النص المفهرس

صفحات 81-100

يَضُرُّهَا الْإِثْمِدُ؛ وَهُوَ : حَجَرُ الْكُحْلِ الْمَعْدِنِيِّ الْمَعْرُوفُ، وَمَعْدِنُهُ
بِالْمَشْرِقِ ، وَهُوَ أَسْوَدُ يَضْرِبُ إِلَى حُمْرَةٍ .
وَقَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ ( يَجْلُو الْبَصَرَ ): وَهَذَا إِذَا أَكْتَحَلَ بِهِ مَنِ أَعْتَادَهُ ، فَإِنِ
أَكْتَحَلَ بِهِ مَنْ لَمْ يَعْتَدْهُ . . رَمِدَتْ عَيْنُهُ .
...
٧٨

الفَصْكِ الثَّالِثُ
فى صفة شعره صفى الله عليه وسلم
وشه، وخضان، وما يتعلق بذلك
كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجْلَ الشَّعَرِ حَسَنَهُ ، لَيْسَ بِالسَّبْطِ
وَلَا الْجَعْدِ الْقَطِطِ (١)، وَكَانَ إِذَا مَشَطَهُ بِالْمُشْطِ . . يَأْتِي كَأَنَّهُ حُبُكُ آلْرَّمْلِ ،
وَرُبَّمَا جَعَلَهُ غَدَائِرَ أَرْبَعاً ؛ يُخْرِجُ كُلَّ أُذُنٍ مِنْ بَيْنٍ غَدِيرَتَيْنِ ، وَرُبَّمَا جَعَلَ
شَغَرَهُ عَلَىْ أُذُنَيْهِ ؛ فَتَبْدُو سَوَالِفُهُ تَتَلَأَلَأُ (٢) .
وَمَعْنَى ( الْغَدَائِرِ ): الذَّوَائِبُ، وَاحِدَتُهَا غَدِيرَةٌ .
وَ( الْحُبُكُ ) - جَمْعُ حِبَاكِ - كَكِتَابٍ، وَهِيَ: الطَّرِيقَةُ فِي ◌ٌلَّمْلِ وَنَحْوِهِ.
وَكَانَ شَغَّرُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُونَ الْجُمَّةِ ، وَفَوْقَ الْوَفْرَةِ.
وَكَانَ شَعْرُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَضْرِبُ إِلَى مَنْكِبَيْهِ ، وَكَثِيراً مَا يَكُونُ
إِلَى شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ .
(١) أي : أن شعره صلَّى الله عليه وسلَّم ليس نهاية في الجعودة ؛ وهو : تكسُّره الشديد ؛
كشعر الحبش والزنوج ، ولانهاية في السبوطة ؛ وهو عدم تكسُّره أصلاً ؛ كشعر الهنود
والجاوة ، بل وسطاً بينهما، و((خير الأمور أوساطها)).
(٢) سوالفه - جمع سالفة - وهي: صفحة العنق. وتتلأَّلاً: تضيءُ وتتنوّر من وبيص
الطِّيب .
٧٩

وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَسَنَ الْجِسْمِ ، بَعِيدَ مَا بَيْنَ
الْمَنْكِبَيْنِ ، لَهُ شَعْرٌ إِلَى مَنْكِبَيْهِ ، وَفِي وَقْتٍ إِلَى شَحْمَتَيْ أُذُنَيْهِ ، وَفِي وَقْتٍ
إِلَى نِصْفِ أُذُنَيْهِ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْدِلُ شَعْرَهُ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَفْرُقُونَ
رُؤُوسَهُمْ ، وَكَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَسْدُلُونَ رُؤُوسَهُمْ، وَكَانَ يُحِبُّ مُوَافَقَةً أَهْلِ
اُلْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ بِشَيْءٍ ، ثُمَّ فَرَقَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
رَأْسَهُ .
وَمَعْنَى ( سَدْلِ الشَّعْرِ ): إِرْسَالُهُ .
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَسَنَ اْلْسَّبَلَةِ .
وَمَعْنَى ( ◌ٌلْسَّبَلَةِ ): مُقَدَّمُ اللِّحْيَةِ، وَمَا أَنْحَدَرَ مِنْهَا عَلَى الصَّدْرِ.
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَثَّ اللَّحْيَةِ، وَكَانَ يُعْفِي لِحْيَتَهُ
وَيَأْخُذُ مِنْ شَارِبِهِ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْخُذُ مِنْ لِحْيَتِ الشَّرِيفَةِ، مِنْ عَرْضِهَا وَطُولِهَا.
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ تَسْرِيحَ لِحْيَتِهِ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُفَارِقُهُ سِوَاكُهُ وَلَا مُشْطُهُ ، وَكَانَ يَنْظُرُ فِي
الْمِرْآَةِ إِذَا سَرَّحَ لِحْيَتَهُ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذا أَهْتَمَّ .. أَكْثَرَ مِنْ مَسِّ لِحْيَتِهِ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَغْتَمَّ .. أَخَذَ لِحْيَتَهُ بِيَدِهِ يَنْظُرُ فِيهَا .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا تَوَضَّأَ .. خَلَّلَ لِحْيَتَهُ بِأَلْمَاءِ .
٨٠

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ دَهْنَ رَأْسِهِ وَتَسْرِيحَ لِحْيَتِهِ ، وَيُكْثِرُ
أَتَّخَاذَ اَلْقِنَاعِ .
وَ( أُلْقِنَاعُ ) : خِرْقَةٌ تُوضَعُ عَلَى الَّأْسِ حِينَ أَستِعْمَالِ الدُّهْنِ لِتَقِيَ
اُلْعِمَامَةَ وَالْثِّيَابَ .
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَدَّهَنَ .. صَبَّ فِي رَاحَتِهِ
اُلْيُسْرَى ، فَبَدَأَ بِحَاجِبَيْهِ، ثُمَّ عَيْنَيْهِ ، ثُمَّ رَأْسِهِ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ الْتَّيَامُنَ فِي طُهُورِهِ إِذَا تَطَهَّرَ ، وَفِي
تَرَجُلِهِ إِذَا تَرَجَّلَ، وفِي أَنْتِعَالِهِ إِذَا أَنْتُعَلَ ، وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ .
وَكَانَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى لِخَلَائِهِ ، وَمَا كَانَ مِنْ أَذَىّ .
وَإِذَا نَامَ وَاضْطَجَعَ .. أَضْطَجَعَ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْعَلُ يَمِينَهُ لِأَكْلِهِ وَشُرْبِهِ وَوُضُوئِهِ وَئِیَابِهِ
وَأَخْذِهِ وَعَطَائِهِ ، وَشِمَالَهُ لِمَا سِوَى ذَلِكَ .
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: كُنْتُ أُرَجِّلُ (١) رَأْسَ
رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا حَائِضٌ .
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَرَجَّلُ غِبّاً؛ أَيْ : حِيناً بِعْدَ حِينٍ.
وَكَانَ شَيْئُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْرَّأْسِ وَالْلُّحْيَةِ شَيْئاً قَلِيلاً ، نَحْوَ
سَبْعَ عَشْرَةَ شَعْرَةً .
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ قَدْ شِبْتَ؟! قَالَ :
(١) أي: أسرح وأُحسِّن.
٨١

(( شَتَبَتْنِي هُودٌ، وَأَلْوَاقِعَةُ، وَأَلْمُرْسَلَاتُ، وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ، وَإِذَا الشَّمْسُ
كُوِّرَتْ ))؛ لِأَشْتِمَالِ هَذِهِ الْشُّوَرِ عَلَى بَيَانِ أَحْوَالِ الْقِيَامَةِ مِمَّا يُوجِبُ خَوْفَهُ
عَلَىْ أُمَتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَسُئِلَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: هَلْ خَضَبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : نَعَمْ .
وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ قَالَ: رَأَيْتُ شَعَرَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ مَخْضُوباً .
وَفِي ((اٌلْصَّحِيحَيْنِ)) مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ
يَخْضِبْ، وَلَمْ يَبْلُغْ شَيْئُهُ أَوَانَ الْخِضَابِ ، وَإِنَّمَا خَضَبَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ
مِنْ شَعَرِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَكُونَ أَبْقَىْ لَهُ .
وَفِي ((اُلْصَّحِيحَيْنِ)) أَيْضاً وَ((سُنَّنِ أَبِي دَاوُودَ)) : عَنِ أَبْنِ عُمَرَ
رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَفِّرُ
لِحْيَتَهُ بِأَلْوَرْسِ وَالزَّغْفَرَانِ .
وَعَنْ قَتَادَةَ قَالَ : قُلْتُ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكِ: هَلْ خَضَبَ رَسُولُ اللهِ
صَلَّى الهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ ، إِنَّمَا كَانَ شَيْئاً فِي صُدْغَيْهِ ،
وَلَكِنْ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ خَضَبَ بِالْحِنَّاءِ وَأَلْكَتَمِ .
وَ( الْكَتَمُ ) : نَبْتُ فِيهِ حُمْرَةٌ .
وَقَالَ اٌلْنَّوَوِيُّ : الْمُخْتَارُ أَنَّهُ صَبَغَهُ فِي وَقْتٍ ، وَتَرَكَهُ فِي مُعْظُمٍ
اُلْأَوْقَاتِ، فَأَخْبَرَ كُلٌّ بِمَا رَأَىْ، وَهُوَ صَادِقٌ .
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ بِتَغْسِيرِ الشَّعْرِ مُخَالَفَةً لِلْأَعَاجِمِ.
٨٢

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَنَوَّرُ(١) فِي كُلِّ شَهْرٍ ، وَيُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ فِي كُلِّ
خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْماً .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَطَّلَى بِالْنُّورَةِ .. وَلِيَ عَانَتَهُ وَفَرْجَهُ
بِيَدِهِ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَطَّلَى .. بَدَأَ بِعَوْرَتِهِ فَطَلَاهَا بِالنُّورَةِ ،
وَسَائِرَ جَسَدِهِ أَهْلُهُ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ وَيَقُصُّ شَارِبَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ،
قَبْلَ أَنْ يَرُوحَ إِلَى الصَّلَاةِ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ بِدَفْنِ الشَّعَرِ وَالْأَظْفَارِ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ بِدَفْنِ سَبْعَةٍ أَشْيَاءَ مِنَ الْإِنْسَانِ :
الشَّعَرُ، وَالظُّفْرُ، وَأَلَدَّمُ، وَأَلْحِيضَةُ(٢)، وَالسِّنُ، وَالْعَلَقَةُ،
وَالْمَشِيمَةُ .
وَعَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ وَالْحَلَّاقُ يَحْلِقُهُ ، وَأَطَافَ بِهِ أَصْحَابُهُ فَمَا يُرِيدُونَ أَنْ تَقَعَ شَعَرَةٌ إِلَّا
فِي يَدِ رَجُلٍ .
(١) أي : يستعمل النُّورة لإزالة الشعر ، وهي من أملاح الكالسيوم والباريون.
(٢) خرقة الحيض .
٨٣

الْفَضْك الرابع
فى صفة عرق صفى الله عليه وسلم ورائحة الطبيعة
رَوَىْ مُسْلِمٌ عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَثِرَ الْعَرَقِ .
وَكَانَ عَرَقُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَجْهِهِ كَالْلُّؤْلُقِ، وَأَطْيَبَ مِنَ
اٌلْمِسْكِ الْأَذْفَرِ(١) .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ . . ثَقُلَ لِذَلِكَ، وَتَحَدَّرَ
جَبِينُهُ عَرَقاً كَأَنَّهُ جُمَانٌ(٢) ، وَإِنْ كَانَ فِي الْبَرْدِ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْتِي أُمَّ سُلَيْمِ فَيَقِيلُ عِنْدَهَا، فَتَبْسُطُ لَهُ
نِطْعاً(٣) فَيَقِيلُ عَلَيْهِ، وَكَانَ كَثِيرَ أَلْعَرَقِ ، فَكَانَتْ تَجْمَعُ عَرَقَهُ فَتَجْعَلُهُ فِي
اُلْطِيبٍ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((يَا أُمَّ سُلَيْمٍ ؛ مَا هَذَا؟ )).
قَالَتْ : عَرَقُكَ نَجْعَلُهُ فِي طِيبِنَا ، وَهُوَ مِنْ أَطْيَبِ اٌلْطَّيبِ .
(١) الأذفر : شديد الرائحة.
(٢) أي : لؤلؤ.
(٣) النطع : - بفتح النون وكسرها مع فتح الطاء وسكونها ، أربع لغات - وهو : بساط من
أديم معروف .
٨٤

وَفِي رِوَايَةٍ قَالَتْ: يَارَسُولَ اللهِ ؛ نَرْجُو بَرَكَتَهُ لِصِبْيَانِنَا. قَالَ :
((أَصَبْتِ )) .
وَكَانَ كَفُّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلْيَنَ مِنَ الْحَرِيرِ، وَكَانَتْ رَائِحَتُهُ
كَرَائِحَةِ كَفِّ الْعَطَّارِ، مَسَّهَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِطِيبٍ أَمْ لَمْ يَمَسَّهَا ،
وَكَانَ يُصَافِحُ الرَّجُلَ فَيَظَلُّ يَوْمَهُ يَجِدُ رِيحَهَا، وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِ الصَّبِيِّ
فَيُعْرَفُ مِنْ بَيْنِ الصِّبْيَانِ بِرِيحِهَا عَلَى رَأْسِهِ .
وَقَالَ أَنَسُ : مَا مَسِسْتُ دِيبَاجاً وَلَا حَرِيراً أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ رَسُولِ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ خَذَّهُ، قَالَ: فَوَجَدْتُ لِيَدِهِ بَرْداً وَرِيحاً ؛ كَأَنَّمَا أَخْرَجَهَا
مِنْ جُؤْنَةِ(١) عَطَّارِ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْرَفُ مِنْهُ رِيحُ الطِّيبِ إِذَا أَقْبَلَ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَسْلُكُ طَرِيقاً فَيَتْبَعُهُ أَحَدٌ .. إِلَّ عَرَفَ أَنَّهُ
قَدْ سَلَكَهُ مِنْ طِيبٍ عَرْفِهِ (٢) .
وَذَكَرَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ : أَنَّ تِلْكَ كَانَتْ رَائِحَتَهُ بِلَا طِيبٍ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَعَنْ أُمِّ عَاصِمٍ أَمْرَأَةٍ عُثْبَةَ بْنِ فَرْقَدِ السُّلَمِيِّ قَالَتْ: كُنَّا عِنْدَ عُتْبَةَ أَرْبَعَ
(١) الجؤنة: شبه صندوق صغير مغشّى بجلد ، يضع العطار فيها عطره .
(٢) العَرْف : رائحة الطِّيب .
٨٥

نِسْوَةٍ ، فَمَا مِنَّا أَمْرَأَةٌ إِلَّا وَهِيَ تَجْتَهِدُ فِي الطِّيبِ؛ لِتَكُونَ أَطْيَبَ مِنْ
صَاحِبَتِهَا ، وَمَا يَمَسُّ عُثْبَةُ الطِّبَ إِلَّا أَنْ يَمَسَّ دُهْناً يَمْسَحُ بِهِ لِحْيَتَهُ، وَلَهُوَ
أَطْيَبُ رِيحاً مِنَّا، وَكَانَ إِذَا خَرَجَ إِلَى النَّاسِ .. قَالُوا: مَا شَمِمْنَا رِيحاً
أَطْيَبَ مِنْ رِيحِ عُثْبَةَ ، فَقُلْتُ لَهُ يَوْماً : إِنَّا لَنَجْتَهِدُ فِي الْطِّيبِ، وَلَأَنْتَ
أَطْيَبُ رِيِحاً مِنَّا! فَمِمَّ ذَلِكَ؟! فَقَالَ: أَخَذَنِي الشَّرَى(١) عَلَىْ عَهْدِ
رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَتَيْتُهُ، فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَيْهِ ، فَأَمَرَنِي أَنْ
أَتَجَرَّدَ ، فَتَجَرَّدْتُ عَنْ ثَوْبِي، وَقَعَدْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَأَلْقَيْتُ ثَوْبِي عَلَى
فَرْجِي ، فَنَفَثَ فِي يَدِهِ ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرِي وَبَطْنِي بِيَدِهِ ، فَعَبَقَ بِي هَذَا
اُلْطِيبُ مِنْ يَوْمِئِذٍ. رَوَاهُ الطََّرَانِيُّ فِي « مُعْجَمِهِ الصَّغِيرِ)).
وَرَوَى أَبُو يَعْلَىْ وَاُلْطَّبَرَانِيُّ قِصَّةَ الَّذِي أُسْتَعَانَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ عَلَى تَجْهِيزِ أَبْنَتِهِ، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ شَيْءٌ، فَاسْتَدْعَاهُ بِقَارُورَةٍ
فَسَلَتَ(٢) لَهُ فِيهَا مِنْ عَرَقِهِ، وَقَالَ: ((مُرْهَا فَلْتَطَّيَّبْ بِهِ))، فَكَانَتْ إِذَا
تَطَّبَتْ بِهِ شَمَّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَلِكَ الْطِّيبَ، فَسُمُّوا ((بَيْتَ الْمُطَيِِّينَ )).
(١) الشَّرى: بُثُورٌ صِغارٌ حمرٌ حكَّاكةٌ مُكرِبة .
(٢) أي : مسح بأُصبعه .
٨٦

الفَصْ لَ امَنُ
فى صفة طيبه صلى الله عليه وسلم وتطـ
٠٠٠
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: كَانَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ سُكَّةٌ يَتَطَيِّبُ مِنْهَا .
وَمَعْنَى ( السُّكَّةِ ): طِيبٌ مَجْمُوعٌ مِنْ أَخْلَاطِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ
وِعَاءَ .
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْخُذُ الْمِسْكَ فَيَمْسَحُ بِهِ رَأْسَهُ
وَلِحْيَتَهُ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُضَمِّحُ رَأْسَهُ بِاَلْمِسْكِ .
وَكَانَ أَنَسٌَ لَا يَرُدُّ الْطِّيبَ؛ وَقَالَ: إِنَّ النَبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ
لَا يَرُدُّ الْطِّيبَ .
وَعَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ ؛ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِذَا أُعْطِيَ أَحَدُكُمُ الْرَّيْحَانَ .. فَلَا يَرُدَّهُ؛ فَإِنَّهُ
خَرَجَ مِنَ الْجَنَّةِ » .
وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ الهُ عَنْهُ: كَانَ أَحَبَّ اٌلْرَّيَاحِينِ إِلَيْهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ الْفَاغِيَةُ .
٨٧

وَ( الْفَاغِيَّةُ ) : زَهْرُ الْحِنَّاءِ.
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْجِبُهُ الرِّيحُ الطَّيِّبَةُ.
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ الْطِّبَ وَالرَّائِحَةَ الْحَسَنَةَ،
وَيَسْتَعْمِلُهُمَا كَثِيراً، وَيَخُضُّ عَلَيْهِمَا، وَيَقُولُ: ((حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ:
اٌلْنِّسَاءُ، وَالْطِيبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ » .
وَرِوَايَةُ : (( حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنَاكُمْ ثَلَاثٌ)) .. لَا أَصْلَ لَهَا، فَفِي
((أَلْمَوَاهِبِ )) : قَالَ شَيْخُ اَلْإِسْلَامِ الْحَافِظُ أَبْنُ حَجَرٍ :
إِنَّ لَفْظَ ((ثَلَاثٌ )) لَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ ، وَزِيَادَتُهُ تُفْسِدُ اَلْمَعْنَى،
وَكَذَلِكَ قَالَهُ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ فِي ((أَمَالِيهِ))، وَعَبَارَتُهُ: (لَيْسَتْ هَذِهِ
اللَّفْظَةُ: وَهِيَ ( ثَلَاثٌ ) فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ وَهِيَ مُفْسِدَةٌ لِلْمَعْنَى ؛
فَإِنَّ الصَّلَاةَ لَيْسَتْ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا، وَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ ، كَمَا
حَكَاهُ شَيْخُنَا - يَعْنِي الْحَافِظَ السَّخَاوِيَّ فِي ((أَلْمَقَاصِدِ الْحَسَنَةِ)) - وَأَقَرَّهُ) اهـ
وَأَنْكَرَهُ أَيْضاً أَبْنُ الْقَيِّمِ .
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ الطِّيبَ وَيَكْرَهُ الرَّائِحَةَ
الرَّدِيئَةَ .
٨٨

الفَضْلِ الشَّالِس
فى صفة صورة صلى الله عليه وسلم
عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: مَا بَعَثَ اللهُ نَبِيّاً إِلَّا حَسَنَ الْوَجْهِ ،
حَسَنَ الصَّوْتِ ، وَكَانَ نَبِكُمْ أَحْسَنَهُمْ وَجْهاً ، وَأَحْسَنَهُمْ صَوْتاً .
وَكَانَ صَوْتُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْلُغُ حَيْثُ لَا يَبْلُغُهُ صَوْتُ
غَيْرِهِ .
فَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَسْمَعَ
اُلْعَوَاتِقَ(١) فِي خُدُورِ هِنَّ.
وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: جَلَسَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ لِلْنَّاسِ: ((إِجْلِسُوا))، فَسَمِعَهُ
عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ وَهُوَ فِي بَنِي غَنْمٍ ، فَجَلَسَ فِي مَكَانِهِ .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُعَاذٍ اُلْتَّيْمِيُّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: خَطَبَنَا
(١) جمع عاتق ؛ وهي : الشابة أول ما تُدرك ، وقيل : التي لم تَبِن من والديها ، ولم
تتزوج ، وقد أدركت وشبَّت . وخصَّهُنَّ بالذكر لبُعدهنَّ واحتجابهنَّ في البيوت ،
فسماعهُنَّ آيَةُ عُلُوٌّ صوتِهِ زِيادةً على غيره .
٨٩

رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِنِىّ، فَفَتَحَ اللهُ أَسْمَاعَنَا، حَتَّى إِنْ كُنَّا
لَنَسْمَعُ مَا يَقُولُ وَنَحْنُ فِي مَنَازِلِنَا .
وَعَنْ أُمِّ هَانِىءٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: كُنَّا نَسْمَعُ قِرَاءَةَ النَّبِيِّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ عِنْدَ الْكَعْبَةِ ، وَأَنَا عَلَى عَرِيشِي .
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَطَبَ .. أَشْتَدَّ غَضَبُهُ وَعَلَا
صَوْتُهُ ، كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ : صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ .
٩٠

الفَصَِّ السَّابِعِ
في صفة غضبه صلى الهعليه وسلم ومره
كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا غَضِبَ .. يُرَىْ رِضَاهُ وَغَضَبُهُ
فِي وَجْهِهِ لِصَفَاءِ بَشَرَتِهِ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا غَضِبَ .. أَحْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا غَضِبَ وَهُوَ قَائِمٌ .. جَلَسَ، وَإِذا غَضِبَ
وَهُوَ جَالِسٌ .. أَضْطَجَعَ ، فَيَذْهَبُ غَضَبُهُ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا غَضِبَ .. لَمْ يَجْتَرِئْ عَلَيْهِ أَحَدٌ إِلَّ
عَلِيٌّ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبْعَدَ النَّاسِ غَضَباً ، وَأَسْرَعَهُمْ رِضاً .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْضَبُ لِرَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَلَا يَغْضَبُ لِنَفْسِهِ.
وَكَانَ يُنَفِّذُ اَلْحَقَّ وَإِنْ عَادَ ذَلِكَ بِالضَّرَرِ عَلَيْهِ وَعَلَى أَصْحَابِهِ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَرِهَ شَيْئاً .. عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ .
وَأَمَّا سُرُورُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
٩١

فَقَدْ كَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سُرَّ .. أَسْتَنَارَ وَجْهُهُ كَأَنَّهُ الْقَمَرُ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سُرَّ .. فَكَأَنَّ وَجْهَهُ الْمِرْآَةُ، وَكَأَنَّ الْجُدُرَ
◌ُرَى شَخْصُهَا فِهِ .
٩٢

الْفَضْكُ النَّاسِنُ
فى صف ضحكة صلى اللهعليه وسلم وبكان وعطاسه
كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَفْتَرَّ(١) ضَاحِكاً .. أَفْتَرَّ عَنْ مِثْلِ
سَنَا الْبَرْقِ إِذَا تَلَأَلاَ ، وَعَنْ مِثْلِ حَبِّ الْغَمَامِ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جُلُّ ضَحِكِهِ اٌلْتَّبَسُمُ .
وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَداً أَكْثَرَ
تَبَشُّماً مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الهُ [تَعَالَى] عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطُّ مُسْتَجْمِعاً ضَاحِكاً حَتَّى أَرَىْ مِنْهُ لَهَوَاتِهِ(٢).
وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ أَيْضاً قَالَ: مَا ضَحِكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا تَبَسُّماً .
(١) افترَّ: أبدى أسنانه حالة كونه ضاحكاً .
(٢) جمع لَهاة ؛ وهي: اللَّحمة المُشْرِفة على الحلق. والمعنى: ما رأيته مستجمعاً من
جهة الضحك ، أي : مطمئناً قاصداً للضحك الذي يغلب وقوعه للناس ، بحيث
يضحك ضحكاً تاماً ، مقبلاً بكليته على الضحك ، إنما كان يبتسم ، والتبسم أقل
الضحك وأحسنه .
٩٣

وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُحَدِّثُ حَدِيثاً إِلَّا تَبَشَّمَ .
وَكَانَ ضَحِكُ أَصْحَابِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عنْدَهُ اٌلْتَّبَشُّمَ مِنْ غَيْرِ
صَوْتٍ ، أَقْتِدَاءً بِهِ، وَتَوْقِيراً لَهُ، وَكَانُوا إِذَا جَلَسُوا عِنْدَهُ .. كَأَنَّمَا عَلَى
رُؤُوسِهِمُ الطَّيْرُ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا جَرَىُ بِهِ الضَّحِكُ . . وَضَعَ يَدَهُ عَلَى
فِيهِ(١) .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَضْحَكِ النَّاسِ ، وَأَْيِهِمْ نَفْساً .
وَوَرَدَ فِي أَحَادِيثَ أَنَّ النَِّيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ
نَوَاجِذُهُ - أَيْ: أَضْرَاسُهُ - وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ مِنْ أَحْوَالِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
اُلتَّبَسُّمَ
فَعَنْ أَبِي ذَرِّ رَضِيَ اللهُ [تَعَالَى] عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : (( إِنِّي لَأَعْلَمُ أَوَّلَ رَجُلٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، وَآخِرَ رَجُلٍ يَخْرُجُ مِنَ
النَّارِ ، يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ: أَعْرِضُوا عَلَيْهِ صِغَارَ ذُنُوبِهِ ،
وَيُخْبَأُ عَنْهُ كِبَارُهَا، فَيُقَالُ لَهُ: عَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا .. كَذَا وَكَذَا، وَهُوَ مُقِرٍّ لَا
يُنكِرُ ، وَهُوَ مُشْفِقٌ مِنْ كِبَارِهَا، فَيُقَالُ: أَعْطُوهُ مَكَانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ عَمِلَهَا
حَسَنَةً ، فَيَقُولُ: إِنَّ لِي ذُنُوبَاً لَا أَرَاهَا هَهُنَا )).
قَالَ أَبُو ذَرِّ : فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحِكَ حَتَّى
بَدَتْ نَوَاجِدُهُ .
(١) حتى لا يبدو شيء من باطن فمه، ولئلا يقهقه، وهذا كان نادراً.
٩٤

وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنِّي لَأَعْرِفُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجاً ، رَجُلٌ يَخْرُجُ
مِنْهَا زَحْفاً ، فَيُقَالُ لَهُ : أَنْطَلِقْ فَادْخُلِ اُلْجَنَّةَ.
قَالَ: فَيَذْهَبُ لِيَدْخُلَ فَيَجِدُ النَّاسَ قَدْ أَخَذُوا الْمَنَازِلَ، فَيَرْجِعُ
فَيَقُولُ : رَبِّ ؛ قَدْ أَخَذَ النَّاسُ الْمَنَازِلَ، فَيُقَالُ لَهُ: أَتَذْكُرُ الزَّمَانَ الَّذِي
كُنْتَ فِيهِ؟ فَيَقُولُ : نَعَمْ ، فَيُقَالُ لَهُ : تَمَنَّ .
قَالَ: فَيَتَمَنَّى، فَيُقَالُ لَهُ : فَإِنَّ لَكَ أَلَّذِي تَمَنَّيْتَهُ وَعَشْرَةَ أَضْعَافِ
الدُّنْيَا .
قَالَ : فَيَقُولُ : أَتَسْخَرُبِي وَأَنْتَ الْمَلِكُ ».
قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ
نَوَاجِدُهُ .
وَعَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: قَالَ سَعْدٌ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى
عَنْهُ: لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحِكَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ حَتَّى بَدَتْ
نَوَاجِذُهُ .
قَالَ : قُلْتُ : كَيْفَ كَانَ ضَحِكُهُ ؟
قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مَعَهُ تُرْسٌ، وَكَانَ سَعْدٌ رَامِياً، وَكَانَ الرَّجُلُ يَقُولُ كَذَا
وَكَذَا بِالْتُّرْسِ يُغَطِّي جَبْهَهُ(١) ، فَتَزَعَ لَهُ سَعْدٌ بِسَهْمٍ ، فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ ..
(١) أي : يفعل كذا وكذا بالترس ، أي: يشير به يميناً وشمالاً، والمراد بالقول هنا
الفعلُ .
٩٥

رَمَاهُ فَلَمْ يُخْطِئْ هَذِهِ مِنْهُ - يَعْنِي: جَبْهَتَهُ - وَأَنْقَلَبَ اٌلْرَّجُلُ وَشَالَ
بِرِجْلِهِ (١) ، فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ . قَالَ :
قُلْتُ : مِنْ أَيِّ شَيْءٍ ضَحِكَ (٢)؟
قَالَ : مِنْ فِعْلِهِ بِالرَّجُلِ(٣).
وَعَنْ عَلِيٍّ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: شَهِدْتُ عَلِيّاً رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ أُنِّيَ بِدَابَّةٍ
لِيَرْكَبَهَا، فَلَمَّا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الرِّكَابِ .. قَالَ: بِأَسْمِ اللهِ. فَلَمَّا أُسْتَوَىُ
عَلَى ظَهْرِهَا .. قَالَ: الْحَمْدُ للهِ، ثُمَّ قَالَ: ﴿سُبْحَنَ الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا
كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٣-١٤].
ثُمَّ قَالَ : الْحَمْدُ لِلّهِ ( ثَلَاثاً)، وَاللهُ أَكْبَرُ ( ثَلَاثاً)، سُبْحَانَكَ إِنِّي
ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي؛ فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ . ثُمَّ ضَحِكَ .
فَقُلْتُ : مِنْ أَيِّ شَيْءٍ ضَحِكْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟
قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَنَعَ كَمَا صَنَعْتُ ثُمَّضَحِكَ .
فَقُلْتُ : مِنْ أَيِّ شَيْءٍ ضَحِكْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟
(١) أي: صار أعلاه أسفله، وسقط على أسته . وشال برجله : رفعها، والباء هنا
للتعدية أو زائدة .
(٢) أي : من أجل أي سبب ضحك النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ هل من رمي سعد للرجل
وإصابته؟ أو من رفعه لرجله وافتضاحه بكشف عورته؟ ولأجل هذا الاحتمال استفسر
الراوي - وهو عامر - سعداً عن سبب ضحكه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
(٣) أي: ضحك صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أجل رميه الرجل وإصابته ؛ لا من رفعه لرجله
وافتضاحه بكشف عورته ، لأنه لا يليق بالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ولا ينبغي أن
يضحك لهذا ؛ بل لذاك .
٩٦

قَالَ: ((إِنَّ رَبَّكَ لَيَعْجَبُ مِنْ عَبْدِهِ إِذَا قَالَ : رَبِّ أَغْفِرْ لِي ذُنُوبِي ،
يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ أَحَدٌ غَيْرُهُ)) .
وَأَمَّا بُكَاءُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
فَكَانَ مِنْ جِنْسٍ ضَحِكِهِ ، لَمْ يَكُنْ بِشَهِيقٍ وَرَفْعِ صَوْتٍ ، كَمَا لَمْ يَكُنْ
ضَحِكُهُ بِقَهْقَهَةٍ، وَلَكِنْ تَدْمَعُ عَيْنَاهُ حَتَّى تَهْمُلَانٍ(١) ، وَيُسْمَعُ لِصَدْرِهِ
أَزِيزٌ ، يَبْكِي: رَحْمَةً لِمَيِّتٍ، وَ: خَوْفاً عَلَى أُمَّتِهِ وَشَفَقَةً، وَ : مِنْ
خَشْيَةِ اللهِ تَعَالَى، وَ: عِنْدَ سَمَاعِ الْقُرْآنِ، وَ: أَحْيَاناً فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ .
فَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِّخِّيرِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ : أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُصَلِّي، وَلِجَوْفِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ (٢) مِنَ
اَلْبُكَاءِ .
وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((اِقْرَأْ عَلَيَّ))، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ؛ أَقْرَأُ عَلَيكَ
وَعَلَيْكَ أُنْزِلْ؟! قَالَ: ((إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي )) . فَقَرَأْتُ سُورَةً
النِّسَاءِ حَتَّى بَلَغْتُ: ﴿وَجِثْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]. قَالَ :
فَرَأَيْتُ عَيْنَيْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَهْمُلَانِ .
وَعَنِ أَبْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ
(١) تسيل دمعها .
(٢) المرجل : قدر من النحاس ، وقيل: كل قدر يُطبخ فيه، وسمي بذلك لأنه إذا نُصب
فكأنه أُقيم على رجلين .
٩٧