النص المفهرس

صفحات 261-280

FER
السكينة)). وفي حديث أبي مسعود أن رجلاً قام بين يديه فأرعد، فقال له عليه
الصلاة والسلام: ((هون عليك فإني لست بملك)).
وأما عظيم قدره بالنبوة، وشريف منزلته بالرسالة، وأناقة رتبته بالاصطفاء
والكرامة في الدنيا، فأمر هو مبلغ النهاية، ثم هو في الآخرة سيد ولد آدم.
وأما ما تختلف فيه الحالات في التمدح به، والتفاخر بسببه والتفضيل
لأجله، ككثرة المال، فصاحبه على الجملة معظّم عند العامة لاعتقادها توصُّله
به إلى حاجته وتمكنه في أغراضه، وإلا فليس فضيلة في نفسه، فمتى كان
بهذه الصورة وصاحبه منفقفا له في مهماته، ومهمات من قصده وأمله يصرفه
في مواضعه، مشترياً به المعالي والثناء الحسن، والمنزلة في القلوب، كان
فضيلة في صاحبه عند أهل الدنيا، وإذا صرفه في وجوه البر وأنفقه في سبيل
الخير، وقصد بذلك الله تعالى والدار الآخرة، كان فضيلة عند الكل بكل
حال، ومتى كان صاحبه مُمْسكاً له غير موجّهه وجوهه، حريصاً على جمعه،
عاد كثره كالعدم وكان منقصة في صاحبه، ولم يقف به على جدُد السلامة، بل
أوقعه في وهدة رذيلة البخل ومذمة النذالة. فالتمدُّح بالمال ليس لذاته، بل
للتوسل به إلى غيره وتعريفه في متصرفاته ونبينا وَّر أوتي خزائن الأرض
ومفاتيح البلاد، وأحلت له الغنائم، وفتح عليه في حياته بلاد الحجاز
واليمن وجميع جزيرة العرب، وما دانى ذلك من الشام والعراق، وجلب إليه
كثير من أخماسها وجزيتها وصدقاتها، وهاداه جماعة من ملوك الأقاليم، فما
استأثر بشيء منه ولا أمسك منه درهماً، بل صرفه مصارفه، وأغنى به غيره،
وقوّى به المسلمين، وقال: ((ما يسرني أن لي أحداً ذهباً يبيت عندي منه دينار
إلا ديناراً أرصده لديني) وأتته دنانير مرة فقسمها وقال: ((الآن استرحت)).
ومات ودرعه مرهونة في نفقة عياله، واقتصر في نفقته وملبسه ومسكنه على ما
تدعو ضرورته إليه، وزهد فيما سواه، فكان يلبس ما وجده، فيلبس في الغالب
الشملة والكساء الخشن، والبرد الغليظ، ويقسم على من حضره أقبية الديباج
المخوصة بالذهب، ويرفع لمن لم يحضر. فأنت ترى رسول الله (ص# حاز
٢٥٧

فضيلة المال بالزهد فيه، وإنفاقه على مستحقيه .
وأما الخصال المكتسبة من الأخلاق الحميدة والآداب الشريفة، وهي
المسماة بحسن الخلق، فجميعها قد كانت خلق نبينا8* على الانتهاء في
كمالها، والاعتدال إلى غايتها حتى أثنى الله تعالى بذلك فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَّى
خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ (١) قالت عائشة: كان خلقه القرآن، يرضى برضاه ويسخط
بسخطه. وقال عليه الصلاة والسلام: ((بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)) وقال
أنس: كان عليه الصلاة والسلام أحسن الناس خلقاً. وكانت له هذه الآداب
الكريمة، كما كانت لإِخوانه من الأنبياء جبلّة خلقوا عليها، ثم يتمكن الأمر
لهم، وتترادف نفحات الله عليهم، وتشرق أنوار المعارف في قلوبهم، حتى
يصلوا الغاية ويبلغوا باصطفاء الله لهم بالنبوة في تحصيل هذه الخصال الشريفة،
دون نهاية ولا ممارسة، وهذه الأخلاق المحمودة والخصال الجميلة كثيرة،
ولكنا نذكر أصولها ونشير إلى جميعها ونحقق وصفه عليه الصلاة والسلام بها
إن شاء الله .
فأصل فروعها، وعناصر ينابيعها، ونقطه دائرتها، العقل الذي منه ينبعث
العلم والمعرفة، ويتفرع عن هذا ثقوب الرأي، وجودة الفطنة، والإِصابة،
وصدق الظن، والنظر للعواقب، ومصالح النفس، ومجاهدة الشهوة، وحسن
السياسة والتدبير، واقتناء الفضائل وتجنب الرذائل، وقد بلغ عليه الصلاة
والسلام منه ومن العلم الغاية القصوى التي لم يبلغها بشر سواه، يعلم ذلك
من تتبع مجاري أحواله، واطراد سيره وطالع جوامع كلِمه، وحسن شمائله،
وبدائع سِيْره، وحكم حديثه، وعلمه بما في التوراة والإنجيل والكتب المنزلة،
وحكم الحكماء، وسِيّر الأمم الخالية وأيامها، وضرب الأمثال، وسياسات
الأنام، وتقرير الشرائع، وتأصيل الآداب النفيسة والشيم الحميدة، إلى فنون
العلوم التي اتخذ أهلها كلامه فيها قدوة وإشاراته حجة، كالطب والحساب
والفرائض والنسب وغير ذلك، دون تعليم ولا مدارسة، ولا مطالعة كتب من
(١) سورة القلم آية ٤.
٢٥٨

ديسبسيط
تقدم، ولا الجلوس إلى علمائهم، بل نبي أمي لا يعرف شيئاً من ذلك، شرح
الله صدره. وأبان أمره، وعلَّمه. وبحسب عقله كانت معارفه عليه الصلاة
والسلام إلى سائر ما علَّمه الله وأطلعه عليه من علم ما يكونٍ وما كان،
وعجائب قدرته وعظيم ملكوته. قال تعالى: ﴿ وَعَلَّمَكَ مَالَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ
الَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾(١).
وأما الحلم والاحتمال والعفو مع القدرة، والصبر على ما يكرهه، فمما
أَدّب الله به نبيه فقال: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأَمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَهِلِينَ﴾ (٢)
وقد سأل عليه الصلاة والسلام جبريل عن تأويلها، فقال: يا محمد إن الله
يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، وقال له:
وَأَصْبِرْ عَلَى مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَرْمِ الْأُمُورِ﴾(٣) وقال: ﴿وَلْبَعْفُواْ
وَلْيَصْفَحُواْ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾(٤) وقال: ﴿وَلَمَنْ
صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَالِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾(٥) وقد تضافرت الأخبار على اتصافه
عليه الصلاة والسلام بنهاية هذه الأوصاف. فما من حليم إلا عرفت منه زلة
وحفظت عنه هفوة، ونَبِيُّنا لا يزيد مع كثرة الإِيذاء إلا صبراً، وعلى إسراف
الجاهل إلا حلماً. قالت عائشة رضي الله عنها: ما خُيِّر عليه الصلاة والسلام
في أمرين قطّ إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً، فإن كان إثماً كان أبعد الناس
منه، وما انتقم لنفسه إلا أن تُنْتَهك حرمة الله، فينتقم لله بها. ولما فعل به
المشركون ما فعلوا في أحَدٍ وطُلِبَ منه أن يدعو عليهم قال: ((اللهمَّ اهد قومي
فإنهم لا يعلمون)) وحسبك في هذا الباب ما فعله مع مشركي قريش الذين آذوه
واستهزأوا به وأخرجوه من دياره وهو وأصحابه، ثم قاتلوه وحرضوا عليه غيرهم
من مشركي العرب، حتى تمالأ عليه جمعهم، ثم لما فتح الله عليه مكة ما زاد
(١) سورة النساء آية ١١٣.
(٢) سورة الأعراف آية ١٩٩.
(٣) سورة لقمان آية ١٧ .
(٤) سورة النور آية ٢٢ .
(٥) سورة الشورى آية ٤٣ .
٠٠ ٠
۔۔۔۔.
-------- --
------------ ----- -------------
٢٥٩
--

على أن عفا وصفح وقال: ما تقولون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيراً أخٌ كريم
وابن أخ كريم فقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء.
وعن أنس: كنت مع النبي عليه الصلاة والسلام وعليه بُرد غليظ
الحاشية، فجذبه أعرابي بردائه جذبة شديدة حتى أثّرت حاشية البُرد في
صفحة عنقه، ثم قال: يا محمد احمل لي على بعيريّ هذين من مال الله
الذي عندك، فإنك لا تحمل لي من مالك ولا من مال أبيك، فسكت النبي ثم
قال: المال مال الله وأنا عبده، ثم قال: ويُقاد منك يا أعرابي ما فعلت بي،
قال: لا، قال: لم؟ قال: لأنك لا تكافىء بالسيئة السيئة، فضحك عليه
الصلاة والسلام ثم أمر أن يُحمل له على بعير شعير وعلى الآخر تمر قالت
عائشة: ما رأيت رسول الله وَ﴿ منتصراً من مظلمة ظُلِمَها قطّ، ما لم تكن حرمة
من محارم الله تعالى، وما ضرب بيده شيئاً قط إلا أن يجاهد في سبيل الله،
وما ضرب خادماً ولا امرأة، فصلى الله تعالى عليه وأقرَّ عينه باتباع المسلمين
سنته .
وأما الجود والكرم والسخاء والسماحة، فكان عليه الصلاة والسلام لا
يوازى في هذه الأخلاق الكريمة ولا يُبارى. وصفه بهذا كل من عرفه، قال
جابر رضي الله عنه: ما سئل عليه الصلاة والسلام عن شي فقال لا. وقال ابن
عباس: كان عليه الصلاة والسلام أجود الناس بالخير، وأجود ما كان في شهر
رمضان، وكان إذا لقيه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة، وقالت خديجة
في صفته عليه الصلاة والسلام مخاطبة له: إنك تحمل الكَلَّ، وتكسب
المعدوم. وحسبك شاهداً في هذا الباب ما فعله مع هوازن من ردّ السَّبي
إليها، وما فعله يوم تقسيم السبي من إعطاء المؤلَّفة قلوبهم عظيم الأعطية وقد
استوفينا ذلك في موضعه. وحُمل إليه عليه الصلاة والسلام تسعون ألفاً،
فوضعها على حصير وأخذ يقسمها فما قام حتى فرغ منها. وجاءه رجل فسأله
فقال: ما عندي شيء ولكن ابتعْ عليَّ، فإذا جاءني شيء قضيناه فقال له عمر:
ما كلَّفك الله ما لا تقدر عليه. فكره ذلك عليه الصلاة والسلام فقال له رجل
٢٦٠
حد

من الأنصار: يا رسول الله أنفق ولا تخف من ذي العرش إقلالاً. فتبسَّم عليه
الصلاة والسلام وعرف البشر في وجهه وقال: بهذا أمِرت. والأخبار بجوده
وكرمه عليه الصلاة والسلام كثيرة يكفي منها لتعليمك ما ذكرناه.
ومنها الشجاعة والنجدة، فكان عليه الصلاة والسلام منهما بالمكان
الذي لا يُجهل، وقد حضر المواقف الصعبة، وفر الكماة والأبطال عنه غير مرة
وهو ثابت لا يبرح، ومقبل لا يدير ولا يتزحزح، وما من شجاع إلا أحصيت له
فرّة وحفظت عنه جولة سواه. وحسبك ما فعله في حُنين وأحد مما ذكرناه
مستوفى. وقال ابن عمر: ما رأيت أشجع ولا أنجد ولا أجود ولا أرضىٍ من
رسول الله وَّر، وقال علي: إنا كنا إذا اشتد البأس واحمرَّت الحَدَق اتَّقينا
برسول الله، فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه، ولقد رأيتني يوم بدر ونحن
نلوذ بالنبي مَ له وهو أقربنا إلى العدو، وكان من أشد الناس يومئذ بأساً. وقال
أنس: كان عليه الصلاة والسلام أشجع الناس وأحسن الناس وأجود الناس،
لقد فزع أهل المدينة ليلة، فانطلق ناس قِبّل الصوت، فتلقاهم عليه الصلاة
والسلام راجعاً وقد سبقهم إلى الصوت، واستبرأ الخبر على فرس لأبي طلحة
عُرْيٍ والسيف في عنقه، وهو يقول: ((لن تراعوا)).
وأما الحياء والإِغضاء فكان عليه الصلاة والسلام أشد الناس حياءً،
وأكثرهم عن العورات اغضاءً، قال أبو سعيد الخدري: كان عليه الصلاة
والسلام أشد حياءً من العذراء في خِدْرها. وكان إذا كره شيئاً عرفناه في
وجهه، وكان عليه الصلاة والسلام لطيف البشرة رقيق الظاهر، لا يشافِهُ أحداً
بما يكرهه حياءً وكرم نفس. قالت عائشة: كان عليه الصلاة والسلام إذا بلغه
عن أحد ما يكرهه لم يقل ما بال فلان يقول كذا وكذا، بل يقول: ما بال أقوام
يصنعون أو يقولون كذا، ينهى عنه ولا يسمّي فاعله. وقالت رضي الله عنها:
لم يكن عليه الصلاة والسلام فاحشاً ولا متفحِّشاً ولا صخّاباً بالأسواق ولا
يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح .
وأما حسن عشرته وأدبه وبسط خلقه مع أصناف الخلق، فمما انتشرت
٢٦١

٠٫٠٠ قوية
1 11
به الأخبار الصحيحة، قال علي رضي الله عنه: كان عليه الصلاة والسلام
أوسع الناس صدراً، وأصدق الناس لهجة، وألينَهم عريكة، وأكرمهم عشرة،
وكان عليه الصلاة والسلام يؤلفهم ولا ينفّرهم ويكرم كريم كل قوم ويوليه
عليهم، ويحذر الناس ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد منهم بشره ولا
خلقه، ويتفقد أصحابه ويعطي كل جلسائه نصيبه، لا يحسب جليسه أن أحداً
أكرم عليه منه، من جالسه أو قاربه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف
عنه، ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول، قد وسع الناس
بسطه وخلقه فصار لهم أباً وصاروا عنده في الحق سواء، بهذا وصفه ابن أبي
هالة، وكان دائم البشر سهل الخلق ليِّن الجانب، ليس بفظٍّ ولا غليظ
لا صحاب ولا فحاش ولا عيَّاب ولا مدّاح، يتغافل عما لا يشتهي ولا يؤيس
منه. قال تعالى: ﴿فَبِمَّا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِظَ الْقَلْبِ
لَآَنفَضُواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِىِ الْأَمِّ﴾(١) وقال تعالى:
أَدْفَعَّ بِأَلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ, عَدَةٌ كَأَنَّهُ, وَلِّ
حِيمٌ ﴾ (٢) وكان عليه الصلاة والسلام يجيب من دعاه، ويقبل الهدية، ولو
کانت ◌ُراعاً، ویکافیء علیھا، وکان یمازح أصحابه ویخالطهم ویحادثھم،
ويلاعب صبيانهم ويجلسهم في حجره ويجيب دعوة الحر، والعبد، والأمة،
والمسكين، ويعود المرضى في أقصى المدينة، ويقبل عذر المعتذر. وقال
أنس: ما التقم أحد أذن النبي پحادثه فنحّی رأسه، حتى يكون الرجل هو
الذي ينجِّي رأسه، وما أخذ أحد بيده فيرسل يده حتى يرسلها الآخر. وكان
يبدأ من لقيه بالسلام، ويبدأ أصحابه بالمصافحة، ولم يُر قط مادًّاً رجليه بين
أصحابه حتى لا يضيِّق بهما على أحد، يكرم من يدخل عليه، وربما بسط له
ثوبه، ويؤثره بالوسادة التي تحته، يعزم عليه في الجلوس عليها إن أبى، ويكنِّي
أصحابه ويدعوهم بأحب أسمائهم تكرمة لهم، ولا يقطع على أحد حديثه حتى
(١) سورة آل عمران آية ١٥٩.
(٢) فصلت ٣٤.
٢٦٢

يتجوز فيقطعه بنهي أو قيام. وكان أكثر الناس تبسُّماً، وأطيبهم نفساً، ما لم
ينزل عليه قرآن أو يعظ أو يخطب.
وأما الشفقة والرأفة والرحمة لجميع الخلق، فقد وصفه الله بها في قوله
تعالى: ﴿عَزِزُ عَلَيْهِ مَا عَنِتْ حَرِيصُ عَلَيْكُ بِالْمُؤْمِنَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (١) وقال:
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَلَيِينَ﴾. روي أن أعرابياً جاءَه يطلب منه شيئاً
فأعطاه، ثم قال: أأحسنت إليك؟ قال الأعرابي: لا ولا أجملت، فغضب
المسلمون وقاموا إليه، فأشار اليهم أن كفّوا، ثم قام ودخل منزله وأرسل إليه
وزاده شيئاً، ثم قال: أأحسنتُ إليك؟ فقال: نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة
خيراً، فقال عليه الصلاة والسلام: إنك قلت، ما قلت، وفي أنفس أصحابي
من ذلك شيء، فإن أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يديّ، حتى يذهب ما
في صدورهم عليك. قال: نعم، فلما كان الغد - أو العشيّ - جاء فقال عليه
الصلاة والسلام: إن هذا الأعرابي قال ما قال فزدناه، فزعم أنه رضي أكذلك؟
قال: نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيراً، فقال عليه الصلاة والسلام: مثلي
ومثّلُ هذا مثّلُ رجل له ناقة شردتْ عليه، فاتبعها الناس فلم يزيدوها
إلا نفوراً، فناداهم صاحبها: خلُّوا بيني وبين ناقتي فإني أرفق بها منكم
وأعلم، فتوجه لها بين يديها فأخذ لها من قمام الأرض فردِّها حتى جاءت
واستناخت، وشدَّ عليها رحلها واستوى عليها، وإني لو تركتكم حيث قال
الرجل ما قال فقتلتموه دخل النار. وقال عليه الصلاة والسلام: لا يبلّغني أحد
منكم عن أصحابي شيئاً، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر. وكان
يسمع بكاء الصبي فيتجوِّز في صلاته. وعن ابن مسعود كان عليه الصلاة
والسلام يتخوَّلنا بالموعظة مخافة السآمة علينا.
وأما خلقه عليه الصلاة والسلام في الوفاء وحسن العهد وصلة الرحم،
فروي عن عبد الله بن أبي الحمساء قال: بايعت النبي عليه الصلاة والسلام
(١) سورة التوبة آية ١٢٨.
٢٦٣
-----..
٠

ببيع قبل أن يُبعث، وبقيت له بقية، فوعدته أن آتيه بها في مكانه فنسيت، ثم
ذكرت بعد ثلاثة فجئت فإذا هو مكانه، فقال: ((يا فتى لقد شقَّقْت عليَّ، أنا
هنا منذ ثلاث أنتظرك))! وكان إذا أُتي بهدية قال: اذهبوا بها إلى بيت فلانة
فإنها كانت صديقة لخديجة، إنها كانت تحب خديجة. وكان عليه الصلاة
والسلام يصل ذوي رحمه من غير أن يؤثرهم على من هو أفضل منهم. ووفد
عليه وفد فقام يخدمهم بنفسه، فقال له أصحابه: نكفيك. فقال: إنهم كانوا
لأصحابنا مُكرمين وإني أحب أن أكافئهم. وفي حديث خديجة: أبشر فوالله لا
يخزيك الله أبداً إنك لتصل الرحم وتحمل الكُلَّ وتكسب المعدوم وتَقْري
الضيف، وتعين على نوائب الحق.
وأما تواضعه عليه الصلاة والسلام، على علو منصبه ورفعة رتبته، فكان
أشد الناس تواضعاً وأعدمهم كبراً. وحسبك أنه خيِّر بين أن يكون نبياً ملكاً، أو
نبياً عبداً، فاختار أن يكون نبياً عبداً. وخرج عليه الصلاة والسلام مرة على
أصحابه متوكئاً على عصا فقاموا، فقال: لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظّم
بعضهم بعضاً، وقال: إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس
العبد. وكان يركب الحمار ويُردف خلفه، ويعود المساكين ويجالس الفقراء
ويجيب دعوة العبد، ويجلس بين أصحابه مختلطاً بهم حيث انتهى به
المجلس جلس. وقال عليه الصلاة والسلام: ((لا تُطْروني كما أَطَرْت النصارى
ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله)). وحج عليه الصلاة والسلام
على رَحْل ركّ(١) وعليه قطيفة ما تساوي أربعة دراهم فقال: اللهم أجعله حجأ
لا رياء فيه ولا سمعة. هذا، وقد فتحت عليه الأرض وأهدى في حجه هذا
مائة بدّنة، ولما فتحت عليه مكة ودخلها بجيوش المسلمين طأطأ على رحله
رأسه حتى كاد يمسُّ قادمته تواضعاً لله تعالى. وعن أبي هريرة رضي الله عنه:
دخلت السوق مع النبي ## فاشترى سراويل وقال للوازن: زِنْ وأرجح، ثم
قال: فوثب إلى يد رسول الله## يقبّلها، فجذب يده وقال: هذا تفعله
(١) رخل بالٍ وممزق.
٢٦٤
٠٠

1
الأعاجم بملوكها ولست بملك إنما أنا رجل منكم، ثم أخذ السراويل فذهبت
لأحمله قال: صاحب الشيء أحق بشيئه أن يحمله.
وأما عدله عليه الصلاة والسلام وأمانته، وعفَّته وصدق لهجته فكان آمن
الناس وأصدقھم لھجة منذ کان. اعترف له بذلك محادُّوه وأعدائه وكان يسمى
قبل نبوته الأمين. وقد قدمنا ذلك في سيرته عليه الصلاة والسلام قبل النبوة.
وفي الحديث عنه عليه الصلاة والسلام، ما لمستْ يده يد امرأة قط لا يملك
رقَّها. قال أبو العباس المبرّد: قسم كسرى أيامه فقال: يوم الريح يصلح
للنوم، ويوم الغيم للصيد، ويوم المطر للهو والشرب، ويوم الشمس
للحوائج. ولكن نبيَّئا عليه الصلاة والسلام جزَّأ نهاره ثلاثة اجزاء: جزء لله
وجزء لأهله وجزء لنفسه، ثم جزَّأ جزأه بين الناس فكان يستعين بالخاصة على
العامة ويقول: ((أبلغوا حاجة من لا يستطيع إبلاغي، فإن من أبلغ حاجة من لا
يستطيع إبلاغها آمنه الله يوم الفزع الأكبر)) وكان عليه الصلاة والسلام لا يأخذ
أحداً بذنب أحد، ولا يصدق أحد على أحد.
وأما وقاره عليه الصلاة والسلام وصمته وتؤدته ومروءته، وحسن هديه،
فكان عليه الصلاة والسلام أوقر الناس في مجلسه، لا يكاد يُخرج شيئاً من
أطرافه، وكان إذا جلس احْتبى بيديه، وكذلك كان أكثر جلوسه محتبياً. وكان
كثير السكوت لا يتكلم في غير حاجة، يُعرض عمِّن تكلم بغير جميل، وكان
ضحكه تبسُّماً، وكلامه فصلاً لا فضول ولا تقصير، وكان ضحك أصحابه عند
التبسُّم توقيراً له واقتداءً به، مجلسه مجلس حلم وحياء وخير وأمانة لا تُرفع فيه
الأصوات ولا تُؤْبَن فيه الحُرم(١). إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم
الطير. وقال ابن أبي هالة: كان سكوته و180 على أربع: على الحلم،
والحذر، والتقدير، والتفكر. وقالت عائشة رضي الله عنها: كان وَ ل* يحدِّث
حديثاً لو عدَّه العادّ لأحصاه، وكان يحب الطّيب والرائحة الحسنة ويستعملهما
٠٠٠.
١
t
--
:
-
(١) لا تذكر فيه الحرم بقبيح .
٢٦٥
١
٠٠٫٠٠٠٠
ط

-٠٠١٠ - .
كثيراً ويحضّ عليهما. ومن مروءته وّليّ نهيه عن النفخ في الطعام والشراب
والأمر بالأكل مما يلي، والأمر بالسِّواك وإنقاء البراجم والرواجب (فواصل
الأصابع من ظاهر الكف وباطنها).
وأما زهده عليه الصلاة والسلام فقد قدمنا لك فيه ما فيه الكفاية . -
وحسبك شاهداً على تقلله من الدنيا وإعراضه عن زهرتها، وقد سيقت إليه
بحذافيرها وترادفت عليه فتوحها، أن توفي النبي عليه الصلاة والسلام ودرعه
مرهونة عند يهودي في نفقة عياله، وهو يدعو ويقول: اللهم اجعل رزق آل محمد
قوتاً، وقالت عائشة رضي الله عنها: ما شبع عليه الصلاة والسلام ثلاثة أيام.
تباعاً من خبز حتى مضى لسبيله، وقالت: ما ترك عليه الصلاة والسلام ديناراً
ولا درهماً ولا شاة ولا بعيراً، ولقد مات وما في بيتي شيء يأكله ذو كبد إلا
شطر شعير في رفّ لي، وقال: إني عرض عليَّ أن تجعل لي بطحاء مكة
ذهباً، فقلت: لا يا رب أجوع يوما وأشبع يوماً، فأما اليوم الذي أجوع فيه فأتضرع
إليك وأدعوك، وأما اليوم الذي أشبع فيه فأحمدك وأثني عليك. وقالت
عائشة: إنا كنا آل محمد لنمكث شهراً ما نستوقد ناراً، إن هو إلا التمر والماء.
وعن أنس: ما أكل عليه الصلاة والسلام على خِوان ولا في سكُرُجَة ولا خبز له
مرقق ولا رأى شاة سميطاً(١) قط. وفي حديث عائشة: كان فراش
رسول اللّه وَّله في بيته مسْحاً نْنيه ثنيتين، فينام عليه فثنيناه ليلة بأربع، فلما
أصبح قال: ما فرشتم لي؟ فذكرنا له ذلك فقال: ردُّوه بحاله فإن وطأته منعتني
الليلة صلاتي، وقالت عائشة: لم يمتلىء جوف النبي عليه الصلاة والسلام
شبعاً ولم يبعث شكوى إلى أحد، وكانت الفاقة أحب إليه من الغنى. وإن كان
ليظل جائعاً يلتوي طول ليلته من الجوع، فلا يمنعه صيام يومه، ولو شاء سأل
ربه جميع كنوز الأرض وثمارها ورغد عيشها، ولقد كنت أبكي رحمة له مما
أرى به، وأمسح بيدي على بطنه مما أرى به من الجوع، وأقول: نفسي لك
الفداء لو تبلّغت من الدنيا بما يقوتُك، فيقول: يا عائشة ما لي وللدنيا، إخواني
(١) السميط: الذبيحة المشوية بجلدها.
٢٦٦

من أولي العزم من الرسل صبروا على ما هو أشد من هذا، فمضوا على
حالهم، فقدموا على ربهم فأكرم مآبهم وأجزل ثوابهم. فأجدني أستحي إن
ترفّهت في معيشتي أن يقصّر بي غداً دونهم. وما من شيء أحب إليَّ من
اللحوق بإخواني وأخلَائي. قالت: فما أقامٌ بعدُ إلا أشهراً حتى توفي صلوات
الله عليه وسلامه.
وأما خوفه من ربه وطاعته له وشدة عبادته، فعلى قدر علمه بربّه،
ولذلك قال: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، إني أرى ما لا
ترون وأسمع ما لا تسمعون أطَّت (صوَّتَت) السماء وحقَّ لها أن تئِطّ ما فيها
موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجد لله، والله لو تعلمون ما أعلم
لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً وما تلذَّذتم بالنساء على الفُرش، ولخرجتم إلى
الصُّعُدات تجأرون إلى الله تعالى، لوددت أني شجرة تعضد. وكان عليه
الصلاة والسلام يصلي حتى ترِمَ قدماه فقيل له: أتكلف هذا وقد غفر الله لك
ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: ((أفلا أكون عبداً شكوراً!)). وقالت عائشة
رضي الله تعالى عنها: كان عمل رسول الله وَّر ديمة، وأيكم يطيق ما كان
يطيق؟ وقالت: كان يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم.
وقال عوف بن مالك: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليلة، فاستاك
ثم توضأ، ثم قام يصلي، فقمت معه فاستفتح البقرة فلا يمر بآية رحمة إلا
وقف فسأل، ولا مر بآية عذاب إلا وقف وتعوذ، ثم ركع فمكث بقدر قيامه
يقول: سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة، ثم سجد وقال
مثل ذلك. ثم قرأ آل عمران ثم سورة سورة يفعل مثل ذلك. وقال بعضهم:
أتيت رسول الله# وهو يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل وفي وصف ابن أبي
هالة: كان متواصل الأحزان دائم الفكرة ليست له راحة. وعن علي رضي الله
عنه قال: سألت رسول الله عليه الصلاة والسلام عن سنته فقال: ((المعرفة
رأس مالي، والعقل أصل ديني، والحب أساسي، والشوق مركبي، وذكر الله
أنيسي والثقة كنزي، والحزن رفيقي، والعلم سلاحي، والصبر ردائي، والرضا
٢٦٧

٠٠ ٠
غنيمتي، والعجز فخري، والزهد حرفتي، واليقين قوتي، والصدق شفيعي،
والطاعة حسبي، والجهاد خلقي، وقرة عيني في الصلاة، وثمرة فؤادي في
ذكره، وغمي لأجل أمتي، وشوقي إلى ربي)). فجزاه الله من نبي عن أمته
خيراً. ورحم الله عبداً تأمل في هذه الشمائل الكريمة والخصال الجميلة،
فتمسك بها واتبع رسول الله ومطار، ليحوز شفاعته يوم الفزع الأكبر ويرضى الله
عنه، فنسألك اللهم التوفيق لما فيه الخير منك، وكرمك يا أرحم الراحمين.
٢٦٨
- ٠٥٠٧ ٠

معجزاته عليه السلام
إذا تأمل المتأمل ما قدمناه من جميل أثر هذا السيد الكريم، وحميد
سيره وبراعة علمه، ورجاحة عقله وحلمه وجملة کماله، وجميع خصاله وشاهد
حاله وصواب مقاله، ولم يُمْتر في صحة نبوّته وصدق دعوته، وقد کفی هذا
غير واحد في إسلامه والإِيمان به كعبد الله بن سلام، فإنه قال: لما قدم
النبي ( المدينة جئته لأنظر إلیه، فلما استبنت وجهه عرفت أن وجهه ليس
بوجه كذاب. وروى مسلم أن ضماداً لما وفد عليه قال له صلى الله عليه وسلم :
((إن الحمد لله نحمده ونستعينه من يهد الله فلا مضلّ له ومن يضلل فلا هادي
له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله)» فقال
له ضماد: أعِدْ عليَّ كلماتك هؤلاء فقد بلغن قاموس البحر هات يدك أبايعك.
ولما بلغ ملك عُمان أن رسول الله عليه الصلاة والسلام يدعوه إلى الإِسلام،
قال: والله لقد دلني على هذا النبي الأمي أنه لا يأمر بخير إلا كان أول آخذ
به، ولا ينهى عن شيء إلا كان أول تارك له، وإنه يغلب فلا يبطر ويُغلب فلا
يضجر، ويفي بالعهد وينجز الموعود، وأشهد أنه نبي. وقال ابن رواحة :
لو لم تكن فيه آياتٌ مبِيَّنة لكانَ منظرهُ يُنبيك بالخطر
كيف وقد أظهر الله على يده تصديقاً لدعوته من المعجزات ما لا يفي به
العدّ، فهو أكثر الأنبياء آية وأظهرهم برهاناً. وسنذكر لك في هذا الفصل من
الآيات ما تقرُّ به عينك ويزداد به يقينك، مما رواه الجمّ الغفير من الصحابة
رضوان الله عليهم وأثبته المحدثون في صحاحهم. ونبدأ منها بأظهرها شأناً
وأوضحها بياناً وهو القرآن الشريف وإعجازه:
٢٦٩
.. . ... . .. .... ..
٠٠ ..

٠٠٠٠
اعلم أن كتاب الله العزيز مُنْطوٍ على وجوه من الإِعجاز كثيرة وتحصيلها
من جهة ضبط أنواعها في أربعة :
أولها حسن تأليفه والتئام كلمه وفصاحته ووجوه إيجازه وبلاغته الخارقة
عادة العرب، وذلك أنهم كانوا أرباب هذا الشأن وفرسان الكلام، قد خصّوا
من البلاغة والحِكم بما لم يُخصّ به غيرهم من الأمم، وأوتوا من ذرابة اللسان
ما لم يؤت إنسان، ومن فصل الخطاب ما يقيد الألباب، جعل الله لهم ذلك
طبعاً وخلقة وفيهم غريزة وقوة، يأتون منه على البديهة بالعجب، ويدلون به
إلى كل سبب، فيخطبون بديهاً في المقامات وشديد الخَطْب، ويرتجزون به
بين الطعن والضرب، ويقدحون ويتوسلون ويتوصلون ويرفعون ويضعون،
فيأتون من ذلك بالسحر الحلال، ويطوقون من أوصافهم أجمل من سمط اللآل
فيخدعون الألباب، ويذللون الصعاب ويذهبون الإِحن ويهيجون الدمن،
ويجرئون الجبان ويصيرون الناقص كاملاً ويتركون النبيه خاملاً. منهم البدوي
ذو اللفظ الجَزْل والقول الفصل، والكلام الفخم والطبع الجوهري والمنزع
القوي، ومنهم الحضري ذو البلاغة البارعة، والألفاظ الناصعة، والكلمات
الجامعة، والطبع السهل، والتصرف في القول القليل الكلفة، الكثير الرونق،
الرقيق الحاشية، وكلاهما له في البلاغة الحجة البالغة والقوة الدامغة، والقدح
الفالج والمهيج الناهج، لا يشكون أن الكلام طوع مرادهم، والبلاغة ملك
قيادهم، قد حَوَوْا فنونها واستنبطوا عيونها، ودخلوا من كل باب من أبوابها،
وعلوا صرحاً لبلوغ أسبابها، فقالوا في الخطير والمهين وتفننوا في الغث
والسمين، وتقاولوا في القُلّ والكُثْرِ، وتساجلوا في النظم والنثر، فما راعهم إلا
رسول كريم بكتاب عزيز: ﴿لَّا يَأْتِهِ اَلْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، تَنزِيلٌ
مِّنْ حَكِيم حَيْدٍ﴾(١) أحكمت آيته وفصّلت كلماته، وبهَرت بلاغته العقول
وظهرت فصاحته على كل مقول، وتضافر إيجازه وإعجازه، وتظاهرت حقيقته
ومجازه، وتبارت في الحسن مطالعه، وحوت كل البيان مجامعه وبدائعه،
(١) سورة فصلت آية ٤٢ .
٢٧٠

Fri
واعتدل مع إيجازه حسن نظمه، وانطبق على كثرة فوائده مختار لفظه. وهم
أفسح ما كانوا في هذا الباب مجالاً، وأشهر في الخطابة رجالاً وأكثر في الشعر
والسجع ارتجالاً، وأوسع في الغريب واللغة مقالاً، بلغتهم التي بها
يتحاورون، ومنازعهم التي عنها يتناضلون، صارخاً بها في كل حين ومقرّعاً
لهم بضعة وعشرين عاماً على رؤوس الملأ أجمعين ﴿ أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَهُ قُلْ
فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ، وَأَدْعُواْ مَنِ أَسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللهِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾(١). ﴿وَ إِن
كُنُمْ فِ رَيْبٍ مِّ ◌َّْنَا عَى عَبْدِنَا فَأَنُوا بِسُورَةٍ مِّنِ مِثْلِهِ، وَأَدْعُواْ شُهَدَآءَ كُمْ مِّن دُونِ اللهِ
إِن كُنُمْ صَدِقِينَ ﴿﴾ فَن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَنْ تَفْعَلُواْ ﴾(٢). ﴿قُل لَيْنِ أَجْتَمَعَتِ آلْإِنسُ وَإِنُّ
عَلَى أنْ يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَإِ لَ يَأْتُونَ بِهِ، وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ ◌َهِيرًا﴾(٢).
﴿قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرِ مِثْلِهِ، مُفْتَّرَيَتٍ﴾(٤). فلم يزل يقرعهم أشد التقريع
ويوبخهم أشد التوبيخ، ويسفه أحلامهم ويحط أعلامهم، ويشتت نظامهم
ويذم آلهتهم وآباءهم، ويستبيح أرضهم وديارهم وأموالهم، وهم في كل هذا
ناكصون عن معارضته، محجمون عن مماثلته، يخادعون أنفسهم بالتشغیب
بالتكذيب والاغتراء بالافتراء وقولهم: ﴿إِن هَذَا إلَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾، و ﴿سِحْرٌ
مُسْتَمِرٌّ﴾ و﴿إِفْكَ افْتَراهُ﴾ و﴿أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ والمباهتة، والرضا بالدنية
كقولهم: ﴿وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِىَ أَكِنَّةٍ تِمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ وَفِىَّ ءَ ا ذَاتِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْفِنَا وَبَيْنِكَ
تِجَابٌ﴾(٥) و﴿لَا تَسْمَعُواْ لَئِذَا الْقُرْءَانِ وَالْغَوْاْفِيهِ﴾(٦) والادعاء مع العجز كقولهم
لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَاً﴾(٧) وقد قال لهم ﴿ وَلَنْ تَفْعَلُواْ ﴾ فما فعلوا ولا
قدروا، ومن تعاطى ذلك من سخفائهم كمُسَيْلِمَةً كشف عواره
لجميعهم، وسلبهم الله ما ألفوه من فصيح كلامهم، وإلا لم يخف على أهل
(١) سورة يونس آية ٣٨.
(٢) سورة البقرة آية ٢٣ - ٢٤
(٣) سورة الاسراء آية ٨٨.
(٤) سورة هود آية ١٣ .
(٥) سورة فصلت آية ٥.
(٦) سورة فصلت آية ٢٦.
(٧) سورة الأنفال آية ٣١.
٢٧١
-----.... -
---- -------------
also " .. .. .... ..... ..
٠ ٠ ٠

ETREL
الميز منهم أنه ليس من نمط فصاحتهم ولا جنس بلا غتهم، بل ولوا عنه
مدبرين وأتوا إليه مذعنين. وأنت إذا تأملت قوله تعالى: ﴿ وَلَكُمْ فِى الْقِصَاصِ
حَيَزَةٌ﴾(١) وقوله: ﴿ وَلَوْ تَرَكَ إِذْ فَزِعُواْ فَلَا فَوْتَ وَأَِخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ ﴾(٢)
وقوله: ﴿أَدْفَعْ بِأَلَّتِ هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ, عَدَوَةٌ كَأَنَّهُ, وَلِّ
حَيُمْ﴾(٣) وقوله: ﴿وَقِيلَ يَأْرْضُ أَبْلَعِى مَآءَلِكُ وَيَسَمَاءُ أَقْلِى وَغِيضَ الْمَآءُ وَقُضِىَ
اَلْأَمْرُ وَأَسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّلِينَ﴾ (٤) وقوله:
فَكُلَّا أَخَذْنَا ◌ِذَنِهِ، فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَّنْ
خَسَفْنًا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللّهُ لِيَظْلِبَهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ
يَظْلُونَ ﴾(٥). وأشباهها من الآي، بل أكثر آيات القرآن ، حققت ما
بينته من إيجاز ألفاظها وكثرة معانيها وديباجة عباراتها وحسن تأليف حرفها
وتلاؤم كلمها، وإن تحت كل لفظة منها جملاً كثيرة وفصولاً جمّة، وعلوماً،
زواخر ملئت الدواوين من بعض ما استفيد منها، وكثرت المقالات في
المستنبطات عنها. ثم هو في سرد القصص الطوال وأخبار القرون السوالف
التي يضعف في عادة الفصحاء عندها الكلام، ويذهب ماء البيان آية لمتأمله
من ربط الكلام بعضه ببعض، والتئام سرده، وتناصف وجوهه كقصة يوسف
على طولها. ثم إذا ترددت قصصه اختلفت العبارات عنها على كثرة تردّدها،
وتناصف في الحسن وجه مقابلتها. ولا نفور للنفوس من ترديدها، ولا مُعاداة
لمعاداها .
(الوجه الثاني) من إعجاز القرآن صورة نظمه العجيب، والأسلوب
الغريب المخالف لأساليب كلام العرب، ومناهج نظمها ونثرها الذي جاء
عليه، ووقفت عليه مقاطع آيه، وانتهت فواصل كلماته إليه، ولم يوجد قبله ولا
(١) سورة البقرة آية ١٧٩.
(٢) سورة سبأ آية ٥١.
(٣) سورة فصلت آية ٣٤.
(٤) سورة هود آية ٤٤.
(٥) سورة العنكبوت آية ٤٠ .
٢٧٢
...
." !.- -...... .... .
" -- -- -- -- "

٠.٠٠-٠٠
قام الحص = ٠٠٢= ٠٠ ٣٠٠٠
بعده نظير له، ولا استطاع أحد مماثلة شيء منه، بل حارت فيه عقولهم
وتدلَّهت دونه أحلامهم، ولم يهتدوا إلى مثله في جنس كلامهم من نثر أو نظم
أو سجع أو رجز أو شعر، والإعجاز بكل واحد من النوعين والإِيجاز والبلاغة
بذاتها أو الاسلوب الغريب بذاته، كل واحد منهما نوع إعجاز، لم تقدر
العرب على الإتيان بواحد منهما، إذ كل واحد منهما خارج عن قدرتها مباين
لفصاحتها وکلامها .
(الوجه الثالث) من الإعجاز ما انطوى عليه من الإِخبار بالمغيبات وما لم
يكن ولم يقع فوقع، فوجد كما ورد على الوجه الذي أخبر كقوله تعالى :
﴿ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ ءَامِينَ﴾(١) وقوله عن الروم: ﴿وَهُم مِن
بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِى بِضِع ◌ِنِينَ﴾(٢) وقوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ, عَلَى الدِّينِ كُلِّ،﴾(٣)
وقوله: ﴿وَ اللهُالَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُر وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِقَهُمْ فِ اَلْأَرْضِ
كَ أَسْتَخْلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَيُمْكَِّنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِى أَرْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ
خَوْفِهِمْ أَمْنَاً﴾(٤) وقوله: ﴿ إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللّهِ وَ الْفَتْحُ كْ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُون
في ذِيِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾(٥). فكان جميع هذا كما أخبر، فغلبت الروم فارس،
ودخلت الناس في الدين أفواجاً واتسع ملك المسلمين حتى كان لهم في وقت
من أقصى بلاد الأندلس غرباً الى أقاصي الهند شرقاً، ومن بلاد الأناضول
شمالاً إلى أقاصي السودان جنوباً. وقوله: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَّلْنَا الذِّرَ وَإِنَّا لَهُ.
◌َخَفِظُونَ﴾ (٦) فكان كذلك إلى الآن والحمد لله، وقوله: ﴿ سَيَهْزَمَ
الْجَمْعُ وَيُوَلَّونَ الدُّبُرَ﴾ (٧) فكان كذلك في بدر والآية نزلت بمكة، وقوله:
(١) سورة الفتح آية ٢٧ .
(٢) سورة الروم آية ٣
(٣) سورة التوبة آية ٣٣.
(٤) سورة النور آية ٥٥ .
(٥) سورة النصر آية ١ - ٢.
(٦) سورة الحجر آية ٩
(٧) سورة القمر آية ٤٥ .
٢٧٣
.-------
. . . . . - -- -
٠٠ .

.... " :---..
سس
﴿ قَدْتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾(١) فكان كذلك مما اطلع عليه قارىء هذه
السيرة، وما فيه من كشف أسرار المنافقين واليهود ومقالهم وكذبهم في حلفهم
كقوله: ﴿وَيَقُولُونَ فِىَ أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِبُنَ اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾(٢) وقوله: ﴿يُحْفُونَ فِيَ
أَنْفُسِهِم مَّالَا يُبْدُونَ لَكَّ﴾(٣) وقوله: ﴿مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ بُحَرِّفَونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ،
وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأَسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَبِنَا لَّا بِأَلْسِهِمْ وَطَعْنًا فِ الَّذِينٍ﴾ (٤) إلى
غير ذلك من الآيات البينات .
(الوجه الرابع) ما أنبأ به من أخبار القرون السالفة والأمم البائدة
والشرائع الدائرة، مما كان لا يعلم منه القصة الواحدة إلا الفذّ من أخبار أهل
الكتاب الذي قطع عمره في تعلّم ذلك، فيورده عليه الصلاة والسلام على
وجهه ويأتي به على نصه، فيقر العالم بذلك على صحته وصدقه، وأن مثله لم
ينله بتعليم، وقد علموا أنه وَّر أميّ لا يقرأ ولا يكتب، ولا اشتغل بمدارسة ولا
مجالسة، لم يغب عنهم ولا جهل حاله أحد منهم. وكثيراً ما کان یسأله کثیر
من أهل الكتاب عن هذا فينزل عليه من القرآن ما يتلوا عليهم منه ذكراً
كقصص الأنبياء، وبدء الخلق، وما في الكتب السابقة مما صدَّقه فيها العلماء
بها، ولم يقدروا على تكذيب ما ذكر منها. ولم يؤثر ان واحداً منهم أظهر
خلاف قوله من كتبه، ولا أبدى صحيحاً ولا سقيماً من صحفه، بعد أن قرّعهم
ووبُّخهم بقوله: ﴿قُلْ فَأَنُواْ بِلَتَّوْرَنِةِ فَاتْلُوهَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾(٥) ومما يدل
على أن أهل الكتاب يعلمون صدقه ما تحدّاهم فيه الله بقوله: ﴿قُلْ إِن كَانَتْ
لَكُ الدَّارُ الْآَخِرَةُ عِندَ اللّهِ خَلِصَةٌ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَعَنَّواْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ
صَدْدِقِينَ﴾ (٦) ثم حتم عدم إجابتهم بقوله: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدَّا بِمَا قَدَّمَتْ
(١) سورة التوبة آية ١٤.
(٢) سورة المجادلة آية ٨.
(٣) سورة آل عمران آية ١٥٤.
(٤) سورة النساء آية ٤٦ .
(٥) سورة آل عمران آية ٩٣.
(٦) سورة البقرة آية ٩٤.
٢٧٤

ء
أَيْدِيهِمْ)(١) فما سُمع عن أحد منهم أنه تمنى ذلك ولو بلسانه، مع أنهم كانوا
أحرص الناس على تكذيبه. ومثل ذلك ما فعله أهل نجران حينما دعاهم
للمباهلة فأبوا، وقد قدمنا ذلك في فصل وفودهم.
ومما يدل على أن هذا القرآن ليس من كلام البشر: الروعة التي تلحق
قلوب سامعيه، والهيبة التي تعتريهم عند تلاوته لقوة حاله، وإنافة خطره، حتى
كانوا يستثقلون سماعه ويزيدهم نفوراً، ولهذا قال وَل#: ((إن القرآن صعب
مستصعب على من كرهه، وهو الحكم)). وأما المؤمن فلا تزال روعته به وهيبته
إياه مع تلاوته توليه إقبالاً، وتكسبه هشاشة لميل قلبه إليه وتصديقه به. قال
تعالى: ﴿تَفْشَعِرْ مِنْهُ جُلُ الَّذِينَ يَخْشَوْن رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِنُ جُدُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى
ذِكْرِ اللهِ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿ لَوْ أَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَ جَلٍ لَّرَأْيَتَهُ: خَشِعًا
مُتَصَدِّءًا مِنْ خَشْيَةِ الَّهِ﴾ (٣). ومن وجوه إعجاز القرآن كونه آية باقية لا تعدم ما
بقيت الدنيا مع تكفّل الله بحفظه فقال: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذَِّرَ وَإِنَّا لَهُرِ
◌ٌخَفِظُونَ﴾ (٤) وقال: ﴿لَا يَأْتِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِن خَلْفِهِ﴾(٥) وسائر
معجزات الأنبياء لم يبق إلا خبرها، والقرآن إلى وقتنا هذا حجة قاهرة،
ومعارضة ممتنعة، والأعصار كلها طافحة بأهل البيان وحملة علم اللسان،
وأئمة البلاغة، وفرسان الكلام، وجهابذة البراعة، والملحد فيهم كثير،
والمعاند للشرع عتيد، فما منهم من أتى بشيء يؤثر في معارضته، ولا ألَّف
كلمتين في مناقضته؛ ولا قدر فيه على مطعن صحيح، ولا قدح المتكلف من
ذهنه في ذلك إلا بزَنْد شحيح، بل المأثور عن كل من رام ذلك إلقاؤه في
العجز بيديه، والنكوص على عقبيه.
(١) سورة البقرة آية ٩٥.
(٢) سورة الزمر / اية ٢٣ .
(٣) سورة الحشر آية ٢١.
(٤) سورة الحجر آية ٩.
(٥) سورة فصلت آية ٤٢.
٢٧٥

٠٠
٠١٥٠٠٠٠
ولنختم لك هذا الباب بحديثه عليه الصلاة والسلام في القرآن قال: ((إن
اللَّه أنزل هذا القرآن آمراً وزاجراً، وسنة خالية ومثلاً مضروبا، وفيه نبؤكم وخبر
من كان قبلكم، ونبأ ما بعدكم وحكم ما بينكم، لا يخلقه طول الرد ولا
تنقضي عجائبه، هو الحق ليس بالهزل، من قال به صدق، ومن حكم به
عدل، ومن خاصم به فلج (١)، ومن حكم به أقسط ، ومن عمل به أُجر، ومن
تمسك به هدي إلى صراط مستقيم، ومن طلب الهدى من غيره أضله اللَّه،
ومن حكم بغيره قصمه الله. هو الذكر الحكيم، والنور المبين،
والصراط المستقيم، وحبل الله المتين، والشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به
ونجاة لمن اتبعه لا يعوج فيقوَّم ولا يزيغ فيستعتب)).
ومن معجزاته # انشقاق القمر، وقد قدمنا حديثه مستوفى.
ومن معجزاته 18 نبع الماء من بين أصابعه، وتکثیره بیرکته، وقد روى
هذا الجُمُّ الغفير من الصحابة، منهم أنس وجابر وابن مسعود، قال أنس:
رأيت رسول اللَّه ◌َله وقد حانت صلاة العصر، فالتمس الناس ماءً للوضوء فلم
يجدوه، فأُتي النبي وَ لّ بوضوء، فوضع في الإِناء يده وأمر الناس أن يتوضؤوا
منه. قال: فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه، فتوضأ الناس حتى توضؤوا
عن آخرهم، فقيل: كم كنتم؟ قال زهاء ثلاثمائة. وقال ابن مسعود: بينما
نحن مع النبي وَ ﴿ وليس معنا ماء، فقال لنا اطلبوا من معه فضلُ ماء، فأُتي
بماء فصبَّه في إناء، ثم وضع كفَّه فيه فجعل الماء ينبع من بين أصابعه. وقال
جابر: عطش الناس يوم الحُدّيبية ورسول الله بين يديه رَكوَةً فتوضأ منها، وأقبل
الناس نحوه، وقالوا ليس عندنا ماء إلا ما في ركوتك، فوضع يده في الركوة،
فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون، قيل: كم كنتم؟ قال: لو كنا
مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشر مائة، وروى هذه القصة جمع عظيم من
الصحابة. ومثل هذا في هذه المواطن الحفيلة والجموع الكثيرة لا تتطرق
٠
التهمة إلى المحدّث به، لأنهم كانوا أسرع شيء إلى تكذيبه لما جبلت عليه
(١) الفلج : الفوز والظفر.
٢٧٦
-