النص المفهرس

صفحات 181-200

وَرُوِيَ عَنْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ((إِذَا وُضِعَتِ الْمَائِدَةُ . . فَلَا
يَقُومُ الرَّجُلُ وَإِنْ شَبعَ حَتَّى يَفْرُغَ [أَلْقَوْمُ]؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يُخْجِلُ جَلِيسَهُ ،
وَعَسَى أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي الْطَّعَامِ حَاجَةٌ » .
وَعَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ - رَبِيبٍ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ
دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدَهُ طَعَامٌ؛ فَقَالَ: ((أُدْنُ يَا
بُنَيَّ.، فَسَمِّ اللهَ تَعَالَى، [وَكُلْ بِيَمِينِكَ]، وَكُلْ مِمَّا يَلِكَ)).
[وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ]: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ .. أَكَلَ مِمَّا يَلِيهِ، وَإِذَا أُتِيَ بِالثَّمْرِ .. جَالَتْ يَدُهُ
[فِیهِ] .
وَعَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : ((إِنَّ اللهَ لَيَرْضَىْ عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ .. فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ
يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ .. فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا )).
١٧٨

الْفَضْ الربيع
أحظ قاله صعلى الشافي
ـآئن،
كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْخُذُ الرُّطَبَ بِيَمِينِهِ ، وَاَلْبِطِّيخَ
بِيَسَارِهِ، وَيَأْكُلُ الْرُّطَبَ بِأَلْبِطَّيْخِ ، وَكَانَ أَحَبَّ الْفَاكِهَةِ إِلَيْهِ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ الْرُّطَبَ ، وَيُلْقِي النَّوَى عَلَى الطَّبَقِ.
وَكَانَ صَلَّى الهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ الْبِطِّيخَ بِآلْرُّطَبِ، وَيَقُولُ: ((يُكْسَرُ
حَرُّ هَذَا بِبَرْدِ هَذَا، وَبَرْدُ هَذَا بِحَرِّ هَذَا)).
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ الْبِطِّيخَ بِالْخُبْزِ وَبِالسُّكَّرِ، وَرُبَّمَا أَكَلَهُ
بِالْرُّطَبِ ، وَيَسْتَعِينُ بِأَلْيَدَيْنِ جَمِيعاً .
وَأَكَلَ [صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَا يَوْماً اٌلْرُّطَبَ فِي يَمِينِهِ، وَكَانَ يَحْفَظُ
اٌلْنَّوَىُ فِي يَسَارِهِ ، فَمَرَّتْ شَاةٌ ، فَأَشَارَ إِلَيْهَا بِالنَّوَى، فَجَعَلَتْ تَأْكُلُ مِنْ كَفِّهِ
اُلْيُسْرَى وَهُوَ يَأْكُلُ بِيَمِينِهِ حَتَّى فَرَغَ ، وَأَنْصَرَفَتِ الشَّاءُ .
وَعَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
يَجْمَعُ بَيْنَ الْخِرِيِ وَاْرُّطَبِ .
وَ( الْخِرْبِزُ ) : الْبِطِّيخُ اَلْأَصْفَرُ .
١٧٩

وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ الْقِثَّاءَ بِأَلْرُّطَبِ .
قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: أَرَادَتْ أُمِّي مُعَالَجَتِي لِلْسُّمْنَةِ
لِتُدْخِلَنِي عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَمَا أُسْتَقَامَ لَهَا ذَلِكَ حَتَّى
أَكَلْتُ الْرُّطَبَ بِأَلْقِنَّاءِ ، فَسَمِنْتُ عَلَيْهِ كَأَحْسَنِ سُمْنَةٍ . أَخْرَجَهُ أَبْنُ مَاجَهْ ،
وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ: بِإِبْدَالِ ( اٌلْتَّمْرِ ) مَكَانَ ( الْرُّطَبِ ).
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ الْقِنَّاءَ بِالْرُّطَبِ وَبِاَلْمِلْحِ .
وَكَانَ أَحَبَّ الْفَوَاكِهِ الْرَّطْبَةِ إِلَيْهِ [صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ]: اُلْرُّطَبُ
وَأَلْعِنَبُ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ الْعِنَبَ خَرْطاً ؛ يُرَىْ رُؤَالُهُ عَلَىْ لِحْيَتِهِ
كَخَرَزِ اللُّؤْلُقِ .
وَرُؤَالُهُ : مَاؤُهُ الَّذِي يَتَقَطَّرُ مِنْهُ .
وَعَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ ابْنِ عَفْرَاءَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: بَعَثَنِي
مُعَاذٌ بِقِنَاعِ(١) مِنْ رُطَبٍ ، وَعَلَيْهِ أَجْرٍ مِنْ قِنَّاءِ زُغْبٍ (٢) .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ الْقِنَّاءَ ، فَأَيْتُهُ بِهِ وَعِنْدَهُ حَلْيَةٌ قَدْ
قَدِمَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْبَحْرَيْنِ ، فَمَلَأَ يَدَهُ مِنْهَا ، فَأَعْطَانِيهِ .
(١) أي : بطبقٍ يُهدى عليه .
(٢) صغار الريش أول ما يطلع نبته ، ووصف به القثاء تشبيهاً لما عليه بالرِّيش
الصغير .
١٨٠

قَوْلُهُ ( أَجْرٍ ) - [جَمْعُ جَرْوٍ] - وَهُوَ: الصَّغِيرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. وَهُنَا:
اٌلْصَّغِيرُ مِنَ الْقِتَّاءِ.
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أُتِيَ بِبَاكُورَةِ الثَّمَرَةِ .. وَضَعَهَا
عَلَى عَيْنَيْهِ، ثُمَّ عَلَى شَفَتَيْهِ، وَقَالَ: ((أَلَّلْهُمَّ؛ كَمَا أَرَيْتَنَا أَوَّلَهُ .. فَأَرْنَا
آخِرَهُ)) ، ثُمَّ يُعْطِيهِ مَنْ يَكُونُ عِنْدَهُ مِنَ الصِّبْيَانِ .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّاسُ إِذَا رَأَوْا أَوَّلَ
الثَّمَرِ .. جَاؤُوا بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِذَا أَخَذَهُ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. قَالَ: (( الْلْهُمَّ ؛ بَارِكْ لَنَا فِي ثِمَارِنَا ،
[وَبَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا]، وَبَارِْ لَنَا فِي صَاعِنَا، وَفِي مُدِّنَا. اللَّهُمَّ ؛ إِنَّ
إِبْرَاهِيمَ عَبْدُكَ، وَخَلِيلُكَ، وَنَبِيُّكَ، وَإِنِّي عَبْدُكَ، وَنَبِيُّكَ، وَإِنَّهُ دَعَاكَ
لِمَكَّةَ، وَإِنِّي أَدْعُوكَ لِلْمَدِينَةِ بِمِثْلِ مَا دَعَاكَ بِهِ لِمَكَّةَ وَمِثْلِهِ مَعَهُ )) .
قَالَ: ثُمَّ يَدْعُو أَصْغَرَ وَلِيدِ يَرَاهُ فَيُعْطِيهِ ذَلِكَ الثَّمَرَ .
قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَقَدِ أُسْتُجِيبَتْ دَعْوَةُ الْخَلِيلِ لِمَكَّةَ، وَالْحَبِيبِ لِلْمَدِينَةِ ،
فَصَارَ يُجْبَى إِلَيْهِمَا مِنْ مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ .
وَكَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَأْكُلُ مِنْ فَاكِهَةِ بَلَدِهِ عِنْدَ مَجِيئِهَا، وَلَا
يَحْتَمِي عَنْهَا .
فَائِدَةٌ :
قَالَ الْفُسْطُلَّانِيُّ: وَهَذَا مِنْ أَكْبَرِ أَسْبَابِ اٌلْصِّحَّةِ، فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ
وَتَعَالَىْ بِحِكْمَتِهِ جَعَلَ فِي كُلِّ بَلَدٍ مِنَ الْفَاكِهَةِ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ أَهْلُهَا فِي وَقْتِهِ ،
١٨١

فَيَكُونُ تَنَاوُلُهُ مِنْ أَسْبَابِ صِخَّتِهِمْ وَعَافِيَتِهِمْ ، وَيُغْنِي عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْأَدْوِيَةِ ،
وَقَلَّ مَنِ أَحْتَمَى عَنْ فَاكِهَةِ بَلَدِهِ خَشْيَةَ السَّقَم ؛ إِلَّ وَهُوَ مِنْ أَسْقَمِ النَّاسِ
جِسْماً، وَأَبْعَدِهِمْ عَنِ الصِّحَّةِ وَأَلْقُوَّةِ .
فَمَنْ أَكَلَ مِنْهَا مَا يَنْبَغِي، فِي أَلْوَقْتِ الَّذِي يَنْبَغِي، عَلَى أَلْوَجْهِ أَلَّذِي
يَنْبَغِي .. كَانَ لَهُ دَوَاءَ نَافِعاً .
١٨٢

الفَصْدِ اللَّهِصَنُ
صورة شراب صفى الله عليه وسلم وقد
عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ أَحَبَّ الشَّرَابِ
إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحُلْوُ الْبَارِدُ .
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَشْرَبُ اَلْعَسَلَ الْمَمْزُوجَ بِالْمَاءِ
الْبَارِدِ .
وَعَنْ جَابِرٍ: أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ -
وَمَعَهُ صَاحِبٌ لَهُ - فَسَلَّمَ، فَرَدَّ الْرَّجُلُ وَهُوَ يُحَوِّلُ الْمَاءَ فِي حَائِطِهِ ، فَقَالَ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنْ كَانَ عِنْدَكَ مَاءٌ بَاتَ فِي شَنَّةٍ، وَإِلَّا ..
كَرَعْنَا »، فَقَالَ : عِنْدِي مَاءٌ بَاتَ فِي شَنِّ ، فَأَنْطَلَقَ إِلَى الْعَرِيشِ فَسَکَبَ فِي
قَدَحِ مَاءَ ، ثُمَّ حَلَبَ عَلَيْهِ مِنْ دَاجٍِ [لَهُ]؛ فَشَرِبَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ .
وَ(الشَّنُ) : الْجِلْدُ الْبَالِي .
وَ( الْذَّاجِنُ ): مَا يَأْلَفُ الْبُيُوتَ مِنَ الْشِّيَاهِ وَنَحْوِهَا.
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَسْتَنَّ(١) .. أَعْطَى السِّوَاكَ
(١) من الاستنان ، وهو: تنظيف الأسنان بدلكها بالسِّواك.
١٨٣

اُلْأَكْبَرَ ، وَإِذَا شَرِبَ .. أَعْطَى الَّذِي عَنْ يَمِينِهِ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمُصُّ الْمَاءَ مَصّاً ، وَلَا يَعُبُّ عَبّاً . وَكَانَ
[صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] يَدْفَعُ فَضْلَ سُؤْرِهِ إِلَى مَنْ عَلَى يَمِينِهِ ، فَإِنْ كَانَ مَنْ
عَلَى يَسَارِهِ أَجَلَّ رُتْبَةً .. قَالَ لِلَّذِي عَلَى يَمِينِهِ: ((السُّنَّةُ أَنْ تُعْطَى، فَإِنْ
أَحْبَبْتَ .. آثَرْتَهُمْ)).
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ
صَلَّى الهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ عَلَى مَيْمُونَةَ، فَجَاءَتْنَا بِإِنَاءٍ مِنْ
لَبَنٍ ، فَشَرِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَا عَلَى يَمِينِهِ، وَخَالِدٌ
عَنْ شِمَالِهِ .
فَقَالَ لِي: ((الْشَّرْبَةُ لَكَ، فَإِنْ شِئْتَ آثَرْتَ بِهَا خَالِداً )).
فَقُلْتُ : مَا كُنْتُ لِأُؤْثِرَ عَلَى سُؤْرِكَ أَحَداً .
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ أَطْعَمَهُ اللهُ طَعَاماً ..
فَلْيَقُل: (اللَّهُمَّ؛ بَارِكْ لَنَا فِيهِ، وَأَطْعِمْنَا خَيْراً مِنْهُ)، وَمَنْ سَقَاهُ اللهُ
لَبَناً . . فَلْيَقُل: (اللَّهُمَّ؛ بَارِكْ لَنَا فِيهِ ، وَزِدْنَا مِنْهُ) .
ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَيْسَ شَيْءٌ يُجْزِىءُ
مَكَانَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ غَيْرَ اللَّبَنِ » .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَشْرَبُ قَاعِداً، وَكَانَ ذَلِكَ عَادَتَهُ . رَوَاهُ
مُسْلِمٌ .
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ أَيْضاً : أَنَّهُ [صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] نَهَى عَنِ اٌلْشُّرْبِ
قَائِماً .
١٨٤

وَعَنِ أَبْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
شَرِبَ مِنْ زَمْزَمَ وَهُوَ قَائِمٌ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُتْحِفَ الرَّجُلَ بِتُحْفَةٍ .. سَقَاهُ مِنْ
مَاءٍ زَمْزَمَ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْمِلُ مَاءَ زَمْزَمَ .
وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرِو بنِ اَلْعَاصِي(١) رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ:
رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَشْرَبُ قَائِماً وَقَاعِداً .
وَعَنِ النَّزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ قَالَ: أُتِيَ عَلِيٍّ بِكُوزٍ مِنْ مَاءٍ وَهُوَ فِي الرَّحْبَةِ (٢)،
فَأَخَذَ مِنْهُ كَفّاً فَغَسَلَ يَدَيْهِ ، وَمَضْمَضَ، وَأَسْتَنْشَقَ ، وَمَسَحَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ
وَرَأْسَهُ، ثُمَّ شَرِبَ وَهُوَ قَائِمٌ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا وُضُوءُ مَنْ لَمْ يُحْدِثْ ،
هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ .
وَعَنْ كَبْشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ : دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ ، فَشَرِبَ مِنْ فِي قِرْبَةٍ مُعَلَّقَةٍ قَائِماً ، فَقُمْتُ إِلَى فِيهَا فَقَطَعْتُهُ - أَي :
قَطَعَتْ فَمَ اَلْقِرْبَةِ لِلْثَّبَرُّكِ وَالِاسْتِشْفَاءِ .
وَوَقَعَ مِثْلُ ذَلِكَ لِأُمِّ سُلَيْمٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا .
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَنْفُخُ فِي طَعَامٍ وَلَا شَرَابٍ ،
وَلَا يَتَنَفَّسُ فِي الْإِنَاءِ .
(١) الجمهور على كتابته بالياء، وهو الفصيح عند أهل العربية، ويقع في كثير من كتب
الحديث والفقه أو أكثرها بحذف الياء ؛ وهي لغة .
(٢) المكان المتَّسع ؛ وهو هنا : رحبة الكوفة ، وكان يجلس فيها للحكم أو للوعظ .
١٨٥

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا شَرِبَ .. تَنَفَّسَ ثَلَاثاً، وَيَقُولُ: ((هُوَ
أَهْنَأُ، وَأَمْرَأُ ، وَأَبْرَأُ )).
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا شَرِبَ .. تَنَفَّسَ مَرَّتَيْنِ، وَرُبَّمَا كَانَ
يَشْرَبُ بِنَفَسٍ وَاحِدٍ حَتَّى يَفْرُغَ .
وَكَانَ صَلَّى الهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَشْرَبُ فِي ثَلَاثَةِ أَنْفَاسِ ، وَإِذَا أَدْنَى الْإِنَاءَ
إِلَى فِيهِ .. سَمَّى اللهَ تَعَالَى، وَإِذَا أَخَّرَهُ .. حَمِدَ اللهَ تَعَالَى. ( يَفْعَلُ ذَلِكَ
ثَلَاثاً ).
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَتَنَفَّسُ فِي الْإِنَاءِ ، بَلْ يَنْحَرِفُ عَنْهُ .
وَأَتَّوْهُ مَرَّةً بِإِنَاءٍ فِيهِ عَسَلٌ وَلَبَنٌ، فَأَبَى أَنْ يَشْرَبَهُ، وَقَالَ : (( شُرْبَتَانِ فِي
شُرْبَةٍ، وَإِدَامَانِ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ؟!))، ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَا
أُحَرِّمُهُ ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْفَخْرَ وَالْحِسَابَ بِفُصُولِ الدُّنْيَا [غَداً]، وأُحِبُ
التَّوَاضُعَ [لِرَبِّي عَزَّ وَجَلَّ]؛ فَإِنَّ مَنْ تَوَاضَعَ لِلّهِ .. رَفَعَهُ [آلِهُ])).
وَكَانَ يُسْتَعْذَبُ لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَاءُ مِنْ بُيُوتِ اُلْسُّقْيَا .
وَفِي لَفْظِ : يُسْتَسْقَى لَهُ الْمَاءُ الْعَذْبُ مِنْ بِثْرِ السُّقْيَا .
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ يَشْرَبُ عَلَى طَعَامِهِ ؛ لِئَلَّا يُفْسِدَهُ، وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ الْمَاءُ حَارّاً، أَوْ
بَارِداً ، فَإِنَّهُ رَدِيءٌ جِدّاً .
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا شَرِبَ أَلْمَاءَ .. قَالَ :
((الْحَمْدُ لِهِ الَّذِي سَقَانَا عَذْباً فُرَاتاً بِرَحْمَتِهِ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ مِلْحاً أُجَاجاً
بِذُنُوبِنَا » .
١٨٦

وَأَمَّا قَدَحُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
فَقَدْ رُوِيَ عَنْ ثَابِتٍ قَالَ: أَخْرَجَ إِلَيْنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَدَحَ خَشَبٍ غَلِيظاً
مُضَبَّباً بِحَدِيدٍ ، فَقَالَ: يَا ثَابِتُ ؛ هَذَا قَدَحُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ ، لَقَدْ سَقَيْتُ رَسُولَ الهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا الْقَدَحِ الشَّرَابَ
كُلَّهُ: اَلْمَاءَ وَالنَّبِيذَ، وَأَلْعَسَلَ وَاللَّبَنَ.
قَالَ الْبَاجُورِيُّ: ( قَوْلُهُ: (النَّبِيذُ) - أَي: الْمَنْبُوذُ فِيهِ - وَهُوَ: مَاءٌ
حُلْوٌ يُجْعَلُ فِيهِ تَمَرَاتٌ لِيَحْلُوَ .
وَكَانَ يُنْبَذُ لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّلَ اللَّيْلِ، وَيَشْرَبُ مِنْهُ إِذَا أَصْبَحَ
يَوْمَهُ ذَلِكَ وَلَيْلَنَّهُ أَلَّتِي يَجِيءُ ، وَأَلْغَدَ إِلَى الْعَصْرِ، فَإِنْ بَقِيَ مِنْهُ شَيْءٌ ..
سَقَاهُ الْخَادِمَ إِنْ لَمْ يَخَفْ مِنْهُ إِسْكَاراً، وَإِلَّا .. أَمَرَ بِصَبِّهِ، وَهُوَ لَهُ نَفْعٌ
عَظِيمٌ فِي زِيَادَةِ أَلْقُوَّةِ ) اهـ
وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ: مِنْ حَدَيْثِ عَاصِمِ الْأَحْوَلِ قَالَ : رَأَيْتُ قَدَحَ النَّبِيِّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ - وَكَانَ قَدِ أَنْصَدَعَ - فَسَلْسَلَهُ
بِفِضَّةٍ ؛ قَالَ: وَهُوَ قَدَحُ جَيِّدٌ عَرِيضٌ مِنْ نُضَارٍ .
قَالَ أَنَسَرُ: لَقَدْ سَقَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا اُلْقَدَحِ
أَكْثَرَ مِنْ كَذَا وَكَذَا .
[قَالَ]: وَقَالَ أبنُ سِيرِينَ: إِنَّهُ كَانَ فِيهِ خَلَّقَةٌ مِنْ حَدِيدٍ ، فَأَرَادَ أَنَسِرٌ أَنْ
يَجْعَلَ مَكَانَهَا حَلْقَةً مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ .. فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: لَا تُغَيِّرَنَّ شَيْئاً
صَنَعَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَتَرَكَهُ .
وَمَعْنَى ( الْنُّضَارِ ) : الْخَالِصُ مِنَ الْعُودِ، وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَيُقَالُ :
١٨٧

أَصْلُ ذَلِكَ الْقَدَحِ مِنْ شَجَرِ النَّبْعِ ، وَقِيلَ : مِنَ الْأَثْلِ . وَلَوْنُهُ يَمِيلُ إِلَى
الصُّفْرَةِ .
وَكَانَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدَحُ قَوَارِيرَ يَشْرَبُ فِيهِ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْجِبُهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ مِنْ مِخْضَبٍ مِنْ صُفْرٍ .
وَ( الْمِخْضَبُ ) : إِنَاءٌ .
وَ( الْصُّفْرُ ) : الْنُّحَاسُ الْأَصْفَرُّ .
وَكَانَ لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدَحٌ مِنْ عَيْدَانٍ(١) تَحْتَ سَرِيرِهِ يَبُولُ فِيهِ
بِاللَّيْلِ .
وَكَانَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَظْهَرَةٌ مِنْ فَخَّارٍ يَتَوَضَّأُ وَيَشْرَبُ
مِنْهَا ، وَكَانَ النَّاسُ يُرْسِلُونَ أَوْلاَدَهُمْ الْصِّغَارَ أَلَّذِينَ عَقَلُوا فَيَدْخُلُونَ عَلَيْهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يُدْفَعُونَ، فَإِذَا وَجَدُوا فِي الْمَطْهَرَةِ مَاءَ شَرِبُوا
مِنْهُ، وَمَسَحُوا عَلَى وُجُوهِهِمْ، وَأَجْسَامِهِمْ، يَبْتَغُونَ بِذَلِكَ الْبَرَكَةَ.
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ .. [جَاءَهُ] خَدَمُ أَهْلِ
اُلْمَدِينَةِ بِآنِيَتِهِمْ فِيهَا الْمَاءُ ، فَمَا يُؤْتَى بِإِنَاءِ . . إِلَّا غَمَسَ يَدَهُ فِيهِ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْعَثُ إِلَى الْمَطَاهِرِ فَيُؤْتَى بِأَلْمَاءِ فَيَشْرَبَهُ ،
يَرْجُو بَرَكَةَ أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ .
(١) وهي : الطوال من النخل ، والواحدة : عيدانة.
١٨٨

الفَضْكُ الشَّاِسُ
فى صفة نومن صفى الله عليه وسلم
قَالَ فِي (( أَلْمَوَاهِبِ )) : (كَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ ،
وَيَسْتَيْقِظُ فِي أَوَّلِ اٌلْنَّصْفِ الثَّانِي، فَيَقُومُ فَيَسْتَاكُ، فَيَتَوَضَّأُ ، وَلَمْ يَكُنْ
يَأْخُذُ مِنَ النَّوْمِ فَوْقَ الْقَدْرِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهِ مِنْهُ ، وَلَا يَمْنَعُ نَفْسَهُ مِنَ الْقَدْرِ
الْمُحْتَاجِ مِنْهُ، وَكَانَ يَنَامُ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ ؛ ذَاكِراً اللهَ تَعَالَى حَتَّى تَغْلِبَهُ
عَيْنَاهُ ، غَيْرَ مُمْتَلِئُّ الْبَطْنِ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ .
قَالَ: وَكَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَنَامُ عَلَى الْفِرَاشِ تَارَةً، وَعَلَى النَّطَّعِ
تَارَةً، وَعَلَى الْحَصِيرِ تَارَةً، وَعَلَى الْأَرْضِ تَارَةً .
وَكَانَ فِرَاشُهُ [صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] أَدَماً؛ حَشْوُهُ لِيفٌ، وَكَانَ لَهُ
مِسْحٌ(١) يَنَامُ عَلَيْهِ) اهـ
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ وَيُحْبِي آخِرَهُ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَنَامُ حَتَّى يَسْتَنَّ .
(١) المسح : فراشٌ خشنٌ غليظ .
١٨٩

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَزْقُدُ مِنْ لَيْلٍ وَلَا نَهَارٍ فَيَسْتَيْقِظُ .. إِلَّا
تَسَوَّكَ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَنَامُ .. إِلَّا وَالسِّوَاكُ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَإِذَا
أُسْتَيْقَظَ .. بَدَأَ بِالسِّوَاكِ.
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَاكُ فِي ◌ٌللَّيْلِ مِرَاراً .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْقُدَ .. وَضَعَ يَدَهُ أَلْيُمْنَى تَحْتَ
خَدِّهِ ، ثُمَّ يَقُولُ: (( الَّلْهُمَّ؛ قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ عِبَادَكَ )) ( ثَلَاثَ
مَرَّاتٍ ) .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ مِنَ اللَّيْلِ .. وَضَعَ يَدَهُ
تَحْتَ خَدِّهِ ، ثُمَّ يَقُولُ: ((بِأَسْمِكَ الْلُّهُمَّ أَحْيَا، وَبِأَسْمِكَ أَمُوتُ)) .
وَإِذَا أَسْتَيْقَظَ .. قَالَ: ((الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ
اُلْتُشُورُ )».
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ مِنَ اللَّيْلِ .. قَالَ :
(( بِأَسْمِ اللهِ وَضَعْتُ جَنْبِي ، اَللَّهُمَّ ؛ أَغْفِرْ لِي ذَنْبِي ، وَأَخْسِيْ شَيْطَانِي ،
وَفُكَّ رِهَانِي، وَتَقِّلْ مِيزَانِي، وَأَجْعَلْنِي فِي النَّدِيِّ(١) الْأَعْلَى)).
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ .. قَرَأَ ( قل يا أيها
الكافرون ) حَتّى يَخْتِمَهَا .
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
(١) النديّ : هم القوم المجتمعون في مجلس .
١٩٠

وَسَلَّمَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ .. جَمَعَ كَفَّيْهِ فَنَفَثَ (١) فِيهِمَا وَقَرَأَ فِيهِمَا
( قل هو الله أحد )، وَ: ( قل أعوذ برب الفلق ) ، وَ: ( قل أعوذ برب
الناس )، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا مَا أُسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ ، يَبْدَأُ بِهِمَا رَأْسَهُ وَوَجْهَهُ
وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ ؛ يَصْنَعُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وَكَانَ [صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] لَا يَنَامُ حَتَّى يَقْرَأَ: ( بَنِي إِسْرَائِيلَ) (٢)
وَ: ( الزُّمَرَ ) .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَنَامُ حَتَّى يَقْرَأَ: (ألم تنزيل ) اَلْسَّجْدَةَ ،
وَ : ( تبارك الذي بيده الملك ) .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ نِسَاءَهُ إِذَا أَرَادَتْ إِحْدَاهُنَّ أَنْ تَنَامَ .. أَنْ
تَحْمَدَ ثَلَاثاً وَثَلَاثِينَ، وَتُسَبِّحَ ثَلَاثاً وَثَلَاثِينَ، وَتُكَبِّرَ ثَلَاثاً وَثَلَاثِينَ .
وَعَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
كَانَ إِذَا أَوَىُ إِلَىْ فِرَاشِهِ .. قَالَ: ((الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَكَفَانَا
وَآوَانَا ، فَكَمْ مِمَّنْ لَا كَافِيَ لَهُ وَلَا مُؤْوِيَ لَهُ )) .
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ إِذَا تَضَوَّرَ مِنَ اللَّيْلِ .. قَالَ: ((لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ أَلْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ، رَبُّ
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ )).
وَمَعْنَى ( تَضَوَّرَ ) : تَلَوَّى وَتَقَلَّبَ فِي فِرَاشِهِ .
نفخ نفخاً لطيفاً بلا ريق .
(١)
(٢) ويقال لها : سورة الإسراء .
١٩١

وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ .. قَالَ: ((رَبِّ
أَغْفِرْ وَأَرْحَمْ ، وَأَهْدِ لِلْسَّبِيلِ الْأَقْوَمْ)) .
وَمَعْنَى ( تَعَارَّ) : هَبَّ مِنْ نَوْمِهِ وَأَسْتَيْقَظَ .
وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّ النَبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
كَانَ إِذَا عَرَّسَ بِلَيْلٍ .. أَضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، وَإِذَا عَرَّسَ قُبَيْلَ
الصُّبْحِ .. نَصَبَ ذِرَاعَهُ، وَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى كَفِّهِ .
وَمَعْنَى ( اٌلْتَّعْرِيسِ ) : نُزُولُ الْقَوْمِ فِي السَّفَرِ آخِرَ اللَّيْلِ.
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ ..
تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلْصَّلَاةِ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ وَهُوُ جُنُبٌ .. غَسَلَ
يَدَيْهِ ثُمَّ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ .. غَسَلَ فَرْجَهُ
وَتَوَضَّأَ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَنَامُ عَيْنَاهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ .
وَلِذَلِكَ كَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنَامُ حَتَّى يَنْفُخَ (١) ، ثُمَّ يَقُومُ
فَيُصَلِّيَ .
(١) وهو : إرسال الهواء من الفم بقوة ؛ والمراد هنا : ما يخرج من النائم حين استغراقه
في نومه .
١٩٢

الْبَابُ الخَامِسِ
فِي صِفَةِ خُلُقِ رَسُولِ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَحِلْمِهِ ، وَعِشْرَتِهِ مَعَ نِسَائِهِ ، وَأَمَانَتِهِ ،
وَصِدْقِهِ ، وَحَيَائِهِ ، وَمِزَاحِهِ ، وَتَوَاضَعِهِ ،
وَجُلُوسِهِ ، وَكَرَمِهِ ، وشَجَاعَتِهِ
وَفِيهِ سِنَّهُ فُصُولٍ

اَلْفَضْكُ الأولُ
صفة خلطة صلى الله عليه وسلم وصـ
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي (( اٌلَشِّفَا)): ( قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهِ : قَرَأْتُ فِي
أَحَدٍ وَسَبْعِينَ كِتَاباً، فَوَجَدْتُ فِي جَمِيعِهَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
أَرْجَحُ النَّاسِ عَقْلاً ، وَأَفْضَلُهُمْ رَأْياً .
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَىُ: فَوَجَدْتُ فِي جَمِيعِهَا: أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يُعْطِ جَمِيعَ
النَّاسِ مِنْ بَدْءِ الدُّنْيَا إِلَى أَنْفِضَائِهَا مِنَ الْعَقْلِ فِي جَنْبِ عَقْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ إِلَّا كَحَبَّةِ رَمْلٍ مِنْ بَيْنِ رِمَالِ الدُّنْيَا ) .
وَذَكَرَ الْفُسْطُلَّانِيُّ فِي ((أَلْمَوَاهِبِ))، عَنْ ((عَوَارِفِ اَلْمَعَارِفِ)):
( الْلُّبُّ وَالْعَقْلُ مِنَةُ جُزْءٍ ؛ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ فِي النَبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ،
وَجُزْءٌ فِي سَائِرِ اَلْمُؤْمِنِينَ .
قَالَ: وَمَنْ تَأَمَلَ حُسْنَ تَذْبِيرِهِ لِلْعَرَبِ الَّذِينَ هُمْ كَالْوَحْشِ الشَّارِدِ ، مَعَ
اٌلْطَّبْعِ الْمُتَنَافِرِ الْمُتَبَاعِدِ، وَكَيْفَ سَاسَهُمْ وَأَحْتَمَلَ جَفَاهُمْ، وَصَبَرَ عَلَى
أَذَاهُمْ إِلَى أَنِ أَنْقَادُوا إِلَيْهِ، وَأَجْتَمَعُوا عَلَيْهِ ، وَقَاتَلُوا دُونَهُ أَهْلِيهِمْ وَآبَاءَهُمْ
وَأَبْنَاءَهُمْ، وَأَخْتَارُوهُ عَلَىْ أَنْفُسِهِمْ، وَهَجَرُوا فِي رِضَاهُ أَوْطَانَهُمْ
وَأَحِبَّاءَهُمْ، مِنْ غَيْرِ مُمَارَسَةٍ سَبَقَتْ لَهُ ، وَلَا مُطَالَعَةٍ كُتُبٍ يَتَعَلَّمُ مِنْهَا سِيَرَ
١٩٥

اَلْمَاضِينَ .. تَحَقَّقَ لَهُ أَنَّهُ أَعْقَلُ الْعَالَمِينَ.
وَلَمَّا كَانَ عَقْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَوْسَعَ الْعُقُولِ .. لَا جَرَمَ
أَتَّسَعَتْ أَخْلَاقُ نَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ أَتِّسَاعاً ، لَا يَضِيقُ عَنْ شَيْءٍ ) .
كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُلُقُهُ الْقُرْآنُ .
قَالَ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ فِي ((أَلْإِحْيَاءِ)): ( قَالَ سَعْدُ بْنُ هِشَام : دَخَلْتُ
عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا وَعَنْ أَبِيهَا ، فَسَأَلْتُهَا عَنْ أَخْلَاقِ
رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟
فَقَالَتْ : أَمَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟!
قُلْتُ : بَلَى .
قَالَتْ: كَانَ خُلُقُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقُرْآنَ .
وَإِنَّمَا أَذَبَهُ أَلْقُرْآنُ بِمِثْلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ
اْجَهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩].
وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ وَإِيتَآٍ ذِى الْقُرْفَ وَيَنْهَى عَنِ
اُلْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠].
وَقَوْلِهِ: ﴿ وَأَصْبِرْ عَلَى مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأَمُورِ﴾ [لقمان : ١٧].
وَقَوْلِهِ: ﴿ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ اٌلْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣].
وَقَوْلِهِ: ﴿فَأَعْفُ عَنْهُمْ وَأَصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾
[المائدة : ١٣] .
وَقَوْلِهِ: ﴿ أَجْتَنِبُواْ كَثِيرًا مِّنَ اَلَّنِ إِنَّ بَعْضَ الَّنِّ إِثْهٌ وَلَا تَسُواْ وَلَا يَغْتَب
بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات : ١٢]).
١٩٦

وَأَمْثَالُ هَذِهِ اٌلْتَأْدِيبَاتِ فِي الْقُرْآنِ لَا تَنْحَصِرُ .
وَهُوَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَقْصُودُ الْأَوَّلُ بِالتَّأْدِيبِ وَالْتَّهْذِيبِ ، ثُمَّ مِنْهُ
يُشْرِقُ النُّورُ عَلَى كَافَّةِ الْخَلْقِ ؛ فَإِنَّهُ أُدِّبَ بِالْقُرْآنِ فَتَأَذَّبَ بِهِ ، وَأَذَّبَ الْخَلْقَ
بِهِ ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ صَلَّى الهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ)» .
ثُمَّ لَمَّا أَكْمَلَ اللهُ تَعَالَىْ خُلُقَهُ . . أَثْنَى عَلَيْهِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى
خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] .
ثُمَّ قَالَ الْغَزَالِيُّ: (وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ، عَنِ الْنَبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِنَّ اللهَ حَفَّ الْإِسْلَامَ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنِ الْأَعْمَالِ )).
وَمِنْ ذَلِكَ: حُسْنُ الْمُعَاشَرَةِ، وَكَرَمُ الصَّنِيعَةِ ، وَلِينُ الْجَانِبِ ، وَبَذْلُ
الْمَعْرُوفِ، وإِطْعَامُ الطَّعَامِ، وَإِفْشَاءُ السَّلَامِ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ الْمُسْلِمِ ؛
بَرّاً كَانَ أَوْ فَاجِراً، وَتَشْبِيعُ جَنَازَةِ الْمُسْلِمِ، وَحُسْنُ الْجِوَارِ لِمَنْ جَاوَرْتَ ؛
مُسْلِماً كَانَ أَوْ كَافِراً ، وَتَوْقِيرُ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَإِجَابَةُ دَعْوَةِ الطَّعَام ،
وَالدُّعَاءُ عَلَيْهِ، وَأَلْعَفْوُ، وَأَلْإِصْلَاحُ بَيْنَ النَّاسِ، وَأَلْجُودُ، وَأَلْكَرَمُ ،
وَالسَّمَاحَةُ، وَاُلِأَبْتِدَاءُ بِالسَّلَامِ، وَكَظْمُ الْغَيْظِ ، وَأَلْعَفْوُ عَنِ النَّاسِ ،
وَأَجْتِنَابُ مَا حَرَّمَهُ الْإِسْلَامُ مِنَ اللَّهْوِ ، وَأَلْبَاطِلِ ، وَأَلْغِنَاءِ ، وَأَلْمَعَازِفِ
كُلِّهَا، وَكُلِّ ذِي وَتْرٍ ، وَكُلِّ ذِي ذَخَلٍ ، وَأَلْغِيبَةِ ، وَأَلْكَذِبِ ، وَأَلْبُخْلِ،
وَالشُّحِّ، وَالْجَفَاءِ، وَالْمَكْرِ، وَالْخَدِيعَةِ، وَالنَّمِيمَةِ، وَسُوءٍ ذَاتِ
الْبَيْنِ، وَقَطِيعَةِ الْأَرْحَامِ ، وَسُوءِ الْخُلُقِ وَالتَّكَبُّرِ ، وَأَلْفَخْرِ ، وَأَلِخْتِيَالِ ،
وَاْلِأَسْتِطَالَةِ ، وَالْبَذَخِ، وَأَلْفُحْشِ، وَالتَّفَخُشِ، وَأَلْحِقْدِ ، وَالْحَسَدِ ،
وَالْطِّيَرَةِ ، وَالْبَغْىِ ، وَالْعُدْوَانِ ، وَالظُّلْمِ .
١٩٧