النص المفهرس
صفحات 121-140
اطلَّع على ذلك أحد. وهذا العمل غاية ما يفعل من العدل والمساواة، فإنه عليه الصلاة والسلام لم يُعْفِ عمه مع علمه بأنه إنما خرج مكرهاً، وقد أعفى غيره جماعة تحقق له فقرهم فهكذا العدل. ولا غرابة فذلك أدب قوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَ امَنُوْ كُونُوا قَّمِنَ لِلَّهِثُهَآءَ بِالْقِسْطِ وَلَ يَخْرِمَتَكُمْ شَكَانُ قَوْعِ عَلَ أَلَّ تَعْدِلُواْ أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلنَّقْوَىْ وَأَتَّقُواْلَهَ إِنَّاللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾(١). (ومن) الأسرى أبو عَزَّة الجُمحي الشاعر، كان شديد الإِيذاء لرسول الله بمكة، فلما أسر قال: يا محمد إني فقير وذو عيال وذو حاجة قد عرفتها فامنن، فمنَّ علیه فضلاً منه. العتاب من الفداء ولما تم الفداء أنزل الله في شأنه: ﴿مَا كَانَ لِنَبٍِ أَن يَكُونَ لَهُرْ أَسْرَى ح ◌َّى يُِْنَ فِىِ الْأَرْضِ ثُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمُ ﴾ نَّوْلًا كِتَّبُ مِنَ اللهِ سَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾(٢). نهى سبحانه عن اتخاذ الأسرى قبل الإِثخان في قتل الذين يصدون عن سبيل الله ويمنعون دين الله من الانتشار، وعاب بعض المسلمين على إرادة عرض الدنيا وهو الفدية، ولولا حكم سابق من الله ألا يعاقب مجتهداً على اجتهاده ما دام المقصد خيراً لكان العذاب، ثم أباح لهم الأكل من تلك الفدية المبني أخذها على النظر الصحيح. وهذا من أقوى الأدلة على صدق نبينا عليه الصلاة والسلام فيما جاء به، لأنه لو كان من عنده ما كان يعاتب نفسه على عمل عمله بناءً على رأي كثير من الصحابة. وقد وعد الله الأسرى الذين يعلم في قلوبهم خيراً بأن يؤتيهم خيراً مما أُخذ منهم ويغفر لهم فقال: ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ قُل لِمَنْ فِيَ أَيْدِيكُم مِّنَ اُلْأُسْرَّ إِذْ يَعْلَمِ اللهُ فِى قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا ◌ِمَّ أَخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ (١) سورة المائدة آية ٨. (٢) سورة الأنفال آية ٦٧، ٦٨. ١١٧ ◌َكُّ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾(١) وهذه الغزوة هي التي أعز الله بها الإِسلام وقوَّى أهله، ودمغ فيه الشرك وخرب محله، مع قلة المسلمين وكثرة عدوهم، فهي آية ظاهرة على عناية الله تعالى بالإِسلام وأهله، ما كان عليه العدو من القوة بسوابغ الحديد والعدة الكاملة والخيل المسوَّمة والخيلاء الزائدة، ولذلك قال الله ممتناً على عباده بهذا النصر: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَّكُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّهْ﴾ (٢) أي قليل عددكم لتعلموا أن النصر إنما هو من عند الله فهي أعظم غزوات الإِسلام إذ بها كان ظهوره، وبعد وقوعها أشرق على الآفاق نوره، فقد قتل فيها من صناديد قريش من كانوا الأعداء الألداء للإِسلام، ودخل الرعب في قلوب العرب الآخرين، فكانت للمسلمين هيبة بها يكسرون الجيوش ويهزمون الرجال، فلا جرم أن شكرنا العلي الأعلى على هذه العناية، واتخذنا يوم النصر في بدر، وهو السابع عشر من رمضان، عيداً نتذكر فيه نعمة الله على رسوله وعلى المسلمين . غزوة بني قَيْنَقاع هذا، وإذا كان للشخص عدوّان فانتصر على أحدهما حرك ذلك شجو الآخر وهاج فؤاده، فتبدو بغضاؤه غير مكترث بعاقبة عدائه، وهذا ما حصل من يهود بني قينقاع عند تمام الظفر في بدر، فإنهم نبذوا ما عاهدوا المسلمين عليه وأظهروا مكنون ضمائرهم، فبدت البغضاء من أفواههم وانتهكوا حرمة سيدة من نساء الأنصار، وهذا مما يدعو المسلمين للتحرز منهم وعدم ائتمانهم في المستقبل إذا شبت الحرب في المدينة بين المسلمين وغيرهم، فأنزل الله تعالى: ﴿ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمِ ◌ِيَنَةٌ فَأَنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاْءٍ إِنَّ الَّهَ لَا يُحِبُّ ٠٦٣ (١) سورة الأنفال آية ٧٠. (٢) سورة ال عمران آية ١٢٣. * فانبذ أي فاطرح لهم العهد على طريق مستو، قصداً بأن تظهر لهم نبذ العهود ولا تناجزهم الحرب وهم على توهم بقاء العهد لأن ذلك خيانة ولذا قال: ﴿إِنَّ الله لا يُحِبُّ الْخَائِينَ﴾. ١١٨ ٠ ٠ ....... .-...... . .... .... . آلْحَابِنِينَ﴾(١) فدعا عليه الصلاة والسلام رؤساءهم وحذرهم عاقبة البغي ونكث العهد فقالوا: يا محمد لا يغرنك ما لقيت من قومك فإنهم لا علم لهم بالحرب، ولو لقيتنا لتعلمنَّ أنا نحن الناس، وكانوا أشجع يهود، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلِ لِلْذِينَ كَفَرُواْ سَنُغْلَبُونَ وَتُحْثَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الِهَادُ ﴾ قَدْ كَانَ لَكُرْءَايَةٌ فِى فِشَتَبْنِ الْتَقْنَا فِئَةٌ تُقَدِلُ فِ سَبِيلِ الهِ وَأَنْحَى كَافِرَةٌ يَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأَىَ الْعَيْنِ وَاللّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَعِبْرَةُ لِأُوْلِ الْأَبْصَرِ﴾(٢) وعند ذلك تبرأ من حلفهم عبادة بن الصامت أحد رؤساء الخزرج وتشبّث بالحلف عبد الله بن أُبيّ وقال: إني رجل أخشى الدوائر، فأنزل الله تعليماً للمسلمين: ﴿ * يَأْيُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَظَّخِذُواْ الْيَهُدَ وَالنَّصَرَّ أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَهُرِهُمْ إِنَّ اللَّ لَ يَهْدِى الْقَوْمَ الَِّنَ ﴾ فَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم خَّرَضٌ يُسَرِعُونَ فِيِهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيِّنَا دَآَيْرَةَ فَعَسَى الهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمٍّْ مِنْ عِدِهِ، فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرّواْ فِىَ أَنْفُسِهِمْ نَشَدِمِينَ﴾(٣). وعندما تظاهر يهود قينقاع بالعداوة وتحصنوا بحصونهم سار إليهم عليه الصلاة والسلام في نصف شوال من هذه السنة، يحمل لواءه عمه حمزة، وخلف على المدينة أبا لُبابة الأنصاري فحاصرهم خمس عشرة ليلة. جلاء بني قَيْتُقاع ولما رأوا من أنفسهم العجز عن مقاومة المسلمين وأدركهم الرعب، سألوا رسول الله أن يخلى سبيلهم، فيخرجوا من المدينة ولهم النساء والذرية، وللمسلمين الأموال. فقبل ذلك عليه الصلاة والسلام ووكل بجلائهم عبادة بن الصامت وأمهلهم ثلاث ليالٍ فذهبوا إلى أُذْرِعات (٤) ولم يحل عليهم الحول (١) سورة الأنفال، آية ٥٨ . (٢) آل عمران آية ١٢ . (٣) سورة المائدة آية ٥١. (٤) بلدة بالشام، ولعلها تسمى اليوم درعا. ١١٩ حتى هلكوا وخمَّس (١) عليه الصلاة والسلام أموالهم وأعطى سهم ذوي القربى لبني هاشم ولبني المطلب، دون بني أخويهما عبد شمس ونوفل، ولما سئل عن ذلك قال: إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد في الجاهلية والإِسلام هكذا وشبك بين أصابعه . غزوة السَّوِيق(٢) كان أبو سفيان متهيجاً لأنه لم يشاهد بدر التي قتل فيها ابنه وذوو قرباه، فحلف ألا يمس رأسه الماء حتى يغزو محمداً، وليبرَّ بقسمه خرج بمائتين من أصحابه يريد المدينة، ولما قاربها أراد أن يقابل اليهود من بني النضير ليهيجهم ويستعين بهم على حرب المسلمين. فأتى سيدهم حُبَيَّ بن أخطب فلم یرض مقابلته، فأتى سلام بن مِشْكم فأذن له واجتمع به، ثم خرج من عنده وأرسل رجالاً من قريش إلى المدينة فحرَّقوا في بعض نخلها ووجدوا أنصارياً فقتلوه، ولما علم رسول الله * خرج في أثرهم في مائتين من أصحابه لخمس خلون من ذي الحجة، بعد أن ولى على المدينة بشير بن عبد المنذر، ولكن لم يلحقهم لأنهم هربوا، وجعلوا يخففون ما يحملونه ليكونوا أقدر على الإسراع، فألقوا ما معهم من جُرُب السَّويق فأخذه المسلمون، ولذلك سمّيت هذه الغزوة بغزوة السويق . صلاة العيد وفي هذا العام سنَّ الله للعالم الإسلامي سنة عظيمة، بها يتمكن أبناء البلد الواحد من المسلمين أن يجددوا عهود الإِخاء، ويقووا عروة الدين الوثقى، وهي الاجتماع في يومي عيد الفطر وعيد الأضحى وكان عليه الصلاة (١) قسمها خمسة أقسام. (٢) سميت بهذا الاسم لأن القوم طرحوا ما معهم من السويق. والسويق: مطحون الحنطة أو الشعير وكانت العرب تأكله ممزوجاً باللبن والعسل. ١٢٠ ------------------ F wher mimim والسلام، يجمع المسلمين في صعيد واحد ويصلي بهم ركعتين، تضرعاً إلى الله ألا يفصم عروتهم وأن ينصرهم على عدوهم، ثم يخطبهم حاضاً على الإِئتلاف، ومذكراً لهم ما يجب عليهم لأنفهسم، ثم يصافح المسلمون بعضهم بعضاً، وبعد ذلك يخرجون لأداء الصدقات للفقراء والمساكين، حتى يكون السرور عاماً لجميع المسلمين، فبعد الفطر زكاته، وبعد الأضحى تضحيته. نسأله تعالى أن يؤلف بين قلوبنا ويوفقنا لأعمال سلفنا. زواج علي بفاطمة عليهما السلام وفي هذه السنة تزوّج علي بن أبي طالب وعمره إحدى وعشرون سنة بفاطمة بنت رسول الله، وسنها خمس عشرة سنة، وكان منها عقب رسول الله وَ* بنوه: الحسن والحسين وزينب، وفيها دخل عليه الصلاة والسلام بعائشة بنت أبي بكر وسنّها إذاك تسع سنوات. ١٢١ SPTESTSY السنة الثالثة يا لله! يُقضى على الشقي بالشقاوة حتى لا يسمع ولا يبصر، فيتخذ الغدر رداءً والخيانة شعاراً، فلا ينجح معه إلا إراحة العالم من شرّه، هذا كعب بن الأشرف اليهودي عظيم بني النضير، أعمته عداوة المسلمين حتى خلع بُرقع الحياء وسار يحرّض قريشاً على حرب رسول الله وَّر ويهجوه بالشعر، ويجتهد في إثارة الشحناء بين المسلمين، فكلما جبر عليه السلام كسراً هاضه هذا الشقي بما ينفثه من سموم لسانه . قتل كعب بن الأشرف ولما انتصر المسلمون ببدر ورأى الأسرى مقرَّنين في الحبال، خرج إلى قريش يبكي قتلاهم ويحرضهم على حرب المسلمين، فقال عليه الصلاة والسلام: من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله؟ فقال محمد بن مسلمة الأنصاري الأوسي: أتحب أن أقتله؟ قال: نعم، قال أنا لك به وائذن لي أن أقول شيئاً أتمكن به، فأذن له. ثم خرج ومعه أربعة من قومه حتى أتى كعباً فقال له: إن هذا الرجل (يريد رسول الله) قد سألنا صدقة، وإنه قد عنَّانا وإني قد أتيتك أستسلفك، قال: وأيضاً واللّه لتَمَلُّه، قال: إنا قد اتّبعناه فلا نحب أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه، وقد أردنا أن تسلفنا وسقاً أو وسقين. قال: نعم ولكن ارْهَنُوني. قالوا: أي شيء تريد؟ قال: ارْهُنُونِي نساءكم. قالوا: كيف نرهُنك نساءنا وأنت أجمل العرب؟ قال: ارهُنُوني أبناءكم. قالوا: كيف نرهنك أبناءنا فيسبّ أحدهم، فيقال رهن بوسق أو ١٢٣ ٠ ٠٫٠٠ . ...... " وسقين، هذا عار علينا، ولكن نرهنك اللأمّة (يعني السلاح) فرضي فواعده ليلاً أن يأتيه، فجاءه ليلاً ومعه أبو نائلة أخو كعب من الرضاع وعباد بن بشر والحارث ابن أُويس وأبو عبس بن جبر (كلهم أوسيون) فناده محمد بن مسلمة فأراد أن ينزل فقالت له امرأته: أين تخرج الساعة وإنك امرؤ محارب؟ فقال: إنما هو ابن أخي محمد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة. إن الكريم لو دعي إلى طعنة بليل لأجاب. ثم قال محمد لمن معه إذا جاءني فإني آخذ بشعره فأشمّه، فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه فاضربوه، فنزل إليهم متوشحاً سيفه وهو ينفح منه ريح المسك، فقال محمد: ما رأيت كاليوم ريحاً أطيب أتأذن لي أن أشم رأسك؟ قال: نعم فشمّه، فلما استمكن منه قال: دونكم فاقتلوه ففعلوا وأراح الله المسلمين من شر أعماله التي كان يقصدها بهم. ثم أتوا النبي فأخبروه. وكان قتل هذا الشقي في ربيع الأول من هذا العام وكان عليه الصلاة والسلام إذا رأى من رئيس غدراً ومقاصد سوء ومحبة الإثارة الحرب، أرسل له من يريحه من شره. وقد فعل كذلك مع أبي عَفَك اليهودي وكان مثل كعب في الشر. غزوة غَطَفَان بلغ رسول الله أن بني ثعلبة ومحارب من غَطَفَان تجمعوا برياسة رئيس منهم اسمه دُعْثُور يريدون الغارة على المدينة، فأراد عليه الصلاة والسلام أن يغل أيديهم كيلا يتمكنوا من هذا الاعتداء، فخرج إليهم من المدينة في أربعمائة وخمسين رجلاً، لاثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأول، وخلف على المدينة عثمان بن عفان. ولما سمعوا بسير رسول الله هربوا إلى رؤوس الجبال، ولم يزل المسلمون سائرين حتى وصلوا ماءً يسمى ذا أَمَرَّ فعسكروا به، وحدث أنه عليه الصلاة والسلام نزع ثوبه یجففه من مطر بلله وارتاح تحت شجرة والمسلمون متفرقون، فأبصره دُعْثُور فأقبل إليه بسيفه حتى وقف على رأسه وقال: من يمنعك مني يا محمد؟ فقال: الله. فأدركت الرجل هيبة ١٢٤ .... ٥:٩٠٠٠٠٠ .-*.---- - ورعبّ أسقطا السيف من يده، فتناوله عليه الصلاة والسلام وقال لدعثور: من يمنعك مني؟ قال: لا أحد. فعفا عنه فأسلم الرجل ودعا قومه للإِسلام وحوَّل، الله قلبه من عداوة رسول الله وَ لل وجمْعِ الناس لحربه الى محبته وجمْع الناس له ﴿ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ﴾(١). وهذا ما ينتجه حسن المعاملة والبعد عن الفظاظة وغلظ القلب. ﴿ فَِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًا غَلِظَ الْقَلْبِ لَانَفَضُواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرُهُمْ فِ آلْأَمِّ﴾(٢). غزوة بُحران بلغه عليه الصلاة والسلام أن جمعاً من بني سُليم يريدون الغارة على المدينة، فسار إليهم في ثلاثمائة من أصحابه لستٍّ خلون من جمادى الأولى، وخلف على المدينة ابن أم مكتوم. ولما وصل بُحران (٣) تفرقوا ولم يلق كيداً فرجع . سرية لما تيقنت قريش أن طريق الشام من جهة المدينة أغلق في وجه تجارتهم، ولا يمكنهم الصبر عنها لأن بها حياتهم، أرسلوا عيراً إلى الشام من طريق العراق، وكان فيها جمع من قريش منهم أبو سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، وحويطب بن عبد العزى، فجاءت أخبارهم لرسول الله وآثاره فأرسل لهم زيد بن حارثة في مائة راكب يترقبونهم، وكان ذلك في جمادى الآخرة، فسارت السرية حتى لقيت العير على ماء اسمه (القَرْدَة) بناحية نجد، (١) سورة الحديد آية ٢١. (٢) سورة آل عمران آية ١٥٩. (٣) موضع بناحية الفرع، وهذا موضع من أضخم أعراض المدينة. ١٢٥ E FILL فأخذت العِير وما فيها وهرب الرجال، وقد خمَّس الرسول عليه الصلاة والسلام هذه حینما وصلت له . غزوة أُحد(١) لما أصاب قريشاً ما أصابها ببدر وأغلقت في وجوههم طرق التجارة، اجتمع من بقي من أشرافهم إلى أبي سفيان رئيس تلك العير التي جلبت عليهم المصائب - وكانت موقوفة بدار الندوة ولم تكن سلّمت لأصحابها بعد - فقالوا: إن محمداً قد وتّرنا وقتل خيارنا وإنا رضينا أن نترك ربح أموالنا فيها استعداداً لحرب محمد وأصحابه، وقد رضي بذلك كل من له فيها نصيب، وكان ربحها نحواً من خمسين ألف دينار، فجمعوا لذلك الرجال، فاجتمع من قريش ثلاثة آلاف رجل ومعهم الأحابيش (وهم حلفاؤهم من بني المصطلق وبني الهون بن خزيمة) ومعهم أبو عامر الراهب الأوسي، وكان قد فارق المدينة كراهية لرسول اللّه ◌ُ# 8# ومعه عدد ممن هم على شاكلته، وخرج معهم جماعات من أعراب كنانة وتهامة، وقال صفوان بن أمية لأبي عزة الشاعر، الذي لا ينسى القارىء أن الرسول منَّ عليه ببدر وأطلقه من غير فداء: إنك رجل شاعر فأعنًّا بلسانك، فقال: إني عاهدت محمداً ألّ أُعين عليه، وأخاف أن وقعت في يده مرة ثانية ألا أنجو، فلم يزل به صفوان حتى أطاعه وذهب يستنفر الناس لحرب المسلمين. ودعا جبير بن مُطْعِم غلاماً حبشياً له اسمه وَحْشي، وكان رامياً قلَّما يخطىء، فقال له: اخرج مع الناس فإن أنت قتلت حمزة بعمّي طُعَيْمة فأنت حر. ثم خرج الجيش ومعهم القِيّان والدفوف والمعازف والخمور، واصطحب الأشراف منهم نساءهم كيلا ينهزموا، ولم يزالوا سائرين حتى نزلوا مقابل المدينة بذي الحليفة. أما رسول اللّه عليه الصلاة والسلام فكان قد بلغه الخبر من كتاب بعث به إليه عمه العباس بن عبد المطلب الذي لم يخرج مع المشركين في هذه الحرب محتجاً بما أصابه يوم (١) وقعت هذه الغزوة في السنة الثالثة في شهر شوال قرب جبل أحد فسميت باسمه. ١٢٦ بدر. ولما وصلت الأخبار باقتراب المشركين جمع عليه الصلاة والسلام أصحابه وأخبرهم الخبر وقال: إن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا فإن هم أقاموا أقاموا بشر مقام، وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم، فكان مع رأيه شيوخ المهاجرين والأنصار ورأى ذلك أيضاً عبد الله بن أبي، أما الأحداث وخصوصاً من لم يشهد بدراً منهم، فأشاروا عليه بالخروج وكان مع رأيهم حمزة بن عبد المطلب، وما زال هؤلاء بالرسول حتى تبع رأيهم لأنهم الأكثرون عدداً والأقوون جلداً، فصلى الجمعة بالناس في يومها لعشر خلون من شوال وحضهم في خطبتها على الثبات والصبر وقال لهم: ((لكم النصر ما صبرتم)) ثم دخل حجرته ولبس عدته فظاهر بين درعين(١) وتقلد السيف وألقى الترس وراء ظهره. ولما رأى ذوو الرأي من الأنصار أن الأحداث استكرهوا الرسول واله على الخروج لاموهم وقالوا: ردّوا الأمر لرسول الله و لي فما أمر ائتمرنا. فلما خرج عليه الصلاة والسلام قالوا: يا رسول الله تتّبع رأيك فقال: ما كان النبي لبس سلاحه أن يضعه حتى يحكم الله بينه وبين أعدائه. ثم عقد الألوية فأعطى لواء المهاجرين لمصعب بن عمير، ولواء الخزرج للحُباب بن المنذر، ولواء الأوس لأسيد بن الحضير، وخرج من المدينة بألف رجل. فلما وصلوا رأس الثنية نظر عليه الصلاة والسلام، إلى كتيبة كبيرة فسأل عنها، فقيل: هؤلاء حلفاء عبد الله بن أبي من اليهود فقال إنا لا نستعين بكافر على مشرك، وأمر بردّهم، لأنه لا يأمن جانبهم من حيث أن لهم اليد الطولى في الخيانة. ثم استعرض الجيش فردٌّ من استصغر، وكان فيمن ردّ: رافع بن خديج وسَمُرة بن جُندب، ثم أجازِ رافعاً لما قيل له إنه رامٍ فبكى سَمُرة وقال لزوج أمه: أجاز رسول الله رافعاً وردّني مع أني أصرعه، فبلغ رسول الله الخبر فأمرهما بالمصارعة، فكان الغالب سَمُرة فأجازه. ثم بات عليه الصلاة والسلام محله ليلة السبت، واستعمل على حرس الجيش محمد بن مسلمة، وعلى حرسه الخاص ذكوان بن قيس. وفي السحر سار الجيش حتى إذا كان بالشوط (١) أي لبس درعاً فوق درع وهما ذات الفضول، وفضة التي أصابها من قينقاع. ١٢٧ بارد ۔ ٤٢٩٠ (وهو بستان بين أُحد والمدينة) رجع عبد الله بن أبيُّ بثلاثمائة من أصحابه وقال: عصاني وأطاع الوالدان فعلامَ نقتل أنفسنا؟ فتبعهم عبد الله بن عمرو والد جابر وقإل: يا قوم! أذكركم الله أن تخذلوا قومكم ونبيكم ﴿قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالُل لَّأَتْبَعْنَكُمْ﴾(١). فقال لهم: أبعدكم الله فسيغني الله عنكم نبيه. ولما فعل ذلك عبد الله بن أبي همت طائفتان من المؤمنين أن تفشلا: بنو حارثة من الخزرج وبنو سَلِمة من الأوس فعصمهما الله، وقد افترق المسلمون فرقتين فيما يفعلون بالمنخذلين، فقوم يقولون نقاتلهم وقوم يقولوم نتركهم، فأنزل الله تعالى: ﴿ * قَالَكُمْ فِ الْمُنَفِقِينَ فِتَتَيْنِ وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَبُواْ أَثْرِيِدُونَ أَنْ تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللَهُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ﴾(٢). ثم سار الجيش حتى نزل الشعب من أحد(٣) وجعل ظهره للجبل ووجهه للمدينة؛ أما المشركون فنزلوا ببطن الوادي من قبل أحد، وكان على ميمنتهم خالد بن الوليد، وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل، وعلى المشاة صفوان بن أمية، فجعل عليه الصلاة والسلام الزبير بن العوام بإزاء خالد، وجعل آخرين أمام الباقين، واستحضر الرماة وكانوا خمسين رجلاً يرأسهم عبد الله بن جبير الأنصاري، فوقفهم خلف الجيش على ظهر الجبل وقال: لا تبرحوا: إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تبرحوا. ثم عِدّل عليه الصلاة والسلام الصفوف وخطب المسلمين، وكان فيما قال: ألقى في قلبي الروح الأمين أنه لن تموت نفس حتى تستوفي أقصى رزقها لا ينقص منه شيء وإن أبطأ عنها. فاتقوا ربكم وأجملوا في طلب الرزق لا يحملنِّكم استبطاؤه أن تطلبوه بمعصية الله، والمؤمن من المؤمن كالرأس من الجسد إذا اشتكى عضو تداعى له سائر جسده، ثم ابتدأ القتال بالمبارزة فخرج رجل من صفوف المشركين فبرز له الزبير فقتله، ثم حمل اللواء طلحة بن أبي طلحة فقتله عليّ، فحمل اللواء أخوه عثمان فقتله حمزة، فحمله أخ لهما اسمه أبو (١) سورة آل عمران اية ١٦٧ . (٢) سورة النساء آية ٨٨. (٣) جبل شمالي المدينة الشرقي. ١٢٨ سعيد فرماه سعد بن أبي وقاص بسهم قضى عليه، فتناوب اللواء بعده أربعة من أولاد طلحة بن أبي طلحة وكلهم يقتلون. وخرج من صفوف المشركين عبد الرحمن بن أبي بكر يطلب البراز فأراد أبوه أن يبرز له. فقال عليه الصلاة والسلام: متَّعْنا بنفسك يا أبا بكر. ثم حملت خيالة المشركين على المسلمين ثلاث مرات وفي كلها ينضحهم المسلمون بالنبل فيتقهقرون. ولما التقت الصفوف وحميت الحرب، ابتدأ نساء المشركين يضربن بالدفوف وينشدن الأشعار تهييجاً لعواطف الرجال، وكان عليه الصلاة والسلام، كلما سمع نشيد النساء يقول: ((اللهم بك أَجُول وبك أَصُول وفيك أقاتل، حسبي الله ونعم الوكيل)) وفي هذه المعمعة قتل حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله سيد الشهداء، غافله وحشي وهو يجول في الصفوف وضربه بحربة لم تخطىء ثنايا بطنه . هذا، ولما قتل حملة اللواء من المشركين ولم يقدر أحد على الدنوّ منه ولّوا الأدبار ونساؤهم يبكين ويولولن، وتبعهم المسلمون يجمعون الغنائم والأسلاب. فلما رأى ذلك الرماة الذين يحمون ظهور المسلمين فوق الجبل قالوا: ما لنا في الوقوف من حاجة، ونسوا أمر السيد الحكيم وَيرٍ فذّكرهم رئیسهم به فلم يلتفتوا وانطلقوا ینتهبون. أما رئيسهم فثبت وثبت معه قليل منه. فلما رأى خالد بن الوليد أحد رؤساء المشركين خلوَّ الجبل من الرماة، انطلق ببعض الجيش فقتل من ثبت من الرماة وأتى المسلمين من ورائهم وهم مشتغلون بدنياهم، فلما رأوا ذلك البلاد دهشوا وتركوا ما بأيديهم وانتقضت صفوفهم واختلطوا من غير شعور، حتى صار يضرب بعضهم بعضاً، ورفعت إحدى نساء المشركين اللواء فاجتمعوا حوله، وكان من المشركين رجل يقال له ابن قميئة قتل مصعب بن عمير صاحب اللواء، وأشاع أن محمداً قد قتل فدخل الفشل في المسلمين حتى قال بعضهم: علامَ نقاتل إذا كان محمد قد قتل؟ فارجعوا إلى قومكم يؤمّنُوكم ، وقال جماعة: إذا كان محمد قتل فقاتلوا عن دينكم، وكان من نتيجة هذا الفشل أن انهزم جماعة من المسلمين من بينهم ١٢٩ -----. ....... --------- -- -------- ---------------* الوليد بن عقبة، وخارجة بن زيد، ورفاعة بن المعلى، وعثمان بن عفان، وتوجهوا إلى المدينة ولكنهم استحيوا أن يدخلوها فرجعوا بعد ثلاث، وثبت رسول الله ◌َ* ومعه جماعة منهم أبو طلحة الأنصاري استمر بين يديه يمنع عنه بحَجَفته(١)، وكان رامياً شديد الرمي، فنثر كنانته بين يدي رسول الله رَّر وصار يقول: وجهي لوجهك فداء، وكل من كان يمرّ ومعه كنانة يقول له عليه الصلاة والسلام: انثرها لأبي طلحة، وكان ينظر إلى القوم ليرى ماذا يفعلون فيقول له أبو طلحة: يا نبي الله بأبي أنت وأمي، لا تنظر يصيبك سهم القوم! نحري دون نحرك. وممن ثبت سعد بن أبي وقاص، فكان عليه الصلاة والسلام يقول له: ((ارم سعد! فداك أبي وأمي)). ومنهم سهل بن حُنيف وكان من مشاهير الرماة نضح عن رسول الله بالنبل حتى انفرج عنه الناس . . (ومنهم) أبو دجانة سِمّاك بن خَرَشَة الأنصاري تترَّس على رسول الله، فصار النبل يقع على ظهره وهو منحنٍ حتی کثر فيه. (وكان) يقاتل عن الرسول و 8* زيادة بن الحارث حتى أصابت الجراح مقاتله، فأمر به فأدني منه ووسَّده قدمه حتى مات، وقد أصابه عليه الصلاة والسلام شدائد عظيمة تحمَّلها بما أعطاه الله من الثبات، فقد أقبل أُبي بن خلف يريد قتله، فأخذ عليه الصلاة والسلام الحربة ممن كانوا معه وقال: خلّوا طريقه. فلما قرب منه ضربه ضربة كانت سبب هلاكه وهو راجع، ولم يقتل رسول الله *** غيره لا في هذه الغزوة ولا في غيرها. (وكان) أبو عامر الراهب قد حفر حفراً وغطاها ليقع فيها المسلمون، فوقع الرسول في حفرة منها فأغمي عليه وخدشت ركبتاه، فأخذ علي بيده ورفعه طلحة بن عبيد الله وهما ممن ثبت حتى استوى قائماً فرماه عتبة بن أبي وقاص بحجر كسر رباعيته، فتبعه حاطب بن أبي بلتعة فقتله، وشجّ وجهه عليه (١) الحَجَفَة: حاء بعدها جيم؛ هي الترس من الجلد. ١٣٠ الصلاة والسلام عبد الله بن شهاب الزهري، وجرحت وجنتاه بسبب دخول حلقتي المغفر فيهما من ضربة ضربه بها ابن قميئة، غضب الله عليه، فجاء أبو عبيدة وعالج الحلقتين حتى نزعهما فكسرت في ذلك ثنيتاه وقال حينئذ عليه الصلاة والسلام: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم؟ فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَهُمْ ◌َلِمُونَ﴾(١) وكان أول من عرف رسول الله بعد هذه الدهشة كعب بن مالك الأنصاري فنادى: يا معشر المسلمين أبشروا، فأشار إليه الرسول أن اصمت. ثم سار بين سعد بن أبي وقاص وسعد بن عبادة يريد الشُّعب، ومعه جمع أبو بكر وعمر وعلي وطلحة والزبير والحارث ابن الصِّمَّة، وأقبل عليه إذ ذاك عثمان بن عبد الله بن المغيرة يقول: أين محمد؟ لا نجوت إن نجا، فعثر به فرسه ووقع في حفرة فمشى إليه الحارث بن الصِّمَّة وقتله. لما وصل الشعب جاءت فاطمة فغسلت عنه الدم، وكان علي يسكب الماء، ثم أخذت قطعة من حصير فأحرقتها ووضعتها على الجرح فاستمسك الدم. ثم أراد عليه الصلاة والسلام أن يعلو الصخرة التي في الشعب فلم يمكنه القيام،. لكثرة ما نزل من دمه، فحمله طلحة بن عبيد الله حتى أصعده، فنظر إلى جماعة من المشركين على ظهر الجبل فقال: لا ينبغي لهم أن يعلونا، اللهم لا قوة لنا إلا بك، ثم أرسل إليهم عمر بن الخطاب في جماعة فأنزلوهم . (وقد) أصاب المسلمين الذين كانوا يحوطون رسول الله كثير من الجراحات، لأن الشخص منهم كان يتلقى السهم خوفاً أن يصل للرسول، فوجد بطلحة نيّف وسبعون جراحة وشَلَّت يده وأصاب كعب بن مالك سبع عشرة جراحة. أما القتلى فكانوا نيفاً وسبعين منهم ستة من المهاجرين والباقون من الأنصار. (ومن) المهاجرين: حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير. ومن الأنصار حنظلة بن أبي عامر، وعمرو بن الجموح وابنه خلاد بن عمرو وأخو (١) سورة آل عمران آية ١٢٨. ١٣١ ٤٤٢٢٠ -------- .......... " زوجه والد جابر بن عبد الله، فأتت زوج عمرو، هند بنت عمرو حرام وحملتهم: زوجها وابنها وأخاها على بعير لتدفنهم بالمدينة، فنهى عليه الصلاة والسلام عن الدفن خارج أحد فرجعوا. وقتل سعد بن الربيع، وأرسل عليه الصلاة والسلام من يأتيه بخبره فوجده بين القتلى وبه رمق، فقيل له: إن رسول الله يسأل عنك، فقال لمبلغه: قل لقومي يقول لكم سعد بن الربيع الله الله وما عاهدتم عليه رسوله ليلة العقبة، فوالله ما لكم عندي عذر. وقتل أنس بن النضر، عم أنس بن مالك، فإنه لما سمع بقتل رسول الله قال: يا قوم ما تصنعون بالبقاء بعده؟ موتوا على ما مات عليه إخوانكم، فلم يزل يقاتل حتى قتل رضي الله عنه. ومثلت قريش بقتلى أحد حتى إن هنداً زوج أبي سفيان بقرت بطن حمزة وأخذت كبده لتأكلها فلاكتها ثم أرسلتها، وفعلوا قريباً من ذلك بإخوانه الشهداء. ثم إن أبا سفيان صعد الجبل ونادى بأعلى صوته: أنعمْتَ فعال إن الحرب سجال يوم بيوم بدر، وموعدكم بدر العام المقبل. ثم قال: إنكم ستجدون في قتلاكم مثلة لم آمر بها ولم تسؤني، ثم إن المشركين رجعوا إلى مكة ولم يعرجوا على المدينة، وهذا مما يدل على أن المسلمين لم ينهزموا في ذلك اليوم وإلا لم يكن بدٍّ من تعقب المشركين لهم حتى يغيروا على مدينتهم. ثم تفقد عليه الصلاة والسلام القتلى وحزن على عمه حمزة حزناً شديداً، ودفن الشهداء كلهم بأحد كل شهيد بثوبه الذي قتل فيه، وكان يدفن الرجلين والثلاثة في لحد واحد، لما كان عليه المسلمون من التعب، فكان يشق عليهم أن يحفروا لكل شهيد حفرة. ولما رجع المسلمون إلى المدينة سخر منهم اليهود والمنافقون وأظهروا ما في قلوبهم من البغضاء وقالوا لإخوانهم: ﴿لَوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُئِلُوا﴾(١). وهذا الذي ابتلي به المسلمون درس مهم لهم، يذكرهم بأمرين عظيمين تركهما المسلمون فأصيبوا، أولهما طاعة الرسول في أمره، فقد قال للرماة لا (١) سورة آل عمران آية ١٥٦. ١٣٢ ٠٫٠٠٠ تبرحوا مكانكم إن نحن نصرنا أو قهرنا، فعصوا أمره ونزلوا، الثاني: أن تكون الأعمال كلها لله غير منظور فيها لهذه الدنيا التي كثيراً ما تكون سبباً في مصائب عظيمة، وهؤلاء أرادوا عرض الدنيا والتهَوا بالغنائم حتى عوقبوا، وفي ذلك أنزل الله: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُ الهُ وَعْدَهُتْ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ، حَتَّىَ إِذَا فَئِلْمْ وَتَزَعْتُمْ فِىِ الْأَمْرِ وَعَصَيْتُ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَنَّكُ مَّا تُحِبُونَ مِنْكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُم مِّنْ يُرِيدُ اْلَِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَ الْمُؤْمِينَ﴾(١) فسبب هذا الابتلاء التنازع فينبغي الاتفاق، والفشل فينبغي الثبات، والعصيان فينبغي طاعة الرئيس. نسأل الله التوفيق. غزوة حمراء الأسد ولما رجع عليه الصلاة والسلام إلى المدينة أصبح حذراً من رجوع المشركين إلى المدينة ليتمموا انتصارهم، فنادى في أصحابه بالخروج خلف العدو، وألا يخرج إلا من كان معه بالأمس، فاستجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح، فضمدوا جراحاتهم وخرجوا واللواء معقود لم يحلّ، فأعطاه علي بن أبي طالب وولَّى على المدينة ابن أم مكتوم، ثم سار الجيش حتى وصلوا إلى حمراء الأسد(٢) وقد كان ماظنه الرسول حقاً، فإن المشركين تلاوموا على ترك المسلمين من غير شن الغارة على المدينة حتى يتم لهم النصر، فأصروا على الرجوع، ولكن لما بلغهم خروج الرسول في أثرهم ظنوا أنه قد حضر معه من لم يحضر بالأمس، وألقى الله الرعب في قلوبهم فتمادّوا في سيرهم إلى مكة، وظفر عليه الصلاة والسلام وهم في حمراء الأسد، بأبي عزَّة الشاعر الذي منَّ عليه ببدر بعد أن تعهَّد ألا يكون على المسلمين فأمر بقتله، فقال: يا محمد أقلْني وامنن عليَّ ودعني لبناتي، وأعطيك عهداً ألا أعود لمثل ما فعلت، فقال عليه الصلاة والسلام لا والله! لا تمسح عارضيك (١) سورة آل عمران آية ١٥٢. (٢) موضع على ثلاثة أميال من المدينة بطريق مكة. ١٣٣ بمكة وتقول: خدعت محمداً مرتين، لا يُلدغ المؤمن من جُحرِ مرتين، اضرب عنقه يا زيد فضرب عنقه. وفي هذا تأديب عظيم من صاحب الشرع الشريف، فإن الرجل الذي لا يحترز مما أُصيب منه ليس بعاقل، فلا بد من الحزم لإقامة دعائم الملك. حوادث وفي هذه السنة زوج عليه الصلاة والسلام بنته أم كلثوم لعثمان بن عفان بعد أن ماتت رقية عنده، ولذلك كان يسمّى ذا النورين، وفيها تزوج عليه السلام حفصة بنت عمر بن الخطاب، وأمها أخت عثمان بن مظعون وكانت قبله تحت خُنيس بن حذافة السهمي رضي الله عنه، فتوفي عنها بجراحة أصابته ببدر، وفيها تزوج عليه الصلاة والسلام زينب بنت خزيمة الهلالية من بني هلال بن عامر، كانت تدعى في الجاهلية أم المساكين لرأفتها وإحسانها إليهم، وكانت قبله تحت عبد الله بن جحش فقتل عنها بأحد، وهي أخت ميمونة بنت الحارث لأمها، وفيها ولد الحسن بن علي رضي الله عنهما، وفيها حرمت الخمر وكان تحريمها بالتدريج، لما كان عليه العرب من المحبة الشديدة لها، فيصعب إذاً تحريمها دفعة واحدة، وكان ذلك التحريم تابعاً لحوادث تنفر عنها، لأن المنكر إذا أسند تحريمه لحادثة أقر الجميع على تقبيحها، كان ذلك أشد تأثيراً في النفس. فأول ما بيّن فيها قوله تعالى : يَسْعَلُونَكَ عَنِ الْحَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِلَّمُ كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ﴾(١). فمنفعة الميسر التصدق بربحه على الفقراء، كما كانت عادة العرب، ومنفعة الخمر تقوية الجسم(٢) ولما شربها بعض المسلمين وخلط في القراءة حرمت الصلاة على السكران، مشيفت (١) سورة البقرة آية ٢١٩. (٢) كما يخيل لشاربها- وقد أجمع الأطباء على شدة أضرارها، ولعل المراد بالنفع هو ما يجنى من ربح خبيث في بيعها. ١٣٤ ٠٠٠٠ فقال تعالى: ﴿يََُهَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنتُمْ سُكْثَرَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ ولما حدث من شربها اعتداء بعض المسلمين على إخوانهم (١) حرمت قطعياً بقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَ امَنُواْ إِنَّا الْخَمْرُ وَالْمَبْرُ وَالْأُنْصَابُ (*) وَالْأُزْلَمُ ( ** ) رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَاجْتَبُهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَلِنُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُرُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ فِى الْحَمْرِ وَالْمَيْسِ وَيَصُذَّكُرْ عَن ذِكْرِ الهِ وَعَنِ العَّلَوَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنَهُونَ﴾ (٢). وقد أجاب المسلمون على ذلك بقولهم : انتھینا. فليُچِب المسلمون الآن. (١) سورة النساء آية ٤٣ . (*) الأنصاب: هي حجارة تنصب عليها الذبائح وتعمد. ( ** ) الأزلام: هي القداح التي كانوا يستقسمون بها، وفي قرن الخمر والميسر بالأنصاب والأزلام نهاية في التنفير، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: شارب الخمر كعابد الوثن. (٢) سورة المائدة آية ٩٠. ١٣٥ . .. ..