النص المفهرس

صفحات 221-240

فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ هَذَا الْأَعْرَابِيِّ كَمَثَلِ
رَجُلٍ كَانَتْ لَهُ نَاقَةٌ شَرَدَتْ عَلَيْهِ فَأَتَبَعَهَا النَّاسُ؛ فَلَمْ يَزِيدُوهَا إِلَّا نُفُوراً
فَنَادَاهُمْ صَاحِبُ النَّاقَةِ : خَلُّوا بَيْنِي وَبَيْنَ نَاقَتِي ، فَإِنِّي أَرْفَقُ بِهَا وَأَعْلَمُ ،
فَتَوَجَّهَ لَهَا صَاحِبُ النَّاقَةِ بَيْنَ يَدَيْهَا، فَأَخَذَ لَهَا مِنْ قُمَامِ الْأَرْضِ فَرَدَّهَا هَوْناً
هَوْناً حَتَّى جَاءَتْ وَأَسْتَنَاخَتْ وَشَدَّ عَلَيْهَا رَحْلَهَا وَأَسْتَوَىُ عَلَيْهَا ، وَإِنِّي لَوْ
تَرَكْتُكُمْ حَيْثُ قَالَ الرَّجُلُ مَا قَالَ فَقَتَلْتُمُوُهُ دَخَلَ اْلْنَّرَ )).
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ ، فَجَذَبَهُ أَعْرَابِيٌّ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً
حَتَّى أَثَّرَتْ حَاشِيَةُ الْبُرْدِ عَلَى صَفْحَةِ عَاتِقِهِ، ثُمَّ قَالَ: يا مُحَمَّدُ ؛ أَحْمِلْ
لِي عَلَى بَعِيرَيَّ هَذَيْنِ مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي عِنْدَكَ، فَإِنَّكَ لَا تَحْمِلُ لِي مِنْ
مَالِكَ وَلَا مِنْ مَالِ أَبِيكَ .
فَسَكَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: ((الْمَالُ مَالُ اللهِ، وَأَنَا
عَبْدُهُ))، ثُمَّ قَالَ: ((وَيُقَادُ مِنْكَ يَا أَعْرَابِيُّ (١) مَا فَعَلْتَ بِي). قَالَ:
لَا. قَالَ: ((لِمَ؟))، قَالَ: لِأَنَّكَ لَا تُكَافِئُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ.
فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ أَمَرَ أَنْ يُحْمَلَ لَهُ عَلَى بَعِيرٍ
شَعِيرٌ وَعَلَى الْآخَرِ تَمْرٌ .
وَرَوَى اُلْطَّبَرَانِيُّ وَأَبْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ سَعْنَةَ - وَهُوَ
كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: أَجَلُّ أَحْبَارِ الْيَهُودِ الَّذِينَ أَسْلَمُوا - أَنَّهُ
(١) أي : أَتُجازى على تركِ أدبك .
٢١٨

قَالَ : لَمْ يَبْقَ مِنْ عَلَامَاتِ اٌلْنُّبُوَّةِ شَيْءٌ إِلَّا وَقَدْ عَرَفْتُهُ فِي وَجْهِ مُحَمَّدٍ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ نَظَرْتُ إِلَيْهِ، إِلَّا أَثْنَتَيْنِ لَمْ أَخْبُرْهُمَا (١) مِنْهُ:
١ - يَسْبِقُ حِلْمُهُ جَهْلَهُ، ٢- وَلَا تَزِيدُهُ شِدَّةُ الْجَهْلِ عَلَيْهِ إِلاَّ حِلْماً.
فَكُنْتُ أَتَلَطَّفُ لَهُ لِأَنْ أُخَالِطَهُ فَأَعْرِفَ حِلْمَهُ وَجَهْلَهُ، فَأَبْتَعْتُ مِنْهُ تَمْراً
إِلَىْ أَجْلٍ ، فَأَعْطَيْتُهُ الثَّمَنَ ، فَلَمَّا كَانَ قَبْلَ مَحِلِّ(٢) الْأَجَلِ بِيَوْمَيْنِ أَوْ
ثَلَاثَةٍ . . أَتَيْتُهُ فَأَخَذْتُ بِمَجَامِع قَمِيصِهِ وَرِدَائِهِ [عَلَى عُنُقِهِ]، وَنَظَرْتُ إِلَيْهِ
بِوَجْهٍ غَلِيظٍ ، ثُمَّ قُلْتُ : أَلَا تَقْضِينِي يَا مُحَمَّدُ حَقِّي ؟! [فَوَ اللهِ] إِنَّكُمْ يَا بَنِي
عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مُطُلٌ .
فَقَالَ عُمَرُ : أَيْ عَدُوَّ اللهِ ؛ أَتَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ مَا أَسْمَعُ ، فَوَ اللهِ لَوْلَا مَا
أُحَاذِرُ [فَوْتَهُ](٣) .. لَضَرَبْتُ بِسَيْفِي رَأْسَكَ .
وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْظُرُ إِلَى عُمَرَ بِسُكُونٍ وَتُؤَدَّةٍ ،
وَتَبَسَّمَ .
ثُمَّ قَالَ: « أَنَا وَهُوَ كُنَّا أَحْوَجَ إِلَى غَيْرِ هَذَا مِنْكَ يَا عُمَرُ ؛ أَنْ تَأْمُرَنِي
بِحُسْنِ [آلْأَدَاءِ]، وَأَنْ تَأْمُرَهُ بِحُسْنِ [ٌلْتِّبَاعَةِ]، أَذْهَبْ بِهِ يَا عُمَرُ ؛ فَأَقْضِهِ
حَقَّهُ وَزِدْهُ عِشْرِينَ صَاعاً مَكَانَ مَا رَوَّعْتَهُ )) . فَفَعَلَ.
فَقُلْتُ : يَا عُمَرُ ؛ كُلُّ عَلَامَاتِ اٌلْنُّبُوَّةِ قَدْ عَرَفْتُهَا فِي وَجْهِ رَسُولِ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَمَا نَظَرْتُ إِلَيْهِ، إِلَّا أَثْنَتَيْنِ لَمْ أَخْتَبِرْهُمَا : يَسْبِقُ
(١) في نسخة : لم أجدهما .
(٢) أي : وقت .
(٣) وهو : بقاء الصلح بين المسلمين وبين قومه .
٢١٩

حِلْمُهُ جَهْلَهُ ، وَلَا يَزِيدُهُ شِدَّةُ الْجَهْلِ [عَلَيْهِ] إِلَّا حِلْماً، فَقَدٍ أُخْتَبَرْتُهُمَا،
فَأُشْهِدُكَ أَنِّي قَدْ رَضِيتُ بِاللهِ رَبّاً؛ وَبِالْإِسْلَامِ دِيناً ، وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ نِيّاً .
قَالَ أَلْقَاضِي عِيَاضٌ فِي ((أَلَشِّفَا)): ( وَحَسْبُكَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِمَّا فِي
((الصَّحِيحِ)) وَالْمُصَنَّفَاتِ الثَّابِتَةِ، مِمَّا بَلَغَ مُتَوَاتِراً مَبْلَغَ الْيَقِينِ : مِنْ صَبْرِهِ
عَلَى مُقَاسَاةٍ قُرَيْشٍ، وَأَذَى الْجَاهِلِيَّةِ ، وَمُصَابَرَةِ الشَّدَائِدِ الصَّعْبَةِ مَعَهُمْ ،
إِلَى أَنْ أَظْفَرَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ - يَعْنِي: بِفَتْحِ مَكَّةَ - وَحَكَّمَهُ فِيهِمْ وَهُمْ لَا
يَشُكُّونَ فِي أَسْتِثْصَالِ شَأْفَتِهِمْ (١)، وَإِبَادَةٍ خَضْرَائِهِمْ - أَيْ : إِهْلَاكِ
جَمَاعَتِهِمْ - فَمَا زَادَ عَلَى أَنْ عَفَا وَصَفَحَ، وَقَالَ: (( مَا تَقُولُونَ أَنِّي فَاعِلٌ
بِكُمْ؟))، قَالُوا: خَيْراً؛ أَخْ كَرِيمٌ ، وَأَبْنُ أَخِ كَرِيمٍ ، فَقَالَ: ((إِذْهَبُوا ؛
فَأَنْتُمُ الْطُّلَقَاءُ )) .
وَقَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: هَبَطَ ثَمَانُونَ رَجُلاً مِنَ التَّنْعِيمِ صَلَاةَ
الصُّبْحِ لِيَقْتُلُوا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأُخِذُوا، فَأَعْتَقَهُمْ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ
عَنكُمْ وَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمَّ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ
بَصِيرًا﴾ [الفتح : ٢٤].
وَقَالَ [صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لِأَبِي سُفْيَانَ - وَقَدْ سِيقَ إِلَيْهِ بَعْدَ أَنْ جَلَبَ
عَلَيْهِ الْأَحْزَابَ ، وقَتَلَ عَمَّهُ وَأَصْحَابَهُ وَمَثَّلَ بِهِمْ ، فَعَفَا عَنْهُ ، وَلَاطَفَهُ فِي
اُلْقَوْلِ - وَقَالَ: ((وَيْحَكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ! أَلَمْ يَأْنِ لَكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنْ لَا إِلَاهَ
(١) أي : إِزالتهم من أصلهم .
٢٢٠

إِلَّا اللهُ؟!))، فَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، مَا أَحْلَمَكَ، وَأَوْصَلَكَ ،
وَأَكْرَمَكَ ) .
وَقَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ فِي (( اُلْتَّهْذِيبِ)): ( قَدْ جَمَعَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى
لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَالَ الْأَخْلَاقِ، وَمَحَاسِنَ الشِّيَمِ، وَآتَاهُ عِلْمَ
اُلْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، وَمَا فِيهِ النَّجَاةُ وَأَلْفَوْزُ؛ وَهُوَ أُمِّيٌّ لَا يَقْرَأُ وَلَا يَكْتُبُ ،
وَلَا مُعَلِّمَ لَهُ مِنَ الْبَشَرِ ، وَآتَاهُ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ، وَأَخْتَارَهُ عَلَى
جَمِيعِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، وَأَعْطَاهُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الْأَرْضِ كُلِّهَا؛ فَأَبَىْ أَنْ
يَأْخُذَهَا، وَأَخْتَارَ الْآخِرَةَ عَلَيْهَا، وَكَانَ كَمَا وَصَفَهُ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ
جَآءَ كُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم
بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]) اهـ
٢٢١

الفَصْكُ الثَّانِي
فى صفة عشرة صلى الله عليه وسلم مع فاته
رضى الله تعالى حسن
كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَلَا بِنِسَائِهِ .. أَلْيَنَ النَّاسِ ،
وَأَكْرَمَ النَّاسِ ، ضَخَّاكاً بَشَّاماً .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَفْكَهِ اُلْنَّاسِ .
قَالَ أَلْمُنَاوِيُّ : ( أَيْ : مِنْ أَمْزَحِهِمْ إِذَا خَلَا بِنَحْوِ أَهْلِهِ ) .
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: حَدَّثَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ نِسَاءَهُ حَدِيثاً، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ : كَأَنَّ الْحَدِيثَ
حَدِيثُ خُرَافَةَ .
فَقَالَ: « أَتَدْرُونَ مَا خُرَافَةُ؟ إِنَّ خُرَافَةَ كَانَ رَجُلاً مِنْ عُذْرَةَ، أَسَرَتْهُ
اُلْجِنُّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَمَكَثَ فِيهِمْ دَهْراً، ثُمَّ رَدُّوهُ إِلَى الْإِنْسِ ، فَكَانَ
يُحَدِّثُ النَّاسَ بِمَا رَأَى مِنَ الْأَعَاجِيبِ، فَقَالَ النَّاسُ: (حَدِيثُ
خُرَافَةَ ) )).
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَثِيراً مَا يُقَبِّلُ عُرْفَ أَبْنَتِهِ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ،
٢٢٢

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَثِيراً مَا يُقَبِّلُهَا فِي فَمِهَا أَيْضاً .
وَ( الْعُرْفُ ): أَعْلَى الرَّأْسِ ، وَيُطْلَقُ عَلَى الرَّقَبَةِ.
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَصْحَابِهِ وَأَزْوَاجِهِ كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ ، وَكَانَ
حَسَنَ الْمُعَاشَرَةِ .
وَكَانَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا تَقُولُ : كُنْتُ إِذَا هَوِيتُ شَيْئاً ..
تَابَعَنِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ . وَكُنْتُ إِذَا شَرِبْتُ مِنَ آلْإِنَاءِ .. أَخَذَهُ
فَوَضَعَ فَمَهُ عَلَى مَوْضِعٍ فَمِي وَشَرِبَ ، وَكَانَ يَنْهَشُ فَضْلَتِي مِنَ اللَّحْمِ الَّذِي
عَلَى الْعَظْمِ ، وَكَانَ يَتَّكِىُ فِي حِجْرِي وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ.
وَحَدَّثَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
بِحَدِيثٍ أُمَّ زَرْعٍ ؛ وَهُوَ : أَنَّ إِحْدَى عَشْرَةَ أَمْرَأَةً تَعَاهَدْنَ وَتَعاقَدْنَ أَنْ لَا
يَكْتُمْنَ مِنْ أَخْبَارِ أَزْوَاجِهِنَّ شَيْئاً ، فَوَصَفَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ زَوْجَهَا، فَكَانَتْ
أَحْسَنَهُنَّ وَصْفاً لِزَوْجِهَا وَأَكْثَرَهُنَّ تَعدَاداً لِنِعَمِهِ عَلَيْهَا : زَوْجَةُ أَبِي زَرْعٍ .
قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : ((كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ » .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسَرِّبُ (١) إِلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا
بَنَاتِ الْأَنْصَارِ يَلْعَبْنَ مَعَهَا .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيهَا الْحَبَشَةَ؛ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ ،
وَهِيَ مُتَّكِئَةٌ عَلَى مَنْكِبِهِ .
(١) يسرِّب : يرسل .
٢٢٣

وَرُوِيَ: أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَابَقَهَا، فَسَبَقَتْهُ، ثُمَّ سَابَقَهَا بَعْدَ
ذَلِكَ، فَسَبَقَهَا وَقَالَ: ((هَذِهِ بِتِلْكَ)).
وَعَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّهُمْ كَانُوا يَوْماً عِنْدَ رَسُولِ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا، إِذْ أُتِيَ بِصَحْفَةِ
خُبْزٍ وَلَحْمٍ مِنْ بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ ، فَوُضِعَتْ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ ، فَقَالَ: ((ضَعُوا أَيْدِيَكُمْ))، فَوَضَعَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى الهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
[يَدَهُ]، وَوَضَعْنَا أَيْدِيَنَا، فَأَكَلْنَا وَعَائِشَةُ تَصْنَعُ طَعَاماً عَجَّلَتْهُ، وَقَدْ رَأَتْ
الصَّحْفَةَ الَّتِي أَتِيَ بِهَا، فَلَمَّا فَرَغَتْ مِنْ طَعَامِهَا .. جَاءَتْ بِهِ فَوَضَعَتْهُ ،
وَرَفَعَتْ صَحْفَةَ أُمَّ سَلَمَةَ فَكَسَرَتْهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(( كُلُوا بِأَسْمِ اللهِ ؛ غَارَتْ أُّكُمْ)) . ثُمَّ أَعْطَى صَحْفَتَهَا أُمَّ سَلَمَةَ ؛ فَقَالَ :
((طَعَامٌ مَكَانَ طَعَامٍ ، وَإِنَاءٌ مَكَانَ إِنَاءٍ )). رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي ((الصَّغِيرِ)) .
وَهُوَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ بِلَفْظِ: كَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ بَعْضٍ نِسَائِهِ ،
فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِصَحْفَةٍ فِيهَا طَعَامٌ ، فَضَرَبَتِ الَّتِي [النَّبِيُّ]
فِي بَيْتِهَا يَدَ الْخَادِمِ، فَسَقَطَتِ الصَّحْفَةُ فَأَنْفَلَقَتْ، فَجَمَعَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ فِلَقَ الصَّحْفَةِ ، ثُمَّ جَعَلَ يَجْمَعُ فِيهَا اُلْطَّعَامَ الَّذِي كَانَ فِي الصَّحْفَةِ
وَيَقُولُ: ((غَارَتْ أُمُّكُمْ))، ثُمَّ حَبَسَ الْخَادِمَ ، حَتَّى أُنِّيَ بِصَحْفَةٍ مِنْ عِنْدِ
الَّتِي هُوَ فِي بَيَّتِهَا ، فَدَفَعَ الصَّحْفَةَ إِلَى الَّتِي كُسِرَتْ صَحْفَتُهَا، وَأَمْسَكَ
اُلْمَكْسُورَةَ فِي بَيْتِ أَلَّتِي كَسَرَتْ .
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا : أَتَيْتُ النَِّيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
بَخَزِيرَةٍ طَبَخْتُهَا لَهُ ، وَقُلْتُ لِسَوْدَةَ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنِي
٤ ٢٢

وَبَيْنَهَا ؛ فَقُلْتُ لَهَا : كُلِي ، فَأَبَتْ ، فَقُلْتُ لَهَا: كُلِي، فَأَبَتْ ، فَقُلْتُ
لَهَا : لَتَأْكُلِينَ، أَوْ لِأُلَطِّخَنَّ بِهَا وَجْهَكِ، فَأَبَتْ ، فَوَضَعْتُ يَدِي فِي
اُلْخَزِيرَةِ فَلَطَخْتُ بِهَا وَجْهَهَا ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَ( الْخَزِيرَةُ ): لَحْمٌ يُقْطَعُ قِطَعاً صِغَاراً، وَيُصَبُّ عَلَيْهِ مَاءٌ كَثِيرٌ ، فَإِذَا
نَضِجَ ذُرَّ عَلَيْهِ اٌلْدَّقِيقُ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا غَضِبَتْ عَائِشَةُ .. عَرَكَ بِأَنْفِهَا وَقَالَ :
((يَا عُوَيْشُ؛ قُوِي: الْلُهُمَّ رَبَّ مُحَمَّدٍ أَغْفِرْ لِي ذَنْبِي، وَأَذْهِبْ غَيْظَ
قَلْبِي ، وَأَجِرْنِي مِنْ مُضِلَّاتِ الْفِتَنِ )) .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَتِيَ بِهَدِيَّةٍ قَالَ: ((إِذْهَبُوا بِهَا إِلَى بَيْتِ
فُلَانَةٍ ، فَإِنَّها كَانَتْ صَدِيقَةً لِخَدِيجَةَ - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا - إِنَّهَا كَانَتْ
تُحِبُّ خَدِيجَةَ )) .
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: مَا غِرْتُ عَلَى أَمْرَأَةٍ مَا غِرْتُ
عَلَى خَدِيجَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا لِمَا كُنْتُ أَسْمَعُهُ يَذْكُرُهَا، وَإِنْ كَانَ
لَيَذْبَحُ الشَّاةَ فَيُهْدِيهَا إِلَى خَلَائِلِهَا، وَأَسْتَأَذَنَتْ عَلَيْهِ أُخْتُهَا فَأَرْتَحَ لَهَا ،
وَدَخَلَتْ عَلَيْهِ أَمْرَأَةٌ فَهَشَّ لَهَا وَأَحْسَنَ السُّؤَالَ عَنْهَا، فَلَمَّا خَرَجَتْ قَالَ :
((إِنَّهَا كَانَتْ تَأْتِينَا أَيَّامَ خَدِيجَةَ، وَإِنَّ حُسْنَ الْعَهْدِ مِنَ اْإِيمَانِ )).
قَالَ أَلْقُسْطُلَانِيُّ: (وَهَكَذَا كَانَتْ أَحْوَالُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَعَ
أَزْوَاجِهِ ، لَا يَأْخُذُ عَلَيْهِنَّ وَيَعْذِرُهُنَّ، وَإِنْ أَقَامَ عَلَيْهِنَّ قِسْطَاسَ عَدْلٍ أَقَامَهُ
مِنْ غَيْرِ قَلَقٍ ، وَلَّا غَضَبٍ .
وَبِالْجُمْلَةِ: فَمَنْ تَأَمَّلَ سِيرَتَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَعَ أَهْلِهِ وَأَصْحَابِهِ
٢٢٥

وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْفُقَرَاءِ ، وَالْأَنْتَامِ، وَالْأَرَامِلِ، وَالْأَضْيَافِ، وَأَلْمَسَاكِينِ ..
عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ بَلَغَ مِنْ رِقَّةِ الْقَلْبِ وَلِيْنِ الْغَايَةَ الَّتِي لَا مَرْمَى وَرَاءَهَا لِمَخْلُوقٍ ،
وَإِنَّهُ كَانَ يُشَدِّدُ فِي حُدُودِ اللهِ وَحُقُوقِهِ وَدِينِهِ ؛ حَتَّى قَطَعَ يَدَ السَّارِقِ ...
إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ ) .
٢٢٦

الفَضْلِ الثَّالِثُ
في صفة أمائة صفى اللهعليه وسلم وصدة
كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آمَنَ النَّاسِ، وَأَصْدَقَهُمْ لَهْجَةً مُنْذُ
كَانَ .
قَالَ تَعَالَى: ﴿مُطَارِ ثَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: ٢١].
أَكْثَرُ أَلْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّهُ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَكَانَتْ تُسَمِّيهِ قُرَيْشٌ قَبْلَ نُبُوَّتِهِ : (الْأَمِينَ ) .
وَلَمَّا أَخْتَلَفُوا عِنْدَ بِنَاءِ الْكَعْبَةِ فِيمَنْ يَضَعُ الْحَجَرَ .. حَكَّمُوا أَوَّلَ دَاخِلٍ
عَلَيْهِمْ، فَإِذَا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلٌ ، وَذَلِكَ قَبْلَ نُبُوَّتِهِ ،
فَقَالُوا: (هَذَا مُحَمَّدٌ الْأَمِينُ .. قَدْ رَضِينَا بِهِ ) .
وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((وَاللهِ إِنِّي لَأَمِينٌ فِي السَّمَاءِ ، أَمِينٌ فِي
اُلْأَرْضِ )).
وَوَرَدَ أَنَّ أَبَا جَهْلٍ قَالَ لِلَنَبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّا لَا نُكَذِّبُكَ، وَمَا
أَنْتَ فِينَا بِمُكَذَّبٍ، وَلَكِنْ نُكَذِّبُ بِمَا جِئْتَ بِهِ. فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿فَإِنَّهُمْ لَا
يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِعَايَتِ اَللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣].
٢٢٧

وَقِيلَ : إِنَّ الْأَخْنَسَ بْنَ شَرِيقٍ لَقِيَ أَبَا جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا
الْحَكَمِ ؛ لَيْسَ هُنَا غَيْرِي وَغَيْرُكَ يَسْمَعُ كَلَامَنَا، تُخْبِرُنِي عَنْ مُحَمَّدٍ :
صَادِقٌ ، أَمْ كَاذِبٌ؟ فَقَالَ أَبُو جَهْلِ: وَاللهِ إِنَّ مُحَمَّداً لَصَادِقٌ ، وَمَا كَذَبَ
مُحَمَّدٌ قَطُّ .
وَسَأَلَ هِرَقْلُ عَنْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا سُفْيَانَ فَقَالَ : هَلْ كُنْتُمْ
تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قَالَ : لَا .
وَقَالَ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ لِقُرَيْشٍ: قَدْ كَانَ مُحَمَّدٌ فِيَكُمْ غُلَاماً حَدَثاً ؛
أَرْضَاكُمْ فِيكُمْ(١) ، وأَصْدَقَكُمْ حَدِيثاً، وَأَعْظَمَكُمْ أَمَانَةً، حَتَّى إِذَا رَأَيْتُمْ
فِي صُدْغَيْهِ الشَّيْبَ وَجَاءَكُمْ بِمَا جَاءَكُمْ بِهِ .. قُلْتُمْ سَاحِرٌ؟! لَا وَاللهِ مَا هُوَ
بِسَاحِرٍ .
وَفِي حَدِيثٍ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - فِي وَصْفِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالْسَّلَامُ -:
أَصْدَقُ النَّاسِ لَهْجَةً .
(١) أي : ترضون أفعاله وأحواله.
٢٢٨

الْفَضْك الربيع
في صفة حياء صلى الله عليه وسلم ومزاهه
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اُللهِ
صَلَّى الّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا .
وَكَانَ إِذَا كَرِهَ شَيْئاً .. عُرِفَ فِي وَجْهِهِ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَدَّ النَّاسِ حَيَاءً ، لَا يُثَبِّتُ بَصَرَهُ فِي وَجْهِ
أَحَدٍ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكَنِّي عَمَّا أَضْطَرَّهُ الْكَلَامُ إِلَيْهِ مِمَّا يُكْرَهُ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ الْحَاجَةَ .. أَبْعَدَ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ الْحَاجَةَ .. لَمْ يَرْفَعْ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ
مِنَ الْأَرْضِ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْمِرْفَقَ .. لَبِسَ حِذَاءَهُ وَغَطَّى
رَأْسَهُ .
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ فَرْجَ رَسُولِ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطُّ .
٢٢٩

وَأَمَّا مِزَاحُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى الّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
فَقَدْ كَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْزَحُ مَعَ الْنِّسَاءِ وَالْصِّبْيَانِ وَغَيْرِهِمْ ، وَلَا
يَقُولُ إِلَّ حَقّاً .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَفْكَهِ النَّاسِ مَعَ صَبِيٍّ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا مَزَحَ .. غَضَّ بَصَرَهُ .
وَكَانَ صَلَّى الْهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ دُعَابَةٌ قَلِيلَةٌ .
وَعَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّ النَِّيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ
لَهُ: ((يَا ذَا الْأُذْنَيْنِ»؛ يَعْنِي: يُمَازِحُهُ(١).
وَعَنْ أَنَسِ [َرَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ] أَيْضاً قَالَ : إِنْ كَانَ رَسُولُ اُللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيُخَالِطُنَا حَتَّى يَقُولَ لِأَخِ لِي: ((يَا أَبَا عُمَيْرٍ ؛ مَا فَعَلَ
اٌلْتُّغَيْرُ؟ )).
قَالَ أَبُو عِيسَى الْثِّرْمِذِيُّ: وَفِقْهُ هَذَا الْحَدِيثِ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ كَانَ يُمَازِعُ .
وَفِيهِ : أَنَّهُ كَتَّى غُلَاماً صَغِيراً فَقَالَ لَهُ: (( يَا أَبَا عُمَيْرٍ )) .
وَفِيهِ : أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يُعْطَى الصَّبِيُّ الطَّيْرَ لِيَلْعَبَ بِهِ - أَيْ: لَعِباً لَا
عَذَابَ فِيهِ - وَإِلَّا .. حَرُمَ تَمْكِينُهُ مِنْهُ؛ لِلْنَّهْي عَنْ تَعْذِيبِ أَلْحَيَوَانِ .
وَإِنَّمَا قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((يَا أَبَا عُمَيْرٍ ؛ مَا فَعَلَ
(١) أي : يا صاحب الأذنين السميعتين الواعيتين الضابطتين لما سمعتا .
٢٣٠

اٌلْتُّغَيْرُ)) .. لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ نُغَيْرٌ يَلْعَبُ بِهِ، فَمَاتَ، فَحَزِنَ الْغُلَامُ عَلَيْهِ ،
فَمَازَحَهُ النَّبِيُّ صَلَّى الهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: (( يَا أَبَا عُمَيْرٍ ؛ مَا فَعَلَ
اُلْتُّغَيْرُ )).
وَ( الْنُّغَيْرُ ) : طَائِرٌ كَالْعُصْفُورِ ، أَحْمَرُ الْمِنْقَارِ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالُوا : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ إِنَّكَ
تُدَاعِبُنَا، فَقَالَ: ((نَعَمْ، غَيْرَ أَنِّي لَا أَقُولُ إِلَّ حَقّاً )).
وَعَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّ رَجُلاً أَسْتَحْمَلَ رَسُولَ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: ((إِنِّي حَامِلُكَ عَلَى وَلَدِ نَاقَةٍ )) ، فَقَالَ : يَا
رَسُولَ اللهِ؛ مَا أَصْنَعُ بِوَلَدِ النَّاقَةِ؟! فَقَالَ: ((وَهَلْ تَلِدُ الْإِبِلَ إِلَّ
اُلُّوقُ؟!))(١) .
وَعَنْ أَنَسٍ أَيْضاً رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ - وَكَانَ
أَسْمُهُ زَاهِراً (٢) - وَكَانَ يُهْدِي إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَدِيَّةً مِنَ
الْبَادِيَةِ، فَيُجَهِّزُهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ
صَلَّى الهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ زَاهِراً بَادِيَتُنَا؛ وَنَحْنُ حَاضِرَتُهُ))، وَكَانَ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّهُ، وَكَانَ رَجُلاً دَمِيماً ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ يَوْماً ، وَهُوَ يَبِيعُ مَتَاعَهُ فَاحْتَضَنَهُ مِنْ خَلْفِهِ وَهُوَ لَا يُبْصِرُهُ ، فَقَالَ مَنْ
هَذَا؟ أَرْسِلْنِي ، فَالْتَفَتَ فَعَرَفَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَجَعَلَ لَا يَأْلُو
(١) المقصود أنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أراد أن يحمله على راحلة كبيرة ، وهي بالأصل ولد
الناقة فلو تدبر الرجل اللفظ لما قال ذلك .
(٢) ابن حَرَامِ الأشجعي .
٢٣١

مَا أَلْصَقَ ظَهْرَهُ بِصَدْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ عَرَفَهُ ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((مَنْ يَشْتَرِي هَذَا الْعَبْدَ؟))، فَقَالَ: يَا
رَسُولَ اللهِ؛ إِذَنْ وَاللهِ تَجِدُنِي كَاسِداً، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
((لَكِنْ عِنْدَ اللهِ لَسْتَ بِكَاسِدٍ ))، أَوْ قَالَ: ((أَنْتَ عِنْدَ اللهِ غَالٍ)) .
وَ( الْذَّمِيمُ ) : قَبِيحُ اَلْوَجْهِ .
وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّ رَجُلاً (١) كَانَ يُهْدِي لِلْنَّبِيِّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعُكَّةَ(٢) مِنَ السَّمْنِ وَالْعَسَلِ، فَإِذَا جَاءَ صَاحِبُهُ
يَتَفَاضَاهُ .. جَاءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ: أَعْطِ هَذَا حَقَّ
مَتَاعِهِ ، فَمَا يَزِيدُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنْ يَتَبَسَّمَ ، وَيَأْمُرَ بِهِ
فَيُعْطَى .
وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ لَا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ طُرْفَةٌ (٣) إِلَّا أَشْتَرَى مِنْهَا، ثُمَّ جَاءَ
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ ؛ هَذَا هَدِيَّةٌ لَكَ، فَإِذَا جَاءَ صَاحِبُهُ يَطْلُبُ ثَمَنَّهُ . .
جَاءَ بِهِ، فَيَقُولُ: أَعْطِ هَذَا الثَّمَنَ، فَيَقُولُ: ((أَلَمْ تُهْدِهِ لِي؟!))،
فَيَقُولُ : لَيْسَ عِنْدِي، فَيَضْحَكُ وَيَأْمُرُ لِصَاحِبِهِ بِثَمَنِهِ .
وَعَنِ الْحَسَنِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: أَتَتْ عَجُوزٌ(٤) النَبِيَّ صَلَّى اللهُ
(١) هو عبد الله الملقب بـ( حمار) بلفظ الحيوان المعروف.
(٢) آنية السمن أصغر من القربة.
(٣) أي : ما يستملح ويُعجِب.
(٤) قيل : إنها صفية بنت عبد المطلب ، أم الزبير بن العوام رضي الله عنهما .
٢٣٢

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَدْعُ اللهَ أَنْ يُدْخِلَنِي الْجَنَّةَ، فَقَالَ :
((يَا أُمَّ فُلَانٍ؛ إِنَّ الْجَنَّةَ لَا يَدْخُلُهَا عَجُوزٌ )) . قَالَ: فَوَلَّتْ تَبْكِي، فَقَالَ :
(( أَخْبِرُوهَا أَنَّهَا لَا تَدْخُلُهَا وَهِيَ عَجُوزٌ؛ إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّا أَنشَأْتَهُنَّ
إِنِشَآءَ حُْ فَعَلْنَهُنَّ أَبْكَارًا -ْ عُرُبًا أَتْرَابًا﴾﴾)) [الواقعة: ٣٥-٣٧].
٢٣٣

الفَصْدِ لَ اصَنُ
أصفة تواضعه صلى الله عليه وسلم وجلون واتكان
كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَدَّ النَّاسِ تَوَاضُعاً، وَأَسْكَنَهُمْ
مِنْ غَيْرِ كِبْرٍ ، وَأَبْلَغَهُمْ مِنْ غَيْرِ تَطْوِيلٍ ، وَأَحْسَنَهُمْ بِشْراً، لَا يَهُولُهُ شَيْءٌ
مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَوَاضِعاً فِي غَيْرِ مَّذَلَّةٍ .
وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ اٌلْنَّصَارَى أَبْنَ مَرْيَمَ، إِنَّمَا
أَنَا عَبْدٌ فَقُولُوا : ( عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ))).
وَ(الْإِطْرَاءُ ) : هُوَ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ فِي الْمَدْحِ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُدْفَعُ عَنْهُ النَّاسُ ، وَلَا يُضْرَبُوا عَنْهُ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَأْتِيهِ أَحَدٌ مِنْ حُرِّ وَلَا عَبْدٍ ، وَلَا أَمَةٍ وَلَا
مِسْكِينٍ .. إِلَّا قَامَ مَعَهُ فِي حَاجَتِهِ .
وَكَانَ صَلَّى الهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَسْتَكْبِرُ عَنْ إِجَابَةِ الْأَمَةِ وَالْمِسْكِينِ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ الذِّكْرَ وَيُقِلُّ اللَّغْوَ، وَيُطِيلُ الصَّلَاةَ
٢٣٤

وَيَقْصِرُ الْخُطْبَةَ، وَكَانَ لَا يَأْنَفُ وَلَا يَسْتَكْبِرُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَ الْأَرْمَلَةِ
وَالْمِسْكِينٍ وَالْعَبْدِ حَتَّى يَقْضِيَ لَهُ حَاجَتَهُ .
وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: كَانَتِ الْأَمَةُ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ
لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ .
وَعَنْ أَنَسٍ أَيْضاً رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّ امْرَأَةَ جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ لَهُ: إِنَّ لِ إِلَيْكَ حَاجَةً، فَقَالَ: ((أَجْلِسِي فِي
أَيِّ طُرُقِ الْمَدِينَةِ شِئْتِ أَجْلِسْ إِلَيْكِ ».
وَكَانَ صَلَّى الهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى بِالنَّاسِ الْغَدَاةَ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ
فَقَالَ: ((هَلْ فِيكُمْ مَرِيضٌ أَعُودُهُ؟))، فَإِنْ قَالُوا: لَا .. قَالَ: ((فَهَلْ
فِيكُمْ جَنَازَةٌ أَتْبَعُهَا؟))، فَإِنْ قَالُوا: لَا .. قَالَ: ((مَنْ رَأَىُ مِنْكُمْ رُؤْيَا
يَقُصُّهَا عَلَيْنَا )).
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْلِسُ عَلَى الْأَرْضِ، وَيَأْكُلُ عَلَى
اُلْأَرْضِ ، وَيَعْتَقِلُ الشَّاةَ ، وَيُجِيبُ دَعْوَةَ الْمَمْلُوكِ عَلَى خُبْزِ الشَّعِيرِ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُ مَرْضَى أَلْمَسَاكِينِ الَّذِينَ لَا يُؤْبَهُ لَهُمْ ،
وَيَخْدُمُهُمْ بِنَفْسِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُجِيبُ
مَنْ دَعَاهُ ؛ مِنْ غَنِيٍّ أَوْ فَقِيرٍ أَوْ شَرِيفٍ ، وَلَا يَحْتَقِرُ أَحَداً .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُجِيبُ إِلَى الْوَلِيمَةِ ، وَيَشْهَدُ الْجَنَائِزَ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْتِي ضُعَفَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَيَزُورُهُمْ، وَيَعُودُ
مَرْضَاهُمْ ، وَيَشْهَدُ جَنَائِزَهُمْ .
وَعَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
٢٣٥

وَسَلَّمَ يَعُودُ الْمَرْضَىِ، وَيَشْهَدُ الْجَنَائِزَ وَيَرْكَبُ الْحِمَارَ، وَيُجِيبُ دَعْوَةَ
اُلْعَبْدِ .
وَكَانَ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ عَلَىْ حِمَارٍ مَخْطُومٍ بِحَبْلٍ مِنَ لِيفٍ وَعَلَيْهِ إِكَافٌ .
وَ( الْخِطَامُ ) : آلْزِّمَامُ .
وَ(الْإِحَافُ): أَلْبَرْذَعَةُ(١).
وَعَنْ أَنَسِ أَيْضاً رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
يُدْعَى إِلَى خُبْزِ الشَّعِيرِ وَالْإِهَالَةِ السَّنِخَةِ، فَيُجِيبُ، وَلَقَدْ كَانَ لَهُ دِرْعٌ عِنْدَ
يَهُودِيٍّ فَمَا وَجَدَ مَا يَفْكُّهَا حَتَّى مَاتَ .
وَ(الْإِهَالَةُ اُلْسَّنِخَةُ ) وَفِي رِوَايَةٍ: الزَّنِخَةُ؛ هِيَ: الدُّهْنُ الْمُتَغَيِّرُ الرِّيح
مِنْ طُولِ الْمُكْثِ .
وَعَنْ أَنَسٍ أَيْضاً رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((لَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ كُرَاعٌ .. لَقَبِلْتُ، وَلَوْ دُعِيتُ عَلَيْهِ ..
لَأَجَبْتُ )) .
وَعَنْهُ أَيْضاً [رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ] قَالَ: حَجَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ عَلَى رَحْلِ رَثِّ، وَعَلَيْهِ قَطِيفَةٌ لَا تُسَاوِي أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ ، فَقَالَ :
((الَلْهُمَّ؛ أَجْعَلْهُ حَجْأَ لَا رِيَاءَ فِيهِ وَلَا سُمْعَةَ)).
وَ( الْقَطِيفَةُ) : كِسَاءٌ لَهُ خَمْلٌ .
هَذَا .. وَقَدْ فُتِحَتْ عَلَيْهِ الْأَرْضُ، وَأَهْدَى فِي حَجِّهِ ذَلِكَ مِئَةَ بَدَنَةٍ .
(١) أي : ما يوضع على الحمار ليُرْكَبَ عليه، كالسرج للفرس.
٢٣٦

وَلَمَّا فُتِحَتْ عَلَيْهِ مَكَّةُ وَدَخَلَهَا بِجُيُوشِ الْمُسْلِمِينَ .. طَأْطَأَ عَلَى رَحْلِهِ
رَأْسَهُ حَتَّى كَادَ يَمَسُّ قَادِمَتَهُ(١) ؛ تَوَاضُعاً لِلْهِ تَعَالَى.
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْكَبُ مَا يُمْكِنُهُ، فَمَرَّةً فَرَساً ، وَمَزَّةً
بَعِيراً، وَمَرَّةً بَغْلَةً، وَمَرَّةً حِمَاراً، وَمَرَّةً يَمْشِي رَاجِلاً حَافِياً، بِلَا رِدَاءٍ
وَلَا قَلَنْسُوَةٍ، لِيَعُودَ الْمَرْضَىْ فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْكَبُ الْحِمَارَ عُرْياً ، لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ .
وَرَكِبَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْفَرَسَ مُسْرَجَةً تَارَةً، وعُرْيَانَةً أُخْرَى ،
وَكَانَ يَجْرِي بِهَا فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْرُجُ إِلَى الْعِيدِ مَاشِياً، وَيَرْجِعُ مَاشِياً .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَكَّأُ إِذَا مَشَى .
وَعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: جَاءَنِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ لَيْسَ بِرَاكِبٍ بَغْلٍ وَلَا بِرْذَوْنٍ(٢).
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرْدِفُ خَلْفَهُ عَبْدَهُ أَوْ غَيْرَهُ، وَتَارَةً يُرْدِفُ
خَلْفَهُ وَقُدَّامَهُ، وَهُوَ فِي الْوَسَطِ .
وَلَمَّا قَدِمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ أَسْتَقْبَلَهُ أُغَيْلِمَةُ بَنِي عَبْدِ الْمُطَلِبِ ،
فَحَمَلَ وَاحِداً بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَآخَرَ خَلْفَهُ .
وَعَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ : زَارَنَا
(١) أي : مقدمة رحله .
(٢) البرذون : الفرس الأعجمي .
٢٣٧