النص المفهرس

صفحات 201-220

قَوْلُهُ وَثْرٌ : ( أَلْوَتْرُ ) : الثَّأْرُ .
وَ( الذَّخَلُ » : الْحِقْدُ وَالْعَدَاوَةُ، وَالثَّأْرُ أَيْضاً .
قَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: فَلَمْ يَدَعْ نَصِيحَةً جَمِيلةً إِلَّا وَقَدْ دَعَانَا إِلَيْهَا
وَأَمَرَنَا بِهَا، وَلَمْ يَدَعْ غِشّاً - أَوْ قَالَ: عَيْباً، أَوْ قَالَ: شَيْئاً - إِلَّ حَذَّرَنَاهُ
وَنَهَانَا عَنْهُ، وَيَكْفِي مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ هَذِهِ آلْآيَةُ: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ
وَاْإِحْسَنِ وَإِيتَآٍ ذِى الْقُرْبَ وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِّ يَعِظُكُمْ
◌َعَلَكُمْ تَذَكْرُونَ﴾ [النحل: ٩٠].
وَقَالَ مُعَاذٌ: أَوْصَانِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: (( يَا
مُعَاذُ؛ أُوصِيكَ بِأَتِّقَاءِ اللهِ، وَصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَأَلْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ ، وَأَدَاءِ
اُلْأَمَانَةِ، وَتَرْكِ الْخِيَانَةِ، وَحِفْظِ الْجَارِ ، وَرَحْمَةِ أَلْيَتِيمِ ، وَلِينِ اٌلْكَلَامِ،
وَبَذْلِ السَّلَامِ، وَحُسْنِ الْعَمَلِ ، وَقِصَرِ الْأَمَلِ ، وَلُزُومِ الْإِيمَانِ، وَاُلْتَّفَقُّهِ
فِي الْقُرْآنِ ، وَحُبِّ الْآخِرَةِ، وَالْجَزَعِ مِنَ الْحِسَابِ ، وَخَفْضٍ أَلْجَنَاحِ ،
وَأَنْهَاكَ أَنْ تَسُبَّ حَكِيماً ، أَوْ تُكَذِّبَ صَادِقاً، أَوْ تُطِيعَ آئِماً، أَوْ تَعْصِيَ
إِمَاماً عَادِلاً، أَوْ تُفْسِدَ أَرْضاً ..
وَأُوصِيكَ بِأَتَّقَاءِ اللهِ تَعَالَى عِنْدَ كُلِّ حَجَرٍ وَشَجَرٍ وَمَدَرٍ ، وَأَنْ تُحْدِثَ
لِكُلِّ ذَنْبِ تَوْبَةً؛ السِّرُّ بِالسِّرِّ، وَالْعَلَانِيَةُ بِالْعَلَانِيَةِ)) ) .
فَهَكَذَا أَذَّبَ [صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَا عِبَادَ اللهِ، وَدَعَاهُمْ إِلَى مَكَّارِمِ
اْأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنِ الْآدَابِ .
وَعَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: سَأَلْتُ خَالِي هِنْدَ بْنَ
١٩٨

أَبِي هَالَةَ(١) - وَكَانَ وَصَّافاً - عَنْ حِلْيَةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا
أَشْتَهِي أَنْ يَصِفَ لِي مِنْهَا شَيْئاً - فَقَالَ :
كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخْماً، مُفَخَّماً، يَتَلَأْلَأُ وَجْهُهُ
تَلَأُلُؤَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ أَلْبَدْرِ ... فَذَكَرَ اْلْحَدِيثَ بِطُولِهِ .
قَالَ أَلْحَسَنُ : فَكَتَمْتُهَا الْحُسَيْنَ زَمَاناً، ثُمَّ حَدَّثْتُهُ فَوَجَدْتُهُ قَدْ سَبَقَنِي
إِلَيْهِ ، فَسَأَلَهُ عَمَّا سَأَلْتُهُ عَنْهُ، وَوَجَدْتُهُ قَدْ سَأَلَ أَبَاهُ عَنْ مَدْخَلِهِ وَمَخْرَجِهِ
وَشَكْلِهِ ، فَلَمْ يَدَعْ مِنْهُ شَيْئاً .
قَالَ الْحُسَيْنُ: فَسَأَلْتُ أَبِي عَنْ دُخُولِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ .
فَقَالَ: كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى مَنْزِلِهِ .. جَزَّأَ دُخُولَهُ ثَلاَثَةَ أَجْزَاءٍ ؛ جُزْأَ لِلِهِ ،
وَجُزْأَ لِأَهْلِهِ، وَجُزْأَ لِنَفْسِهِ.
ثُمَّ جَزَّأَ جُزْأَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، فَيَرُدُّ بِالْخَاصَّةِ عَلَى الْعَامَّةِ ، وَلَا يدَّخِرُ
عَنْهُمْ شَيْئاً .
وَكَانَ مِنْ سِيرَتِهِ فِي جُزْءِ الْأُمَّةِ إِيثَارُ أَهْلِ الْفَضْلِ بِإِذْنِهِ ، وَقَسْمُهُ عَلَى
قَدْرِ فَضْلِهِمْ فِي الدِّينِ ، فَمِنْهُمْ ذُو الْحَاجَةِ ، وَمِنْهُمْ ذُو الْحَاجَتَيْنِ ، وَمِنْهُمْ
ذُو الْحَوَائِجِ؛ فَيَتَشَاغَلُ بِهِمْ وَيَشْغَلُهُمْ فِي مَا يُصْلِحُهُمْ وَالْأُمَّةَ، مِنْ
مَسْأَلَتِهِمْ عَنْهُ، وَإِخْبَارِهِمْ بِالَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ، وَيَقُولُ: ((لِيُبلِّغِ الشَّاهِدُ
مِنْكُمُ الْغَائِبَ، وَأَبْلِغُونِي حَاجَةَ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ إِبْلَاغَهَا، فَإِنَّهُ مَنْ أَبْلَغَ
(١) وهو أخو السيدة فاطمة الزهراء من أمها خديجة رضي الله تعالى عنهما .
١٩٩

سُلْطَاناً حَاجَةَ مَن لَا يَسْتَطِيعُ إِبْلَاغَهَا .. ثَبَّتَ اللهُ قَدَمَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))؛ لَا
يُذْكَرُ عِنْدَهُ إِلَّ ذَلِكَ، وَلَا يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ غَيْرَهُ .
يَدْخُلُونَ رُؤَّاداً - أَيْ: طُلَّاباً - وَلَا يَفْتَرِقُونَ إِلَّا عَنْ ذَوَاقٍ (١)،
وَيَخْرُجُونَ أَدِلّةً ؛ يَعْنِي : عَلَى الْخَيْرِ .
قَالَ : فَسَأَلْتُهُ عَنْ مَخْرَجِهِ : كَيْفَ كَانَ يَصْنَعُ فِیهِ ؟
قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْزُنُ لِسَانَهُ إِلَّا فِيمَا يَعْنِيهِ ،
وَيُؤَلِّفُهُمْ وَلَا يُنَفِّرُهُمْ، وَيُكْرِمُ كَرِيمَ كُلِّ قَوْمٍ وَيُوَلِّيْهِ عَلَيْهِمْ، وَيَحْذَرُ النَّاسَ
وَيَحْتَرِسُ مِنْهُمْ ؛ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَطْوِيَ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ بِشْرَهُ وَلَا خُلُقَهُ، وَيَتَفَقَّدُ
أَصْحَابَهُ ، وَيَسْأَلُ النَّاسَ عَمَّا فِي النَّاسِ ، وَيُحَسِّنُ الْحَسَنَ وَيُقَوِّيهِ ، وَيُقَبِّحُ
اَلْقَبِيحَ وَيُوَهِيهِ ، مُعْتَدِلُ الْأَمْرِ غَيْرُ مُخْتَلِفٍ ، لَا يَغْفُلُ مَخَافَةَ أَنْ يَغْفُلُوا أَوْ
يَمِيلُوا ، لِكُلِّ حَالٍ عِنْدَهُ عَتَادٌ - أَيْ: شَيْءٌ مُعَذٌّ وَمُهَيَّأُ - لَا يُقَصِّرُ عَنِ الْحَقِّ
وَلَا يُجَاوِزُهُ، أَلَّذِينَ يَلُونَهُ مِنَ النَّاسِ خِيَارُهُمْ، أَفْضَلُهُمْ عِنْدَهُ أَعَمُّهُمْ
نَصِيحَةً ، وَأَعْظَمُهُمْ عِنْدَهُ مَنْزِلَةٌ أَحْسَنُهُمْ مُوَاسَاةً وَمُؤَازَرَةً .
قَالَ : فَسَأَلْتُهُ عَنْ مَجْلِسِهِ .
فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَقُومُ وَلَا يَجْلِسُ إِلَّا عَلَى
ذِكْرٍ ، وَإِذَا أَنْتَهَى إِلَى قَوْم .. جَلَسَ حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ الْمَجْلِسُ، وَيَأْمُرُ بِذَلِكَ،
يُعْطِي كُلَّ جُلَسَائِهِ بِنَصِيبِهِ، لَا يَحْسِبُ جَلِيُهُ أَنَّ أَحَداً أَكْرَمُ عَلَيْهِ مِنْهُ .
مَنْ جَالَسَهُ أَوْ فَاوَضَهُ فِي حَاجَةٍ .. صَابَرَهُ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الْمُنْصَرِفَ
(١) ذواق - من الذوق - وهو: إما حسي للأجساد كالطعام والشراب ، أو معنوي للأرواح
كالأدب والعلم والخير .
٢٠٠

عَنْهُ ، وَمَنْ سَأَلَهُ حَاجَةً .. لَمْ يَرُدَّهُ إِلَّا بِهَا أَوْ بِمَيْسُورٍ مِنَ اَلْقَوْلِ .
قَدْ وَسِعَ النَّاسَ بَسْطُهُ وَخُلُقُهُ، فَصَارَ لَهُمْ أَباً وَصَارُوا عِنْدَهُ فِي الْحَقِّ سَوَاءً.
مَجْلِسُهُ مَجْلِسُ حِلْمٍ وَحَيَاءٍ ، وَصَبْرٍ وَأَمَانَةٍ ، لَا تُرْفَعُ فِيهِ الْأَصْوَاتُ ،
وَلَا تُؤْبَنُ فِيهِ أَلْحُرَمُ وَلَا تُنْثَى فَلَتَاتُهُ(١) . مُتَعَادِلِينَ ، بَلْ كَانُوا يَتَفَاضَلُونَ فِيهِ
بِالتَّقْوَى، مُتَوَاضِعِينَ، يُوَقِّرُونَ فِيهِ الْكَبِيرَ، وَيَرْحَمُونَ فِيهِ الصَّغِيرَ ،
وَيُؤْثِرُونَ ذَا الْحَاجَةِ، وَيَحْفَظُونَ الْغَرِيبَ .
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَمْضِي لَهُ وَقْتٌ فِي غَيْرِ عَمَلٍ لِلهِ
عَزَّ وَجَلَّ، أَوْ فِيمَا لَا بُدَّلَهُ مِنْ صَلَاحِ نَفْسِهِ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقاً .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَائِمَ اَلْبِشْرِ ، سَهْلَ الْخُلُقِ .
وَعَرَّفُوا ( حُسْنَ الْخُلُقِ) بِأَنَّهُ : مُخَالطَةُ النَّاسِ بِالْجَمِيلِ ، وَاَلْبِشْرُ،
وَاَللَّطَافَةُ، وَتَحَمُّلُ الْأَذَىُ، وَاَلْإِشْفَاقُ عَلَيْهِمْ، وَالْحِلْمُ، وَالصَّبْرُ،
وَتَرْكُ التَّرَفُّعِ وَالأَسْتِطَالَةِ عَلَيْهِمْ، وَتَجَنُّبُ الْغِلْظَةِ وَالْغَضَبِ وَالْمُؤَاخَذَةِ .
وَعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ : كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ آلنَّاسِ
كَفّاً ، وَأَوْسَعَ النَّاسِ صَدْراً ، وَأَصْدَقَ النَّاسِ لَهْجَةً ، وَأَوْفَاهُمْ ذِمَّةً ، وَأَلْنَهُمْ
عَرِيكَةً ، وَأَكْرَمَهُمْ عِشْرَةً. مَنْ رَآهُ بَدِيهَةً .. هَابَهُ، وَمَنْ خَالَطَهُ مَعْرِفَةً ..
أَحَبَّهُ ، يَقُولُ نَاعِتُهُ: لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ مِثْلَهُ [صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] .
(١) أي: لا تُشاعُ ولا تُذاعُ. هذا في ظاهر اللفظ: والأَولى جعل النفي منصباً على
الفَلَتات نفسها، لا وصفها .. فالمعنى: لا فلتات فيه أصلاً. وهو من نفي الشيء
بإيجابه ، وهو من مستطرفات علم البيان .
٢٠١

وَعَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
أَعْلَمَ النَّاسِ ، وَأَوْرَعَ النَّاسِ ، وَأَزْهَدَ النَّاسِ ، وَأَكْرَمَ النَّاسِ، وَأَعْدَلَ
النَّاسِ ، وَأَحْلَمَ النَّاسِ، وَأَعَفَّ النَّاسِ، لَمْ تَمَسَّ يَدُّهُ يَدَ أَمْرَأَةٍ لَا يَمْلِكُ
رِقَّهَا ، أَوْ عِصْمَةَ نِكَاحِهَا ، أَوْ تَكُونُ ذَاتَ مَحْرَمٍ مِنْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَعَنْ أَنَسِ أَيْضاً: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ ،
وَأَجْوَدَ النَّاسِ ، وَأَشْجَعَ النَّاسِ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَزْأَفَ النَّاسِ بِالنَّاسِ ، وَأَنْفَعَ النَّاسِ
لِلنَّاسِ، وَخَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ.
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْبَرَ النَّاسِ عَلَىْ أَقْذَارِ النَّاسِ .
وَعَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ : دَخَلَ نَفَرُ عَلَىْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ
رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ فَقَالُوا لَهُ: حَدِّثْنَا أَحَادِيثَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ .
قَالَ: مَاذَا أُحَدِّثُكُمْ؟ كُنْتُ جَارَهُ ، فَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ أَلْوَحْيُ . . بَعَثَ
إِلَيَّ فَكَتَبْتُهُ لَهُ، فَكُنَّا إِذَا ذَكَرْنَا الَّذُّنْيَا .. ذَكَرَهَا مَعَنَا، وَإِذا ذَكَرْنَا الْآخِرَةَ ..
ذَكَرَهَا مَعَنَا، وَإِذا ذَكَرْنَا اُلْطَّعَامَ .. ذَكَرَهُ مَعَنَا، فَكُلَّ هَذَا أُحدِّثُكُمْ عَنْ
رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ ! .
وَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَنَاشَدُونَ الشِّعْرَ بَيْنَ
يَدَيْهِ أَحْيَاناً، وَيَذْكُرُونَ أَشْيَاءَ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَيَضْحَكُونَ، فَيَتَبَسَّمُ هُوَ
إِذَا ضَحِكُوا ، وَلَا يَزْجُرُهُمْ إِلَّا عَنْ حَرَامِ .
٢٠٢

وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْثَرَ النَّاسِ تَبَشُّماً وَضَحِكاً فِي
وُجُوهِ أَصْحَابِهِ ، وَتَعَجُّباً مِمَّا تَحَدَّثُوا بِهِ، وَخَلْطَاً لِنَفْسِهِ بِهِمْ. وَلَرُبَّمَا
ضَحِكَ حَتَّى تَبْدُوَ نَوَاجِذُهُ .
وَكَانَ ضَحِكُ أَصْحَابِهِ عِنْدَهُ ◌ٌلْتَّبَسُّمَ، أَقْتِدَاءً بِهِ ، وَتَوْقِيراً لَهُ .
قَالُوا: وَقَدْ جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ يَوْماً ؛ وَهُوَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَغيِّرُ اللَّوْنِ
يُنْكِرُهُ أَصْحَابُهُ ، فَأَرَادَ أَنْ يَسْأَلَهُ، فَقَالُوا: لَا تَفْعَلْ يَا أَعْرَابِيُّ ، فَإِنَّا نُنْكِرُ
لَوْنَهُ .
فَقَالَ : دَعُونِي ، فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِأَلْحَقِّ نَبِيًّ؛ لَا أَدَعُهُ حَتَّى يَتَبَسَّمَ .
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ ؛ بَلَغَنَا أَنَّ الْمَسِيحَ - يَعْنِي: الدَّجَّالَ - يَأْتِي النَّاسَ
بِالْثَرِيدِ وَقَدْ هَلَكُوا جُوعاً .. أَفْتَرَى لِي - بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي - أَنْ أَكُفَّ عَنْ ثَرِيدِهِ
تَعَقُّفاً وَتَنَزُّهاً حَتَّى أَهْلِكَ هُزَالاً، أَمْ أَضْرِبَ فِي ثَرِيدِهِ حَتَّى إِذَا تَضَلَّعْتُ
شِبَعَاً .. آمَنْتُ بِاللهِ وَكَفَرْتُ بِهِ ؟!
قَالُوا: فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِدُهُ .
ثُمَّ قَالَ: ((لَا ، بَلْ يُغْنِيكَ اللهُ بِمَا أَغْنَى بِهِ الْمُؤْمِنِينَ )).
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَلَطَّفُ بِخَوَاطِرٍ أَصْحَابِهِ ، وَيَتَفَقَّدُ مَنِ أَنْقَطَعَ
مِنْهُمْ عَنْ مَجْلِسِهِ ، وَكَثِيراً مَا يَقُولُ لِأَحَدِهِمْ: ((لَعَلَّكَ يَا أَخِي وَجَدْتَ
مِنِّي ، أَوْ مِنْ إِخْوَانِنَا شَيْئاً )) .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا فَقَدَ الرَّجُلَ مِنْ إِخْوَانِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ .. سَأَلَ
عَنْهُ، فَإِنْ كَانَ غَائِباً .. دَعَا لَهُ، وإِنْ كَانَ شَاهِداً .. زَارَهُ، وَإِنْ كَانَ
مَرِيضاً .. عَادَهُ .
٢٠٣

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقْبِلُ عَلَى أَصْحَابِهِ بِالْمُبَاسَطَةِ؛ حَتَّى يَظُنَّ
كُلٌّ مِنْهُمْ أَنَّهُ أَعَزُّ عَلَيْهِ مِنْ جَمِيعِ أَصْحَابِهِ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِي كُلَّ مَنْ جَلَسَ إِلَيْهِ نَصِيبَهُ مِنَ
الْبَشَاشَةِ ؛ حَتَّى يَظُنَّ أَنَّهُ أَكْرَمُ النَّاسِ عَلَيْهِ .
وَعَنْ عَمْرِو بنِ الْعَاصِي رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللهِ
صَلَّى الهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقْبِلُ بِوَجْهِهِ وَحَدِيثِهِ عَلَى أَشَرِّ الْقَوْمِ يَتَلَّفُهُمْ بِذَلِكَ ،
فَكَانَ يُقْبِلُ بِوَجْهِهِ وَحَدِيثِهِ عَلَيَّ حَتَّى ◌َظَنَنْتُ أَنِّي خَيْرُ أَلْقَوْمِ . فَقُلْتُ :
يَا رَسُولَ اللهِ ؛ أَنَا خَيْرٌ ، أَوْ أَبُو بَكْرٍ ؟
فَقَالَ: « أَبُو بَكْرٍ )) .
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ؛ أَنَا خَيْرٌ ، أَمْ عُمَرُ؟! "
فَقَالَ: ((عُمَرُ)).
فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ أَنَا خَيْرٌ ، أَمْ عُثْمَانُ؟
فَقَالَ: ((عُثْمَانُ)).
فَلَمَّا سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَدَقَنِي .. فَلَوَدِدْتُ أَنِّي
لَمْ أَكُنْ سَأَلْتُهُ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِي كُلَّ مَنْ جَلَسَ إِلَيْهِ نَصِيبَهُ مِنْ
وَجْهِهِ، حَتَّى كَأَنَّ مَجْلِسَهُ وَسَمْعَهُ وَحَدِيثَهُ وَلَطِيفَ مَحَاسِنِهِ وَتَوَجُّهَهُ
لِلْجَالِسِ إِلَيْهِ .
وَمَجْلِسُهُ مَعَ ذَلِكَ مَجْلِسُ حَيَاءٍ وَتَوَاضُعٍ وَأَمَانَةٍ .
٢٠٤

قَالَ تَعَالَى: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمّ وَلَوْ كُنْتَ فَظّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَأَنَفَضُّواْ
مِنْ حَوْلِكَ ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُوَاجِهُ أَحَداً فِي وَجْهِهِ بِشَيْءٍ يَكْرَهُهُ .
وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ رَجُلٌ بِهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ . قَالَ : وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ لَا يَكَادُ يُوَاجِهُ أَحَداً بِشَيْءٍ يَكْرَهُهُ ، فَلَمَّا قَامَ .. قَالَ لِلْقَوْمِ: ((لَوْ
قُلْتُمْ لَهُ يَدَعُ هَذِهِ الْصُّفْرَةَ » .
قَالَ الْبَاجُورِيُّ: ( وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يَكَادُ يُوَاجِهُ أَحَداً بِمَكْرُوهٍ غَالِباً ، فَلَا
يُنَافِي مَا ثَبَتَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بِنِ الْعَاصِي أَنَّهُ قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ فَقَالَ: ((إِنَّ هَذَیْنِ مِنْ ثِيَابِ
اُلْكُفَّارِ ، فَلَا تَلْبَسْهُمَا)).
وَفِي رِوَايَةٍ: قُلْتُ: أَغْسِلُهُمَا؟ قَالَ: (( بَلِ أَحْرِقْهُمَا)).
وَلَعَلَّ الْأَمْرَ بِالْإِحْرَاقِ مَحْمُولٌ عَلَى الْزَّجْرِ .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مَا عَلَيْهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ تَحْرِيمِ اَلْمُعَصْفَرِ،
وَأَلْجُمْهُورُ عَلَى كَرَاهَتِهِ ) اهـ
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُوَاجِهُ أَحَداً بِمَكْرُوهٍ ، وَلَا
يَتَعَرَّضُ فِي وَعْظِهِ لِأَحَدٍ مُعَيَّنٍ ، بَلْ يَتَكَلَّمُ خِطَاباً عَامّاً .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذاَ بَلَغَهُ عَنِ الرَّجُلِ الشَّيْءُ .. لَمْ يَقُلْ: ((مَا
٢٠٥

بَالُ فُلَانٍ يَقُولُ؟!)). وَلَكِنْ يَقُولُ: ((مَا بَالُ أَقْوَامِ يَقُولُونَ .. كَذَا
وَكَذَا ؟!)).
وَكَانَتْ مُعَاتَبَتُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعْرِيضاً: « مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ
ے
شُرُوطاً لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى .. ؟!)) وَنَحْوَ ذَلِكَ .
وَكَانَ صَلَّى الهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَأَى إِنْسَاناً يَفْعَلُ مَا لَا يَلِقُ .. لَمْ يَدَعْ
أَحَداً يُبَادِرُ إِلَى الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ حَتَّى يَتَثَبَّتَ فِي أَمْرِهِ ، وَيُعَلِّمُهُ الْأَدَبَ بِرِفْقٍ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَأْخُذُ بِالْقَرْفِ ، وَلَا يَقْبَلُ قَوْلَ أَحَدٍ عَلَى
أحدٍ .
وَ( الْقَرْفُ ) : اُلْتُّهَمَةُ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَثِيراً مَا يَقُولُ: ((لَا تُبَلِغُونِي عَنْ أَصْحَابِي
إِلَّ خَيْراً، فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ )) .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا بَعَثَ أَحَداً مِنْ أَصْحَابِهِ فِي بَعْضٍ أَمْرِهِ ..
قَالَ: ((بَشِّرُوا وَلَا تُنَقِّرُوا، وَيَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا)).
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا لَقِيَ أَصْحَابَهُ .. لَمْ يُصَافِحْهُمْ حَتَّى يُسَلِّمَ
عَلَيْهِمْ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا لَقِيَ أَحَداً مِنْ أَصْحَابِهِ .. صَافَحَهُ، ثُمَّ
أَخَذَ بِيَدِهِ فَشَابَكَهُ ، ثُمَّشَدَّ قَبْضَتَهُ عَلَيْهَا .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا لَقِيَّهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَامَ مَعَهُ .. قَامَ
مَعَهُ ، وَلَمْ يَنْصَرِفْ حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ هُوَ الَّذِي يَنْصَرِفُ عَنْهُ، وَإِذَا لَقِيَهُ
أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَتَنَاوَلَ يَدَهُ . . نَاوَلَهُ إِيَّاهَا، فَلَمْ يَنْزِعْ يَدَهُ مِنْهُ حَتَّى يَكُونَ
٢٠٦

الرَّجُلُ هُوَ الَّذِي يَنْزِعُ يَدَهُ مِنْهُ، وَإِذَا لَقِيَ أَحَداً مِنْ أَصْحَابِهِ فَتَنَاوَلَ أُذُنَهُ .
أَيْ : لِيُكَلِّمَهُ سِرّاً -.. نَاوَلَهُ إِيَّاهَا؛ ثُمَّ لَمْ يَنْزِعْهَا عَنْهُ حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ هُوَ
الَّذِي يَنْزِعُهَا عَنْهُ؛ أَيْ: لَا يُنَجِّي أُذْنَهُ عَنْ فَمِهِ حَتَّى يَفْرُغَ الرَّجُلُ مِنْ
حَدِيثِهِ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا لَقِيَهُ الرَّجُلُ مِنْ أَصْحَابِهِ .. مَسَحَهُ وَدَعَا
لَهُ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَدْعُوهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ ، أَوْ غَيْرِهِمْ ..
إِلَّا قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( لَبَّيْكَ )).
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكَنِّي أَصْحَابَهُ وَيَدْعُوهُمْ بِأَلْكُنَى، وَبِأَحَبِّ
أَسْمَائِهِمْ؛ إِكْرَاماً لَهُمْ، وَأَسْتِمَالَةً لِقُلُوبِهِمْ، وَيُكَنِّي مَنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ كُنْيَةٌ ،
وَيُكَنِّي النِّسَاءَ اللَّتِي لَهُنَّ الْأَوْلَادُ ، وَاللَّتِي لَمْ يَلِدْنَ؛ يَبْتَدِىْءُ لَهُنَّ
اُلْكُنَى، وَيُكَنِّي الصِّبْيَانَ ، فَيَسْتَلِينَ بِهِ قُلُوبَهُمْ.
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا مَرَّ عَلَى الصِّبْيَانِ .. سَلَّمْ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ
بَاسَطَهُمْ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ .. تُلُقِّيَ بِصِبْيَانِ أَهْلِ بَيْتِهِ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْحَمَ النَّاسِ بِالصِّبْيَانِ وَالْعِيَالِ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُؤْتَى بِالصِّبْيَانِ فَيُبَرِّكُ عَلَيْهِمْ ، وَيُحَنِكُهُمْ
،
وَيَدْعُو لَهُمْ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَزُورُ الْأَنْصَارَ، وَيُسَلِّمُ عَلَى صِبْيَانِهِمْ،
وَيَمْسَحُ رُؤُوسَهُمْ .
٢٠٧

وَعَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بنِ سَلَامِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ : سَمَّانِي
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( يُوسُفَ)) ، وَأَفْعَدَنِي فِي حِجْرِهِ ، وَمَسَحَ
عَلَى رَأْسِي .
وَكَانَ صَلَّى الهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُلَاعِبُ زَيْنَبَ بِنْتَ أُمّ سَلَمَةَ، وَيَقُولُ: ((يَا
زُوَيْنَبُ ؛ يَا زُوَيْنَبُ )) ( مِرَاراً) .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرْكِبُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ عَلَى ظَهْرِهِ،
وَيَمْشِي عَلَى يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، وَيَقُولُ: ((نِعْمَ الْجَمَلُ جَمَلُكُمَا، وَنِعْمَ
الْعِدْلَانِ أَنْتُمَا )) ، وَرُبَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا، وَهُمَا عَلَى الْأَرْضِ .
وَدَخَلَ الْحَسَنُ - وَهُوَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ سَجَدَ - فَرَكِبَ عَلَى
ظَهْرِهِ ، فَأَبْطَأَ فِي سُجُودِهِ حَتَّى نَزَلَ الْحَسَنُ، فَلَمَّا فَرَغَ .. قَالَ لَهُ بَعْضُ
أَصْحَابِهِ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ قَدْ أَطَلْتَ سُجُودَكَ؟
قَالَ: ((إِنَّ أَيْنِي أَرْتَحَلَنِي فَكَرِهْتُ أَنْ أَعْجَلَهُ))؛ أَيْ : جَعَلَنِي
كَالرَّاحِلَةِ ، فَرَكِبَ عَلَى ظَهْرِي .
وَعَنِ أَبْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ يُصَلِّي وَالْحَسَنُ وَاَلْحُسَيْنُ يَلْعَبَانِ وَيَقْعُدَانِ عَلَى ظَهْرِهِ .
وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ يَقُولُ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ أَخَذَ بِيَدِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ، وَوَضَعَ رِجْلَيْهِ عَلَىْ رُكْبَتَيْهِ وَهُوَ
يَقُولُ: ((تَرَقَّ .. تَرَقَّ، عَيْنَ بَقَّة ... حُزُقَّةٌ حُزُقَّهْ)).
قَالَ فِي (( لِسَانِ الْعَرَبِ)) : ( وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
٢٠٨

وَسَلَّمَ كَانَ يُرَقِّصُ الْحَسَنَ أَوِ الْحُسَيْنَ؛ وَيَقُولُ: ((حُزُقَّةٌ .. حُزُقَّة ، تَرَقَّ
عَيْنَ بَقَّة)) .
( الْحُزُقَّةُ ) : الضَّعِيفُ الَّذِي يُقَارِبُ خَطْوَهُ مِنْ ضَعْفٍ ، فَكَانَ يَرْقَى
حَتَّى يَضَعَ قَدَمَيْهِ عَلَى صَدْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
قَالَ أَبْنُ الْأَثِيرِ: ذَكَرَهَا لَهُ عَلَى سَبِيلِ الْمُدَاعَبَةِ وَالْتَأْنِيسِ لَهُ .
وَ( تَرَقَّ) بِمَعْنَى : أَصْعَدْ .
وَ(عَيْنُ بَقَّةٍ ) : كِنَايَةٌ عَنْ صِغَرِ الْعَيْنِ ) اهـ
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْرِمُ أَهْلَ الْفَضْلِ فِي أَخْلَاقِهِمْ ،
وَيَتَلَّفُ أَهْلَ الشَّرَفِ بِاْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ، وَكَانَ يُكْرِمُ ذَوِي رَحِمِهِ ، وَيَصِلُمْ
مِنْ غَيْرِ أَنْ يُؤْثِرَهُمْ عَلَى مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُمْ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْرِمُ بَنِي هَاشِمٍ .
وَكَانَ صَلَّى الهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ لُطْفَأَ بِالْعَبَّاسِ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُجِلُّ الْعَبَّاسَ إِجْلَالَ الْوَلَدِ لِلْوَالِدِ.
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْدَأُ مَنْ لَقِيَهُ بِالسَّلَامِ، وَإِذا أَخَذَ بِيَدِهِ ..
سَايَرَهُ حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ هُوَ الْمُنْصَرِفَ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا وَذَّعَ رَجُلاً .. أَخَذَ بِيَدِهِ، فَلَا يَنْزِعُهَا
حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ هُوَ الَّذِي يَدَعُ يَدَهُ، وَيَقُولُ: (( أَسْتَودِعُ اللهَ دِينَكَ ،
وَأَمَانَتَكَ، وَخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ » .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَجْلِسُ إِلَيْهِ أَحَدٌ وَهُوَ يُصَلِّي .. إِلَّ خَفَّفَ
٢٠٩

صَلَاتَهُ وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ فَقَالَ: «أَلَكَ حَاجَةٌ؟ ))، فَإِذَا فَرَغَ . . عَادَ إِلَى صَلَاتِهِ.
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْرِمُ كُلَّ دَاخِلٍ عَلَيْهِ ، حَتَّى رُبَّمَا بَسَطَ ثَوْبَهُ
لِمَنْ لَيْسَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ قَرَابَةٌ وَلَا رَضَاعٌ ، يُجْلِسُهُ عَلَيْهِ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُؤْثِرُ الدَّاخِلَ عَلَيْهِ بِأَلْوِسَادَةِ الْتِي تَكُونُ تَحْتَهُ
فَإِنْ أَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا .. عَزَمَ عَلَيْهِ حَتَّى يَقْبَلَ .
وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ : خَدَمْتُ رَسُولَ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ سِنِينَ، فَمَا قَالَ لِي: ((أُفِّ)) قَطُّ ، وَمَا قَال
لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ: ((لِمَ صَنَعْتَهُ؟))، وَلَا لِشَيْءٍ تَرَكْتُهُ: ((لِمَ تَرَكْتَهُ؟ )).
وَعَنْهُ أَيْضاً [رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ] قَالَ: خَدَمْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا أَبْنُ ثَمَانِ سِنِينَ - خَدَمْتُهُ عَشْرَ سِنِينَ - فَمَا لَامَنِي عَلَى شَيْءٍ
قَطُّ، فَإِنْ لَامَنِي لَائِمٌ مِنْ أَهْلِهِ .. قَالَ: ((دَعُوهُ، فَإِنَّهُ لَوْ قُضِيَ شَيْءٌ ..
كَانَ )).
وَفِي (( أَلْمَصَابِيح)»: عَنْ أَنَسٍ [رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ] أَيْضاً: كَانَ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقاً ، فَأَرْسَلَنِي يَوْماً
لِحَاجَةٍ ؛ فَقُلْتُ: وَاللهِ لَا أَذْهَبُ - وَفِي نَفْسِي أَنْ أَذْهَبَ لِمَا أَمَرَنِي بِهِ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَخَرَجْتُ حَتَّى أَمُرَّ عَلَى صِبْيَانٍ وَهُمْ
يَلْعَبُونَ فِي السُّوقِ؛ فَإِذَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَبَضَ بِقَفَايَ
مِنْ وَرَائِي. قَالَ: فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقَالَ: (( يَا أُنَيْسُ ؛ أَذَهَبْتَ
حَيْثُ أَمَرْتُكَ؟ )) ، قُلْتُ: نَعَمْ، أَنَا أَذْهَبُ يَا رَسُولَ اللهِ .
وَعَنْ أَنَسِ [رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ] أَيْضاً قَالَ : كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ
٢١٠

صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ، فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ
فَجَبَذَهُ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً رَجَعَ نَبِيُّ اللهِ فِي نَحْرِ الْأَعْرَابِيِّ، حَتَّى نَظَرْتُ
إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَثَّرَتْ فِيهِ حَاشِيَةٌ أَلْبُرْدِ
مِنْ شِدَّةٍ جَبْذَتِهِ .
ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ ؛ مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي عِنْدَكَ، فَأَلْتَفَتَ إِلَيْهِ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ ضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَيْنَاً لَيْناً ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظِ .
وَعَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: لَمْ يَكُنْ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاحِشاً، وَلَا مُتَفَحِّشاً، وَلَا صَخَّاباً فِي
اْأَسْوَاقِ ، وَلَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ .
وَ( الصَّخَبُ ) : شِدَّةُ الصَّوْتِ.
وَفِي ((أَلْإِحْيَاءِ )): قَدْ وَصَفَهُ اللهُ تَعَالَى فِي (( اٌلْتَّوْرَاةِ)) قَبْلَ أَنْ يَبْعَثَهُ
فَقَالَ: ﴿مَحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ عَبْدِيَ الْمُخْتَارُ؛ لَا فَظُّ، وَلَا غَلِيظٌ، وَلَا
صَخَّابٌ فِي الْأَسْوَاقِ ، وَلَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ اُلْسَّيِّئَةَ ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ ،
مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ ، وَهِجْرَتُهُ بِطَابَةَ، وَمُلْكُهُ بِالشَّامِ، يَأْتَزِرُ عَلَى وَسَطِهِ، هُوَ
وَمَنْ مَعَهُ دُعَاةٌ لِلْقُرْآنِ وَالْعِلْمِ ، يَتَوَضَّأُ عَلَى أَطْرَافِهِ﴾ .
وَكَذلِكَ نَعْتُهُ فِي (( أَلْإِنْجِيلِ)).
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَجْفُو عَلَى أَحَدٍ ، وَلَوْ فَعَلَ مَعَهُ مَا يُوجِبُ
اُلْجَفَاءَ .
٢١١

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْبَلُ مَعْذِرَةَ الْمُعْتَذِرِ إِلَيْهِ، وَلَوْ فَعَلَ مَا
فَعَلَ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَاَ آذَاهُ أَحَدٌ .. يُعْرِضُ عَنْهُ، وَيَقُولُ :
(( رَحِمَ اللهُ أَخِي مُوسى، قَدْ أُوْذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ )).
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرَى الْلَّعِبَ الْمُبَاحَ فَلَا يُنْكِرُهُ ، وَتُرْفَعُ عَلَيْهِ
اُلْأَصْوَاتُ بِالْكَلَامِ الْجَافِي، فَيَحْتَمِلُهُ وَلَا يُؤَاخِذُ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سُئِلَ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى أَحَدٍ .. عَدَلَ عَنِ
الدُّعَاءِ عَلَيْهِ وَدَعَا لَهُ .
وَمَا ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ امْرَأَةً وَلَا خَادِماً قَطُّ وَلَا
غَيْرَهُمَا ؛ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْجِهَادِ .
قَالَ أَنَسٌ رَضِيَ الهُ تَعَالَى عَنْهُ: كَانَ الْخَادِمُ إِذَا أَغْضَبَهُ .. يَقُولُ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَوْلَا خَشْيَةُ الْقِصَاصِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .. لَأَوْجَعْتُكَ
بِهَذَا الْسِّوَاكِ)).
وَلَمَّا كُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ(١) صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشُجَّ وَجْهُهُ يَوْمَ أُحُدٍ ..
شَقَّ ذَلِكَ عَلَىْ أَصْحَابِهِ شَدِيداً، وَقَالُوا: لَوْ دَعَوْتَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: ((إِنِّي
لَمْ أُبْعَثْ لَغَّاناً ؛ وَلَكِنْ بُعِثْتُ دَاعِياً وَرَحْمَةً ، اللَّهُمَّ أَهْدِ قَوْمِي فَإِنَّهُمْ
لَا يَعْلَمُونَ )» .
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ
(١) هي : السّنُّ التي بين الثنية والنّاب .
٢١٢

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْتَصِراً مِنْ مَظْلَمَةٍ ظُلِمَهَا قَطُ مَا لَمْ يُنْتَهَكْ مِنْ مَحَارِمِ اللهِ
شَيْءٌ، فَإِذَا أُنْتُهِكَ مِنْ مَحَارِمِ اللهِ شَيْءٌ .. كَانَ مِنْ أَشَدِّهِمْ فِي ذَلِكَ
غَضَباً . وَمَا خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا؛ مَا لَمْ يَكُنْ إِثْماً ، فَإِنْ كَانَ
إِثْماً .. كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ. وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَغْضَبُ
لِنَفْسِهِ ، وَلَا يَنْتَقِمُ لَهَا، وَإِنَّمَا يَغْضَبُ إِذَا أنْتُهِكَتْ حُرُمَاتُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ؛
فَحِينَئِذٍ يَغْضَبُ، وَلَا يَقُومُ لِغَضَبِهِ شَيْءٌ حَتَّى يَنْتَصِرَ لِلْحَقِّ، وَإِذَا غَضِبَ ..
أَعْرَضَ وَأَشَاحَ .
وَالْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ وَالْقَوِيِّ وَالضَّعِيفُ .. عِنْدَهُ فِي الْحَقِّ سَوَاءٌ .
قَوْلُهُ ( أَشَاحَ ) أَيْ : أَعْرَضَ بِوَجْهِهِ .
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: أَسْتَأْذَنَ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا عِنْدَهُ، فَقَالَ: ((بِتْسَ أَبْنُ الْعَشِيرَةِ))، أَوْ (( أَخُو
الْعَشَيْرَةِ)).
ثُمَّ أَذِنَ لَهُ ، فَلَمَّا دَخَلَ .. أَلَانَ لَهُ أَلْقَوْلَ .
فَلَمَّا خَرَجَ . . قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ؛ قُلْتَ مَا قُلْتَ، ثُمَّ أَلَنْتَ لَهُ
اُلْقَوْلَ؟
فَقَالَ: (( يَا عَائِشَةُ؛ إِنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ، أَوْ وَدَعَهُ
النَّاسُ أَتَّقَاءَ فُخْشِهِ » .
قَالَ فِي ((أَلْمَوَاهِبِ )): ( هَذَا الرَّجُلُ هُوَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ الْفَزَارِيُّ ،
وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: ( الْأَحْمَقُ اَلْمُطَاعُ ) .
وَقَدْ كَانَتْ مِنْهُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَعْدَهُ أُمُورٌ تَدُلُّ عَلَى
٢١٣

ضَعْفِ إِيمَانِهِ ، فَيَكُونُ مَا وَصَفَهُ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ عَلَامَاتِ
اُلْتُّبُوَّةِ .
وَأَمَّا إِلَنَةُ الْقَوْلِ بَعْدَ أَنْ دَخَلَ .. فَعَلَى سَبِيلِ اٌلِأَثْتِلَافِ وَالْمُدَارَاةِ .
وَهِيَ مُبَاحَةٌ، وَرُبَّمَا أُسْتُحْسِنَتْ بِخِلَافِ الْمُدَاهَنَةِ .
وَأَلْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُدَارَاةَ: بَذْلُ الدُّنْيَا لِصَلَاحِ الدُّنْيَا أَوِ الدِّينِ ، أَوْ
هُمَا مَعاً .
وَأَلْمُدَاهَنَةُ : بَذْلُ الدِّينِ لَصَلَاحِ الدُّنْيَا .
وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا بَذَلَ لَهُ مِنْ دُنْيَاهُ حُسْنَ عِشْرَتِهِ وَالرِّفْقَ
فِي مُكَالَمَتِهِ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَمْدَحْهُ بِقَوْلٍ ، فَلَمْ يُنَاقِضْ قَوْلُهُ فِيهِ فِعْلَهُ ،
فَإِنَّ قَوْلَهُ فِيهِ حَقٌّ ، وَفِعْلَهُ مَعَهُ حُسْنُ عِشْرَةٍ، وَقَدِ أَرْتَدَّ عُبَيْنَةُ فِي زَمَنِ
الصِّدِّيقِ وَحَارَبَ، ثُمَّ رَجَعَ وَأَسْلَمَ، وَحَضَرَ بَعْضَ اٌلْفُتُوحِ فِي عَهْدِ عُمَرَ
رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ ) اهـ
وَقَالَ أَبْنُ الْأَثِيرِ فِي كِتَابِهِ (( أُسْدُ الْغَابَةِ )) ، فِي آخِرِ تَرْجَمَةِ مَخْرَمَةَ بْنِ
تَوْفَلِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: ( رَوَى اٌلْنَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ
اُلْخَزَّازُ، عَنْ أَبِي يَزِيدَ الْمَدَنِيِّ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَ مَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلٍ ،
فَلَمَّا سَمِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَوْتَهُ .. قَالَ: ((بِثْسَ أَخُو
اَلْعَشِيرَةِ)). فَلَمَّا جَاءَ .. أَدْنَاهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ؛ قُلْتَ لَهُ مَا
قُلْتَ (١) ، ثُمَّ أَلَنْتَ لَهُ أَلْقَوْلَ؟
(١) أي : لأجله وفي شأنه ، لا أنه خاطبه مباشرة ؛ لفساد المعنى.
٢١٤

فَقَالَ: (( يَا عَائِشَةُ؛ إِنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ أَتَّقَاءَ فُحْشِهِ)».
أَخْرَجَهُ الثَّلَاثَةُ .
قَالَ: وَكَانَ مَخْرَمَةُ هَذَا مِنْ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَكَانَ فِي لِسَانِهِ
فَظَاظَةٌ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَّقِي لِسَانَهُ) اهـ
وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَاذَكَرَهُ أَبْنُ الْأَثِيرِ مِنْ أَنَّ صَاحِبَ هَذِهِ الْقِصَّةِ هُوَ مَخْرَمَةُ بْنُ
نَوْفَلِ هُوَ الصَّحِيحُ، أَوْ: تَكَّرَرَتْ .
وَعَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ [َرَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ] قَالَ: قَالَ الْحُسَيْنُ :
سَأَلْتُ أَبِي عَنْ سِيرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جُلَسَائِهِ . . فَقَالَ :
كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَائِمَ اَلْبِشْرِ ، سَهْلَ الْخُلُقِ ، لَيِّنَ
اُلْجَانِبِ، لَيْسَ بِفَظُّ وَلَا غَلِيظٍ ، وَلَا صَخَّابٍ وَلَا فَخَّاشِ ، وَلَا عَيَّبٍ ،
وَلَا مُشَاحٍ ، يَتَغَافَلُ عَمَّا لَا يَشْتَهِي ؛ وَلَا يُؤْيِسُ مِنْهُ ، وَلَا يُجِيبُ فِيهِ ، قَدْ
تَرَكَ نَفْسَهُ مِنْ ثَلَاثٍ: أَلْمِرَاءُ، وَأَلْإِكْثَارُ، وَمَا لَا يَعْنِيهِ، وَتَرَكَ النَّاسَ مِنْ
ثَلَاثٍ: كَانَ لَا يَذُمُّ أَحَداً ، وَلَا يَعِيبُهُ ؛ وَلَا يَطْلُبُ عَوْرَتَهُ، وَلَا يَتَكَلَّمُ إِلَّا
فِيمَا رَجَا ثَوَابَهُ ، وَإِذَا تَكَلَّمَ .. أَطْرَقَ جُلَسَاؤُهُ كَأَنَّمَا عَلَى رُؤُوسِهِمُ الطَّيْرُ ،
فَإِذَا سَكَتَ .. تَكَلَّمُوا، لَا يَتَنَازَعُونَ عِنْدَهُ الْحَدِيثَ، وَمَنْ تَكَلَّمَ عِنْدَهُ ..
أَنْصَتُوا لَهُ حَتَّى يَفْرُغَ، حَدِيثُهُمْ عِنْدَهُ حَدِيثُ أَوَّلِهِمْ، يَضْحَكُ مِمَّا
يَضْحَكُونَ مِنْهُ، وَيَتَعَجَّبُ مِمَّا يَتَعَجَّبُونَ مِنْهُ، وَيَصْبِرُ لِلْغَرِيبِ عَلَى الْجَفْوَةِ
فِي مَنْطِقِهِ وَمَسْأَلَتِهِ حَتَّى أَنْ كَانَ أَصْحَابُهُ لَيَسْتَجْلِبُونَهُمْ، وَيَقُولُ: ((إِذَا
رَأَيْتُمْ طَالِبَ حَاجَةٍ يَطْلُبُهَا .. فَأَرْفُدُوهُ))(١) .
(١) أرفدوه : أعينوه على حاجته وساعدوه حتى يصل إليها.
٢١٥

وَلَا يَقْبَلُ الثَّنَاءَ إِلَّا مِنْ مُكَافِئٌ، وَلَا يَقْطَعُ عَلَى أَحَدٍ حَدِيثَهُ حَتَّى
يَجُوزَ (١) فَيَقْطَعُهُ بِنَهْىٍ ، أَوْ قِيَامٍ .
وَأَمَّا حِلْمُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
فَقَدْ كَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْلَمَ النَّاسِ ، وَأَرْغَبَهُمْ فِي الْعَفْرِ مَعَ
الْقُدْرَةِ، حَتَّى أُتِيَ بِقَلَائِدَ مِنَ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ ، فَقَسَمَهَا بَيْنَ أَصْحَابِهِ ، فَقَالَ
أَعْرَابِيٌّ: مَا أَرَاكَ تَعْدِلُ، قَالَ: ((وَيْحَكَ فَمَنْ يَعْدِلُ عَلَيْكَ بَعْدِي؟!))،
فَلَمَّا وَلَّى .. قَالَ: ((رُدُّوهُ عَلَيَّ رُوَيْداً)) .
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْبِضُ لِلنَّاسِ يَوْمَ [حُنَيْنٍ](٢)،
مِنْ فِضَّةٍ فِي ثَوْبٍ بِلَالٍ ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ ؛ أَعْدِلْ .
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((وَيْحَكَ؛ فَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ
أَعْدِلْ ؟! فَقَدْ خِبْتُ إِذاً وَخَسِرْتُ إِنْ كُنْتُ لَا أَعْدِلُ)).
فَقَامَ عُمَرُ فَقَالَ: أَلَا أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟ فَإِنَّهُ مُنَافِقٌ .
فَقَالَ: ((مَعَاذَ اللهِ أَنْ يَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنِّي أَقْتُلُ أَصْحَابِي)).
وَقَسَمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِسْمَةٌ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ
اُلْأَنْصَارِ : هَذِهِ قِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللهِ تَعَالَى.
فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلَنَبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. فَأَحْمَزَّ وَجْهُهُ وَقَالَ :
((رَحِمَ اللهُ أَخِي مُوسَىْ، قَدْ أُوْذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ )).
(١) أي : يتجاوز الحد أو الحق .
(٢) في نسخة : خيبر .
٢١٦

وَبَالَ أَعْرَابِيٌّ فِي الْمَسْجِدِ بِحَضْرَتِهِ ، فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ، فَقَالَ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَا تَزْرِمُوهُ)) ؛ أَيْ: لَا تَقْطَعُوا عَلَيْهِ أَلْبَوْلَ .
ثُمَّ قَالَ لَهُ: ((إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنَ الْقَذَرِ وَالْبَوْلِ
وَالْخَلَاءِ)).
وَفِي رِوَايَةٍ: «قَرِّبُوا وَلَا تُنَفِّرُوا)).
وَجَاءَ أَعْرَائِيٌّ يَطْلُبُ مِنْهُ شَيْئاً، فَأَعْطَاهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ قَالَ
لَهُ: «آحْسَنْتُ إِلَيْكَ؟ ».
قَالَ الْأَعْرَابِيُّ: لَا ، وَلَا أَجْمَلْتَ .
فَغَضِبَ الْمُسْلِمُونَ، وَقَامُوا إِلَيْهِ . فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنْ كُقُّوا .
ثُمَّ قَامَ وَدَخَلَ مَنْزِلَهُ ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْأَعْرَابِيِّ وَزَادَهُ شَيْئاً، ثُمَّ قَالَ لَهُ:
((آحْسَنْتُ إِلَيْكَ؟ ».
قَالَ : نَعَمْ ، فَجَزَاكَ اللهُ مِنْ أَهْلٍ وَعَشِيرَةٍ خَيْراً .
فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((إِنَّكَ قُلْتَ مَا قُلْتَ وَفِي نَفْسٍ
أَصْحَابِي شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ، فَإِنْ أَحْبَيْتَ فَقُلْ بَيْنَ أَيْدِيْهِمْ مَا قُلْتَ بَيْنَ يَدَيَّ
حَتَّى يَذْهَبَ مِنْ صُدُورِهِمْ مَا فِيهَا عَلَيْكَ )).
قَالَ : نَعَمْ .
فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ أَوِ الْعَشِيُّ .. جَاءَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ
هَذَا الْأَعْرَابِيَّ قَالَ مَا قَالَ، فَزِدْنَاهُ فَزَعَمَ أَنَّهُ رَضِيَ ذَلِكَ ، أَكَذَلِكَ ؟ )).
قَالَ: نَعَمْ ، فَجَزَاكَ اللهُ مِنْ أَهْلٍ وَعَشِيرَةٍ خَيْراً .
٢١٧