عَلَيَّ .. جِبْرِيلُ، ثُمَّ مِيكَائِيلُ، ثُمَّ إِسْرَافِيلُ، ثُمَّ مَلَكُ الْمَوْتِ مَعَ
جُنُودٍ كَثِيرَةٍ ، ثُمَّ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْمَعِهَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ ، ثُمَّ أَنْتُمْ ؛
فَادْخُلُوا عَلَيَّ أَفْوَاجاً، فَصَلُّوا عَلَيَّ أَفْوَاجاً ؛ زُمْرَةً زُمْرَةً، وَسَلِّمُوا
تَسْلِيماً، وَلَا تُؤْذُوِي (١) بِتَزْكِيَةٍ وَلَا صَيْحَةٍ وَلَا رَنَّةٍ ، وَلْيَبْدَأْ مِنْكُمُ الْإِمَامُ ،
وَأَهْلُ بَيْتِيَ الْأَذْنَى .. فَأَلْأَذْنَى، ثُمَّ زُمْرَةُ النِّسَاءِ ، ثُمَّ زُمْرَةُ الصِّبْيَانِ .
قَالَ: فَمَنْ يُدْخِلُكَ أَلْقَبْرَ؟ قَالَ: ((زُمَرٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي ... اَلْأَدْنَى
فَالْأَدْنَى مَعَ مَلَائِكَةٍ كَثِيرَةٍ لَا تَرَوْنَهُمْ؛ وَهُمْ يَرَوْنَكُمْ، قُومُوا فَأَدُّوا عَنِّي إِلَى
مَنْ بَعْدِي )) .
وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ زَمْعَةَ [رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ]: جَاءَ بِلَالٌ [رَضِيَ اللهُ
تَعَالَى عَنْهُ] فِي أَوَّلِ شَهْرِ رَبِيعِ الْأَوَّلِ، فَأَذَّنَ بِالصَّلَاةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي ◌ِلنَّاسِ )) .
فَخَرَجْتُ فَلَمْ أَرَ بِحَضْرَةِ الْبَابِ إِلَّا عُمَرَ فِي رِجَالٍ لَيْسَ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ ،
(١) في نسخة : ( ولا تُؤْذِنُوا ) .
٣٥٥

فَقُلْتُ: قُمْ يَا عُمَرُ فَصَلِّ بِالنَّاسِ ، فَقَامَ عُمَرُ، فَلَمَّا كَبَّرَ - وَكَانَ رَجُلاً صَيِّناً
- سَمِعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَوْتَهُ بِالْتَّكْبِيرِ . . فَقَالَ: (( أَيْنَ أَبُو
بَكْرٍ؟ يَأْبَى اللهُ ذَلِكَ، وَالْمُسْلِمُونَ)) قَالَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: (( مُرُوا أَبَا بَكْرٍ
فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ )) ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ [تَعَالَى] عَنْهَا: يَا رَسُولَ اللهِ ؛
إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ رَقِيقٌ ، إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ غَلَبَهُ اَلْبُكَاءُ .
فَقَالَ: ((إِنَّكُنَّ صُوَيْحِبَاتُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ)).
قَالَ : فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ بَعْدَ الصَّلَاةِ الَّتِي صَلَّى عُمَرُ .
فَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ زَمْعَةَ بَعْدَ ذَلِكَ: وَيْحَكَ، مَاذَا صَنَعْتَ
بِي؟ وَاللهِ لَوْلَا أَنِّي ظَنَنْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَكَ .. مَا
فَعَلْتُ ، فَيَقُولُ عَبْدُ اللهِ : إِنِّي لَمْ أَرَ أَحَداً أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْكَ .
قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا : وَمَا قُلْتُ ذَلِكَ وَلَا صَرَفْتُهُ عَنْ أَبِي
بَكْرٍ إِلَّا رَغْبَةً بِهِ عَنِ الدُّنْيَا ، وَلِمَا فِي أَلْوِلَايَةِ مِنَ الْمُخَاطَرَةِ وَالْهَلَكَةِ إِلَّا مَنْ
سَلَّمَ اللهُ، وَخَشِيتُ أَيْضاً أَنْ لَا يَكُونَ النَّاسُ يُحِبُّونَ رَجُلاً صَلَّى فِي مَقَامِ
النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ حَيٌّ أَبَداً - إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ - فَيَحْسُدُونَهُ ،
وَيَبْغُونَ عَلَيْهِ، وَيَتَشَاءَمُونَ بِهِ، فَإِذَا الْأَمْرُ أَمْرُ اللهِ ، وَأَلْقَضَاءُ قَضَاءُ اللهِ
تَعَالَى، وَعَصَمَهُ اللهُ تَعَالَى مِنْ كُلِّ مَا تَخَوَّفْتُ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ .
وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا : فَلَمَّا كَانَ أَلْيَوْمُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. رَأَوْا مِنْهُ خِفَّةً فِي أَوَّلِ أَلْنَّهَارِ ؛ فَتَفَرَّقَ
عَنْهُ الرِّجَالُ إِلَى مَنَازِلِهِمْ وَحَوَائِجِهِمْ مُسْتَبْشِرِينَ، وَأَخْلَوْا رَسُولَ اللهِ
صَلَّى الهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنِّسَاءِ ، فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ - لَمْ نَكُنْ عَلَى مِثْلِ
٣٥٦

خَالِنَا فِي الرَّجَاءِ والْفَرَحِ قَبْلَ ذَلِكَ - قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
((أُخْرُجْنَ عَنِّي ؛ هَذَا الْمَلَكُ يَسْتَأْذِنُ عَلَيَّ)).
فَخَرَجَ مَنْ فِي الْبَيْتِ غَيْرِي ، وَرَأْسُهُ فِي حَجْرِي، فَجَلَسَ ، وَتَنَخَيْتُ
فِي جَانِبِ الْبَيْتِ ، فَنَاجَى الْمَلَكَ طَوِيلاً، ثُمَّ إِنَّهُ دَعَانِي؛ فَأَعَادَ رَأْسَهُ فِي
حَجْرِي، وَقَالَ لِلْنِّسْوَةِ: ((أُدْخُلْنَ)) ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا بِحِسِّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ
السَّلَامُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَجَلْ يَا عَائِشَةُ؛ هَذَا
مَلَكُ الْمَوْتِ ، جَاءَنِي فَقَالَ: إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَرْسَلَنِي ، وَأَمَرَنِي أَنْ لَا
أَدْخُلَ عَلَيْكَ إِلاَّ بِإِذْنٍ ، فَإِنْ لَمْ تَأْذَنْ لِيْ .. أَرْجِعْ، وَإِنْ أَذِنْتَ لِيْ ..
دَخَلْتُ، وَأَمَرَنِي أَنْ لَا أَقْبِضَكَ حَتَّى تَأْمُرَنِي، فَمَاذَا أَمْرُكَ ؟ فَقُلْتُ :
((أُكْفُفْ عَنِّي، حَتَّى يَأْتِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَهَذِهِ سَاعَةُ جِبْرِيلَ )).
قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: فَاسْتَقْبَلَنَا بِأَمْرٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ عِنْدَنَا
جَوَابٌ ؛ وَلَا رَأْيٌ، فَوُجِمْنَا وَكَأَنَّمَا ضُرِبْنَا بِصَاخَّةٍ - أَيْ: بِصَيْحَةٍ - مَا نُحِيرُ
إِلَيْهِ شَيْئاً، وَمَا يَتَكَلَّمُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ ؛ إِعْظَاماً لِذَلِكَ الْأَمْرِ، وَهَيْبَةً
مَلَأَتْ أَجْوَافَنَا .
قَالَتْ: وَجَاءَ جِبْرِيلُ فِي سَاعَتِهِ فَسَلَّمَ، فَعَرَفْتُ حِسَّهُ، وَخَرَجَ أَهْلُ
اَلْبَيْتِ ، فَدَخَلَ فَقَالَ: إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقْرَأُ عَلَيْكَ اٌلْسَّلَامَ، وَيَقُولُ : كَيْفَ
تَجِدُكَ ؟ وَهُوَ أَعْلَمُ بِأَلَّذِي تَجِدُ مِنْكَ، وَلَكِنْ أَرَادَ أَنْ يَزِيدَكَ كَرَامَةً
وَشَرَفاً ، وَأَنْ يُتِمَّ كَرَامَتَكَ وَشَرَفَكَ عَلَى الْخَلْقِ، وَأَنْ تَكُونَ سُنَّةً فِي
أُمَّتِكَ ، فَقَالَ : «أَجِدُنِي وَجِعاً)).
فَقَالَ: أَبْشِرْ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَىْ أَرَادَ أَنْ يُبَلِّغَكَ مَا أَعَدَّ لَكَ، فَقَالَ :
٣٥٧