النص المفهرس
صفحات 141-160
السنة الرابعة ۔ - - في بدء السنة الرابعة بلغ رسول الله أن طلحة وسلمة ابني خويلد الأسديين يدعوان قومهما بني أسد لحربه عليه الصلاة والسلام، فدعا أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي وعقد له لواء وقال له: سر حتى تنزل أرض بني أسد بن خزيمة فأغِرْ عليهم، وأرسل معه رجالاً، فسار معه في هلال المحرم حتى بلغ قطناً (١) فأغار عليهم، فهربوا من منازلهم ووجد أبو سلمة إبلا وشاءً فأخذها ولم يلق حرباً، ورجع بعد عشرة أيام من خروجه. وفي بدئها أيضاً بلغه عليه الصلاة والسلام أن سفيان بن خالد بن نُبْح الهزلي المقيم بعُرنة (٢) يجمع الجموع لحربه، فأرسل له عبد الله بن أنيس الجهني وحده ليقتله، فاستأذن رسول الله وَ لير أن يتقوَّل حتى يتمكن، فأذن له وقال: انتسب لخزاعة، فخرج لخمس خلون من المحرم، ولما وصل إليه قال له سفيان: ممن الرجل؟ قال: من خزاعة، سمعت بجمعك لمحمد فجئت لأكون معك، فقال له: أجل إني لفي الجمع له، فمشى عبد الله معه وحدثه وسفيان يستحلي حديثه، فلما انتهى إلى خبائه تفرق الناس عنه، فجلس معه. عبد الله حتى نام فقام وقتله، ثم ارتحل حتى أتى المدينة ولم يلحقه الطلب وكفى الله المؤمنين القتال. (١) جبل لبني أسد بناحية فيد شرقي المدينة . (٢) موضع قريب من عرفات. : ١٣٧ ٠ سرية وفي صفر أرسل عليه الصلاة والسلام عشرة رجال عيوناً(١) على قريش مع رهط (٢) عضل والقارة الذين جاؤوا رسول الله و ◌ّ* يطلبون من يفقههم في الدين وأمَّر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري، فخرجوا يسيرون الليل ويكمنون النهار حتى إذا كانوا بالرجيع (٣) غدر بهم أولئك الرهط ودلوا عليهم هذيلاً قوم سفيان بن خالد الهذلي الذي كان قتله عبد الله بن أنيس فنفروا إليهم فيما يقرب من مائتي رامٍ واقتفوا آثارهم حتى قربوا منهم، فلما أحس بهم رجال السرية لجؤوا إلى الجبل هناك فقال لهم الأعداء: انزلوا ولكم العهد ألا نقتلكم، فنزل إليهم ثلاثة اغتروا بعهدهم وقاتلهم الباقون، ومعهم عاصم غير راضين بالنزول في ذمة مشرك. ولما رأى الثلاثة الذين سلَّموا عين الغدر امتنع أحدهم فقتلوه، وأما الاثنان فباعوهما بمكة ممن كان له ثأر عند المسلمين وهناك قتلا. وقد قال أحدهما وهو خُبيب بن عدي حین أرادوا قتله: ولست أبالي حين أقتل مسلماً على أي جنب كان في الله مصرعي يبارك على أوصال شِلْوِ ممزَّع وذلك فى ذات الإله وإن يشأ سرية وفي صفر وفد على رسول الله أبو براء عامر بن مالك مُلاعب الأسنَّة، وهو من رؤوس بني عامر، فدعاه عليه الصلاة والسلام إلى الإِسلام فلم يسلم ولم يبعد، بل قال: إني أرى أمرك هذا حسناً شريفاً، ولو بعثت معي رجالاً من أصحابك إلى أهل نجد فدعوهم إلى أمرك، رجوت إلى أن يستجيبوا لك، فقال عليه الصلاة والسلام: إني أخشى عليهم أهل نجد. فقال أبو براء عامر: أنا لهم جار، فأرسل معهم المنذر بن عمرو في سبعين من أصحابه كانوا يُسمون (١) جواسيس. (٢) الرهط من الثلاثة إلى التسعة . (٣) ماء لبني هذيل بين مكة وعسفان. ١٣٨ القراء لكثرة ما كانوا يحفظون من القرآن، فساروا حتى نزلوا بئر معونة(١) فبعثوا حرام بن ملحان بكتاب إلى عامر بن الطفيل سيد بني عامر، فلما وصل إليه لم يلتفت إلى الكتاب بل عدا على حرام فقتله، ثم استصرخ على بقية البعثة أصحابه من بني عامر فلم يرضوا أن يخفروا جوار ملاعب الأسنة، فاستصرخ عليهم قبائلهم من بني سُليم وهم رعْل وذكوان وعُصَيَّة فأجابوه وذهبوا معه، حتى إذا التقوا بالقراء أحاطوا بهم وقاتلوهم حتى قتلوهم عن آخرهم، بعد دفاع شديد لم يجدهم نفعاً لقلة عددهم وكثرة عدوهم، ولم ينج إلا كعب بن زيد وقع بين القتلى حتى ظن أنه منهم، وعمرو بن أمية كان في سرح القوم. وأبلغ عليه الصلاة والسلام خبر القراء فخطب في أصحابه، وكان فيما قال: ((إن إخوانكم قد لقوا المشركين وقتلوهم، وإنهم قالوا ربنا بلّغ قومنا أنّا قد لقينا ربنا فرضينا عنه ورضي عنا))، وكان وصول خبر هذه السرية وسرية الرجيع في يوم واحد فحزن عليهم وَل# حزناً شديداً، وأقام يدعو على الغادرين بهم شهراً فى الصلاة. غزوة بني النَّضير يا الله ما أسوأ عاقبة الطيش، فقد تكون الأمة مرتاحة البال هادئة الخواطر، حتى تقوم جماعة من رؤسائها بعمل غدر یظنون من ورائه النجاح، فيجلب عليهم الشرور ويشتتهم من ديارهم، وهذا ما حصل ليهود بني النضير حلفاء الخزرج الذين كانوا يجاورون المدينة، فقد كان بينهم وبين المسلمين عهود يأمن بها كل منهم الآخر، ولكن بنو النضير لم يوفوا بهذه العهود حسداً منهم وبغياً. فبينما رسول الله وَّر وبعض من أصحابه في ديار بني النضير، إذ ائتمر جماعة منهم على قتله، بأن يأخذ أحد منهم صخرة ويلقيها عليه من علو فأُطلع عليه الصلاة والسلام على قصدهم فرجع وتبعه أصحابه، ثم أرسل لهم محمد بن مسلمة يقول لهم: اخرجوا من بلادي فقد هممتم بما هممتم من (١) شرقي المدينة بين أرض بني عامر وحرة بني سليم. ١٣٩ ------------ الغدر (إذ الحزم كل الحزم ألا يتهاون الإِنسان مع من عرف منه الغدر) فتهيأ القوم للرحيل فأرسل لهم إخوانهم المنافقون يقولون لا تخرجوا من دياركم ونحن معكم: ﴿لَبِنْ أَتْرِبْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُرْ وَلَا نُطِيعُ فِبِكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوِلْتُمْ لَنَنصُرَّكُمْ وَاللهُ يَشْهَهُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ (٦﴾ لَبِنْ أَثْرِجُواْ لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَيْنَ قُوتِلُوْ لَا بَنَصُرُونَهُمْ وَلَيْنِ نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُنَّ الْأَدْبَرَ فُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾(١) ولكن اليهود طمعوا بهذا الوعد وتأخروا عن الجلاء، فأمر عليه الصلاة والسلام بالتهيؤ لقتالهم، فلما اجتمع الناس خرج بهم واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، وأعطى رايته علياً. أما بنو النضير فتحصَّنوا في حصونهم وظنوا أنها ما نعتهم من الله، فحاصرهم عليه الصلاة والسلام ست ليالٍ، ثم أمر بقطع نخيلهم ليكون أدعى إلى تسليمهم، فقذف الله في قلوبهم الرعب ولم يروا من عبد الله بن أبي مساعدة، بل خذلهم كما خذل بني قينقاع من قبلهم، فسألوا رسول الله أن يجليهم ويكف عن دمائهم وأن لهم ما حملت الإِبل من أموالهم إلا آلة الحرب، ففعل وصار اليهود يخربون بيوتهم بأيديهم كيلا يسكنها المسلمون. ولما سار اليهود نزل بعضهم بخيبر، ومنهم أكابرهم حبيّ بن أخطب وسلام بن أبي الحُقَيق، ومنهم من سار إلى أذرعات بالشام، وأسلم منهم اثنان يامين بن عمرو وأبو سعد بن وهب، ولم يخمِّس رسول الله ما أخذ من بني النضير، فإنه في ءٌ لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، ومثل هذا يكون لمعدات الحرب وللرسول يطعم منه أهله، ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، كما قال تعالى: ﴿ مَّ أَفَآءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ الْفُرَى فَهِ وَلِرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى وَالْيَشْمَى وَالْمَسْلِكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلٍ كَىْ لَا يَكُونَ دُولَةٌ بَيْنَ الْأُغْنِيَاءِ مِنْكُرٌْ﴾(٢) فأعطى عليه الصلاة والسلام من هذا الفيء فقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم وردّوا لإِخوانهم من الأنصار ما (١) سورة الحشر آية ١١. (٢) سورة الحشر آية ٧ . ١٤٠ ----- ------ كانوا قد أخذوه منهم أيام هجرتهم، وأخذ عليه الصلاة والسلام أرضاً يزرعها ويدخر منها قوت أهله عاماً . غزوة ذات الرقاع(١) وفي ربيع الآخر بلغه عليه الصلاة والسلام أن قبائل من نجد يتهيؤون لحربه، وهم: بنو محارب وبنو ثعلبة، فتجهز لهم وخرج في سبعمائة مقاتل، وولى على المدينة عثمان بن عفان، ولم يزالوا سائرين حتى وصلوا ديار القوم فلم يجدوا فيها أحداً غير نسوة فأخذهن، فبلغ الخبر رجالهم فخافوا وتفرقوا في رؤوس الجبال، ثم اجتمع جمع منهم وجاؤوا للحرب فتقارب الناس وأخاف بعضهم بعضاً. ولما حانت صلاة العصر وخاف عليه الصلاة والسلام أن يغدر بهم الأعداء وهم يصلُّون، صلى بالمسلمين صلاة الخوف، فألقى الله الرعب في قلوب الأعداء وتفرقت جموعهم خائفين منه ؤاؤ . ومال الإِمام البخاري إلى أن هذه الغزوة كانت في السنة السابعة وأجمع أهل السِّير على خلافه. غزوة بدر الآخرة لما أهلّ شعبان هذا العام كان موعد أبي سفيان، فإنه بعد انقضاء غزوة أحد قال للمسلمين: موعدنا بدر العام المقبل، فأجابه الرسول إلى ذلك. وكان بدر محل سوق تعقد كل عام للتجارة في شعبان يقيم التجار فيه ثمانياً. فلما حل الأجل وقريش مجدبون، لم يتمكن أبو سفيان من الإِيفاء بوعده، فأراد أن يخذل المسلمين عن الخروج كيلا يوسم بخلف الوعد، فاستأجر نُعيم بن مسعود الأشجعي، ليأتي المدينة ويرجف بما جمعه أبو سفيان من (١) سميت بهذا الاسم لأنهم رقعوا فيها راياتها وفي حديث أبي موسى إنما سميت بذلك لأنهم كانوا يربطون على أرجلهم الخرق من شدة الحر. ١٤١ الجموع العظيمة، فقدم نُعيم المدينة وقال للمسلمين: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَعُواْ لَكُرُّ فَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إًَِ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللهُ وَنِمَ الْوَكِيلُ﴾(١) ولم يلتفت عليه الصلاة والسلام لهذا الإِرجاف اتكالاً على ربه، بل خرج بألف وخمسمائة من أصحابه، واستخلف على المدينة عبد الله بن عبد الله بن أبيّ، ولم يزالوا سائرين حتى أتوا بدراً فلم يجدوا بها أحداً، لأن أبا سفيان أشار على قريش بالخروج على نية الرجوع بعد مسير ليلة أو ليلتين، ظاناً أن إرجاف نُعيم يفيد فيكون المخلف هم المسلمون، فسار حتى أتى مجنة وهي سوق معروفة من ناحية، مر الظهران - فقال لقومه: إن هذا عام جذب(٢) ولا يصلحنا إلا عام عشب فارجعوا، أما المسلمون فأقاموا ببدر لا يشاركهم في تجارته أحد فَأَنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ الَهِ وَفَضْلٍ لَّْ يَمْسَسْهُمْ سُوَهُ وَبَعُواْ رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴾(٣). ولما سمع بذلك صفوان بن أمية قال لأبي سفيان: قد والله نهيتك أن تعد القوم قد اجترؤوا علينا ورأوا أنّا أخلفناهم. حوادث وفي هذا العام ولد الحسين بن علي، وفيه توفيت زينب بنت خزيمة أم المؤمنين، وفيه توفي أبو سلمة رضي الله عنه ابن عمة رسول الله وأخوه من الرضاعة وأول من هاجر إلى الحبشة، وفيه تزوج عليه الصلاة والسلام أم سلمة هنداً زوج أبي سلمة بعد وفاته. (١) سورة آل عمران آية ١٧٣. (٢) الجدب ضد الخصب. (٣) سورة آل عمران آية ١٧٤. ١٤٢ .--- --- ....... ....-- ------ ٦٠٠٠٠٠,٠٠٠ ..... "hr- --- -.. 5 السنة الخامسة غزوة دُومة الجندل(١) في ربيع الأول من هذا العام بلغ النبي وَّر أن جمعاً من الأعراب بدُومة الجندل، يظلمون من مر بهم وأنهم يريدون الدنو من المدينة، فتجهز لغزوهم، وخرج في ألف من أصحابه بعد أن ولّى على المدينة سباع بن عُرْفُطة الغِفاري، ولم يزل يسير الليل ويكمن النهار حتى قرب منهم، فلما بلغهم الخبر تفرقوا، فهجم المسلمون على ما شيتهم ورعائهم، فأصيب من أصيب وهرب من هرب، ثم نزل بساحتهم فلم يلق أحداً، وبث السرايا فلم يجد منهم أحداً، فرجع عليه الصلاة والسلام غانماً، وصالح وهو عائد عُيَيْنة بن حصن الفَزاري، وهو الذي كان يسميه عليه الصلاة والسلام: الأحمق المطاع، لأنه كان يتبعه ألف قناة، وأقطعه عليه الصلاة والسلام أرضاً يرعى فيها بَهْمَهُ(٢) على بعد ستة وثلاثين ميلاً من المدينة، لأن أرضه كانت قد أجدبت. غزوة بني المصطلق (٣) في شعبان بلغه عليه الصلاة والسلام أن الحارث بن ضرار سيد بني المصطلق الذين ساعدوا قريشاً على حرب المسلمين في أحد، يجمع الجموع (١) مدينة بينها وبين دمشق خمس ليالٍ، وبينها وبين طيبة خمس عشرة ليلة، وهي بضم الدال وقد تفتح . (٢) البهم: صغار الغنم. (٣) هي غزوة المريسيع. ١٤٣ ----------- --- ----.. ...---..... - لحربه، فخرج له عليه الصلاة والسلام في جمع كثير، وولى على المدينة زيد بن حارثة، وخرج معه من نسائه عائشة وأم سلمة، وخرج معه ناس من المنافقين لم يخرجوا قط في غزوة قبلها، يرجون أن يصيبوا من عرض الدنيا، وفي أثناء مسيره عليه الصلاة والسلام التقى بعّيْن(١) بني المصطلق، فسأله عن أحوال العدو فلم يجب فأمر بقتله. ولما بلغ الحارث - رئيس الجيش - مجيء المسلمين لحربه وأنهم قتلوا جاسوسه، خاف هو وجيشه خوفاً شديداً، حتى تفرق عنه بعضهم، ولما وصل المسلمون الى المريسيع(٢) تصافَّ الفريقان للقتال، بعد أن عرض عليهم الإِسلام فلم يقبلوا، فتراموا بالنبل ساعة، ثم حمل المسلمون عليهم حملة رجل واحد فلم يتركوا لرجل من عدوهم مجالاً للهرب، بل قتلوا عشرة منهم، وأسروا باقيهم مع النساء والذرية واستاقوا الإِبل والشياه، وكانت الإِبل ألفي بعير والشياه خمسة آلاف، واستعمل الرسول على ضبطها مولاه شُقْران وعلى الأسرى بُرَيْدة. وكان في نساء المشركين بَرَّة بنت الحارث سيد القوم، وقد أخذ من قومها مئتا بنت أسرى وزعت على المسلمين، وهنا يظهر حسن السياسة ومنتهى الكرم، فإن بني المصطلق من أعز العرب داراً، فأسر نسائهم بهذه الحال صعب جداً، فأراد عليه الصلاة والسلام أن يجعل المسلمين يمنّون على النساء بالحرية من تلقاء أنفسهم، فتزوج بَرَّة بنت الحارث التي سماها جويرية، فقال المسلمون: أصهار رسول الله لا ينبغي أسرهم في أيدينا فمنّوا عليهم بالعتق، فكانت جويرية أيمن امرأة على قومها كما قالت عائشة رضي الله عنها. وتسبب عن هذا الكرم العظيم وهذه المعاملة الجليلة، أن أسلم بنو المصطلق عن بكرة أبيهم، وكانوا للمسلمين بعد أن كانوا عليهم. وقد حصل في هذه الغزوة نادرتان لولا أن صاحبتهما حكمة رسول الله * لعادتا بالتفريق على المسلمين. (١) العين: الجاسوس. (٢) ماء لخزاعة على يوم من الفرع. ١٤٤ BEIN E ٥٠٤ ٠٠٠٠٠٠ ٠ Perar (فأولا هما) أن أجيراً لعمر بن الخطاب اختصم مع حليف للخزرج، فضرب الأجير الحليف حتى سال دمه، فاستصرخ بقومه الخزرج، واستصرخ الأجير بالمهاجرين، فأقبل الذعر من الفريقين وكادوا يقتتلون، لولا أن خرج عليهم رسول الله فقال: ما بال دعوى الجاهلية؟ (وهي ما يقال في الاستغاثة يا لفلان) فأخبر الخبر، فقال: دعوا هذه الكلمة فإنها منتنة. ثم كلم المضروب حتى أسقط حقه وبذلك سكنت الفتنة. فلما بلغ عبد الله بن أبيّ هذا الخصام غضب. وكان عنده رهط من الخزرج فقال: ما رأيت كاليوم مذلة، أو قد فعلوها؟ نافرونا في ديارنا والله ما نحن والمهاجرون إلا كما قال الأول : سمِّن كلبك يأكلُك، أما والله ﴿ لَيْنِ رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَنَّ مِنْهَا الْأُذَلَّ﴾(١) ثم التفت إلى من معه وقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم. ثم لم ترضوا بما فعلتم حتى جعلتم أنفسكم غرضاً للمنايا دون محمد فأيتمتم أولادكم وقللْتُم وكثروا، فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضّوا من عنده. وكان في مجلسه شاب حديث السن قوي الإِسلام اسمه زيد بن أرقم، فأخبر رسول الله الخبر فتغير وجهه، وقال: يا غلام لعلك غضبت عليه فقلت ما قلت؟ فقال: والله يا رسول الله لقد سمعته، قال: لعله أخطأ سمعك. فاستأذن عمر الرسول في قتل ابن أُبيّ أو أن يأمر أحداً غيره بقتله، فنهاه عن ذلك وقال: كيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه، ثم أذن بالرحيل في وقت لم يكن يرتحل فيه حين اشتد الحر، يقصد بذلك عليه الصلاة والسلام شغل الناس عن التكلم في هذا الموضوع، فجاء أُسید بن حضير وسأله عن سبب الإِرتحال في هذا الوقت؟ فقال: أو ما بلغك ما قال صاحبكم؟ زعم أنه إن رجع إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، قال: أنت والله يا رسول الله: تخرجه إن شئت، هو والله الذليل وأنت العزيز. ثم سار عليه الصلاة والسلام بالناس حثيثاً حتى آذتهم الشمس، فنزل بالناس فلم يلبثوا أن وجدوا مسَّ (١) المنافقون ٨. ١٤٥ والنكسة الأرض حتى وقعوا نياماً. وكلم رجال من الأنصار عبد الله بن أبيّ في أن يطلب من الرسول الاستغفار فلوى رأسه واستكبر. وهنا نزل على الرسول سورة المنافقين التي فضحت عبد الله بن أبيّ وإخوانه وصدّقت زيد بن أرقم. ولما بلغ ذلك عبد الله بن عبد الله بن أبيّ استأذن رسول الله في قتل أبيه حذراً من أن يكلف بذلك غيره، فيكون عنده من ذلك أضعاف وأحقاد، فأمره عليه الصلاة والسلام بالإِحسان إلى أبيه . حديث الإِفك (النادرة الثانية) وهي أفظع من الأولى وأجلب منها للمصائب، وهي رمي عائشة الصديقة زوج رسول الله بالإِفك، فاتهموها بصفوان بن المعطّل السُلمي. وذلك أنهم لما دنوا من المدينة أذن عليه الصلاة والسلام ليلة بالرحيل، وكانت السيدة قد مضت لقضاء حاجتها حتى جاوزت الجيش. فلما قضت شأنها أقبلت إلى رحلها فلمست صدرها فإذا عقد لها من جَزْع ظِفار قد انقطع، فرجعت تلتمس عقدها فحبسها ابتغاؤه، فأقبل الرهط الذين يرحلونها فاحتملوا هودجها ظانّين أنها فيه، لأن النساء كن إذ ذاك خفافاً لم يغشهن اللحم، فلم يستنكر القوم خفة الهودج، وكانت عائشة جارية حديثة السن، فجاءت منزل الجيش بعد أن وجدت عقدها وليس بالمنزل داع، ولا مجيب، فغلبتها عيناها فنامت، وكان الذي يسير وراء الجيش يفتقد ضائعه صفوان بن "المعطّل، فأصبح عند منزلها فعرفها، لأنه كان رآها قبل الحجاب، فاسترجع فاستيقظت باسترجاعه وسترت وجهها بجلبابها، فأناخ راحلته وأركبها من غير أن يتكلما بكلمة. ثم إنطلق يقود بها الراحلة حتى وصل الجيش وهو نازل للراحة، فقامت قيامة أهل الإِفك، وقالوا ما قالوا في عائشة وصفوان، والذي تولّى كبر الإِفك عبد الله بن أبي(١). ولما قدموا المدينة مرضت عائشة شهراً، (١) كان عبد الله بن ابي أول من أثار هذه الفتنة وتقول عليهما الأقاويل. ١٤٦ والناس يفيضون في قول أهل الإفك، وهي لا تشعر بشيء، وكانت تعرف في رسول الله رقة إذا مرضت فلم يعطها نصيباً منها في هذا المرض، بل كان يمر على باب الحجرة لا يزيد على قوله: كيف حالكم؟ مما جعلها في ريب عظيم. فلما نقهت، خرجت هي وأم مِسْطَح بن أثاثة أحد أهل الإِفك للتبرز خارج البيوت، فعثرت أم مِسْطح في مرضها فقالت: تَعِس مِسْطَح !! فقالت عائشة: بئس ما قلت أتسبين رجلاً شهد بدراً؟ فقالت يا هَنْتاه أولم تسمعي ما قالوا؟ فسألتها عائشة عن ذلك فأخبرتها الخبر، فازدادت مرضاً على مرضها. ولما جاءها عليه الصلاة والسلام كعادته، استأذنته أن تمرّض في بيت أبيها، فأذن لها، فسألت أمها عما يقول الناس فقالت: يا بنية هوّني عليك فوالله لقلّما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها لها ضرائر إلا أكثرن عليها، فقالت عائشة: سبحان الله !! أوقد تحدّث الناس بهذا؟ وبكت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لها دمع ولا تكتحل بنوم. وفي خلال ذلك كان عليه الصلاة والسلام يستشير كبار أهل بيته فيما يفعل، فقال له أسامة بن زيد لما يعلمه من براءة عائشة: أهلك أهلك، ولا نعلم عليهم إلا خيراً، وقال علي بن أبي طالب: لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك. فدعا عليه الصلاة والسلام بريرة جارية عائشة وقال لها: هل رأيت من شيء يريبك؟ فقالت: والذي بعثك بالحق ما رأيت عليها أمراً قط أغمصه، غير أنها جارية حديثة السن تنام عن عجينها فتأتي الداجن فتأكله. فقال عليه الصلاة والسلام من يومه وصعد المنبر والمسلمون مجتمعون وقال: من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي والله ما علمت على أهلي إلا خيراً، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً وما يدخل على أهلي إلا معي. فقال سعد بن معاذ أنا يا رسول الله أعذرك منه، فإن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج امرتنا ففعلنا أمرك، فقام سعد بن عبادة الخزرجي وقال كذبت لَعَمْر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله، ولو كان من رهطك ما أحببت أنه يقتل، فقام أُسيد بن حضير وقال لسعد بن عبادة: كذبت لعَمْرُ الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين. وكادت تكون فتنة بين الأوس والخزرج، لولا أن ١٤٧ رسول الله نزل من فوق المنبر وخفضهم حتى سكتوا. وأما عائشة فبقيت ليلتين لا يرقأ لها دمع ولا تكتحل بنوم. وبينما هي مع أبويها إذ دخل النبي عليه الصلاة والسلام فسلم ثم جلس فقال: أما بعد يا عائشة إنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف وتاب تاب الله عليه. فتقلص دمع عائشة وقالت لأبويها: أجيبا رسول الله، فقالا: والله ما ندري ما نقول، فقالت: إني والله لقد علمت أنكم سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به، فلئن قلت لكم إني بريئة لا تصدقوني، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني منه بريئة لتصدّقني فوالله لا أجد لي ولكم مثلاً إلا أبا يوسف حيث قال: ﴿فَصَبْرٌّ ◌َجِيِلُ وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ﴾(١). ثم تحولت واضطجعت على فراشها ولم يزاول رسول الله وسير مجلسه حتى نزلت عليه الآيات ببراءة السيدة المطهرة عائشة الصديقة: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُ و بِآلْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُرْ لَا تَحْسَبُوهُ نَّالَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِ آَمْرٍِ مِنْهُمُ مَّا أَكْتَسَبَ مِنَ آلْإِلَمِ وَالَّذِى تَوَلَّى كِبْرَهُم ◌ِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ لَوْلَآ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ فَلَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَدْتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًاً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ ﴿٨ ◌َّوْلَا جَاءُ و عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَإِذْلَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَ آء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللّهِ هُمُ الْكَذِبُونَ ﴾ وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُ وَرَحْتُهُ، فِ الدُّنْيَا وَْآَخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِى مََّ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمُ ﴾ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْنِكُرْ وَتَقُولُونَ بِأَقْوَاِكُ مَّالَيْسَ لَكُم بِهِ، عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِنًا وَهُوَعِندَ اللَّهِ عَظِيمُ (٤٠) وَلَوْلَآ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنّآ أَن تَتَكَّمَ بِذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَئِنُّ عَظِيمٌ (٨٦) بِغُكُرُ اللهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِمِ أَبَدّاً إِن كُنتُ مُؤْمِنِينَ ﴿ وَيُبَيِنْ الَّهُ لَكُ الْآيَاتِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِعَ الْفُحِشَةُ فِى الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَهُمْ عَذَابُ أَلِيُمْ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤﴾ وَلَوْلَا فَضْلُ الّهِ عَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ، وَأَنَّ أَنَّهَ رَءُوفٌ (١) سورة يوسف آية ١٨. ١٤٨ ....--- ٠.٠٠٠-٠ .. رَّحِيمٌ ( * بَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَنَِّعُواْ خُوَتِ الشَّيْطَنِّ وَمَن يَّنَّبِعْ خُطُوَتِ الشَّيْطَانِ فَإنّهُو يَأْمُ بِالْفَحْشَآءِ وَالْمُنْكِّ وَلَوْلَا فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَازَّكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّه ◌ُزَكِى مَن يَشَآءُ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١)، فسُرِّي عن رسول الله وهو يضحك، وبشر عائشة بالبراءة، فقالت لها أمها: قومي واشكري رسول الله، فقالت: لا والله، لا أشكر إلا الذي برأني وبعد ذلك أمر عليه الصلاة والسلام بأن يجلد من صرح بالإِفك ثمانين جلدة وهي حد القاذف، وكانوا ثلاثة: حَمْنَة بنت جحش ، ومِسْطَح بن أثاثة، وحسان بن ثابت. وكان أبو بكر ينفق على مِسْطَح بن أثاثة لقرابته منه، فلما تكلم بالإِفك قطع عنه النفقة فأنزل الله ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أَوْلُواْ الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَلَّعَةٍ أَن يُؤْتُواْ أُوْلِ الْقُرْبَ وَالْمَسَلِكِينَ وَالْمُهَِجِرِينَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُواْ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَكُمْ وَلَهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾(٢) . فقال أبو بكر: بل نحب ذلك يا رسول الله، وأعاد النفقة على مِسْطح. فهذه مضار المنافقين الذين يدخلون بين الأمم مظهرين لهم المحبة وقلوبهم مملوءة حقداً يتربصون الفتن، فمتى رأوا باباً لها ولجوه فنعوذ بالله منهم . غزوة الخندق(٣) لم يقر لعظماء بني النضير قرار بعد جلائهم عن ديارهم وإرث المسلمين لها، بل كان في نفوسهم دائماً أن يأخذوا ثارهم ويستردوا بلادهم، فذهب جمع منهم إلى مكة وقابلوا رؤساء قريش وحرضوهم على حرب رسول الله، ومنّوهم المساعدة فوجدوا منهم قبولاً لما طلبوه، ثم جاؤوا إِلى قبيلة غَطّفان وحرضوا رجالها كذلك، وأخبروهم بمبايعة قريش لهم على الحرب فوجدوا منهم ارتياحاً. فتجهزت قريش وأتباعها يرأسهم أبو سفيان، (١) سورة النور اية ١١ - ١٩ . (٢) سورة النور آية ٢٢. (٣) أول من أشار على النبي # فكرة الخندق هو سلمان الفارسي وتقبل النبي 988 والمسلمون لهذه الفكرة وحفروا الخندق. وكانت غزوة الخندق في شوال السنة الخامسة للهجرة . ١٤٩ . ...... ويحمل لواءهم عثمان بن طلحة بن أبي طلحة العبدري، وعددهم أربعة آلاف معهم ثلثمائة فارس وألف بعير. وتجهزت غطفان يرأسهم عُيَيْنة بن حصن الذي جازى إحسان رسول الله كفراً فإنه، كما قدمنا، أقطعه أرضاً يرعى فيها سوائمه، حتى إذا سمن خفّه وحافره قام يقود الجيوش لحرب من أنعم علیه، وكان معه ألف فارس، وتجهزت بنو مرّة يرأسهم الحارث بن عوف المري وهم أربعمائة، وتجهزت بنو أشجع يرأسهم أبو مسعود(١) بن رُخَيلة، وتجهزت بنو سليم يرأسهم سفيان بن عبد شمس، وهم سبعمائة، وتجهزت بنو أسد يرأسهم طليحة بن خويلد الأسدي، وعدَّة الجميع عشرة آلاف محارب قائدهم العام أبو سفيان . ولما بلغه عليه الصلاة والسلام أخبار هذه التجهيزات استشار أصحابه فيما يصنع: أيمكث بالمدينة أم يخرج للقاء هذا الجيش الجرار؟ فأشار عليه سلمان الفارسي بعمل الخندق، وهو عمل لم تكن العرب تعرفه، فأمر عليه الصلاة والسلام المسلمين بعمله وشرعوا في حفره شمالي المدينة من الحرة الشرقية إلى الحرة الغربية، وهذه هي الجهة التي كانت عورة تؤتى المدينة من قبلها. أما بقية حدودها فمشتبكة بالبيوت والنخيل، لا يتمكن العدو من الحرب جهتها. وقد قاسى المسلمون صعوبات جسيمة في حفر الخندق، لأنهم لم يكونوا في سعة من العيش حتى يتيسر لهم العمل. وعمل معهم عليه الصلاة والسلام، فكان ينقل التراب متمثلاً بشعر بن رواحة: ولا تصدَّقنا ولا صلَّينا اللهمَّ لولا أنت ما اهتدينا وثبِّت الأقدام إن لاقيْنا فأنزلنْ سكينةٌ علینا وإن أرادوا فتنة أَبيْنا والمشركون قد بغّوا علينا وأقام الجيش في الجهة الشرقية مسنداً ظهره إلى سلع، وهو جبل مطل على المدينة، وعدتهم ثلاثة آلاف. وكان لواء المهاجرين مع زيد بن حارثة، (١) الصواب: مِشْعَر بن رخيلة. ١٥٠ ولواء الأنصار مع سعد بن عبادة. أما قريش فنزلت بمجمع الأسيال، وأما غطفان فنزلت جهة أحد. ٫٠٠٠ ٠ ٠٠٠ وكان المشركون معجبين بمكيدة الخندق التي لم تكن العرب تعرفها، فصاروا يترامون مع المسلمين بالنبل. ولما طال المطال عليهم أكره جماعة منهم أفراسهم على اقتحام الخندق، منهم عكرمة بن أبي جهل وعمروبن ودّ وآخرون، وقد برز علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه لعمروبن ودّ فقتله وهرب إخوانه، وهوى في الخندق نوفل بن عبد الله فاندقت عنقه، ورُمي سعد بن معاذ رضي الله عنه بسهم قطع أكحله، وهو شريان الذراع واستمرت المناوشة والمراماة بالنبل يوماً كاملاً، حتى فاتت المسلمين صلاة ذاك اليوم وقضوها بعد، وجعل عليه الصلاة والسلام على الخندق حراساً حتى لا يقتحمه المشركون بالليل، وكان يحرس بنفسه ثلمة فيه مع شدّة البرد، وكان عليه الصلاة والسلام يبشر أصحابه بالنصر والظفر ويعدهم الخير. أما المنافقون فقد أظهروا في هذه الشدة ما تكنُّه ضمائرهم حتى قالوا: ﴿ مَّ وَعَدَنَا اللّهُ وَرَسُولُهُ: إِلَّا غُرُورًا﴾(١) وانسحبوا قائلين: إن بيوتنا عورة نخاف أن يغير عليها العدوّ ﴿ وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾(٢) واشتدت الحال بالمسلمين، فإن هذا الحصار صاحبه ضيق على فقراء المدينة، والذي زاد الشدة عليهم ما بلغهم من أن يهود بني قريظة الذين يساكتونهم في المدينة، قد انتهزوا هذه الفرصة لنقض العهود، وسبب ذلك أن حُبيٍّ بن أخطب سيد بني النضير المجْلِين توجه إلى كعب بن أسعد القرظي سيد بني قريظة، وكان له كالشيطان إذ قال للإنسان اكفر، فحسِّن له نقض العهد، ولم یزل به حتى أجابه لقتال المسلمين. ولما بلغت هذه الأخبار رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، أرسل مسلمة بن أسلم في مائتين، وزيد بن حارثة في ثلاثمائة، لحراسة المدينة خوفاً على النساء والذراري، وأرسل الزبير بن العوام ٠٠٠ (١) سورة الأحزاب آية ١٢ . (٢) سورة الأحزاب آية ١٣ . ١٥١ يستجلي له الخبر. فلما وصلهم وجدهم حانقين يظهر على وجوههم الشر، ونالوا من رسول الله وّل﴿ والمسلمين أمامه. فرجع وأخبر الرسول بذلك، وهنالك اشتد وجل المسلمين وزلزلوا زلزالاً شديداً، لأن العدو جاءهم من فوقهم ومن أسفل منهم، وزاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر، وظنوا بالله الظنون، وتكلم المنافقون بما بدا لهم، فأراد عليه الصلاة والسلام أن يرسل لعُيَيْنَةَ بن حصن ويصالحه على ثلث ثمار المدينة لينسحب بغطفان، فأبى الأنصار ذلك قائلين: إنهم لم يكونوا ينالون منا قليلاً من ثمارنا ونحن كفار، أفبعد الإِسلام يشاركوننا فيها؟ وإذا أراد الله العناية بقوم هيّأ لهم أسباب الظفر من حيث لا يعلمون. فانظر إلى هذه العناية من المتمسكين بدينه القويم: جاء نُعيم بن مسعود الأشجعي، وهو صديق قريش واليهود من غطفان. فقال: يا رسول الله إني قد أسلمت وقومي لا يعلمون بإسلامي، فُمُرني بأمرك حتى أساعدك. فقال: أنت رجل واحد وماذا عسى أن تفعل؟ ولكن خذّل عنا ما استطعت فإن الحرب خدعة. الخدعة في الحرب فخرج من عنده وتوجه إلى بني قريظة الذين نقضوا عهود المسلمين، فلما رأوه أكرموه لصداقته معهم، فقال: يا بني قريظة تعرفون ودّي لكم وخوفي عليكم، وإني محدثكم حديثاً فاكتموه عني، قالوا: نعم، فقال: لقد رأيتم ما وقع ببني قَيْنُقاع والنضير من إجلائهم وأخذ أموالهم وديارهم، وإن قريشاً وغطفان ليسوا مثلكم، فهم إذا رأوا فرصة انتهزوها وإلا انصرفوا لبلادهم. وأما أنتم فتساكنون الرجل - يريد الرسول - ولا طاقة لكم بحربه وحدكم، فأرى ألا تدخلوا في هذه الحرب حتى تستيقنوا من قريش وغطفان أنهم لن يتركوكم ويذهبوا إلى بلادهم، بأن تأخذوا منهم رهائن سبعين شريفاً، فاستحسنوا رأيه وأجابوه إلى ذلك. ثم قام من عندهم وتوجه إلى قريش، فاجتمع برؤسائهم وقال أنتم ١٥٢ تعرفون ودي لكم ومحبتي إياكم وإني محدثكم حديثاً فاكتموه عني قالوا: نفعل، فقال لهم: إن بني قريظة قد ندموا على ما فعلوه مع محمد، وخافوا منكم أن ترجعوا وتتركوهم معه، فقالوا له: أيرضيك أن نأخذ جمعاً من أشرافهم ونعطيهم لك وترد جناحنا الذي كسرت (يريد بني النضير)؟ فرضي بذلك منهم، وها هم مرسلون إليكم فاحذروهم ولا تذكروا مما قلت لكم حرفاً، ثم أتى غطفان فأخبرهم بمثل ما أخبر به قريشاً، فأرسل أبو سفيان وفداً لقريظة يدعوهم للقتال غداً، فأجابوا: إنا لا يمكننا أن نقاتل في السبت (وكان . إرساله ليلة سبت) ولم يصبنا ما أصابنا إلا من التعدي فيه. ومع ذلك فلا نقاتل حتى تعطونا رهائن منكم حتى لا تتركونا وتذهبوا إلى بلادكم، فتحققت قريش وغطفان كلام نُعيم بن مسعود، وتفرقت القلوب فخاف بعضهم بعضاً. وكان عليه الصلاة والسلام قد ابتهل إلى الله الذي لا ملجأ إلا إليه، ودعاه بقوله: ((اللهم منزل الكتاب سريع الحساب اهزم الأحزاب اللهم اهزمهم وانصرنا عليهم)) وقد أجاب الله دعاءه عليه الصلاة والسلام، فأرسل إلى الأعداء ريحاً باردة في ليلة مظلمة، فخاف العرب أن تتفق اليهود مع المسلمين ويهجموا عليهم في الليل المدلهمة، فأجمعوا أمرهم على الرحيل قبل أن يصبح الصباح. ولما سمع عليه الصلاة والسلام الضوضاء في جيش العدو، قال لأصحابه: لا بدّ من حادث فمن منكم ينظر لنا خبر القوم؟ فسكتوا حتى كرر ذلك ثلاثاً، وكان فيهم حذيفة بن اليمان، فقال عليه الصلاة والسلام: تسمع صوتي منذ الليلة ولا تجيب! فقال: يا رسول الله البرد شديد، فقال: اذهب في حاجة رسول الله واكتشف لنا خبر القوم، فخاطر رضي الله عنه بنفسه في خدمة نبيه حتى اطلع على جلية الخبر، وأنّ الأعداء عازمون على الرحلة. هزيمة الأحزاب . وقد بلغ من خوفهم أن كان رئيسهم أبو سفيان يقول لهم: ليتعرف كل منكم أخاه وليمسك بيده حذراً من أن يدخل بينكم عدو، وقد حلّ عقال بعيره ١٥٣ ----- ٠٫٠٠ ... ..... يريد أن يبدأ بالرحيل. وقال له صفوان بن أمية: إنك رئيس القوم فلا تتركهم وتمضي، فنزل أبو سفيان وأذن بالرحيل، وترك خالد بن الوليد في جماعة ليحموا ظهور المرتحلين حتى لا يدهموا من ورائهم، وأزاح الله عن المسلمين هذه الغمة التي تحزَّب فيها الأحزاب من عرب ويهود على المسلمين. ولولا لطف الله وعنايته بهذا الدين منةً منه وفضلًا لساءت الحال. وكان جلاء الأحزاب في ذي القعدة، وكان حقاً على الله أن يسميه نعمة بقوله تعالى: ﴿ يَأْبِهٍَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُوْ نِعْمَةَ آلِهِ عَيْكُمْ إِذْ جَ تْكُرْ جُوٌ فَأَرْسَلْنَا عَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا ◌َّْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٢﴾ إِذْ جَاءُ وكُمْ مِن فَوْفِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَرُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الَْنَاجَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الُْنُونَاء ◌َ هُنَالِكَ أَبْتُلِىَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْلُوْ زِزَالًا شَدِيدًا ﴾ وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم نَرَضُ مَّا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَ إِلَّا غُرُورًا (٨) وَ إِذْ قَت ◌ََّّآَبِفَةٌ مِنْهُمْ يَأَهْلَ يَغْرِبَ لَ مُقَامَ لَكُمْ فَأَرِْعُواْ وَيَسْتَعْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَِّّ يَقُولُونَ إِنَّ بُوَّنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا ﴾(١). غزوة بني قريظة ولما رجع عليه الصلاة والسلام بأصحابه وأراد أن يخلع لباس الحرب، أمره الله باللحوق ببني قريظة، حتى يطهر أرضه من قوم لم تعد تنفع معهم العهود، ولا تربطهم المواثيق ولا يأمن المسلمون جانبهم في شدة، فقال لأصحابه؛ لا يصلينَّ أحد منكم العصر إلا في بني قريظة، فساروا مسرعين وتبعهم عليه الصلاة والسلام راكباً على حماره، ولواؤه بيد علي بن أبي طالب، وخليفته على المدينة عبد الله بن أم مكتوم، وكان عدد المسلمين ثلاثة آلاف. وقد أدرك جماعة من الأصحاب صلاة العصر في الطريق فصلاها ٠٠٠ (١) سورة الأحزاب اية ٩ - ١٣. ١٥٤ بعضهم، حاملين أمر الرسول بعدم صلاتهم على قصد السرعة، ولم يصلُّها الآخرون إلا في بني قريظة بعد مضي وقتها، حاملين الأمر على حقيقته، فلم يعنف فريقاً منهم . ولما رأى بنو قريظة جيش المسلمين ألقى الله الرعب في قلوبهم، وأرادوا التنصل من فعلتهم القبيحة، وهي الغدر بمن عاهدهم وقت الشغل بعدو آخر، ولكن أنى لهم ذلك وقد ثبت للمسلمين غدرهم، فلما رأوا ذلك تحصنوا بحصونهم، وحاصرهم المسلمون خمساً وعشرين ليلة، فلما رأوا أن لا مناص من الحرب، وأنهم إن استمروا على ذلك ما توا جوعاً طلبوا من المسلمين أن ينزلوا على ما نزل عليه بنو النضير من الجلاء بالأموال وترك السلاح، فلم يقبل الرسول ويّار، فطلبوا أن يجلوا بأنفسهم من غير سلاح فلم يرض أيضاً، بل قال: لا بد من النزول والرضا بما يحكم عليهم خيراً كان أو شراً، فقالوا له: أرسل لنا أبا لُبابة نستشيره، وكان أوسيّاً من حلفاء قريظة له بينهم أولاد وأموال. فلما توجه إليهم استشاروه في النزول على حكم الرسول. فقال لهم: انزلوا وأومأ بيده إلى حلقه يريد أن الحكم الذبح، ويقول أبو لبابة : لم أبارح موقفي حتى علمت أني خنت اللّه ورسوله، فنزل من عندهم قاصداً المدينة خجلاً من مقابلة رسول الله، وربط نفسه في سارية من سواري المسجد حتى يقضي الله فيه أمره. ولما سأل عنه عليه السلام أخبر بما فعل، فقال: أما لو جاءني لاستغفرت له، أما وقد فعل ما فعل فنتركه حتى يقضي الله فيه . ثم إن بني قريظة لما لم يروا بدّاً من النزول على حكم رسول الله فعلوا، فأمر برجالهم فكتَّفوا، فجاءه رجال من الأوس وسألوه أن يعاملهم كما عامل بني قَيْنُقاع حلفاء إخوانهم الخزرج، فقال لهم: ألا يرضيكم أن يحكم فيهم رجل منكم؟ فقالوا: نعم. واختار سيدهم سعد بن معاذ الذي كان جريحاً من السهم الذي أصيب به في الخندق، وكان مقيماً بخيمة في المسجد معدة لمعالجة الجرحى، فأرسل عليه السلام من يأتي به، فحملوه على حماره ١٥٥ عبد٣ والتف عليه جماعة من الأوس يقولون له: أحسن في مواليك؟ فقال رضي الله عنه: لقد آن لسعد ألّ تأخذه في الله لومة لائم. ولما أقبل على الرسول وأصحابه وهم جلوس، قال عليه الصلاة والسلام: قوموا إلى سيدكم فأنزلوه، ففعلوا وقالوا له: إن رسول الله قد ولاك أمر مواليك لتحكم فيهم. وقال له الرسول: أحكم فيهم يا سعد! فالتفت سعد للناحية التي ليس فيها رسول الله وقال عليكم عهد الله وميثاقه أن الحكم كما حكمت، فقالوا: نعم، فالتفت إلى الجهة التي فيها الرسول وقال: وعلى من هنا كذلك؟ وهو غاضِّ طرفه إجلالاً، فقالوا: نعم قال: فإني أحكم أن تقتلوا الرجال وتسبُوا النساء والذرية، وتغنموا الأموال فقال عليه الصلاة والسلام: ((لقد حكمت فيهم بحكم الله يا سعد)) لأن هذا جزاء الخائن الغادر. ثم أمر بتنفيذ الحكم فنفذ عليهم، وجمعت غنائمهم، فكان ألفاً وخمسمائة سيف وثلثمائة درع وألفي رمح وخمسمائة ترس وحِجَفَة، ووجد أثاثاً كثيراً وآنية وأجمالاً نواضح وشياهاً، فخمَّس ذلك كله مع النخل والسبي الراجل ثلث الفارس، وأعطى النساء اللاتي يمرضن الجرحى، ووجد في الغنيمة جرار خمر فأريقت. وبعد تمام هذا الأمر انفجر جرح سعد بن معاذ فمات رضي الله عنه وأرضاه. كان في الأنصار كأبي بكر في المهاجرين، وقد كان له العزم الثابت في جميع المشاهد التي تقدمت الخندق، وكان عليه الصلاة والسلام يحبه كثيراً وبشره بالجنة على عظيم أعماله. وعقب رجوع المسلمين إلى المدينة تاب الله على أبي لُبابة بقوله: ﴿وَءَانَرُونَ أَعْتَرَفُواْ ◌ُنُوبِهِمْ خَطُوْ عَمَلًا صَدْلِحًا وَءَانَعَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورُ رَّحِيمٌ﴾(١). وقد عاهد الله أن يهجر ديار قريظة التي حصلت فيها هذه الزلة، وبتمام هذه الغزوة أراح الله المسلمين من شر مجاورة اليهود الذين تعودوا الغدر والخيانة، ولم تبق إلا بقية من كبارهم بخيبر مع أهلها، وهم كانوا (١) سورة التوبة آية ١٠٢. ١٥٦