النص المفهرس

صفحات 61-80

ولم يقولوا إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه ، وهذه سنة
من سنن الأنبياء إذا رأوا من طلاب الآيات عناداً وأنهم يطلبونها تعجيزاً، لا
يسألون الله إنفاذ هذه الآيات كيلا يحل بقومهم الهلاك كما يحصل لعادٍ وثمود
وغيرهم. وهذا هو المراد من قوله تعالى: ﴿ وَمَا مَنَعَّنَا أَن تُرْسِلَ بِآلْآَيَتِ إِلَّ أَن
كَذَّبَ وِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ (١) وقد حصل للمسيح عليه السلام أنَّه لما وقف أمام
هيردوس طلب منه آية فلم يجبه إلى طلبه، فلما رأى ذلك سخر منه وردّه إلى
عدوه بيلاطس بعد أن كان يأسف عليه ويتمنى لقاءه، وذلك مذكور في
الإصحاح الثالث والعشرين من إنجيل لوقا.
(هذا) ولما رأى المشركون ضعفهم عن مقاومة المسلمين بالبرهان،
تحولوا إلى سياسة القوة التي اختارها قوم إبراهيم عندما عجزوا عنه حيث
قالوا: ﴿َرِّقُوهُ وَأَنصُرُوَاْءَاِفَتَكُمْ﴾(٢) كما في سورة الأنبياء. أمّا هؤلاء فازدادوا
بالأذى على كل من أسلم، رجاء صدهم عن اتّباع الرسول عليه السلام ولم
يتركوا باباً إلا ولجوه، فقال عليه السلام لأصحابه: تفرقوا في الأرض فإن الله
سيجمعكم فَسَألوه عن الوجه فأشار إلى الحبشة.
هجرة الحبشة الأولى
فعند ذلك تجهز ناس للخروج من ديارهم وأموالهم، فراراً بدينهم كما
أشار عليه السلام. وهذه هي أول هجرة من مكة، وعدة أصحابها عشرةُ رجال
وخمسُ نسوة، وهم: عثمان بن عفان وزوجُه رقية بنت رسول الله، وأبو سلمة
وزوجه أم سلمة وأخوه لُأمه أبو سَبْرة بن أبي رُهْم وزوجه أم كلثوم، وعامر بن
ربيعة وزوجه ليلى، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة وزوجه سهلة بنت سهيل،
وعبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن مظعون، ومصعب بن عمير، وسهل بن
(١) سورة الإسراء : آية ٥٩.
(٢) سورة الأنبياء: آية ٦٩.
٥٧
٠٠٠٠٠

.....
٠٠٠
البيضاء، والزبير بن العوام، وجلهم من قريش. وكان عليهم فيما روى ابن
هشام عثمان بن مظعون، فساروا على بركة الله ولما انتهوا الى البحر استأجروا
سفينة أوصلتهم إلى مقصدهم، فأقاموا آمنين من أذى يلحق بهم من
المشركين، ولم يبق مع النبي عليه السلام وينظم إلا القليل.
إسلام عمر
وفي ذلك الوقت أسلم الشهم الهُمام عمر بن الخطاب العَدّوي
القرشي، بعدما كان عليه من كراهية المسلمين وشدة أذاهم، وقالت ليلى
إحدى المهاجرات لأرض الحبشة مع زوجها: كان عمر بن الخطاب من أشد
الناس علينا في إسلامنا، فلما ركبتُ بعيري أريدُ أن أتوجه الى أرض الحبشة
إذا أنا به فقال: إلى أين يا أمَّ عبد الله؟ فقلت: قد آذيتمونا في دينا، نذهب
في أرض الله حيث لا نؤذى، فقال: صحبكم الله. فلما جاء زوجي عامر
أخبرته بما رأيت من رقة عمر فقال: ترحبين أن يسلم؟ والله لا يسلم حتى
يسلم حمار الخطاب! وذلك لما كان يراه من قسوته وشدته على المسلمين،
ولكن حصلت له بركة دعوة المصطفى وَله، فإنه قال قُبيل إسلامه: ((اللهم أعزّ
الإِسلامَ بعمر)». وكان إسلامه في دار الأرقم بن أبي الأرقم التي كان
المسلمون يجتمعون فيها وقد حقق الله بإسلامه ما رجاه عليه السلام فقد قال
عبد الله بن مسعود من رواية البخاري: (ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر) فإنه طلب
من رسول الله أن يُعلن صلاته في المسجد ففعل، وقد أدرك الكفار كآبة
شديدة حينما رأوا عمرَ أسلم وكانوا قد أرادوا قتله، حتى اجتمع جَمعٌ حول
دارِه ينتظرونه، فجاء العاص بن وائل السهمي، وهو من بني سهم حلفاء بني
عدي قوم عمر، وعليه حلة حِبَرّة وقميص مكفوف بحرير فقال لعمر: ما بالك؟
فقال: زعم قومك أنهم سيقتلونني إن أسلمت، قال: لا سبيل إليك فأنا لك
جار، فَآمَنَ عمرُ، وخرج العاص فوجد الناس قد سال بهم الوادي فقال: أين
تريدون؟ قالوا نريد هذا ابن الخطاب الذي صبأ، قال: لا سبيل إليه. فرجع
الناس من حيث أتوا .
٥٨
- ..

رجوع مهاجري الحبشة
وبعد ثلاثة أشهر من خروج مهاجري الحبشة رجعوا إلى مكة حيث لا
تتيسر لهم الإِقامة فيها لأنهم قليلو العدد - وفي الكثرة بعض الأنس - وأضف
إلى ذلك أنهم أشراف قريش ومعهم نساؤهم، وهؤلاء لا يطيب لهم عيش في
دار غربة بهذه الحالة .
وقد أولع بعض المؤرخين بحكاية يجعلونها سبباً في رجوع مهاجري
الحبشة، وهي أنه بلغهم إسلام قومهم حينما قرأ عليهم الرسول وَلافيه سورة
النجم وتكلم فيها كلاماً حسناً عن آلهتهم حيث قال بعد: ﴿أَفَرَةَّيْمُ الَّتَ
وَالْعُزَّى ﴿ وَمَنَوَةَ النَّالِثَةَ الْأَعْىِّ﴾(١) تلك الغرانيق(٢) (جمع غرنوق، وهي
الطيور. ويراد بها الملائكة) العُلى وإن شفاعتهن لترتجى، فسجدوا إعظاماً
لذلك وفرحاً، وهذا مما لا تجوز روايته إلا عن قليلي الإدراك الذين ينقلون كل
ما وجدوا غير مثبتين من صحته. وها نحن أولاء نسوق لك أدلة النقل والعقل
على بطلان ما ذُكر. أما الحديث فسنده ومتنه قلقان، فالسند قال فيه القاضي
عياض في الشفاء لم يخرّجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند سليم،
وأما المتن فليس أصحاب رسول الله وَّه ولا المشركون مجانين حتى يسمعوا
مدحاً أثناء ذم ويجوز ذلك عليهم فبعد ذكر الأصنام قال: ﴿إِنْ مِىَ إِلَّ أَسْمَاءُ
◌َّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَابَةٌ مَّا أَنزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ﴾(٣).
فالكلام غير منتظم ولو كان ذلك قد حصل لاتخذه الكفار عليه حجة
يحاجُّونه بها وقت الخصام، وهم من نعرفهم من العناد فيما ليس فيه أدنى
حجة فكيف بهذه؟ وليس ذلك القيل أقل من تحويل القبلة إلى الكعبة وهذا
قالوا فيه ما قالوا حتى سماهم الله سفهاء وأنزل فيهم: ﴿* سَيَقُولُ آلُّفَهَآءُ مِنَ
(١) سورة النجم: آية ١٩.
(٢) قصة الغرانيق موضوعة وغير ثابتة من جهة النقل.
(٣) سورة النجم: آية ٢٣ .
٥٩

النَّاسِ مَُّهُمْ عَن قِبْلَتِمُ الَّتِ كَنُواْ عَيْهَا﴾(١). ولكن لم يسمع عن أي
واحد من رجالاتهم والمتصدرين للعناد منهم، أن قال مالك ذممت آلهتنا بعد
أن مدحتها، وكان ذلك أولى لهم من تجريد السيوف وبذل مهج الرجال،
على أن المؤرخين الذين ينقلون هذه العبارة ويجعلونها سبباً لرجوع مهاجري
الحبشة، يقولون أثناء كلامهم إنَّ الهجرة كانت في رجب والرجوع كان في
شوال، ونزول سورة النجم كان في رمضان، فالمدة بين نزول السورة ورجوع
المهاجرين شهر واحد، والمتأمل أدنى تأمل يرى أن الشهر كان لا يكفي في
ذلك الزمن للذهاب من مكة إلى الحبشة والإِياب منها، لأنه لم يكن إذ ذاك
مراكب بخارية تسهل السير في البحر، ولا تلغراف يوصل خبر إسلام قريش
لمن بالحبشة، فلا غرابة بعد ذلك إن قلنا إن هذه الخرافة من موضوعات أهل
الأهواء الذين ابتلى الله بهم هذا الدين، ولكن الحمد لله فقد منّ علينا بحفظ
كتابنا المجيد الذي يحكم بيننا وبين كل مفتر كذاب، ففي السورة نفسها:
وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىّ﴾ (٢) والذي يلقيه الشيطان من أقبح ما يروى فكيف يقول
عليه السلام، أو يجري على لسانه مما يبث الشكوك في الوحي؟ الأمر الذي
يريده السفهاء ردَّ الله كيدهم في نحرهم. والذي ورد في الصحيح في موضوع
هذا السجود ما رواه عبد الله بن مسعود أن النبي صل قرأ والنجم فسجد وسجد
من كان معه إلا رجلاً أخذ كفاً من حصى وضعه على جبهته وقال: يكفيني
هذا، فرأيته قتل بعد كافراً، وليس في هذا الحديث أي دلالة على أن الذين
سجدوا معه هم مشركون، بل الذي يفيده قوله فرأيته قتل بعدُ كافراً أنه كان
مسلماً ثم رأيته آرتد، وهذا ما حصل من بعض ضعاف القلوب الذين لم
يتحملوا الأذى فكفروا: منهم علي بن أمية بن خلف. (هذا) ولما رجع مهاجرو
الحبشة إلى مكة لم يتمكن من الدخول إليها إلا من وجد له مجيراً، فدخل أبو
سلمة في جوار خاله أبي طالب، ودخل عثمان بن مظعون في جوار الوليد بن
(١) سورة البقرة: آية ١٤٢ .
(٢) سورة النجم: آية ٣ .
٦٠
----
٠٠٠
.....
..
٠٠٠٠

المغيرة وقد ردّ عليه جواره حينما رأى ما صنعه بالمسلمين، فلم يرض أذ
یکون مرتاحاً وإخوانه معذبون .
كتابة الصحيفة
ولما ضاقت الحِيّل بكفار قريش، عرضوا على بني عبد مناف الذين
منهم الرسول عليه السلام دية مضاعفة ويسلمونه فأبوا عليهم ذلك، ثم عرضوا
على أبي طالب أن يعطوه سيداً من شبانهم يتبناه ويسلم إليه ابن أخيه. فقال:
عجباً لكم تعطوني ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه؟ فلما رأوا ذلك
أجمعوا أمرهم على منابذة بني هاشم وبني المطلب ولدَيْ عبد مناف
وإخراجهم من مكة والتضييق عليهم، فلا يبيعونهم شيئاً ولا يبتاعون منهم حتى
يسلموا محمداً للقتل، وكتبوا بذلك صحيفة وضعوها في جوف الكعبة، فانحاز
بنو هاشم بسبب ذلك في شعب أبي طالب، ودخل معهم بنو المطلب سواء
في ذلك مسلمهم وكافرهم ما عدا أبا لهب، فإنه كان مع قريش وانخذل عنهم
بنو عمَّيهم عبد شمس ونوفل ابني عبد مناف، فجهد القوم حتى كانوا يأكلون
ورق الشجر وكان أعداؤهم يمنعون التجار من مبايعتهم وفي مقدمة المانعين
أبو لهب.
هجرة الحبشة الثانية
وبعد دخول الرسول وقومه الشِّعب أمر جميع المسلمين أن يهاجروا
للحبشة حتى يساعد بعضهم بعضاً على الإغتراب، فهاجر معظمهم وكانوا نحو
ثلاثة وثمانين رجلاً وثماني عشرة امرأة، وكان من الرجال جعفر بن أبي طالب
وزوجه أسماء بنت عميس والمقداد بن الأسود وعبد الله بن مسعود وعبيد الله بن
جحش وامرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان، وتوجه لهم الذين أسلموا من جهة
اليمن وهم الأشعريون: أبو موسى وبنو عمه. ولما رأت قريش ذلك أرسلت
٦١
.7

ImE IN ORmE
.... .... :.
٠٠٠
٠٠ ..
في أثرهم عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد بهدايا إلى النجاشي ليسلم
المسلمين، فرجعا شر رجعة ولم ينالا من النجاشي إلا إهانة لما خاطبوه به من
إخفار ذمته في قوم لاذوا به، أما بنو هاشم فمكثوا في الشِّعب قريباً من ثلاث
سنوات في شدة الجَهْد والبلاء لا يصلهم شيء من الطعام إلا خفية.
نقض الصحيفة
وقد قام خمسة من أشراف قريش يطالبون بنقض هذه الصحيفة الظالمة،
وهم هشام بن عمرو بن الحارث العامري وهو أعظمهم في ذلك بلاء،
وزهير بن أبي أمية المخزومي ابن عمة الرسول عاتكة، والمطعم بن عدي النوفلي،
وأبو البختري بن هشام الأسدي، وزّمْعة بن الأسود الأسدي واتفقوا على ذلك
ليلاً. فلما أصبحوا غدا زهير وعليه حلة فطاف بالبيت ثم أقبل على الناس
فقال: يا أهل مكة أنأكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم والمطلب هَلْكى لا
يبيعون ولا يبتاعون! والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة الظالمة القاطعة.
فقال أبو جهل: كذبت، فقال زمعة لأبي جهل: أنت والله أكذب! ما رضينا
كتابتها حين كتبت، فقال أبو البختري: صدق زمعة، وقال المطعم بن عدي:
صدقتما وكذب من قال غير ذلك. وصدّق على ما قيل هشام بن عمرو فقام
إليها المطعم بن عدي فشقها وكانت الأَرَضَة قد أكلتها، فلم يبق منها إلا ما فيه
اسم الله. وقد أخبر النبي وَّ عمه أبا طالب بذلك قبل أن يفعل ما ذكر،
فخرج القوم إلى مساكنهم بعد هذه الشدة .
وفود نجران
وقد وفد على الرسول بعد الخروج من الشعب وفد من نصارى نجران،
بلغهم خبره من مهاجري الحبشة، فسارعوا بالقدوم عليه حتى يروا صفاته مع
ما ذكر منها في كتبهم، وكانوا عشرين رجلاً أو قريباً من ذلك، فقرأ عليهم
٦٢
.. ....... ..
........ .
PMrm r .

القرآن فآمنوا كلهم فقال لهم أبو جهل: ما رأينا ركباً أحمق منكم أرسلكم
قومكم تعلمون خبر هذا الرجل فصبأتم فقالوا: سلام عليكم لا نجاهلكم لكم
ما أنتم عليه ولنا ما أخترناه فأنزل الله في ذلك قوله تعالى: ﴿ الَِّينَءَاتَيْنَهُمُ
الْكِتَبَ مِن قَبْلِهِ، هُمْ بِ يُؤْمِنُونَ (﴿2﴾ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُواْءَ امَنَّا بِهِةٍ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن زَّيَِّآَ
إِنَّا ◌ُّ مِن قَبْلِهِ، مُسْلِمِينَ ﴾ أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَبْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ وَيَدْرَهُونَ
بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَفَّا رَزَقْنَهُمْ يُنْفِقُونَ (٨) وَإِذَا سَمِعُواْ الَّغْوَ أَعْرَ ضُواْ عَنْهُ وَقَالُواْ لَنّ
أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ سَلَهُمُ عَلَيْكُمْ لَبْتَفِى الْجَهِينَ﴾(١).
وقد كان أهل مكة حينما عجزوا عن أمر رسول الله ولم يتمكنوا من
مقارعة الحجة بالحجة، رموه بالسحر مرة والكذب أخرى، وبالجنون طوراً.
وبالكهانة تارة، كل ذلك شأن العاجز المعاند الذي لا يستحي لمزيد عناده أن
يقول: ﴿اَلَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِدِكَ فَأَمْطِرْ عَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ أَثْنَا
بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾(٢).
وفاة خديجة رضي الله عنها(٣)
وبعد خروجه عليه السلام من الشعب بقليل وقبل الهجرة بثلاث سنين
توفيت خديجة بنت خويلد زوجه رضي الله عنها، كان ◌َّر كثيراً ما يذكرها
ويترحم عليها. ولا غرابة فهي أول نفس زكية صدّقت الرسول فيما جاء به عن
ربه، وقد جاء منها بأولاده كلهم ما عدا إبراهيم. فمنها زينب وهي أكبر بناته
تزوجها في الجاهلية أبو العاص بن الربيع وأعقب منها أمامة التي تزوجها
علي بن أبي طالب بعد وفاة فاطمة (٤)، ومنها رقية وأم كلثوم تزوجهما عثمان.
(١) سورة القصص: الآيات ٥٢ -٥٥.
(٢) سورة الأنفال: آية ٣٢.
(٣) كانت تصدقه في كل أمر وتهوِّن عليه أمر الناس، وقال فيها #: أمرت أن أبشر خديجة ببيت
من قصب، لا صخب فيه ولا نصب. رواه مسلم. ومعنى القصب: اللؤلؤ المجوف. رحمها
الله.
(٤) أصغر بنات النبي## وأحبهن إلى قلبه، كانت تلقب بالزهراء وهي زوجة علي بن أبي طالب
كرم الله وجهه .
٦٣

.....---
الأولى بمكة قبل الهجرة وهاجر بها إلى الحبشة، والثانية بالمدينة بعد أن ماتت
أختها، ومنها فاطمة وهي أصغر بناتها تزوجها علي بن أبي طالب. وقد جاءت
خديجة بأولاد توفوا صغاراً، ولم يعش بعد رسول الله من أولاده إلا فاطمة
عاشت بعده قليلاً. ولما توفيت خديجة حزن عليها رسول الله حزناً شديداً، لما
كانت عليه من الرقة لرسول الله ومحاجزة الكفار عنه، لما لها من الجاه في
عشيرتها بني أسد، ومنها القاسم وكان به يكنى رسول الله وَّ وعبد الله الملقب
بالطيب والطاهر.
(١)
زواج سَوْدَة (١)
وعقد ◌ّر في الشهر الذي ماتت فيه خديجة على سودة بنت زمعة
العامرية القرشية بعد أن توفي عنها زوجها وابن عمها السكران بن عمرو، وقد
كانت آمنت بالله ورسوله وخالفت أقاربها وبني عمها، وهاجرت مع زوجها إلى
الحبشة في المرة الثانية خوف الفتنة، وعقب رجوعه من هجرته توفي عنها،
فلم يكن أجمل مما صنعه الرسول بزوج رجل آمن به، ولو تركت لقومها مع
ماهم عليه من الغلظة وكراهة الإِسلام لفتنوها، وكرم نسبها في قومها يمنعها
من التزوج برجل أقل منها نسباً وشرفاً.
زواج عائشة رضي الله عنها
وبعد ذلك بشهر عقد على عائشة بنت صديقه أبي بكر وهي لا تتجاوز
السابعة من عمرها، ولم يتزوج عليه السلام بكراً غيرها ودخل عليها بالمدينة.
أما سَودة فدخل عليها بمكة .
وبعد وفاة خديجة بنحو شهر توفي عمه أبو طالب الذي كان يمنعه من
أذى أعدائه، ومع أنه لا يكذب رسول الله فيما جاء به بل يعتقد صدقه لم ينطق
(١) تزوجها بعد خديجة رضي الله عنها.
٦٤
٠٠ ۔

بالشهادتين حتى آخر لحظة من حياته ، وفيه نزل: ﴿إِنَّكَ لَاتَهْدِى مَنْ أَحَيْتَ.
وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾(١). ولكن لأعماله العظيمة
التي عملها مع رسول الله نرجو أن يخفف عنه وعدم إسلامه هو وغالب أقارب
الرسول فيه من الحكمة ما لا يخفى، فإنهم لو بادروا باتباعه لقيل: قوم يطلبون
سيادة وفخراً ليسا لهم فجاؤوا بهذا الأمر المفترى، ولكن لما رأى المعاندون
أن متبعیه هم الغرباء عنه الذین ليسوا من عشیرته، بل من أعدائها أحیاناً کعثمان بن
عفان من بني أمية، لم يكن عندهم أدنى حجة يقيمونها اللهم إلا دعاويهم
الكاذبة التي كانوا يتمسكون بها حينما تصدعهم الحجة من قولهم: ساحر
يفرق بين المرء وزوجه، وكان يتكهن بالغيب. وقد سمَّى رسول الله هذا العام
الذي فقد فيه زوجه وعمه عامَ الحزن. ولما مات أبو طالب نالت قريش من
رسول الله ما لم يمكنها نيله في حياة أبي طالب، واشتد عليه الأمر حتى كانوا
ينثرون التراب على رأسه وهو سائر ويضعون أوساخ الشاة عليه في صلاته،
وتعلقت به كفار قريش مرة يتجاذبونه ويقولون له أنت الذي تريد أن تجعل
الآلهة إلهاً واحداً؟! فما تقدم أحد من المسلمين ليخلصه لما هم عليه من
الضعف إلا أبا بكر، فإنه تقدم وقال: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله؟!
هجرة الطائف
فلما رأى عليه الصلاة والسلام استهانة قريش به أراد أن يتوجه إلى ثقيف
بالطائف(٢) يرجو منهم نصرته على قومه ومساعدته حتى يتمم أمر ربه، لأنهم
أقرب الناس إلى مكة وله فيهم خؤولة، فإن أم هاشم بن عبد مناف عاتكة
السلمية من بني سليم بن منصور وهم حلفاء ثقيف، فلما توجه إليهم ومعه
مولاه زيد بن حارثة، قابل رؤساءهم وكانوا ثلاثة عبد ياليل ومسعود وحبيب
أولاد عمر بن عمير الثقفي، فعرض عليهم نصرته حتی یؤدِّي دعوته، فردوا
(١) سورة القصص آية ٥٦.
(٢) بلد في الجنوب الشرقي من مكة.
٦٥

عليه رداً قبيحاً ولم ير منهم خيراً، وحينذاك طلب منهم ألا يشيعوا ذلك عنه
كيلا تعلم قريش فيشتد أذاهم لأنه استعان عليهم بأعدائهم، فلم تفعل ثقيف
ما رجاه منهم وَّة، بل أرسلوا سفهاءهم وغلمانهم يقفون في وجهه في الطريق
ويرمونه بالحجارة حتى أَدَمْوا عقبه. وكان زيد بن حارثة يدرأ عنه(١) إلى أن
انتهى إلى شجرة كرم واستظل بها، وكانت بجوار بستان لعتبة وشيبة ابني ربيعة
وهما من أعدائه، وكانا في البستان، فكره رسول الله * مكانهما، فدعا الله
قائلاً: ((اللهم إني أشكو اليك ضعف قوتي وقلَّة حيلتي وهواني على الناس، يا
أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكِلُني، إلى بعيد
يتجهَّمُني أم إلى عدوّ ملكته أمري، إن لم يكن بك غضب عليَّ فلا أبالي،
ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات،
وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تُنزل بي غضبك أو يحلَّ عليَّ سخطك،
لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك)» فلما رآه ابنا ربيعة رقًّا له
وأرسلا إليه بقطف من العنب مع مولى نصراني اسمه عدّاس، فلما ابتدأ
رسول الله يأكل قال (بسم الله الرحمن الرحيم) فقال عداس هذا الكلام ما
يقوله أهل هذه البلاد، فقال له عليه السلام: من أي البلاد أنت وما دينك؟
فقال نصراني من نينوى(٢) فقال له عليه السلام: من قرية الرجل الصالح
يونس بن متّى؟ قال: وما علمك بيونس؟ فقرأ له من القرآن ما فيه قصة يونس
فلما سمع ذلك عداس أسلم، وأتى جبريل برسالة من الله جل ذكره وقال: إن
الله أمرني أن أطيعك في قومك لما صنعوه معك، فقال عليه السلام: ((اللهم
اهْدِ قومي فإنهم لا يعلمون)» فقال جبريل: صدق من سمَّاك الرؤوف الرحيم !!
ولما كان بنّحْلة وفد عليه نفر من الجن يستمعون القرآن. وهم ممن
ينتمون الى موسى صلوات الله عليه فلما سمعوه أنصتوا له ورجعوا إلى قومهم
منذرين وأبلغوهم خبر رسول الله وَ﴿، وفيهم نزل: ﴿ وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ.
٠ -..
(١) يمنع عنه الحجارة .
(٢) بلد على شاطىء دجلة وهي آخر ما ينتهي إليه العراق وأمامها مدينة الموصل.
٦٦
-----
.. .. .
٠٫٠٠
١٠٠م ...

آِنّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنِصِتُوا فَلَا تُضِىَ وَلَّوْا إِلَى قَوْيِهِم مُنذِرِينَ
قَالُوا يَنْقَوْمَنَآَ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَبًا أَنْزِلَ مِنْ بَعْدٍ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ بَدَيْهِ بَلِىّ إلى
اَلْحَقِّ وَ إِلَى طَرِيقٍ مُسْتَفِيٍ ﴾ يَنفَوَمَنَا أَجِبُوْ دَاعِىَ اللهِ وَامِنُواْ بِهِ يَغْفِرْ لَكُ مِّنْ
ذُنُوبِكُمْ وَيْهِرَكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِمٍ ﴾ وُمِنْ لَا يُحِبْ دَاعِىَ اللهِ فَلَيْسَ بِمُعٍِْ فِ الْأَرْضِ وَلَيْسَ
ح
ثُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُوْلَئِكَ فِ ضَلَالِ مُبِينٍ﴾(١) وقد قص الله قصة الجن بعبارة
قُلْ أَوِحِى إِلَىَّأَنَّهُ أَسْتَمَعَ نَفْرٌ مِّنَ الِحِنّ
أطول في سورة سميت باسمهم أولها: ﴿
فَقَالُواْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَبًا * يَهْدِىّ إِلَى الرُّشْدِ فَقَامَنَّا بِهِ، وَلَن تُشْرِكَ بِيِّنَا أَحَدًا﴾(٢).
الاحتماء بالمطعم بن عدي (٣)
ولما رجع عليه السلام من الطائف هكذا لم يتمكن من دخوله مكة، لما
علمه كفار قريش من أنه توجه إلى الطائف يستنصر بأهليها عليهم، فأرسل عليه
السلام إلى المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف يخبره أنه سيدخل مكة في
جواره، فأجابه إلى ذلك وتسلح هو وبنوه وتوجهوا مع رسول الله ويشير إلى
المطاف، فقال له بعض المشركين: أمجير أنت أم تابع؟ فقال: بل مجير.
قالوا: إذن لا تخفر ذمتك.
وفد دوْس
وقدم على رسول الله صله وهو بمكة الطّفَيل (٤) بن عمرو الدَّوسي من
(١) سورة الأحقاف: الآيات ٢٩ - ٣٢.
(٢) سورة الجن: الآيتان ١ - ٢.
(٣) طلب النبي# الحماية من المطعم بن عدي وكان مشركاً ودخل يومها النبي # المسجد
الحرام.
(٤) نشأ بين أسرة كريمة، وأخلص في إسلامه، اشترك في حرب الردة واستشهد في موقعة اليمامة
بعد قتال عنيف، رحمه الله .
٦٧

------
قبيلة دَوْس عشيرة أبي هريرة الصحابي الشهير، وكان الطفيل شريفاً في قومه
شاعراً نبيلاً، فلما قرأ عليه القرآن أسلم، فقال له رسول الله: اذهب إلى قومك
فادْعُهم إلى الإِسلام، ودعا لهم رسول الله فقال: اللهم اهْد دَوْساً، فتوجه
اليهم الطفيل ودعاهم فآمن بدعوته كثير منهم. وستأتي وفادته على الرسول مرة
ثانية بقومه في المدينة .
------ ---
مجاالاشك_ حتى الخفية
..---
-------
٠٫٠٠
٦٨

الإِسراء والمعراج(١).
وقبل الهجرة أكرمه الله بالإسراء والمعراج. أما الإِسراء فهو توجهه ليلاً
إلى بيت المقدس بإيلياء ورجوعه من ليلته، وأما المعراج فهو صعوده إلى
العالم العلوي، وقد قال جمهور أهل السنة، إن ذلك كان بجسمه الشريف،
وكانت عائشة رضي الله عنها تمنع رؤية رسول الله ربه وتقول: من قال إن
محمداً رأى ربه فقد أعظم الفرية على الله. والإِسراء مذكور في القرآن
الكريم، قال تعالى: ﴿ سُبْحَنَ لَّذِىّ أَسْرَيٍ بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى
الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِىِ بَكَ حَوْلَهُ لِثُرِيَهُ، مِنِ ءَايِنَآَ إِنَّهُ هُوَ اَلَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾(٢)
وأما المعراج فقد ورد في صحيح السنة، وأصح أحاديثه ما رواه
الشيخان ونقله القاضي عياض في شفائه عن أنس بن مالك رضي الله عنه
قال: قال رسول الله وَله: ((أتيت بالبُراق (وهو دابة فوق الحمار ودون البغل يضع
حافره عند منتهى طَرْفه) قال: فركبته حتى أتيت بيت المقدس فربطته بالحلقة
التي تَرْبِطُ بها الأنبياء، ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت،
فأتاني جبريل بإناءٍ من خمر وإناءٍ من لبن فاخترت اللبن، فقال جبريل:
اخترت الفطرة، ثم عُرج بنا إلى السماء فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟ قال
جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بُعث إليه؟ قال: قد بُعث إليه.
ففتح لنا فإذا بآدم فرحب بي ودعا لي بخير.
ثم عُرج بنا إلى السماء الثانية، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال:
(١) كان الإسراء والمعراج في السابع والعشرين من رجب قبل الهجرة بسنة.
(٢) سورة الإسراء: آية ١.
٦٩

--- --------
..--
جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل وقد بُعث إليه؟ قال: قد بعث
إليه. ففتح لنا فإذا أنا بابني الخالة يحيى وعيسى ابن مريم فرحبا بي ودعوا لي
بخير .
ثم عُرج بنا إلى السماء الثالثة فذكر مثل الأول ففتح لنا وإذا أنا
بيوسف، وإذا هو قد أُعطي شطر الحُسن فرحب ودعا لي بخير.
ثم عُرج بنا إلى السماء الرابعة فذكر مثله، فإذا أنا بإدريس فرحب بي
ودعا لي بخير. قال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾(١)
ثم عُرِج بنا إلى السماء الخامسة فذكر مثله، فإذا أنا بهارون فرحب بي
ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء السادسة فذكر مثله، فإذا أنا بموسى
فرحب بي ودعا لي بخير.
ثم ◌ُرج بنا إلى السماء السابعة، فذكر مثله، فإذا أنا بإبراهيم مسنداً
ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون
إليه، ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى فإذا أوراقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها
كالقلال فلما غشيها من أمر ربي ما غشيها تغيرت، فما أحد من خلق الله
يستطيع أن ينعتها من حسنها، فأوحى الله إليَّ ما أوحى، ففرض عليَّ وعلى
أمتي خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فنزلت إلى موسى فقال: ما فرض ربك
على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة، قال: ارجع إلى ربك فسلْه التخفيف، فإن
أمتك لا يطيقون ذلك، فإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم، قال: فرجعت
إلى ربي وقلت له: يا ربي خفّف عن أمتي، فحطَّ عني خمساً، فرجعت إلى
موسى فقلت: حطَّ عني خمساً، قال: إن أمتك لا يطيقون ذلك، فارجع إلى
ربك فسَلْه التخفيف، قال: فلم أزل أرجع بين ربي تعالى وبين موسى
حتى قال سبحانه: يا محمد إنهنَّ خمس صلوات كل يوم وليلة لكل صلاة
عشر فتلك خمسون صلاة، ومن همّ بحسنة فلم يعملها كُتبتْ له حسنة، ومن
(١) سورة مريم آية ٥٧ .
٧٠
L'

همَّ بحسنة فعملها كُتبت له عشراً، ومن همَّ بسيئة فلم يعملها لم تُكتب له
شيئاً، ومن همَّ بسيئة فعملها كُتبتْ له سيئة واحدة. قال: فنزلت حتى انتهيت
إلى موسى فأخبرته، فقال: ارجع إلى ربك فسله التخفيف، فقلت: قد
رجعت إلى ربي حتى استحيّيْت منه)). ثم رجع عليه السلام من ليلته فلما
أصبح غدا إلى نادي قريش، فجاء إليه أبو جهل بن هشام فحدثه
رسول الله وَ ليّ بما جرى له، فقال أبو جهل: يا بني كعب بن لؤي هلمُّوا،
فأقبل عليه كفار قريش، فأخبرهم الرسول الخبر، فصاروا بين مصفق وواضع
يده على رأسه تعجباً وإنكاراً، وارتد ناس ممن كان آمن به من ضعاف
القلوب، وسعى رجال إلى أبي بكر فقال: إن كان قال ذلك لقد صدق قالوا:
أتصدقه على ذلك؟ قال: إني لأصدّقه على أبعد من ذلك، فسمِّ من ذلك
اليوم صدِّيقاً. ثم قام الكفار يمتحنون رسول الله فسألوه نعت بيت المقدس
وفيهم رجال رأوه، أما رسول الله وَ له فلم يكن رآه قبل ذلك، فجلاه الله فصار
يصفه لهم باباً باباً وموضعاً موضعاً، فقالوا: أما النعت فقد أصاب، فأخبرنا عن
عِيرنا وكانت لهم عِيرٌ قادمة من الشام، فأخبرهم بعدد جمالها وأحوالها وقال
تقدم يوم كذا مع طلوع الشمس يقدمها جمل أَوْرَق(١) فخرجوا يشتدون ذلك
اليوم نحو الثنية، فقال قائل منهم: هذه والله الشمس قد أشرقت، فقال آخر:
وهذه والله العِير قد أقبلت يقدمها جمل أَوْرق كما قال محمد، ثم لم يزدهم
ذلك إلا كبراً وعناداً حتى قالوا هذا سحر مبين.
وفي صبيحة ليلة الإسراء جاء جبريل وعلَّم رسول الله كيفية الصلاة
وأوقاتها، فيصلي ركعتين إذا ظهر الفجر وأربع ركعات إذا زالت الشمس ومثلها
إذا ضوعف ظل الشيء وثلاثاً إذا غربت وأربعاً إذا غاب الشفق الأحمر. وكان
عليه السلام قبل مشروعية الصلاة يصلي ركعتين صباحاً ومثليهما مساءً كما
يفعل إبراهيم عليه السلام.
(١) لونه بين الغبرة والسواد.
٧١

العرض على القبائل
ولما رأى رسول الله أنه يجد من قريش من تأدية الرسالة وتسلط الكبر
والعظمة على قلوبهم، أراد الله أن يظهر أمر الدين على أيدي غيرهم من
العرب، فكان عليه السلام يخرج في المواسم العربية (وهي أسواق(١) كانت
العرب تعقدها للتجارة والمفاخرة) ويعرض نفسه على القبائل ليحموه حتى
يؤدي رسالة ربه، فكان بعضهم يردُّ ردّاً جميلاً، وآخرون رداً قبيحاً. وكان من
أقبح القبائل رداً بنو حنيفة رهط مُسَيْلِمَة الكذّاب. وطلب منه بنو عامر إن هم
آمنوا به أن يجعل لهم أمر الرياسة من بعده. فقال لهم: الأمر لله يضعه حيث
يشاء .
وكان من الذين يحجون البيت عرب يثرب، وهي مدينة بين مكة والشام
يقطنها قبيلتان إحداهما من ولد الأوس والثانية من ولد الخزرج وهما أخوان،
وكان بين أولادهما من العداوة ما يجعل الحرب لا تضع أوزارها بين الفريقين،
فكانوا دائماً في شقاق ونزاع، وكان يجاورهم في المدينة أقوام من اليهود وهم
بنو قَيْنُقاع وبنو قُرَيْظة وبنو النَّضِير، وكان لهم الغلبة على يثرب أولاً، فحاربهم
العرب حتى صاروا ذوي النفوذ فيها والقوة. وكان اليهود إذا خذلوا يستفتحون
على أعدائهم باسم نبي يبعث قد قرب زمانه .. ولما اختلفت كلمة العرب فيما
بينهم وشقت عصا الألفة حالفوا اليهود على أنفسهم: فحالف الأوس بني
قريظة، وحالف الخزرج بني النضير وبني قَيْنُقاع. وآخر الأيام بينهم يوم بُعاث
قتل فيه أكثر رؤسائهم ولم يبق إلا عبد الله بن أبي بن سلول من الخزرج وأبو
عامر الراهب من الأوس. ولذلك كانت عائشة تقول كان يوم بُعاث يوماً قدمه
الله لرسول الله #، وقد خطر ببال رؤساء الأوس أن يحالفوا قريشاً على
الخزرج، فأرسلوا إياس بن معاذ وأبا الخَيْسر أنس بن رافع مع جماعة يلتمسون
ذلك الحلف في قريش، فلما جاؤوا مكة جاءهم رسول الله وقال: هل لكم
في خير مما جئتم له؟ أن تؤمنوا بالله وحده ولا تشركوا به شيئاً. وقد أرسلني
(١) أشهر هذه الأسواق ثلاثة: عكاظ، ومجنَّة، وذو المجاز.
٧٢
٠٠٠٠٠
...-- ----
-------
.....
-----
٠٠٠ .. .........

الله إلى الناس كافة، ثم تلا عليهم القرآن، فقال إياس بن معاذ: يا قوم هذا
والله خير مما جئنا له، فحصبه أبو الحيسر وقال له: دعنا منك لقد جئنا لغير
هذا، فسكت.
بدء إسلام الأنصار
ولما جاء الموسم تعرض رسول الله لنفر منهم يبلغون الستة وكلهم من
الخزرج، وهم أسعد بن زرارة وعوف بن الحارث من بني النجار، ورافع بن
مالك من بني زريق، وقطبة بن عامر من بني سلمة، وعقبة بن عامر من بني
حرام، وجابر بن عبد الله من بني عبيد بن عدي، ودعاهم إلى الإِسلام وإلى
معاونته في تبليغ رسالة ربه، فقال بعضهم لبعض: إنه للنبي الذي كانت
تعدكم به يهود فلا يسبقنكم إليه، فآمنوا به وصدقوه وقالوا: إنا تركنا قومنا بينهم
من العداوة ما بينهم، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك. ووعدوه
المقابلة في الموسم المقبل، وهذا هو بدء الإِسلام لعرب يثرب.
العقبة الأولى (١)
فلما كان العام المقبل قدم اثنا عشر رجلاً منهم عشرة من الخزرج واثنان
من الأوس وهم: أسعد بن زرارة(٢) وعوف ومعاذ ابنا الحارث ورافع بن مالك،
وذكوان بن قيس، وعُبادة بن الصامت، ويزيد بن ثعلبة، والعباس بن عبادة،
وعقبة بن عامر، وقطبة بن عامر. وهؤلاء من الخزرج. وأبو الهيثم بن التّيِّهان،
وعُوَيم بن ساعدة وهما من الأوس، فاجتمعوا به عند العقبة وأسلموا وبايعوا
رسول الله ## على بيعة النساء - وذلك قبل أن تفترض الحرب - على ألا
يشركوا بالله شيئاً ولا يسرقوا ولا يزنوا ولا يقتلوا أولادهم ولا يأتوا ببهتان يفترونه
(١) العقبة هي المكان الذي ترمى فيه الجمار أيام الحج.
(٢) من بني النجار، وهو من الذين أسلموا من الخزرج يوم عرض رسول الله # دعوته، ومن
الذين حضروا بيعة العقبة الأولى والثانية .
٧٣

- ---- -- --- --- - ---- --
٠.٠
بين أيديهم وأرجلهم ولا يعصونه في معروف، فإن وفوا فلهم الجنة وإن غشوا
من ذلك شيئاً فأمرهم إلى الله عز وجل إن شاء غفر وإن شاء عذب، وهذه هي
العقبة الأولى .
فأرسل لهم عليه السلام مصعب بن عمير العبدري(١)، وعبد الله بن أم
مكتوم - وهو ابن خالة خديجة - يقرآنهم القرآن ويفقهانهم في الدين. ونزل
مصعب على أحد المبايعين أبي أمامة أسعد بن زرارة وصار يدعو بقية الأوس
والخزرج للإِسلام، وبينما هو في بستان مع أسعد بن زرارة إذ قال سعد بن
معاذ رئيس قبيلة الأوس لُأسَيْد بن حُضير ابن عم سعد: ألا تقوم إلى هذين
الرجلين اللذين أتيا يسفهان ضعفاءنا لتزجرهما، فقام لهما أُسيد بحربته، فلما
رآه أسعد قال لمصعب: هذا سيد قومه وقد جاءك فاصدق الله فيه، فلما وقف
عليهما قال: ما جاء بكما تسفهان ضعفاءنا اعتزلا إن كان لكما بأنفسكما
حاجة. فقال مصعب: أو تجلس فتسمع؟ فإن رضيت أمراً قبلته وإن كرهته
كففنا عنك ما تكره، فقرأ عليه مصعب القرآن فاستحسن دين الإِسلام وهداه
الله له فتشهَّد، ورجع إلى سعد فسأله عما فعل فقال: والله ما رأيت بالرجلين
بأساً فغضب سعد وقام لهما متغيظاً، ففعل معه مصعب كسابقه فهداه الله
للإِسلام ورجع لرجال بني عبد الأشهل - وهم بطن من الأوس - فقال لهم: ما
تعدونني فيكم؟ قالوا سيدنا وابن سيدنا. قال كلام رجالكم ونسائكم عليَّ حرام
حتى تسلموا، فلم يبق بيت من بيوت بني عبد الأشهل إلا أجابه، وقد انتشر
الإِسلام في دور يثرب حتى لم يكن بينهم حديث إلا أمر الإِسلام.
٫٫٠٠٠٠
العقبة الثانية (٢)
ولما كان وقت الحج في العام الذي يلي البيعة الأولى، قدم مكة
(١) واحد من أولئك الذين رباهم محمد #. ولد في النعمة وغذي بها. شهد غزوة بدر، وحمل
اللواء يوم أحد واستشهد في هذه الغزوة رحمه الله .
(٢) بيعة العقبة الثانية كانت أخطر بيعة في تاريخ الدعوة الإسلامية فقد كانت حداً فاصلاً بين:
٧٤
٠ ٠

كثيرون منهم يريدون الحج، وبينهم كثير من مشركيهم، ولما قابل وفدهم
رسول الله واعدوه المقابلة ليلاً عند العقبة، فأمرهم ألا ينبهوا في ذلك الوقت
نائماً ولا ينتظروا غائباً، لأن كل هذه الأعمال كانت خفية من قريش، كيلا
يطلعوا على الأمر فيسعوا في نقض ما أبرم، شأنهم مع رسول الله في أول
أمره، ولما فرغ الأنصار من حجهم توجهوا إلى موعدهم، كاتمين أمرهم عمن
معهم من المشركين، وكان ذلك بعد مضي ثلث الليل الأول، فكانوا يتسللون
الرجل والرجلين حتى تمّ عددهم ثلاثة وسبعين رجلاً، منهم اثنان وستون من
الخزرج، وأحد عشر من الأوس، ومعهم امرأتان وهما نسيبة بنت كعب من
بني النجار وأسماء بنت عمرو من بني سلمة، ووافقهم رسول الله هناك وليس
معه إلا عمه العباس بن عبد المطلب وهو على دين قومه، ولكن أراد أن
يحضر أمر ابن أخيه ليكون متوثقاً له، فلما اجتمعوا عرّفهم العباس بأن ابن
أخيه لم يزل في منعة من قومه، حيث لم يمكنوا منه أحداً ممن أظهر له
العدواة والبغضاء وتحملوا من ذلك أعظم الشدة، ثم قال لهم: إن كنتم ترون
أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من
ذلك. وإلا فدعوه بين عشيرته فإنهم لبمكان عظيم. فقال كبيرهم المتكلم
عنهم البراء بن معرور: والله لو كان لنا في أنفسنا ما ننطق لقلناه ولكنا نريد
الوفاء والصدق وبذْل مهجنا دون رسول الله، وعند ذلك قالوا لرسول الله والآن:
خذ لنفسك ولربك ما أحببت. فقال: أشترط لربي أن تعبدوه وحده ولا تشركوا
به شيئاً، ولنفسي أن تمنعوني مما تمنعون عنه نساءكم وأبناءكم متى قدمت
عليكم، فقال له أبو الهيثم بن التِيِّهان: يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال
عهوداً وإنا قاطعوها، فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع
إلى قومك وتدعنا؟ فتبسَّمِ ﴿، وقال: بل الدمَ الدَّمَ والَهَدّمَ الهَدَمَ، أي إن
طالبتم بدم طالبت به وإن أهدرتموه أهدرته.
■ عهدين من عهود الدعوة ولقد منَّ الله عليهم بهذه النعمة إذ يقول:(( واذكروا إذا أنتم قليل
مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس، فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من
الطيبات لعلكم تشكرون» .
٧٥
....
----------- -

وحينذاك ابتدأت المبايعة وهي العقبة الثانية، فبايعه الرجال على ما
طلب. وأول من بايع أسعد بن زرارة، وقيل البراء بن معرور، ثم تخير منهم
اثني عشر نقيباً لكل عشيرة منهم واحد، تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس
وهم: أبو الهيثم بن التيهان، وأسعد بن زرارة، وأُسيد بن حُضير، والبراء بن
معرور، ورافع بن مالك، وسعد بن أبي خيثمة وسعد بن الربيع، وسعد بن
عبادة وعبد الله بن رواحة، وعبد الله بن عمر، وعبادة بن الصامت، والمنذر بن
عمرو. ثم قال لهم: أنتم كفلاء على قومكم ككفالة الحواريين لعيسى بن
مريم وأنا كفيل على قومي. ولأمر ما أراده الله بلغ خبر هذه البيعة مشركي
قريش، فجاؤوا ودخلوا شِعب الأنصار وقالوا: يا معشر الخزرج بلغنا أنكم
جئتم لصاحبنا تخرجونه من أرضنا وتبايعونه على حربنا؟ فأنكروا ذلك وصار
بعض المشركين الذين لم يحضروا المبايعة يحلفون لهم أنهم لم يحصل منهم
شيء في ليلتهم، وعبد الله بن أُبيّ كبير الخزرج يقول: ما كان قومي ليفتاتوا
علي بشيء من ذلك.
هجرة المسلمين إلى المدينة
ولما رجع الأنصار إلى المدينة ظهر بينهم الإِسلام أكثر من المرة
الأولى. أما رسول الله وسير وأصحابه فازداد عليهم أذى المشركين لما سمعوا أنه
حالف قوماً عليهم، فأمر عليه السلام جميع المسلمين بالهجرة إلى المدينة،
فصاروا يتسللون خيفة قريش أن تمنعهم. وأول من خرج أبو سلمة المخزومي
زوج أم سلمة ومعه زوجه، وكان قومها منعوها منه ولكنهم أطلقوها بعد فلحقت به، .
وتتابع المهاجرون فراراً بدينهم ليتمكنوا من عبادة الله الذي امتزج حبه بلحمهم
ودمهم، حتى صاروا لا يعبؤون بمفارقة أوطانهم والابتعاد عن آبائهم وأبنائهم،
ما دام في ذلك رضى الله ورسوله. ولم يبق بمكة منهم إلا أبو بكر وعلي
وصهيب وزيد بن حارثة وقليلون من المستضعفين الذين لم تمكنهم حالهم من
· الهجرة، وقد أراد أبو بكر الهجرة، فقال له عليه السلام: على رِسْلِك(١) فإني
(١) على مهلك.
٧٦