النص المفهرس
صفحات 221-240
غيرهم، فلما اجتمعوا قال: ((يا معشر الأنصار ما مقالة بلغتني عنكم؟ ألم أجدكم ضُلّالا فهداكم الله بي؟ وعالة(١) فأغناكم الله بي؟ وأعداءً فألف الله بين قلوبكم بي؟ إن قريشاً حديثو عهد بكفر ومصيبة، وإني أردت أن أجبرهم وأتألفهم، أغضبتم يا معشر الأنصار في أنفسكم لشيء قليل من الدنيا ألَّفت به قوماً ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم الثابت الذي لا يُزلَزَل؟ ألا ترضون یا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟ فوالذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار، ولو سلك الناس شِعباً وسلك الأنصار شِعْباً لسلكت شِعْب الأنصار، اللهمَّ أرحمٍ الأنصار)) فبكى القوم حتى اخضلَّت لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله قسما وحظاً، ثم انصرف عليه الصلاة والسلام وتفرّقوا. وفود هوازن وبعد بضع عشرة ليلة جاءه و 9 وفد هوازن يرأسهم زهير بن صُرَد وقالوا: يا رسول الله إنّ فيمن أصبتم الأمهات والعمات والخالات، وهن مخازي الأقوام ونرغب إلى الله وإليك يا رسول الله، وقال زهير: إنّ في الحظائر عماتك وخالاتك وحواضنك اللاتي كنّ يكفلنك، ثم قال أبياتاً يستعطفه بها: - فإنك المرء نرجوه وننتظر ( امننْ علينا رسول الله في كرم إذا فُوك مملوءة من مخضها الدرر امننْ على نسوةٍ قد كنت ترضعها وعندنا بعد هذا اليوم مدّخر إنا لنشكر للنَّعماء إن كفرت هدى البرية أن تعفوا وتنتصر إنا نؤمِّل عفواً منك نلبسه من أمهاتك، إن العفو مشتهر فألبس العفو من قد كنت ترضعه فقال ◌َله: إن أحب الحديث إليّ أصدقه، فاختاروا إحدى الطائفتين إما السبي وإما المال. وقد كنت انتظرتكم حتى ظننت أنكم لا تقدمون، فقالوا : -- (١) جمع عائل وهو الفقير. ٢١٧ ٠٠ ٠٠ . ٠ ٠٠٠ ٠ .* . ---- ⑈ ما كنا نعدل بالأحساب شيئاً، اردُدْ علينا نساءنا وأبناءنا فهو أحب الينا ولا نتكلم في شاة ولا بعير، فقال ◌َله: أما مالي ولبني عبد المطلب فهو لكم، فإذا أنا صليت الظهر فقوموا وقولوا: نحن نستشفع برسول الله إلى المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول الله بعد أن تظهروا إسلامكم وتقولوا نحن إخوانكم في الدين، ففعلوا. فقال ◌َلهر لأصحابه: ((أما بعد فإن إخوانكم هؤلاء جاءوا تائبين وإني قد رأيت أن أردّ عليهم سبْيَهم، فمن أحب أن يطيب بذلك فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أوّل ما يفيء الله علينا فليفعل، فقال المهاجرون والأنصار: ما كان لنا فهو لرسول الله، وامتنع من ذلك جماعة من الأعراب كالأقرع بن حابس وعيينة بن حصن والعباس بن مرداس، فأخذه الرسول منهم قرضاً، وأمر له بأن تُحبس عائلة مالك بن عوف النصري رئيس تلك الحرب بمكة عند عمتهم أمّ عبد الله بن أمية. فقال له الوفد: أولئك سادتنا، فقال ◌َله: إنما أريد بهم الخير. ثم سأل عن مالك فقالوا: هرب مع ثقيف، فقال: أخبروه أنه إن جاءني مسلماً رددت عليه أهله وماله وأعطيته مائة من الإِبل، فلما بلغ ذلك مالكاً نزل من الحصن خفية حتى أتى رسول الله بالجِعِرّانة فأسلم وأحرز ماله، واستعمله عليه الصلاة والسلام على من أسلم من هوازن .. عمرة الچِعِرَّانة ثم إن الرسول و 18 اعتمر فأحرم من الجعرانة ودخل مكة بليل، فطاف واستلم الحجر ثم رجع من ليلته. وكانت إقامته بالجعرانة ثلاث عشرة ليلة. ثم أمر عليه الصلاة والسلام بالرحيل. فسار الجيش آمناً مطمئناً حتى دخل المدينة لثلاثة بقين من ذي القعدة . وغزوة حنين هي التي فرَّق الله بها جموع الشرك وأدال دولته، وأفقد سراة أهله، فإن هوازن لم تترك وراءها رجلاً تمكنه الحرب إلا ساقته، ولم تترك لها بعيراً ولا شاة إلا جاءت به معها، فأراد الله إعزاز الإِسلام بخذلان ٢١٨ أعدائه وأخذ أموالهم، فانكسرت حدة المشركين ولم يبق فيهم من يمانع أو يدافع، ولذلك يمكننا أن نقول إن إنكسار هوازن كان خاتمة لحروب العرب، فلم يبق فيهم إلا فئات قليلة يسوقهم الطيش الى شهر السلاح، ثم لا يلبثون أن يغمدوا السيوف حينما تظهر لهم قوة الحق الساطعة . سرية ولما رجع عليه الصلاة والسلام إلى المدينة، أرسل قيس بن سعد في أربعمائة ليدعو صُداء (قبيلة تسكن اليمن) إلى الإِسلام فجاء إلى رسول الله رجل منهم فقال: يا رسول الله إني جئتك وافداً عمن ورائي، فاردد الجيش وأنا لك بقومي، فأمر عليه الصلاة والسلام بردّ الجيش. وفود صداءً وخرج الرجل إلى قومه فقدم بخمسة عشر رسولاً منهم، فنزلوا ضيوفاً على سعد بن عبادة، ثم بايعوا رسول الله على الإِسلام وقالوا نحن لك على من وراءنا من قومنا. ولما رجعوا فشا فيهم الإِسلام، وقدم على رسول الله منهم مائة في حجة الوداع. سرية ثم أرسل عليه الصلاة والسلام بشر بن سفيان العدوي إلى بني كعب من خزاعة لأخذ صدقات أموالهم، فمنعهم بنو تميم المجاورون لهم من أداء ما فُرض عليهم، فلما علم بذلك رسول الله أرسل إليهم عيينة بن حصن في خمسين فارساً من الأعراب، فجاءهم وحاربهم وأخذ منهم أحد عشر رجلاً وإحدى وعشرين امرأة وثلاثين صبياً، وتوجه بالكل إلى المدينة، فأمر عليه الصلاة والسلام بجعلهم في دار رملة بنت الحارث. ٢١٩ ٣ ٠٠ وفود تميم فجاء في أثرهم وفد تميم وفيه عُطارد بن حاجب، والزبرقان بن بدر، وعمرو بن الأهتم، فجلسوا ينتظرون الرسول، فلما أبطأ عليهم نادوا من وراء الحجرات بصوت جافٍ: يا محمد اخرجْ إلينا نفاخرك، فإن مدحنا زين وإن ذمَّنا شين، فخرج اليهم عليه الصلاة والسلام وقد تأذّى من صياحهم، وفيهم نزل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءَ الْحُجُرَتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ () وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوَأْ خَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾(١). وكان الوقت وقت الظهر فأذِن بلال، ودخل النبي للصلاة فتعلقوا به يقولون: نحن ناس من تميم جئنا بشاعرنا وخطيبنا نشاعرك ونفاخرك، فقال لهم عليه السلام: ((ما بالشعر بُعثنا ولا بالفَخار أمرنا)) ثم صلى الظهر واجتمع حوله رجال الوفد يتفاخرون بمجدهم ومجد آبائهم. وقد مدح عمرو بن الأهتم الزبرقان بن بدر، فقال: إنه لمطاع في أنديته سيد في عشيرته، فقال الزبرقان: حسدني يا رسول الله لشرفي وقد علم أفضل مما قال. فقال عمرو: إنه لزَمِنُ المروءة ضيِّق العَطَن(٢) لئيم الخال، فرئي الغضب في وجه رسول الله لاختلاف قولي عمرٍو، فقال: يا رسول الله لقد صدقت في الأولى وما كذبت في الثانية، رضيت فقلت أحسن ما عملت، وغضبت فقلت أسوأ ما علمت. فقال عليه الصلاة والسلام: ((إنّ من البيان لسحراً)). ثم أسلم القوم، فردّ النبي عليه الصلاة والسلام عليهم أسراهم وأحسن جائزتهم، وأقاموا مدة يتعلمون فيها القرآن ویتفقّهون في الدين. سرية : ثم بعث عليه الصلاة والسلام الوليد بن عقبة بن أبي معيط لأخذ صدقات بني المصطلق، فلما علموا بقدومه خرج منهم عشرون رجلاً متقلدين سلاحهم احتفالاً بقدومه ومعهم إبل الصدقة، فلما نظرهم ظنهم يريدون حربه (١) سورة الحجرات آية ٤. (٢) زمن المروءة: ناقصها العطن: مبارك الإبل. والكلام كناية عن ضيق الصدر. ٢٢٠ ....... .... ...._______ .. .... ......... ٠٠٠.٠ لما كان بينه وبينهم من العداوة في الجاهلية، فرجع مسرعاً إلى المدينة، وأخبر الرسول أن القوم ارتدوا ومنعوا الزكاة، فأرسل لهم خالد بن الوليد لاستكشاف الخبر، فسار إليهم في عسكره خفية، حتى إذا كان يناديهم سمع مؤذنهم يؤذن بالصبح، فأتاهم خالد فلم ير منهم إلا طاعة، فرجع وأخبر الرسول فأرسل عليه الصلاة والسلام لهم غير الوليد لأخذ الصدقات. وفي الوليد نزل: ﴿يَأَيُّهَ الَّذِينَ ءَ امَنُواْ إِن ◌َجَاءَ كُمْ فَاسِقٌ بٍَِ فَتَبَّنُواْأَنْ تُصِيبُواْ قَوْمًا بَجَةٍ فَنُصْبِحُواْ عَى مَا فَعَلْتُمْ نَدِمِينَ﴾(١). سرية ثم بلغ رسول الله أن جمعاً من الحبشة رآهم أهل جُدّة في مراكبهم يريدون الإِغارة عليها، فأرسل لهم علقمة بن مُجزِّز في ثلاثمائة، فذهب حتى وصل جدّة ونزل في المراكب ليدركهم، وكان الأحباش متحصنين في جزيرة هناك، فلما رأوا المسلمين يريدونهم هربوا، ولم يلق المسلمون كيداً، فرجع علقمة بمن معه. ولما كان بالطريق أذن لسرعان القوم أن يتعجلوا، وأمرَّ عليهم عبد الله بن حُذافة السَّهْمي، وكان فيه دعابة(٢) فأوقد لهم في الطريق ناراً وقال لهم: ألستم مأمورين بطاعتي؟ قالوا: نعم، قال: عزمت عليكم إلا ما تواثبتم(٣) في هذه النار، فقال بعضهم: ما أسلمنا إلا فراراً من النار !! وهمّ بذلك بعضهم فمنعهم عبد الله. وقال: كنت مازحاً! فلما ذكروا ذلك لرسول الله قال: ((لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)). ٠٠ (١) سورة الحجرات آية ٦. (٢) يحب المزاح. (٣) وقعتم في هذه النار. ٢٢١ 1 . .. . ... ٠ ٠٠.٠٠ السنة التاسعة سرية في ربيع الأول أرسل عليه السلام علي بن أبي طالب في خمسين فارساً لهدم الفُلْس (صنم لطيء) فسار إليه وهدمه وأحرقه. ولما حارب عُبّاده هزمهم واستاق نعمهم وشاءهم وسبيهم، وكان فيه سفّانة بنت حاتم طيء. ولما رجع علي إلى المدينة طلبت سفّانة من رسول الله أن يمنّ عليها، فأجابها لأنه كان من سننه أن يكرم الكرام فدعت له، وكان من دعائها: شكرتك يد افتقرت بعد غنى، ولا ملكتْك يد استغنت بعد فقر، وأصاب الله بمعروفك مواضعه، ولا جعل لك إلى لئيم حاجة، ولا سلب نعمة كريم إلا وجعلك سبباً لردها عليه، وكانت هذه المعاملة من رسول الله سبباً في إسلام أخيها عديّ بن حاتم الطائي الذي كان فرّ الى الشام عندما رأى الرايات الإسلامية قاصدة بلاده، وكان من حديث مجيئه أن أخته توجهت إليه بالشام وأخبرته بما عوملت به من الكرم. فقال لها ما ترين في أمر هذا الرجل؟ فقالت: أرى أن تلحق به سريعاً، فإن يكن نبياً فللسابق اليه فضل، وإن يكن ملكك فأنت أنت. قال: والله هذا هو الرأي . وفود عدي بن حاتم فخرج حتى جاء المدينة ولقي رسول الله، فقال عليه الصلاة والسلام: من الرجل؟ قال: عديّ بن حاتم، فأخذه إلى بيته وبينما هما يمشيان إذ لقيت رسول الله امرأة عجوز فاستوقفته فوقف لها طويلاً تكلمه في حاجتها، فقال عدي: والله ما هو بملك. ثم مضى رسول الله حتى إذا دخل بيته تناول وسادة من جلد محشوة ليفاً فقدمها إلى عدي وقال: اجلس على هذه، فقال: بل ٢٢٣ -٠ ٣ ٢ ٧٢٠٫ر٢٠٠٠١٤ ٢٠٠٩٢ ------------ أنت تجلس عليها، فامتنع عليه الصلاة والسلام وأعطاها له وجلس هو على الأرض، ثم قال: يا عدي! أسلم تسلم، قالها ثلاثاً، فقال عدي: إني على دين - وكان نصرانياً - فقال له عليه الصلاة والسلام: أنا أعلم بدينك منك، فقال عدي: أأنت أعلم بديني مني؟ قال: نعم. ثم عدد له أشياء كان يفعلها اتباعاً لقواعد العرب وليست من دين المسيح في شيء، كأخذه المِرْباع وهو ربع الغنائم. ثم قال: يا عدي! إنما يمنعك من الدخول في الدين ما ترى، تقول إنما اتبعه ضعاف الناس ومن لا قدرة لهم وقد رمتهم العرب مع حاجتهم، فوالله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه. ولعلك إنما يمنعك من الدخول فيه ما ترى من كثير عدوهم وقلة عددهم، أتعرف الحيرة؟ قال: لم أرها وقد سمعت بها، قال: فوالله ليتمنَّ هذا الأمر حتى تخرج المرأة من الحيرة تطوف بالبيت من غير جوار أحد، ولعلك إنما يمنعك من الدخول فيه أنك ترى الملك والسلطان في غيرهم، وايم الله ليوشكنَّ أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم. فأسلم عدي رضي الله عنه وعاش حتی رأی کل ذلك. غزوة تَبُّوك بلغ رسول الله ◌َ أن الروم جمعت الجموع تريد غزوه في بلاده، وكان ذلك في زمن عسرة الناس وجدب البلاد وشدة الحر، حين طابت الثمار، والناس يحبّون المقام في ثمارهم وظلالهم، فأمر عليه الصلاة والسلام بالتجهُّز، وكان قلما يخرج في غزوة إلا ورّى بغيرها ليعمّي الأخبار على العدو إلا في هذه الغزوة، فإنه أخبر بمقصده لبعد الشقّة ولشدة العدو، ليأخذ الناس عدتهم لذلك، وبعث إلى مكة وقبائل الأعراب يستنفرهم لذلك، وحث الموسرين على تجهيز المعسرين، فأنفق عثمان بن عفان عشرة آلاف دينار، وأعطى ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها وخمسين فرساً، فقال : اللهم أرض عن عثمان فإني راضٍ عنه. وجاد أبو بكر بكل ماله وهو أربعة آلاف درهم، ٢٢٤ ---- " 400 ------- ٠ -.... ------ ----- ------- .!! ! . ......--- ...- IES ١٠ ١ ٠٠٠٠. ٠٠٠٠ ... فقال له: هل أبقيت لأهلك شيئاً؟ فقال: أبقيت لهم الله ورسوله، وجاد عمر بن الخطاب بنصف ماله، وجاد عبد الرحمن بن عوف بمائة أوقية، وجاد العباس وطلحة بمال كثير. وتصدق عاصم بن عدي بسبعين وسْقاً من تمر، وأرسلت النساء بكل ما يقدرن عليه من حليِّهن، وجاءه وَِّ سبعةُ أنفس من فقراء الصحابة يطلبون إليه أن يحملهم. فقال: لا أجد ما أحملكم عليه فتولَّوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون. فجهز عثمان ثلاثة منهم، وجهز العباس اثنين، وجهز يامين بن عمرو اثنين. ولما اجتمع الرجال خرج بهم رسول الله وهم ثلاثون ألفاً، وولّى على المدينة محمد بن مسلمة وعلى أهله علي بن أبي طالب، وتخلف كثير من المنافقين يرأسهم عبد الله بن أُبيّ وقال: يغزو محمد بني الأصفر مع جهد الحال والحر والبلد البعيد !! أيحسب محمد أن قتال بني الأصفر معه اللعب؟ والله لكأني أنظر إِلى أصحابه مقرَّنين في الحبال. واجتمع جماعة منهم فقالوا في حق رسول الله وأصحابه ما يريدون من الإِرجاف، فبلغه ذلك، فأرسل إليهم عمار بن ياسر يسألهم عما قالوا، فقالوا: إنما كنا نخوض ونلعب. وجاء إليه جماعة، منهم الجد بن قيس، يعتذرون عن الخروج فقالوا: يا رسول الله ائذن لنا ولا تفتّا لأنا لا نأمن من نساء بني الأصفر، وجاء إليه المعذرون من الأعراب - وهم أصحاب الأعذار من ضعف أو قلة - ليؤذن لهم فأذن لهم. وكذلك استأذن كثير من المنافقين فأذن لهم، وقد عتب الله عليه في ذلك الإِذن بقوله: ﴿عَفَا اللهُ عَنْكَ لِرَ أَذِنْتَ لَهُمْ خَّى يَقَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَذِبِينَ﴾(١). ثم قال في حقهم: ﴿ إِنَّمَا يَسْتَعْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ اْلَئِ وَأَرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِى رَيْسِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾(٢) ثم كذبهم الله في عذرهم فقال: ﴿﴿ وَلَوْ أَرَادُوا الْحُرُوجَ ﴾(٣) ثم لَأَعَدُّواْ لَهُ مُدَّةً وَلَكِنْ كَرِءَ اللَّهُ أَنِّْعَاتُهُمْ فَشَبَّطَّهُمْ وَقِيلَ أَقْعُدُ واْمَعَ الْقَدْعِدِينَ لكيلا يأسى المسلمون على قعود المنافقين عنهم قال جل ذكره: ﴿لَوْخَرَجُوا (١) سورة التوبة آية ٤٣ . (٢) سورة التوبة آية ٤٥ . . (٣) سورة التوبة آية ٤٦ الرسالة مح مص اليـ ٢٢٥ Im .. . فِيكُ مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَلًا وَلَأَوْضَعُواْ خِلَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِكُرْ سَمَّدْعُونَ ◌َهُمْ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِنَ﴾(١) وتخلف جماعة من المسلمين لا يتهمون في إسلامهم، منهم: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، وأبو خيثمة. ولما خلف وَلّ علياً قال المنافقون: قد استثقله فتركه، فأسرع إِلى رسول الله وشكا له ما سمع، فقال ◌َله: ((أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟)) ثم سارّ بالجيش وأعطى لواءه الأعظم أبا بكر الصدّيق، وفي إعطاء اللواء لأبي بكر آخر غزوة للرسول، وتخليف عليّ على أهل البيت حكمة لطيفة يفهمها القارىء. وفَّق عليه الصلاة والسلام الرايات، فأعطى الزبير راية المهاجرين وأُسَيْد بن حُضير راية الأوس، والحُباب بن المنذر راية الخزرج. ولما مر الجيش بالحجر وهي ديار ثمود، قال واله لأصحابه: ((لا تدخلوا ديار الذين ظلموا إلا وأنتم باكون)) ليشعر قلوبهم رهبة الله، وكان مستعملاً على حرس الجيش عبَّاد بن بشر، وكان أبو بكر يصلي بالجيش، ولما وصلوا إلى تبوك، وكانت أرضاً لاعمار فيها، قال الرسول لمعاذ بن جبل: يوشك إن طالت بك حياة أن ترى ما هنا ملىء بساتين، وقد کان . ولما استراح لحقه أبو خيثمة، وكان من خبر مجيئه أن دخل على أهله في يوم حار، فوجد امرأتين له في عريشتين لهما في بستان قد رشَّت كل منهما عريشتها، وبرَّدت فيها ماءً وهيأت طعاماً، وكان يوماً شديد الحر، فلما نظر ذلك قال: يكون رسول الله في الحر وأبو خيثمة في ظل بارد وماء مهيأ وامرأة حسناء!؟ ما هذا بالنَّصَف. ثم قال: والله لا أدخل عريشة واحدة منكما حتى ألحق برسول الله فهيِّئا لي زاداً ففعلتا. ثم ركب بعيره وأخذ سيفه ورمحه، وخرج يريد رسول الله فصادفه حين نزل بتبوك . وفود صاحب أَيْلَة هذا، ولم يردّله بتبوك جيشاً كما كان قد سمع، فأقام هناك أياماً جاءه (١) سورة التوبة آية ٤٧ . ٢٢٦ ٣ ........ ٠٠ ..---.... ......... .. في أثنائها يُوحنا صاحب أيلة وصحبته أهل جَرْباء(١) وأهل أَذْرُح(٢) وأهل ميناء، فصالح يوحنا رسول الله على إعطاء الجزية ولم يسلم. وكتب له الرسول کتاباً هذه صورته: کتاب صاحب ايلة بسم الله الرحمن الرحيم هذا أَمَنَةٌ من الله ومحمد النبي رسول الله ليوحنا وأهل أيلة: سفنهم وسياراتهم في البر والبحر لهم ذمة الله ومحمد النبي، ومن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر، فمن أحدث منهم حدثاً فإنه لا يجوز ماله دون نفسه، وإنه لطيبة لمن أخذه من الناس، وإنه لا يحل أن يمنعوا ماء یردونه ولا طريقاً يريدونه من بر أو بحر. کتاب أهل اذرح وجرباء وكتب لأهل أذرح وجرباء كتاباً صورته: (بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد النبي لأهل أذرح وجرباء إنهم آمنون بأمان الله وأمان محمد، وإن عليهم مائة دينار في كل رجب وافية طيبة. والله كفيل بالنصح والإِحسان للمسلمين) وصالح أهل ميناء على ربع ثمارهم. ثم أن الرسول استشار أصحابه في مجاوزة تبوك إلى ما هو أبعد منها من ديار الشام، فقال له عمر: إن كنت أمرت بالسير فسِرْ. فقال عليه الصلاة والسلام: لو كنت أُمرت بالسير لم أستشر، فقال: يا رسول الله إن للروم جموعاً كثيرة وليس بالشام أحد من أهل الإِسلام، وقد دنونا وقد أفزعهم دنّك، فلو رجعنا في هذه السنة حتى نرى أو يحدث الله أمراً، فتبع عليه الصلاة والسلام مشورته، وأمر بالقفول فرجع الجيش إلى المدينة. (١) قرية في جنوب الشام. (٢) المدينة تلقاء السراة. ٢٢٧ ---. ....... حبيبـ ٠٠١m مسجد الضِّرار ولما كان على مقربة منها(١) بلغه خبر مسجد الضَّرار، وهو مسجد أسسه جماعة من المنافقين معارضة لمسجد قباء ليفرقوا جماعة المسلمين، وجاء جماعة منهم إلى الرسول طالبين منهم أن يصلي لهم فيه، فسألهم عن سبب بنائه فحلفوا بالله إن أردنا إلا الحُسنى والله يشهد إنهم لكاذبون. فأمر عليه الصلاة والسلام جماعة من أصحابه لينطلقوا إليه ويهدموه ففعلوا، هذا ولما استقر عليه الصلاة والسلام، بالمدينة، جاءه جماعات من الذين تخلفوا يعتذرون كذباً فقبل منهم عليه السلام علانيتهم، ووكل ضمائرهم إلى الله واستغفر لهم . حديث الثلاثة الذين خُلِّفوا وجاءه كعب بن مالك الخزرجي، ومُرارة بن الربيع، وهلال بن أمية الأوسيان مقرِّين بذنوبهم. فلما دخل عليه كعب تبسَّم تبسُّم الغضب وقال: ما خلَّفك؟ فقال: يا رسول الله لو حلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أوتيت جدلاً، ولكني والله لقد علمت لئن حدَّثتك اليوم بحديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخط عليَّ فيه، ولئن حدَّثتك حديث صدق تغضب عليَّ فيه، إني لأرجو فيه عفو الله، والله ما كان لي من عذر، فقال عليه الصلاة والسلام: أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله فيك. وقال صاحباه مثل قوله، فقال لهما عليه الصلاة والسلام كما قال لكعب، ونهى المسلمين عن كلامهم فاجتنبهم الناس، وأمرهم أن يعتزلوا نساءهم. واستأذنت زوج هلال بن أمية في خدمة زوجها، لأنه شيخ ضائع ليس له خادم فأذن لها، ولم يزالوا كذلك حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب (١) أي من المدينة. ٢٢٨ ------- --------- ' --------- ------ ٠٠٠ . .. . . . عليهم، فأرسل لهم عليه الصلاة والسلام من يبشّرهم بهذه النعمة الكبرى، فتلقاهم الناس أفواجاً أفواجاً يهنئونهم بتوبة الله. فلما دخل كعب المسجد تلقّاه رسول الله مسروراً، فقال: أبشر يا كعب بخير يوم يمر عليك منذ ولدتك أمك، فقال: من عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: بل من عند الله. فقال كعب: يا رسول الله إن من توبتي أن انخلع من مالي صدقة لله ورسوله، فقال عليه الصلاة والسلام: أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك. ثم قرأ عليه الصلاة والسلام الآيات التي فيها توبته هو وصاحباه: ﴿ وَعَلَى النَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِفُواْ حَتََّ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُواْ أَنْ ◌ََّمَأْ مِنَ اللهِلَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللهَ هُوَ النَّوَّابُ الَّحِيمُ﴾(١). وفود ثقيف وعقب مقدمه عليه الصلاة والسلام من تبوك وفد عليه وفد ثقيف، وكان من خبرهم أنه لما انصرف رسول الله من محاصرتهم، تبع أثره عُروة بن مسعود الثقفي حتى أدركه قبل أن يصل المدينة، فأسلم وسأله أن يرجع إلى قومه ويدعوهم إلى الإسلام، فقال له: إنهم قاتلوك، فقال: يا رسول الله أنا أحبُّ إليهم من أبكارهم، فخرج إلى قومه يرجو منهم طاعته لمرتبته فيهم، لأنه كان فيهم محبباً مطاعاً، فلما جاء الطائف وأظهر لهم ما جاء به رمَوه بالنبل فقتلوه، وبعد شهر من مقتله ائتموا فيما بينهم ورأوا أنه لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب، فأجمعوا أمرهم على أن يرسلوا لرسول الله رجلاً منهم يكلمه، وطلبوا من عبد ياليل بن عمرو أن يكون ذلك الرجل، فأبى وقال: لست فاعلًا حتى ترسلوا معي رجالاً فبعثوا معه خمسة من أشرافهم، فخرجوا متوجهين إلى المدينة، ولما قابلوا رسول الله ضرب لهم قبة في ناحية المسجد ليسمعوا القرآن ويروا الناس إذا صلوا، وكانوا يغدون إلى رسول الله كل يوم ويخلّفون في رحالهم (١) سورة التوبة آية ١١٨. ٢٢٩ :.- 2." ." .. ------- أصغرهم سناً عثمان بن أبي العاص، فكان إذا رجعوا ذهب للنبي واستقرأه القرآن، وإذا رآه نائماً استقرأ أبا بكر حتى حفظ شيئاً كثيراً من القرآن وهو يكتم ذلك عن أصحابه، ثم أسلم القوم وطلبوا أن يعين لهم من يؤمُّهم، فأمَّر عليهم عثمان بن أبي العاص لما رآه من حرصه على الإِسلام وقراءة القرآن وتعلم الدین. كتاب أهل الطائف ثم كتب لهم كتاباً من جملته: (بسم الله الرحمن الرحيم من محمد النبي رسول الله إلى المؤمنين إنَّ عِضاه وجٍ(١) وصيده حرام، لا يعضد (٢) شجره، ومن وجد يفعل شيئاً من ذلك، فإنه يجلد وتنزع ثيابه) ثم سألوا رسول الله أن يؤجل هدم صنمهم شهراً، حتى يدخل الإِسلام في قلوب القوم ولا يرتاع السفهاء من النساء من هدمه، فرضي بذلك عليه الصلاة والسلام، ولما خرجوا من عنده قال رئيسهم: أنا أعلمكم بثقيف. اكتموا عنهم إسلامكم وخوفوهم الحرب والقتال، وأخبروهم أن محمداً طلب أموراً عظيمة أبيناها عليه، سألنا أن نهدم الطاغية وأن نترك الزنى وشرب الخمر والربا، فلما حلّوا بلادهم جاءتهم ثقيف، فقال الوفد: جئنا رجلاً فظاً غليظاً قد ظهر بالسيف، ودان الناس له، فعرض علينا أموراً شديدة، وذكروا ما تقدم. فقالوا: والله لا نطيعه أبداً، فقالوا: لهم: أصلحوا سلاحكم ورمُّوا (٣) حصونكم واستعدوا للقتال، فأجابوا واستمروا على ذلك يومين أو ثلاثة، ثم ألقى الله الرعب في قلوبهم، فقالوا: والله ما لنا بحربه طاقة ارجعوا إليه وأعطوه ما سأل، فقال الوفد: قد قاضيناه وأسلمنا، فقالوا: لِمَ كتمتم علينا ذلك؟ قالوا: حتى تذهب عنكم نخوة الشيطان، فأسلموا. (١) العضاء: كل شجر يعظم وله شوك. وجّ: بلد في الطائف. (٢) لا يعضد: لا يقطع. (٣) اصلحوا . ٢٣٠ ٥.٩٠ ۔۔۔ هدم اللَّت ولما بلغ رسول الله إسلام ثقيف، أرسل أبا سفيان والمغيرة بن شعبة الثقفي لهدم اللَّات صنم ثقيف بالطائف، فتوجهوا وهدموه حتى سوّوه بالأرض(١). حج أبي بكر وفي أخريات ذي القَعدة أرسل عليه الصلاة والسلام أبا بكر ليحجّ بالناس، فخرج في ثلاثمائة رجل من المدينة ومعه الهدي عشرون بدنة أهداها رسول الله، وساق أبو بكر خمس بدنات، ولما سافر نزل على رسول الله أوائل سورة براءة، فأرسل بها علياً ليبلّغها الناس في يوم الحج الأكبر وقال: لا يبلغ عني إلا رجل مني، فلحق أبا بكر في الطريق، فقال الصدّيق: هل استعملك رسول الله على الحج؟ قال: لا، ولكن بعثني أقرأ وأتلو براءة على الناس. فلما اجتمعوا بمنى يوم النحر قرأ عليهم علي ثلاث عشرة آية من أول سورة براءة تتضمن نبذ العهود لجميع المشركين الذين لم يوفوا عهودهم، وإمهالهم أربعة أشهر يسيحون فيها في الأرض كيف شاءوا، واتمام عهد المشركين الذين لم يُظاهروا على المسلمين ولم يغدروا بهم إلى مدتهم. ثم نادى: لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عُريان، وكان علي يصلي في هذا السفر وراء أبي بكر رضي الله عنهما. وفاة ابن ◌ُبيّ وفي ذي القَعدة مات عبد الله بن أُبيّ، وقد صلى عليه رسول الله صلاة لم يطل مثلها، وشيّع جنازته حتى وقف على قبره، وإنما فعل ذلك تطبيباً لقلب ولده (١) جعلوه على مستوى الأرض. ٢٣١ . v . . ٠٫٠٠ .... عبد الله بن عبد الله وتأليفاً لقلوب الخزرج لمكانة عبد الله بن أبيّ فيهم، وقد نزع رِبْقَة النفاق كثير من المنافقين بعد هذا اليوم، لما رأوه من أعمال السيد الكريم . وقد نهى الله رسوله بعد ذلك عن الصلاة على المنافقين، فقال جل شأنه: ﴿ وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَاتَقُمْ عَى قَبْرِهِةَ﴾(١). وفاة ◌ُم كلثوم وفي هذه السنة توفيت أم كلثوم بنت رسول الله وزوج عثمان رضي الله عنهما. (١) سورة التوبة آية ٨٤. ٢٣٢ --.. .. ---- . . 1 ٤٢٤ السنة العاشرة سرية في ربيع الآخر أرسل عليه الصلاة والسلام خالد بن الوليد في جمع لبني عبد المدان بنجران من أرض اليمن، وأمره أن يدعوهم إلى الإِسلام ثلاث مرات، فإن أبوا قاتلهم. فلما قدم إليهم بعث الركبان في كل وجه يدعون إلى الإِسلام ويقولون: أسلموا تسلموا، فأسلموا ودخلوا في دين الله أفواجاً، فأقام خالد بينهم يعلمهم الإِسلام والقرآن، وكتب إلى رسول الله بذلك، فأرسل اليه أن يقدم بوفدهم ففعل. وحين اجتمعوا به وَ ◌ّ﴾ قال لهم: بمَ كنتم تغلبون مَن قاتلكم في الجاهلية؟ قالوا: كنا نجتمع ولا نتفرق، ولا نبدأ أحداً بظلم، قال صدقتم. وأمَّر عليهم زيد(١) بن الحصين. سرية وفي رمضان أرسل عليه الصلاة والسلام علياً في جمع إلى بني مَلْحِج (قبيلة يمانية) وعمِّمه بيده وقال: سر حتى تنزل بساحتهم، فادعهم الى قول: لا إله إلا الله، فإن قالوا نعم فُمُرهم بالصلاة ولا تبغ منهم غير ذلك، ولأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس، ولا تقاتلهم حتى يقاتلوك، فلما انتهى اليهم لقي جموعهم فدعاهم إلى الإسلام فأبوا، ورموا المسلمين بالنبل، فصفّ علي أصحابه وأمرهم بالقتال، فقاتلوا حتى هزموا عدوهم فكفَّ عن طلبهم قليلاً، ثم لحقهم ودعاهم إلى الإسلام فأجابوا وبايعه رؤساؤهم وقالوا : نحن على مَن وراءنا من قومنا وهذه صدقاتنا فخذ منها حق الله، ففعل. ثم رجع (١) في سيرة ابن هشام: قيس الحصين، وكذلك في شرح المواهب. ..... ... . ٢٠٠٤٠٠٠ : ١ ٢٣٣ --------- ٠٠٠.1- ---- إلى رسول الله فوافاه بمكة في حجة الوداع . بعث العمال إلى اليمن ثم بعث عليه الصلاة والسلام الى اليمن عمالاً من قبله، فبعث معاذ بن جبل على الكورة العليا من جهة عدن(١) وبعث أبا موسى على الكورة السفلى، ووصّاهِما وَّةِ بقوله: ((يسِّرا ولا تعسِّرا وبشِّرا ولا تنفِّرًا)) وقال لمعاذ: ((إنك ستأتي قوماً أهل كتاب، فإِذا جئتهم فادعُهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن أطاعوا لك بذلك، فإياك وكرائم أموالهم. واتَّق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)). وقد مكث معاذ باليمن حتى توفي رسول الله، أما أبو موسى فقدم على الرسول وَيّ في حجة الوداع . حجة الوداع وفي السنة العاشرة حج وقلقه بالناس حجة ودّع فيها المسلمين ولم يحجِّ غيرها، وخرج لها يوم السبت لخمس بقين من ذي القَعدة، وولّى على المدينة أبا دُجانة الأنصاري، وكان مع الرسول جمع عظيم يبلغ تسعين ألفاً، وأحرم للحج حيث انبعثت به راحلته ثم لبّ فقال: ((لَبَّيك اللهمَّ لَبِّيك لا شريك لك لبّيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك)) ولم يزل وَّ سائراً حتى دخل مكة ضحَّى من الثنية العليا وهي ثنية كداء. ولما رأى البيت قال: اللهم زده تشريفاً 1 (١) جبل بمعلاة مكة . ٢٣٤ وتعظيماً ومهابة وبرّاً، ثم طاف بالبيت سبعاً واستلم الحجر الأسود، وصلى ركعتين عند مقام إبراهيم، ثم شرب من ماء زمزم، ثم سعى بين الصفا والمروة سبعاً راكباً على راحلته. وكان إذا صعد الصفا يقول: لا إله إلا الله، الله أكبر، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، وفي الثامن من ذي الحجة توجه إلى منی فبات بها . خطبة الوداع وفي التاسع منه توجه إلى عرّفة، وهناك خطب خطبته الشريفة التي بينَّ فيها الدين كله أُسَّه وفرعه، وهاكَ نصها: الحمد لله نحمدهونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهد الله فلا مضلَّ له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أوصيكم عباد الله بتقوى الله وأحثُكم على طاعته وأستفتح بالذي هو خير. أما بعد: أيها الناس اسمعوا مني أُبيّّ لكم فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا، أيها الناس إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم إلا أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد. فمن كانت عنده أمانة فليؤدِّها إلى من ائتمنه عليها. إن ربا الجاهلية موضوع وإن أول رباً أبدأ به ربا عمي العباس بن عبد المطلب، وإن دماء الجاهلية موضوعة، وأول دم أبدأ به دم عامر بن ربيعة بن الحارث، وإن مآثر الجاهلية موضوعة غير السَّدانة والسِّقاية والعمْد قَوَدٌ، وشبه العمد ما قتل بالعصا والحجر وفيه مائة بعير، فمن زاد فهو من أهل الجاهلية. أيها الناس إن الشيطان قد یئس أن يعبد في أرضکم هذه، ولکنه قد رضي أن یطاع فیما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم. أيها الناس إن النسيء(١) زيادة في الكفر يُضَلُّ به الذين (١) كانت العرب تحرم أربعة أشهر: ثلاثة متواليات. وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم وشهر رجب، وكانوا ربما استطالوا هذه الأشهر المتوالية لحاجتهم إلى الحرب والقتال فأحلوا المحرم وحرموا صفراً من المقبل، فهذا هو الذي عابه القرآن في عقيدتهم. ٢٣٥ ... .-....... .....- - كفروا يحلّونه عاماً ويحرّمونه عاماً ليُواطِئوا عدة ما حرَّم الله، وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عدَّة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق الله السموات والأرض منها أربعة حُرُم ثلاث متواليات وواحد فرد: ذو القَعدة وذو الحجة والمحرم ورجب الذي بين جمادى وشعبان، ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد. أيها الناس: إن لنسائكم عليكم حقاً ولكم عليهن حق ألّ يُوطئنْ فُرشَكم غيركم، ولا يُدخلن أحداً تكرهونه بيوتكم إلا بإذنكم، ولا يأتين بفاحشة، فإن فعلن فإن الله أذن لكم أن تَعْضُلوهن(١) وتهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضرباً غير مبرِّح، فإن انتهين وأطعنكم فعليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، إنما النساء عندكم عَوَانٍ، لا يملكن لأنفسهن شيئاً، أخذتموهن بأمانة الله واستحللْتُم فروجهن بكلمة الله، فاتقوا الله في النساء واستوصوا بهن خيراً، ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد. أيها الناس إنما المؤمنون إخوة ولا يحل لامرىء مال أخيه إلا عن طيب نفس منه ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد، فلا ترجعُنّ بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض، إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لم تضِلّوا بعده كتاب الله، ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد. أيها الناس إن ربكم واحد وأن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي فضل على أعجمي إلا بالتقوى. ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد، فليبلغ الشاهد منكم الغائب. أيها الناس إن الله قد قسم لكم وارث نصيبه من الميراث ولا تجوز لوارث وصية، ولا تجوز وصية في أكثر من الثلث، والولد للفراش وللعاهر الحجر، من ادّعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل. والسلام عليكم ورحمة الله). وفي هذا اليوم امتن الله على المؤمنين بقوله: ﴿ اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَنْمَمْتُ عَلَيْكُرْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُرُ اَلْإِسْلَامَ دِينًا﴾(٢) فلا غرابة أن اتخذه المسلمون عيداً ويوماً سعيداً يظهرون فيه شكر الله (١) العضْل: هو الحبس والتضييق. (٢) سورة المائدة آية ٣. ٢٣٦