النص المفهرس

صفحات 41-60

حقيقيٍّ يرث ويُورث، وأجابت أيضاً أم أيمن حاضنته التي زوَّجها لمولاه زيد.
وأول من أجابه من غير أهل بيته أبو بكر بن أبي قحافة بن عامر بن كعب بن
سعد بن تَيْم بن مرة التيمي القرشي، كان صديقاً لرسول الله (وَّم قبل النبوة
يعلم ما اتصف به من مكارم الأخلاق ولم يعهد عليه كذباً منذ اصطحبا، فأول
ما أخبره برسالة الله أسرع بالتصديق وقال: بأبي أنت وأمي، أهل الصدق
أنت، أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. كان رضي الله عنه صدراً
معظماً في قريش على سعة من المال وكرم الأخلاق، وكان من أعف الناس
سخياً يبذل المال محبباً في قومه حسن المجالسة، ولذلك كله كان من
رسول الله* بمنزلة الوزير، فكان يستشيره في أموره كلها وقال في حقه: ((ما
دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت له كبوة غير أبي بكر)). وكانت الدعوة إلى
الإِسلام سراً حذراً من مفاجأة العرب بأمر شديد كهذا، فيصعب استسلامهم.
فكان عليه السلام لا يدعو إلا من يثق به .. ودعا أبو بكر إلى الإِسلام من يثق
به من رجال قريش فأجابه جمع :
(منهم) عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن
عبد مناف الأموي القرشي، ولما علم عمه الحَكّم بإسلامه أوثقه كتافاً وقال:
ترغب عن دين آبائك إلى دين مستحدّث !! والله لا أحلُّك حتى تدع ما أنت
عليه، فقال عثمان : والله لا أدعه ولا أفارقه. فلما رأى الحكّم صلابته في الحق
ترکه، وکان کھلا يناهز الثلاثين من عمره.
(ومنهم) الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي
القرشي وأمه صفية بنت عبد المطلب، وكان عم الزبير يرسل الدخان عليه وهو
مقيد ليرجع إلى دين آبائه، فقواه الله بالثبات، وكان شاباً لا يتجاوز سن
الاحتلام .
(ومنهم) عبد الرحمن بن عوف بن عبد مناف بن الحارث بن زهرة بن
كلاب القرشي الهاشمي وكان اسمه في الجاهلية عبد عمرو، فسماه عليه
السلام عبد الرحمن.
٣٧

.... .
(ومنهم) سعد بن أبي وقاص مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن
كلاب الزهري القرشي. ولما علمت أمه حَمْنة بنت أبي سفيان بن أمية
بإسلامه، قالت له: يا سعد بلغني أنك قد صبأت(١)! فوالله لا يظللني سقف
من الحر والبرد، وإن الطعام والشراب عليّ حرام حتى تكفر بمحمد، وبقيت
كذلك ثلاثة أيام فجاء سعد إلى رسول الله وَّه وشكا إليه أمر أمه فنزل في ذلك
تعليماً، قول الله تعالى في سورة العنكبوت ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنِسَانَ بِوَلِدَيْهِ حُسْنًّا
وَإِن جَهَدَاكَ لِيُشْرِكَ بِى مَالَيْسَ لَّكَ بِهِءَ عِلَّمْ فَلَا تُطِعْهُمَاً إِلَىَّ مَرْ جِعُكُمْ
فَأَنَّبِّئُكُم بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾(٢). وصّاه جلَّ ذكره بوالديه وأمره بالإِحسان إليهما
مؤمنيْن كانا أو كافريْن، أما إذا دعواه للإِشراك فالمعصية متحتمة. لأن كل
حق، وإن عظُم، ساقط هنا، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ثم قال:
إليّ مرجعكم من آمن منكم ومن أشرك فأجازيكم حق جزائكم. وفي ختام
هذه الآية فائدتان: التنبيه على أن الجزاء إلى الله، فلا تحدّث نفسك
بجفوتهما لإشراكهما، والحض على الثبات في الدين لئلا ينال شرّ جزاء في
الأخرى.
(ومنهم) طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن
تيم بن مرة التيمي القرشي، وقد كان عرف من الرهبان ذكر الرسول وصفته،
فلما دعاه أبو بكر وسمع من رسول الله ما نفعه الله به، ورأى الدين متيناً بعيداً
عما عليه العرب من المثالب، بادر إلى الإِسلام.
(وممن) سبقوا إلى الإِسلام صهيب الرومي (٣) وكان من الموالي،
وعمار بن ياسر العنسي. وقد قال رضي الله عنه: رأيت رسول الله وَالر وما معه
إلا خمسة أعبد وامرأتان وأبو بكر، وكذلك أسلم أبوه ياسر وأمه سُميَّة.
(١) صبأ: خرج من دينه إلى دين آخر.
(٢) سورة العنكبوت: آية ٨.
(٣) تحمل من أجل إسلامه أشد أنواع العذاب وافتدى نفسه بماله كله عندما منعته قريش من
الهجرة.
٣٨
٠٫٠٠٠

(ومن) السابقين الأولين عبد الله بن مسعود(١) كان يرعى الغنم لبعض
مشركي قريش، فلما رأى الآيات الباهرة وما يدعو إليه الإِسلام من مكارم
الأخلاق، ترك عبادة الأوثان ولزم رسول الله وَله، وكان رضي الله عنه كثير
· الدخول على الرسول لا يحجب ويمشي أمامه ويستره إذا اغتسل ويوقظه إذا
نام ويلبسه نعليه إذا قام، فإذا جلس أدخلهما في ذراعيه .
(ومن) السابقين الأولين أبو ذر الغفاري (٢) وكان من أعراب البادية
فصيحاً حلو الحديث، ولما بلغه مبعث رسول الله قال لأخيه: اركب إلى هذا
الوادي فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي يأتيه الخبر من السماء،
واسمع من قوله ثم اثْتني. فانطلق الأخ حتى قدم مكة وسمع من قول
الرسول ◌َّ ثم رجع إلى أبي ذر فقال: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق ويقول كلاماً
ما هو بالشعر، فقال ما شفيتني مما أردت. فتزود وحمل قربة له فيها ماء حتى
قدم مكة، فأتى المسجد فالتمس النبي وَله ولا يعرفه، وكره أن يسأل عنه لما
يعرفه من كراهة قريش لكل من يخاطب رسول الله وَله، حتى إذا أدركه الليل
رآه عليّ فعرف أنه غريب فأضافه عنده، ولم يسأل أحد منهما صاحبه عن
شيء (على قاعدة الضيافة عند العرب لا يسأل الضيف عن سبب قدومه إلا
بعد ثلاث) فلما أصبح احتمل قربته وزاده إلى المسجد وظل ذلك اليوم ولا
يراه الرسول حتى أمسى، فعاد إلى مضجعه فمرّ به عليّ فقال: أما آن للرجل
أن یعرف منزله الذي أُضيف به بالأمس؟ فأقامه فذهب معه لا يسأل واحد
منهما صاحبه عن شيء. حتى إذا كان اليوم الثالث عاد عليّ مثل ذلك ثم قال
له عليّ: ألا تحدثني ما الذي أقْدمَك؟ قال: إن أعطيتني عهداً وميثاقاً
لترشدني فعلت، ففعل فأخبره، قال: فإنه حق وهو رسول الله صل﴿ فإذا
أصبحت فاتبعني فإني إن رأيت شيئاً أخافه عليك قمت كأني أريق الماء، فإن
(١) سادس من أسلم، وقد قال فيه رسول الله وعليه: من أحبَّ أن يسمع القرآن غضّاً كما أنزل
فليسمعْه من ابن أمّ عبد.
(٢) اسمه جُنْدب بن جنادة، أسلم في الأيام الأولى للدعوة، كان ترتيبه السابع.
٣٩

- جداجميس،٧٠٠ -----------------------------
٠٠
مضيت فاتبعني حتى تدخل مدخلي ففعل. فانطلق يتبع أثره حتى دخل على
النبي ◌َّ ودخل معه فسمع من قوله وأسلم مكانه، فقال له النبي ارجع إلى
قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري، قال: والذي نفسي بيده لأصرحنَّ بها بين
ظَهْرانيهم. فخرج حتى أتى المسجد فنادى بأعلى صوته أشهد أن لا إله إلا
الله وأن محمداً رسول الله، فقام القوم فضربوه حتى أضجعوه وأتى العباس
فأكبَّ عليه وقال: ويلكم أو لستم تعلمون أنه من غفار؟ وأنّ طريق تجارتكم
إلى الشام عليه! فأنقذه منهم. ثم عاد من الغد لمثلها فضربوه وثاروا إليه فأكب
العباس عليه (رواه البخاري). كان رضي الله عنه من أصدق الناس قولاً
وأزهدهم في الدنيا.
(ومن) السابقين سعيد بن زيد العدوي القرشي وزوجه فاطمة بنت
الخطاب أخت عمر، وأمّ الفضل لبابة بنت الحارث الهلالية زوج العباس بن
عبد المطلب، وعُبَيْدة بن الحارث بن عبد(١) المطلب بن هاشم ابن عم
رسول الله ◌َّ#، وأبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي القرشي ابن عمة
رسول الله وَجُ وزوجه أمّ سلمة، وعثمان بن مظعون(٢) الجمحي القرشي وأخوه
قُدامة وعبد الله، والأرقم بن أبي الأرقم المخزومي القرشي .
(ومن) السابقين الأولين خالد بن سعيد بن العاص(٣) بن أمية بن
عبد شمس الأموي القرشي. كان أبوه سيد قريش إذا اعتمَّ لم يعتمَّ قرشي
إجلالاً له، وكان خالد بن سعيد قد رأى في منامه أنه سيقع في هاوية فأدركه
رسول الله وخلصه منها، فجاء إليه وقال إلامَ تدعو يا محمد؟ قال: أدعوك الى
عبادة الله وحده لا شريك له، وأن تخلع ما أنت عليه من عبادة حجر لا يسمع
ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع، والإِحسان إلى والديك، وألّ تقتل ولدك خشية
الفقر، وألّ تقرب الفاحشة ما ظهر منها وما بطن، وألّ تقتل نفساً حرّم الله قتلها
(١) الصحيح هو عبيدة بن الحارث بن المطلب. (الإِصابة).
(٢) من السابقين وهو أول المهاجرين وفاة بالمدينة، كما كان أول المسلمين الذين دفنوا بالبقيع.
(٣) من الرعيل الأول، استشهد في موقعة مرج الصفر في الشام رضي الله عنه.
٤٠

إلا بالحق، وألّ تقرب مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشدّه، وأن
توفي الكيل والميزان بالقسط، وأن تعدل في قولك ولو حكمت على ذوي
قُرباك، وأن توفي لمن عاهدت. فأسلم رضي الله عنه وحينئذ غضب عليه أبوه
وآذاه حتى منعه القوت، فانصرف إلى رسول الله وَچير، فكان يلزمه ويعيش
معه، ويغيب عن أبيه في ضواحي مكة. وأسلم بعده أخوه عمرو بن سعيد.
وهكذا دخل هؤلاء الأشراف في دين الإِسلام، ولم يكن مع
رسول الله ◌َو سيف يضرب به أعناقهم حتى يطيعوه صاغرين، وليس معه ما
يرغب فيه حتى يترك هؤلاء العظماء آباءهم وذوي الثروة منهم ويتبعوا الرسول
ليأكلوا من فضل ماله، بل كان الكثير منهم واسع الثروة أكثر منه عليه السلام
كأبي بكر وعثمان وخالد بن سعيد وغيرهم، والذين اتبعوه من الموالي اختاروا
الأذى والجوع والمشقات مع اتباع الرسول بحيث لو اتبعوا سادتهم لكانوا في
هذه الدنيا أهدأ بالاً وأنعم عيشة، اللهم ليس ذلك إلا من هداية الله وسطوع
أنوار الدين عليهم، حتى أدركوا ما هم عليه من الضلالة وما عليه رسول الله
من الهدى.
الجهر بالتبليغ(١)
مضت كل هذه المدة والنبي عليه الصلاة والسلام يظهر الدعوة في مجامع
قريش العمومية. ولم يكن المسلمون يتمكنون من إظهار عبادتهم حذراً من
تعصب قريش، فكان كل من أراد العبادة ذهب إلى شعاب مكة يصلي
مستخفياً. ولما دخل في الدين ما يربوا على الثلاثين، وكان من اللازم اجتماع
الرسول وَّه بهم ليرشدهم ويعلمهم، اختار لذلك دار الأرقم بن أبي الأرقم -
وهو ممن ذكرنا إسلامهم - ومكث عليه السلام يدعو سراً حتى نزل عليه قوله
تعالى: ﴿فَأَصْدَعُ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾(٢). فبدل الدعوة سراً
(١) جهر النبي بالدعوة بعد ثلاث سنين من النبوة.
(٢) سورة الحجر: آية ٩٤.
٤١

...---
-------- --
...
.... ..... -.
بالدعوة جهراً، ممتثلاً أمر ربه واثقاً بوعده ونصره. فصعد على الصفا فجعل
ينادي: يا بني فهر يا بني عديّ لبطون قريش، فجعل الرجل إذا لم يستطع ان
يخرج أرسل رسولاً لينظر الخبر، فجاء أبو لهب بن عبد المطلب قريشاً فقال
عليه السلام، أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم
مُصدِّقيَّ؟ قالوا نعم ما جربنا عليك كذباً. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب
شديد، فقال أبو لهب: تبّ لك ألهذا جمعتنا؟! فأنزل الله في شأنه ﴿ تَبَّتْ يَدَآ
أَبِ لَبِ وَتَبَّ ◌َ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ، وَمَا كَسَبَ يْ سَبَصْلَى نَارًا ذَاتَ نَبِ جٌ وَأَمْرَ أَتُهُ.
◌َّلَةَ الْخَطَبِ جَ فِى جِيدِهَا حَبْلٌ مِّنْ مَسَدٍ ﴾﴾(١) والقصد من حمل الحطب
المشي بالنميمة، لأنها كانت تقول على رسول الله الأكاذيب في نوادي النساء.
ثم نزل عليه: ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأُقْرَبِينَ﴾(٢) وهم بنو هاشم وبنو المطلب وبنو
نوفل وبنو عبد شمس أولاد عبد مناف ﴿ وَأَخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ أَتَّبَعَكَ مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ فَإِنْ عَصَوْكَ﴾(٢) أي العشيرة والأقربون ﴿فَقُلْ إِلَّى بَرِىٌّ فِمَّا تَعْمَلُونَ﴾(٢)
فجمعهم عليه السلام وقال لهم: إن الرائد لا يكذب أهله، والله لو كذبت
الناس جميعاً ما كذبتكم، ولو غررت الناس جميعاً ما غررتكم، والله الذي لا
إله إلا هو إني لرسول الله إليكم خاصة، وإلى الناس كافة، والله لتموتُنَّ كما
تنامون ولتبعثُنَّ كما تستيقظون ولتحاسبُنَّ بما تعلمون ولتجزُونَّ بالإِحسان
إحساناً وبالسوء سوءاً، وإنها لجنةٌ أبداً أو لنارٌ أبداً. فتكلم القوم كلاماً ليناً غير
عمه أبي لهب الذي كان خصماً لدوداً، فإنه قال: خذوا على يديه قبل أن
تجتمع عليه العرب، فإن سلَّمتموه إذن ذللتم، وإن منعتموه قتلتم. فقال أبو
طالب: والله لنمنعنَّه ما بقينا، ثم انصرف الجمع.
ولما جهر رسول الله (18 بالدعوة سخرت منه قريش، واستهزأوا به في
مجالسهم، فكان إذا مرَّ عليهم يقولون: هذا ابن أبي كبشة يُكلَّمُ من السماء!
وهذا غلام عبد المطلب يكلَّم من السماء لا يزيدون على ذلك، فلما عاب
(١) سورة المسد.
(٢) سورة الشعراء. الآيتان ٢١٤ - ٢١,٦.
٤٢
::

آلهتهم وسفَّه عقولهم وقال لهم: والله يا قوم لقد خالفتم دین أبیکم إبراهیم،
ثارت في رؤوسهم حميَّة الجاهلية غيرةً على تلك الآلهة التي كان يعبدها
آباؤهم، فذهبوا إلى عمه أبي طالب سيِّد بني هاشم، الذي أخذَ على نفسه
. حمايته من أيدي أعدائه، فطلبوا منه أن يُخليَ بينهم وبينه أو يكفّه عما يقول،
فردهم رداً جميلاً فانصرفوا عنه، ومضى رسول الله لما يريده لا يصدُّه عن
مراده شيء. فتزايد الأمر وأضمرت قريش الحقد والعداوة لرسول الله وَل﴿ وحثّ
بعضهم بعضاً على ذلك، ثم مشّوا إلى أبي طالب مرةً أخرى وقالوا له: إنَّ لك
سنّاً وشرفاً ومنزلة منّا، وإنَّا قد طلبنا منك أن تنهى ابن أخيك فلم تنهه عنا،
وإنا لا نصبر على هذا من شَتْمِ آبائنا وتسفيهِ عقولنا وعَيْبِ آلهتنا، فإنهم كانوا
إذا احتجوا بالتقليد في استمرارهم على عدم اتباع الحق ذمهم لعدم استعمال
عقولهم فيما خُلقتِ له، قال الله تعالى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَتَّعُواْ مَآ أَزَّلَ اللهُ
قَالُواْ بَلْ نَبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ◌َابَءَ نَا أَوَلَوْ كَانَ ءَابَؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَبْعًا وَلَا
يَتَدُونَ﴾(١) وقال تعالى: ﴿وَ إِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللهُ وَ إِلَى الرَّسُولِ
قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَنَأْ أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا"
يَهْتَدُونَ﴾(٢) وقالٍ تعالى: ﴿وَ إِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنَّعُواْ مَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُواْ بَلْ نَبِعُ مَا
وَجَدْنَا عَيْهٍ،َ ابَآءَنَا أَوَ لَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوُهُمْ إِلَى عَذَابِ لَّعِيرٍ﴾(٣) وقال
تعالى في بيان حجتهم الداحصة: ﴿بَلْ قَالُو إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَاءَنَا عَلَى ◌ُمَّةٍ وَإِنَّا
عَلَى ءَالَمِهِمْ مُهْتَدُونَ ﴾(٤) ولما شبههم بمن قبلهم من الأمم في هذه المقالة
الدالة على التعصب والعناد قال: ﴿قَلَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ
ءَابَاءَ كُرَّ قَالُواْ إِنَّا بِمَآ أَرْسِلْتُم بِهِ، كَلِفِرُونَ﴾ (٥). فلما تمسكوا بحجة التقليد
لآبائهم، جرّ ذلك إلى وصف آبائهم بعدم العقل وعدم الهداية، فهاج ذلك
(١) سورة البقرة: آية ١٧٠.
(٢) سورة المائدة: آية ١٠٤ .
(٣) سورة لقمان: آية ٢١ .
(٤) سورة الزخرف: آية ٢٣ .
(٥) سورة الزخرف: آية ٢٤ .
٤٣

------- ---
أضغانهم، وقالوا لأبي طالب: إما أن تكفه أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك
أحد الفريقين، ثم انصرفوا فعظُم على أبي طالب فراق قومه، ولم يطب نفساً
بخذلان ابن أخيه، فقال له: يا ابن أخي إن القوم جاؤوني فقالوا لي كذا،
فأبق على نفسك ولا تُحملني من الأمر ما لا أطيق، فظن الرسول أن عمَّه
خاذله فقال: والله يا عمّ لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري(١)
على أن أترك هذا الأمر ما فعلت حتى يُظهره الله أو أهلِكَ دونه، ثم بكى
وَوَلَّى. فقال أبو طالب: أقبل يا ابن أخي، فأقبل عليه، فقال: اذهب فقل ما
أحببت والله لا أُسلمك.
الإِيذاء
ورأى رسول الله وَل﴿ من المشركين كثيرَ الأذى وعظيمَ الشدة، خصوصاً
إذا ذهب إلى الصلاة عند البيت، وكان من أعظمهم أذى لرسول الله جماعة
سُمُوا لكثرة أذاهم بالمستهزئين.
(فأولهم) وأشدهم أبو جهل عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي
القرشي، قال يوماً: يا معشر قريش إنَّ محمداً قد أتى ما ترون من عيب دينكم
وشتم آلهتكم وتسفيه أحلامكم وسَبِّ آبائكم، إني أعاهد الله لأجلسن له غداً
بحجّرٍ لا أطيق حمله، فإذا سجد في صلاته رضَخْتُ به رأسه، فأسلموني عند
ذلك أو امنعوني فليصنع به بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم، فلما أصبح
أخذ حجراً كما وصف، ثم جلس لرسول الله ينتظره، وغدا عليه السلام كمنا
كان يغدو إلى صلاته وقريش في أنديتهم ينتظرون ما أبو جهل فاعل، فلما
سجد عليه السلام احتمل أبو جهل الحجر وأقبل نحوه، حتى إذا دنا منه رجع
منهزماً مُنتقَعاً لونهُ من الفزع، ورمى حجره من يده، فقام إليه رجال من
قريش، فقالوا: ما لك يا أبا الحكم؟ قال: قمت إليه لأفعل ما قلت لكم، فلما
دنوت منه عَرَضَ لي فحل من الإِبل (٢) والله ما رأيت مثله قطّ، هَمَّ بي أن
(١) كناية عن ملك الدنيا بأجمعها.
(٢) فحل جمع فحول والفحل وهو الذكر من كل حيوان.
٤٤

يأكلَني! فلما ذُكِرَ ذلك لرسول الله وَ﴿ قال ذاك جبريل ولو دنا لأخذه، وكان أبو!
جهل كثيراً ما ينهى الرسولَ عن صلاته في البيت فقال له مرة بعد أن رآه
يصلي: ألَم أَنهك عن هذا؟ فأغلظ له رسول الله القول وهدده فقال أتهددني
وأنا أكثر أهل الوادي نادياً؟ فأنزل الله تهديداً له: ﴿كَّلَبِن لَّمْيَنتَهِ لَنّْفَعَا
بِالنَّاصِيَةِ (٣٠ نَاصِيَةٍ كَذِبَةٍ خَاطِئَةٍ () فَلْبَدْعُ نَادِيَهُ، (٢) سَنَدْعُ الَّبَاتِيَةَ (٨)
كَا لَا تُطِعْهُ وَأَسْجُدْ وَأَقْتَرِبِ﴾ (١).
ومن أذِيَّتِهِ للرسول ما حكاه عبد الله بن مسعود من رواية البخاري، قال:
كنا مع رسول اللّه ◌َّ ر في المسجد وهو يصلي، فقال أبو جهل: ألا رجل يقوم
إلى فَرْث جزور(٢) بني فلان فيلقيه على محمد وهو ساجد؟ فقام عقبة بن أبي
مُعيط بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس، وجاء بذلك الفرث فألقاه على
النبي ◌َّ وهو ساجد، فلم يقدر أحد من المسلمين الذين كانوا بالمسجد على
إلقائه عنه، لضعفهم عن مقاومة عدوهم، ولم يزل عليه الصلاة والسلام
ساجداً، حتى جاءت فاطمة بنته فأخذت القذر ورمتْه، فلما قام دعا على من
صنع هذا الصنع القبيح فقال: اللَّهم عليك بالملإٍ من قريش وسمَّى أقواماً،
قال ابن مسعود: فرأیتھم قُتلوا يوم بدر.
ومما حصل لرسول الله وَ﴾ مع أبي جهل أنَّ هذا ابتاع أجمالاً من رجل
يقال له الإِراشي فمطله بأثمانها، فجاء الرجل مجمع قريش يريد منهم مساعدة
على أخذ ماله فدلوه على رسول اللّه والر لينصفه من أبي جهل استهزاءً، لما
يعلمونه من أفعال ذلك الشقي بالرسول، فتوجه الرجل إليه وطلب منه
المساعدة على أبي جهل، فخرج معه حتى ضرب عليه بابه فقال: مَنْ هذا؟
قال: محمد، فخرج منتقعاً لونه، فقال له الرسول و لو: أعط هذا حقه، فقال
أبو جهل لا تبرح (٣) حتى تأخذه، فلم يبرح الرجل حتى أخذ دَيْنَهُ. فقالت
(١) سورة العلق: آية ١٥ - ١٩.
(٢) الأحشاء الداخلية .
(٣) لا تغادر.
٤٥

قريش: ويلك يا أبا الحكم ما رأينا مثل ما صنعت! قال: ويلكم والله ما هو إلا
أن ضرب على بابي. حتى سمعت صوتاً مُلئتُ منه رُعباً، وإنَّ فوق رأسي فحلاً
من الإِبل ما رأيت مثله.
(ومن جماعة المستهزئين) أبو لهب بن عبد المطلب عم رسول الله وَلخير ،
كان أشد عليه من الأباعد، فكان يرمي القذر على بابه لأنه كان جاراً له، فكان
الرسول يطرحه ويقول: يا بني عبد مناف أي جوارٍ هذا!؟ وكانت تشاركه في
قبيح عمله زوجه أم جميل بنت حرب بن أمية، فكانت كثيراً ما تسبُّ
رسول الله (183 وتتكلم فيه بالنمائم(١) وخصوصاً بعد أن نزل فيها وفي زوجها
سورة أبي لهب.
(وه .. المستهزئين) عقبة بن أبي معيط كان الجار الثاني لرسول الله وكان
يعمل معه كأبي لهب صنع مرة وليمة ودعا لها كبراء قريش وفيهم رسول الله،
فقال عليه السلام: والله لا آكل طعامك حتى تؤمن بالله فتشهَّد، فبلغ ذلك
أُبيِّ بن خلف الجمحي القرشي وكان صديقاً له، فقال: ما شيء بلغني عنك؟
قال: لا شيء، دخل منزلي رجل شريف فأبى أن يأكل طعامي حتى أشهد له،
فاستحييت أن يخرج من بيتي ولم يطعم فشهدت له. قال أُبيّ : وجهي من
وجهك حرام إن لقيت محمداً فلم تطأ عنقه وتبزق في وجهه وتلطم عينه، فلما
رأى عقبة رسول الله فعل به ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿ وَيَوْمَ بَعَضُ الظَّالِمُ عَلَى
يَدَيْهِ يَقُولُ يَلَيْتَنِى أَتَّخَذْتُ مَعَ الَّسُولِ سَبِيلًا ◌َهَ يَوَيْلَنَى لَيْتَنِى لَمْ أَنَّخِذْ فُلَانًا
خَلِيلًا يَ لَّقَدْ أَضَلَِّي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَآءَنِى وَكَانَ الشَّسْطَئِنُ لِلْإِنْسَنِ
خَذُولًا﴾(٢). ومن أشد ما صنعه ذلك الشقي برسول الله ويشير ما رواه البخاري
في صحيحه قال: بينما النبي يصلي في حجر الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي
مُعَيط فوضع ثوبه في عنق رسول الله وَّة، فخنقه خنقاً شديداً، فأقبل أبو بكر
حتى أخذ بمنكبه ودفعه عن النبي ◌ََّ، وقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبَِّ اللَّهُ
(١) النمائم، جمع مفردها نميمة. والنمام هو الذي ينمي السوء بين الناس.
(٢) سورة الفرقان: الآبتان ٢٨ - ٢٩.
٤٦
الع كارة
بسعبوج-بيبه-

ط
وَقَدْ جَاءَ كُمْ بِالْبَيِّنَتِ مِن رَّبِّكُمْ﴾(١).
(ومن جماعة المستهزئين) العاص بن وائل السَّهْمي القرشي والد
عمرو بن العاص، كان شديد العداوة لرسول الله وَلّه، وكان يقول: غرَّ محمد
أصحابه أن يحْيَوْا بعد الموت، والله ما يُهلِكنا إلا الدهر. فقال الله رداً عليه في
دعواه: ﴿وَقَلُواْ مَا هِىَ إِلَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَحُوتُ وَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلَّ الدَّهُ وَمَا
لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمِ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾(٢) وكان عليه دين لخبّاب بن الأرتّ
أحد رجال المسلمين فتقاضاه إياه، فقال العاص: أليس يزعم محمد هذا
الذي أنت على دينه أنَّ في الجنة ما يبتغي أهلها من ذهب أو فضة أو ثياب أو
خدم؟ قال خَبَّاب: بلى! قال فأنظرني إلى هذا اليوم فسأوتى مالاً وولداً
وأقضيك دَيْنك. فأنزل الله تعالى: ﴿ أَفَرَ يْتَ الَّذِىَ كَفَرَ ءَايَتِنَا وَقَالَ لَأُوَيَنَّ مَالًا
وَوَلَدًا رَ أَطََّعَ الْعَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الْمَزِ عَهْدًا هَ كُلَّّ سَنَْنُبُ مَا يَقُولُ وَثَمُدُّ
لَّهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدَّا ﴾ وَتُهُ مَا يَقُولُ وَ يَأْتِنَا فَرْدًا﴾(٣).
(ومن جماعة المستهزئين) الأسود بن عبد يغوث الزهري القرشي من بين
زهرة أخوال رسول الله، كان إذا رأى أصحاب النبي مقبلين يقول: قد جاءكم
ملوك الأرض، استهزاءً بهم لأنهم كانوا متقشفين: ثيابهم رثة، وعيشهم
خشن، وكان يقول لرسول الله سخريةً: أما كُلّمت اليوم من السماء؟
(ومنهم) الأسود بن عبد المطلب الأسدي ابن عم خديجة، كان هو
وشيعته إذا مرَّ عليهم المسلمون يتغامزون، وفيهم نزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
أَحْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يَضْحَكُونَ لَ وَإِذَا مَرُواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ () وَإِذَاأَنقَلَبُواْ
إَِ أَهْلِهِمُ انقَلُبُواْ فَكِهِينَ ﴾ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُواْ إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَاَلُونَ ﴾ (٤).
(ومنهم) الوليد بن المغيرة عمَّ أبي جهل، كان من عظماء قريش وفي
(١) سورة غافر: آية ٢٨.
(٢) سورة الجاثية: آية ٢٨.
(٣) سورة مريم: الآيتان ٧٨ - ٨٠.
(٤) سورة المطففين: آية ٢٩.
٤٧

سعة من العيش، سمع القرآن مرة من رسول الله وَلاخر، فقال لقومه بني مخزوم:
والله لقد سمعت من محمداً آنفاً كلاماً ما هو من كلام الإِنس ولا من كلام
الجن، وإن له لحلاوة، وإنَّ عليه لطلاوة، وإنَّ أعلاه لمثمر وإن أسفله
لمغدقٍ، وإنه يعلو وما يُعلى، فقالت قريش: صَباً(١) والله الوليد لتصبأَنَّ قريش
كلها. فقال أبو جهل: أنا أكفيكُموه، فتوجه وقعد إليه حزيناً وكلمه بما أحماه،
فقام فأتاهم فقال: تزعمون أنَّ محمداً مجنون، فهل رأيتموه يهوِّس؟ وتقولون
إنه كاهن فهل رأيتموه يتكمَّن؟ وتزعمون أنه شاعر فهل رأيتموه يتعاطى شعراً
قط؟ وتزعمون أنه كذاب فهل جربتم عليه شيئاً من الكذب؟ فقالوا في كل
ذلك: اللهم لا، ثم قالوا: فما هو؟ ففكر قليلاً ثم قال: ما هو إلاّ ساحر، أما
رأيتموه يفرِّق بين الرجل وأهله وولده ومواليه؟ فارتجَّ النادي فرحاً، فأنزل الله
في شأن الوليد مخاطباً لرسوله: ﴿ذَرْنِ وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (٨) وَجَعَلْتُ لَهُ, مَالًا
◌َمْدُودًا (ِ وَبَنِينَ تُهُودًا (٢) وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا (٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ ◌َه كَلَّ إِنَّهُ كَانَ
إِلاَ يَئِنَا عَنِدًا (٨٦ سَأَرْهِقُهُ صَعُودًا (٣) إِنَّهُ فَكَّ وَقَدَّرَ ه فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ له ◌ُمَّقُتِلَ
◌َيْفَ قَدَّرَ أُمَّنَظَرَ فُجَ عَبْسَ وَبَسَرَ ثُمْ أَدْبَرَوَسْتَكْبَرَ فَقَالَ إِنْ هَئِذَآ إِلَّا سَحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَدَّذًّا
إِلَّا قَوْلُ الْبَشِّرِ سَأَصْلِهِ سَقَّرَ﴾(٢) وأنزل فيه أيضاً: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ خَلَّافٍ﴾(٣)
كثير الحلف، وكفى بهذا زاجراً لمن اعتاد الحلف ﴿مَّهِينٍ﴾ حقير، وأراد به
الكذاب لأنه حقير في نفسه ﴿ هَّارِ﴾ عياب ﴿مَثَّآءٍ ◌َّيٍ ﴾ ينقل
الأحاديث للإِفساد بين الناس ﴿ مَنّاعِ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَنِيم ◌َ عَنْلِ﴾ غليظ جاف
﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِجٍ﴾ دخيل ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٨) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ ،َا يَدْتُنَا قَالَ
أَسَّتِطِيرُ الْأَوَِّينَ (َ سَفّسِمُهُ, عَلَى اَلْحُرْطُوِمِ﴾ كناية عن الإِذلال والتحقير، لأن الوجه
أكرم عضو، والأنفُ أشرف ما فيه ، ولذلك اشتقوا منه كل ما يدل على
العظمة كالأنفة وهي الحميّة. فالوسم على أشرف عضو دليل الإِذلال والإهانة .
(ومن المستهزئين) النضر بن الحارث العبدري من بني عبد الدار بن
(١) خرج من دينه إلى دين آخر.
(٢) سورة المدثر: الآيات ١١ - ١٢ - ١٣.
(٣) سورة القلم: الآيتان ١٠ - ١٦ .
٤٨
++

٠٠ . .
قصي كان إذا جلس رسول الله مجلساً للناس يحدثهم ويذكرهم ما أصاب من
قبلهم قال النضر: هلمُّوا يا معشر قريش فإني أحسنُ منه حديثاً، ثم يحدث
عن ملوك فارس، وكان يعلم أحاديثهم ويقول: ما أحاديث محمد إلَّ أساطير
الأولين، وفيه نزِل: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَمْوَ الْحَديثِ لِيُضِلّ عَن سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ
عِلْمٍ وَيَغْذَهَا هُوًا أَوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مَّهِينٌ ﴾ وَإِذَا تُعْلَى عَيْهِءَايَتْنَا وَلَى مُسْتَكْرًا كَأَنْ
أَرْ يَسْمَعْهَا كَأنَّ فِىّ أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِرُهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾(١). وكل هؤلاء انتقم الله منهم
كما قال تعالى في التنزيل: ﴿إِنَّا كَفَيْنَكَ الْمُسْتَهْزِينَ ﴾ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ
اللَّهِ إِلَهَاءَانَخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (٢) وقد وضع الله جل ذكره الوعد في صورة
الماضي للتحقيق من وقوعه، لأن الآية مكية وهلاك هذه الفئة كان بعد الهجرة،
فمنهم من قُتل كأبي جهل والنضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط، ومنهم من
ابتلاه الله بأمراضٍ شديدة فهلك منها كأبي لهب والعاص بن وائل والوليد بن
المغيرة .
إسلام حمزة (٣)
وكان بعض إيذائهم هذا سبباً لإسلام عمه حمزة بن عبد المطلب، فقد
أدركته الحمية عندما عيَّرته بعض الجواري بإيذاء أبي جهل لابن أخيه، فتوجه
إلى ذلك الشقي وغاضبه وسبَّه وقال: كيف تسبُّ محمداً وأنا على دينه؟! ثم
أنار الله بصيرته بنور اليقين حتى صار من أحسن الناس إسلاماً وأشدِّهم غيرة
على المسلمين وأقواهُم شكيمةً على أعداء الدين حتى سمِّي أسد الله.
وكما أُوذي الرسول :﴿ أُوذي أصحابُه لاتباعهم له، خصوصاً من ليس له
(١) سورة لقمان: آية ٧ .
(٢) سورة الحجر: آية ٩٦.
(٣) أمه هالة بنت أهيب بن عبد مناف وهو من الطبقة الأولى ومن السابقين الذين شهدوا بدراً
وأحداً. أسلم في السنة السادسة للنبوة وكان شجاعاً مقداماً، رماه وحشي بحربة فقتله ومثل
· المشركون بجثته ودفن عند أحد في السنة الثالثة للهجرة وقد تألم النبي # لموته وقال فيه :
رحمة الله عليك فإنك كنت فعولاً للخيرات وصولاً للرحم .
٤٩

ـد مـ
..... . ...
----
عشيرة تحميه وترد كيد عدوه عنه، وكل هذا الأذى كان حلواً في أعينهم ما دام
فيه رضا الله، فلم يفتنوا عن دينهم بل ثبتهم الله حتى أتم أمره على أيديهم
وصاروا ملوك الأرض، بعد أن كانوا مستضعفين فيها، كما قال جل ذكره:
﴿وَنُرِيدُ أَن تَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَيَّةً وَتَجْعَلَهُمُ اَلْوَرِئِينَ﴾(١)
وقد حقق ما أراد.
(ومن) الذين أُوذوا في الله بلال(٢) بن رباح كان مملوكاً لُأمية بن خلف
الجمحي القرشي، فكان يجعل في عنقه حبلاً أو يدفعه إلى الصبيان يلعبون به
وهو يقول: أحد، أحد. لم يشغله ما هو فيه عن توحيد الله. وكان أمية يخرج
به في وقت الظهيرة في الرَّمْضاء - وهي الرمل الشديد الحرارة لو وضعت عليه
قطعة لحم لنضِجتْ ــ ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول
له لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمدٍ وتعبد اللَّتَ والعزَّى فيقولُ:
أحَدٌ، أَحَدٌ. مرَّ به أبو بكر يوماً فقال: يا أمية أما تتقي الله في هذا المسكين
حتى متى تعذبه؟ قال: أنت أفسدت ـه فأنقذه مما ترى. فاشتراه منه وأعتقه،
فأنزل الله فيه وفي أمية: ﴿فَأَنْذَرْ تُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (٦٤) لَا يَصْلَنْهَآَ إِلَّ الْأَثْقَ﴾ أمية
بن خلف ﴿ الَّذِى كَذَّبَ ◌َ تَوَلَّى (﴾ وَسَيْجَنَّبُهَا الْأَثْقَ﴾ الصدِّيقِ ﴿الَّى يُؤْتِى مَالَهُ.
يَتَرَكْى (٨﴾ وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ ، مِن نِعْمَةٍ تُجْزَىّ (٨) إِلَّا أَبْنِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى ريجيم
وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ (٣). بما يعطيه الله في الأخرى جزاء أعماله. وقد نبه الله جل
ذكره على أنَّ بَذْلَ الصديق (٤) ماله في شراء بلال وعتقه لم يكن إلاّ ابتغاء
وجه ربه وكفى بهذا شرفاً وفضلاً للصديق رضي الله عنه وأرضاه . وقد اعتق
غير بلال جماعة من الأرقاء أسلموا فعابهم مواليهم .
(١) سورة القصص: آية ٥.
(٢) كان أبوه من سبي الحبشة وأمه حمامة وكذلك كان صادق الإِسلام صابراً افتداه أبو بكر رضي
الله عنه بغلام أجلد منه وأخذ بلالاً وأعتقه لوجه الله، وبلالٌ نفسه قَتَلَ أميةً في غزوة بدر.
(٣) سورة الليل: الآيتان ١٣ - ٢١.
(٤) وفيه نزلت الآية ﴿فأمّا من أعطى واتقى وصدَّق بالحسنى﴾ .. إلى قوله تعالى ﴿وما لأحدٍ عنده
من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربّه الأعلى ولسوف يرضى﴾.
. . .... "
.. . .٠٠٠

(ومنهم) حمامة أم بلال وعامر(١) بن فهيرة كان يُعذّبُ حتى لا يدري ما
يقول، وأبو فكيهة كان عبداً لصفوان بن أمية بن خلف.
(ومنهم) امرأة تُسمى زِنِّيرة (٢) عُذبت في اللّه حتى عميت فلم يزدها ذلك
إلا إيماناً. وكان أبو جهل يقول: ألا تعجبون لهؤلاء وأتباعهم لو كان ما أُتى به
محمد خيراً ما سبقونا إليه أفتسبقنا زِبِّيرة إلى رشد، فأنزل الله تعالى: ﴿ وَغَالَ
الَّذِيْنَ كَفَرُوْلِلَّذِينَ ءَامَنُوْلَوْ كَنَّ خَيْرًا مَنسَبَغُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ، فَقُولُونَ هَذَآ
إِنْكُ قَدِيمٌ ﴾ (٣).
(وممن) أعتق أبو بكر بعد شرائه أم عُنَيْس كانت أَمَةً لبني زهرة وكان
يعذبها الأسود بن عبد يغوث .
(وممن) عُذب في الله عمار بن ياسر وأخوه وأبوه وأمه، كانوا يعذَّبون
بالنار فمرَّ بهم رسول الله وَلّ فقال صبراً آل ياسرٍ فموعدكم الجنة اللهم اغفر
لآل ياسر وقد فعلت. أما أبو عمَّار وأمه فماتا تحت العذاب رحمهما الله. وأما
هو فثقل عليه العذاب فقال بلسانه كلمة الكفر، فإنَّ أبا جهل كان يجعل له
دروعاً من الحديد في اليوم الصائف ويلبسه إيَّاها، فقال المسلمون: كَفّرَ عمارُ
فقال عليه السلام: عمار مُلىء إيماناً من فرْقه إلى قدمه، وأنزل الله في شأنه
استثناء في حكم المرتد، فقال جلّ ذكره: ﴿ مَنْ كَفَرَ بِالهِ مِنْ بَعْدِ إِيَمَنِهِ: إِلَّا
مَنْ أَكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُظَمَبْنٌ بِالْإِيَِ وَلَكِن مَّنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبُ مِّنَ
اللهِ ◌َلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ (٤).
(وممن أُوذي في اللّه) خبّاب بن الأرتّ سبي في الجاهلية فاشترته أم
(١) كان من المستضعفين وهو مولى الطفيل بن عبد الله شهد بدراً وأحداً، وقتل شهيداً في السنة
الرابعة للهجرة في يوم بئر معونة .
(٢) أعتقها أبو بكر وأصيب بصرها عندما أعتقها، فقالت قريش ما أذهب بصرها إلا اللات والعزى،
فقالت: كذبوا وما تضر اللات والعزى وما تنفعان فرد الله بصرها.
(٣) سورة الأحقاف: آية ١١.
(٤) سورة النحل: آية ١٠٦ .
٥١

أنمار وكان حداداً، وكان النبي يألفه قبل النبوة، فلما شرفه الله بها أسلم
خبّاب، فكانت مولاته تعذبه بالنار فتأتي بالحديدة المحماة فتجعلها على ظهره
ليكفر، فلا يزيده ذلك إلا إيماناً، وجاء خباب مرة الى رسول الله وهو متوسِّد
بردة في ظل الكعبة، فقال يا رسول الله ألا تدعو الله لنا؟ فقعد عليه السلام
محمراً وجهه فقال: إنه كان من قبلكم ليُمْشط أحدهم بأمشاط الحديد ما دون
عظمه من لحمٍ وعصبٍ، ويوضع المنشار على فرق رأس أحدهم فيشق ما
يصرفه ذلك عن دينه. وليظهرنَّ الله تعالى هذا الأمر حتى يسير الراكب من
صنعاء إلى حضرموت (١) لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، قال ذلك عليه
السلام وهو في هذه الحال الشديدة لا يتصور فيها أعقل العقلاء وأنبل النبلاء
قوة منتظرة أو سعادة مستقبلة، اللهم إلا أن ذلك وحي يوحى إليه، ثم أنزل الله
تعالى تثبيتاً للمؤمنين: ﴿الّمَ ﴾ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُوَاْ ءَامَنَّا وَهُمْ
لَا يُفْتَنُونَ ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَبَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ
اٌلْكَذِبِينَ﴾ (٢).
(وممن أوذي في الله) أبو بكر الصدِّيق. ولما اشتد عليه الأذى أجمع أمره
على الهجرة من مكة إلى جهة الحبشة، فخرج حتى أتى بَرْك الغِماد فلقيه ابن
الدُّغْنَّة، وهو سيد قبيلة عظيمة اسمها القارة، فقال: إلى أين يا أبا بكر؟ فقال:
أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي، فقال ابن الدُّغُنَّة: مثلك
يا أبا بكر لا يخرج، إنك تكسب المعدوم وتصل الرحم وتحمل الكُلّ وتقري
الضيف وتعين على نوائب الحق فأنا لك جار فارجع واعبد ربك ببلدك، فرجع
وارتحل ابن الدُّغَنَّة معه وطاف في أشراف قريش فقال لهم: أبو بكر لا يخرج
مثله، أتخرجون رجلاً يكسب المعدوم ويصل الرحم ويحمل الكُلَّ ويقري
الضيف ويعين على نوائب الحق؟ فلم تكذب قريش بجوار ابن الدُّغنّة وقالوا
له: مُرْ أبا بكر فليعبد ربه في داره فيها ما شاء وليقرأ ما شاء ولا يؤذينا بذلك
موضع وراء مكة بخمس ليال مما يلي البحر، وقيل موضع في أقصى أراضي هَجَر. اهـ. من
ياقوت .
(٢) سورة العنكبوت: الآيتان ١ - ٣.
٥٢

ولا يستعلن، فإنا نخشى أن يفتِنَ نساءنا وأبناءَنا، فقال ذلك ابن الدغنة لأبي
بكر فلبث بذلك يعبد ربه في داره ولا يستعلن بصلاته ولا يقرأ في غير داره،
ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجداً بفناء داره وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن فينقذف
عليه نساء المشركين وأبناؤهم وهم يُعجبون منه وينظرون إليه، وكان رجلاً بكاءً
لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش فأرسلوا إلى ابن
الدغنة فقدم عليهم فقالوا: إنا كنا قد أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه
في داره، فقد جاوز ذلك فابتنى مسجداً بفناء داره فأعلن بالصلاة والقراءة فيه .
وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه
بفناء داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن ذلك فسلْه أن يرد إليك ذمتك، فإنا قد
كرهنا أن نخفرك ولسنا مقرِّين لأبي بكر الاستعلان. فأتى ابن الدغنة أبا بكر
فقال: قد علمت الذي عاقدت لك عليه فإما أن تقتصر على ذلك وإما أن
ترجع إليَّ ذمتي فإني لا أحب أن تسمعَ العرب أني أخفرت في رجل عقدت
له. فقال أبو بكر فإني أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله (رواه البخاري).
وكان ذلك سبباً لإيصال أذى عظيم الى أبي بكر رضي الله عنه.
وبالجملة فلم يَخْلُ أحد من المسلمين من أذية لحقته، ولكن كل ذلك
ضاع سدى تلقاء ثباتهم وعظيم إيمانهم، فإنهم لم يُسلموا لغرضٍ دنيوي
يرجون حصوله فيسهل إرجاعهم، ولكن وفقهم الله لإدراك حقيقة الإِيمان فرأوا
كل شيء دونه سهلاً.
ولما رأى كفار قريش أنَّ ذلك الأذى لم يُجدِهم نفعاً، بل كلما زادوا
المسلمين أذى ازداد يقينهم، اجتمعوا للشورى فيما بينهم، فقال لهم عتبة بن
ربيعة العبشمي من بني عبد شمس بن عبد مناف وكان سيداً مُطاعاً في قومه:
يا معشر قريش ألا أقوم لمحمد فأُكلِّمه وأعرض عليه أموراً علَّه يقبل بعضها
فنعطيه إياها ويكفّ عنا؟ فقالوا يا أبا الوليد فقم إليه فُكلِّمْه. فذهب إلى
رسول الله 83. وهو يصلي في المسجد، وقال: يا ابن أخي إنك مِنَّا حيث قد
علمت من خيارنا حسباً ونسباً، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به
٥٣

جماعتهم وسفهت أحلامهم وعبت آلهتهم ودينهم وكفرت من مضى من آبائهم
فاسمع مني أعرِضُ عليك أموراً تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها، فقال عليه
الصلاة والسلام: قلْ يا أبا الوليد أسمعْ.
فقال: يا ابن أخي إن كنت تريد بما جئتَ به من هذا الأمر مالاً، جمعنا
لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد شرفاً سوَّدْناك علينا حتى
لا نقطع أمراً دونك، وإن كنتَ تريد ملكاً ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي
يأتيك رِئْياً من الجن لا تستطيع ردَّه عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا فيه
أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى، فقال
عليه الصلاة والسلام: فقد فرغت يا أبا الوليد؟ قال نعم، قال فاسمع مني فقرأ
رسول الله ## أول سورة فصلت:
بِسِْلَّهِالرَّحْمِالرَّحِيمِ حُمَ ◌ّ تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرّحِيمِ ﴾ كِتَبُ
فُصِلَتْ ءَنْتُهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِّقَوْرِ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْتُهُمْ فَهُمْ لَا
يَسْمَعُونَ ﴿ وَقَالُواْ قُلُوبُنَ فِى أَكِنَّةٍ فَِّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ وَفِى ءَاذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ
◌ِجَابٌ فَ عْمَلْ إِّنَ عَلِمِلُونَ (٥ قُلْ إِنَّمَآَ أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَىَّ أَتْمَّ إِلَّهُكُمْ إِلَّهُ وَِدٌ
فَأُسْتَقِمُواْ إِلَيْهِ وَأَسْتَغْفِرُهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الَّكَوَةَ وَهُم بِآَخِرَةِ هُمْ
كَلِفِرُونَ ﴾ إِنَّ الَّذِينَ ءَ امَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ لَهُمْ أَبْرُ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾ ﴾ قُلْ أَبَنَّكُ
لَتْكُرُونَ بِلَّذِى خَلَقَ الْأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ وَّجْعَلُونَ لَهُرْ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَلِينَ (3)
وَجَعَلَ فِيهَا رَوَسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَرَكَ فِيَهَا وَقَّدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِىَ أَرْبَعَةِ أَيَّامِ سَوَاءٌ لِلَّآيِلِينَ
﴿ُّأَسْتَىَّ إِلَى الَّمَاءِ وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ أَثْنِيَا طَوْعًا أَوْ كُرْهًا قَالَتَآَ أَيْنَا
طَابِعِينَ ﴾ فَقَضَتُهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِ يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِ كُلٍ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيْنَا
السَّمَآءُ الدُّنْيَا بِمَصَدَبِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِ رَ فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ
أَنَذَرْتُكُرْ صَعِقَةٌ مِثْلَ صَعِفَةِ عَدٍ وَتُهُوَدَ (٢) إِذْ جَاءَتْهُمُ الرّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيِهِمْ وَمِنْ
خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّا اللّهَ قَالُوْلَوْ شَآءَ رَبُنَا لَأَنْزَّلَ مَلَبِكَةُ فَإِنَّا بَِّا أَرْسِلْتُم بِهَ كَافِرُونَ﴾ .
٥٤
-..
.....--- -

فأمسك عتبة بفيه وناشده الرحم أن يكف عن ذلك. فلما رجع عتبة
سألوه، فقال: والله لقد سمعت قولاً ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر
ولا بالكهانة ولا بالسحر. يا معشر قريش أطيعوني فاجعلوها بي، خلوا بين
الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فوالله ليكونن لكلامه الذي سمعت نبأ، فإن
تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم وإن يظهر على العرب فعزه عزكم، فقالوا لقد
سحرك محمد، فقال هذا رأيي .
ثم عرضوا عليه بعد ذلك أن يشاركهم في عبادتهم ويشاركوه في عبادته،
فأنزل الله في ذلك: ﴿ قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ ﴾ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (﴾ وَلَآ أَنْتُمْ
عَبِدُونَ مَا أَعْبُدُ (چ وَلَآ أَنَاْ عَبِدٌ مَّا عَبَدَتْ (٣) وَلَآ أَنْتُمْ عَنِدُونَ مَ أَعْبُ هْ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ
ذِينٍ﴾(١) فلا تتوهموا أني أجيبكم لطلبكم من الإِشراك بالله فأيسوا منه وطلبوا
بعد ذلك أن ينزع من القرآن ما يغيظهم من ذم الأوثان والوعيد الشديد، فيأتي
بقرآن غيره أو يبدله، فأنزل الله جواباً لهم في سورة يونس: ﴿ قُلْ مَايَكُونُ لِىّ أَنْ
أَبَدِّلَهُ، مِن ◌ِقَآٍَ نَفْسِىّ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّمَا يُوحَىّ إِلَّ﴾(٢).
وقد حصل له مع كفار قريش نادرة، تكون لمن استهان بالضعيف
كمصباح يستضيء به، وهو أنه بينما الرسول وَلاير مع كبراء قريش وأشرافهم
يتألفهم ويَعْرِضُ عليهم القرآن وما جاء به من الدين، إذ أقبل عليه عبد الله بن
أمّ مكتوم الأعمى، وهو ممن أسلموا قديماً والنبي مشتغل بالقوم، ولقد لقي
منهم مؤانسة حتى طمع في إسلامهم، فقال له عبد الله: يا رسول الله علمني
مما علمك الله، وأكثر عليه القول فشق ذلك على الرسول وكره قطعه لكلامه،
وخاف# أن يكون التفاته لذلك المسكين ينفر عنه قلب أولئك الأشراف
٠٠٠
فأعرض عنه، فعاتبه الله على ذلك بقوله :
أن جَاءَهُ الْأَعْمَى
﴿ عبس وتولى
وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَّكَّقِ جْ أَوْيَذْ كُرُ فَنَفَعَهُ الذِّكَّ (ج) أُمَّا مَنِ أَسْتَغْفَى ﴾ فَأَنْتَ لَهُ
تَصَدَّى ( وَمَا عَلَيْكَ أَلَّ ◌َّكَّى ﴾ وَأَمَّا مَن ◌َجَاءَكَ يَسْعَى ﴾ وَهُوَ يَخْشَعَ الْ فَأَنْتَ
عَنْهُ تَلَّمَّى﴾ (٣).
١
(١) سورة الكافرون: الآيات ١ - ٦.
(٢) سورة يونس: آية ١٥.
(٣) سورة عبس: الآيات ١ - ١٠.
٥٥
٠٠٠

فما عبس رسول الله وَ ﴿ بعدها في وجه فقير. وكان إذا أقبل عليه عبد الله بن
أم مكتوم یقول له: مرحباً بمن عاتبني فيه ربي .
ولما رأى المشركون أنَّ هذه المطالب التي يعرضونها لا تقبل منهم،
أرادوا أن يدخلوا في باب آخر وهو تعجيز الرسول بطلب الآيات، فاجتمعوا
وقالوا: يا محمد إن كنت صادقاً فأرِنا آيةً نطلبها منك وهي أن تَشُقَّ لنا القمر
فرقتين، فأعطاه الله هذه المعجزة وانشق القمر فرقتين، فقال رسول الله :
اشهدوا. وهذه القصة رواها عبد الله بن مسعود وهو من السابقين الأولين رويت
عنه من طرق كثيرة، ورواها ابن عباس وغيره ورواها عنهم جمع غزير حتى
صار الحديث كالمتواتر. وقد ذكرها القرآن الكريم في قوله تعالى في أول
سورة القمر: ﴿ أُقْتَرَبَتِ الَّاعَةُ وَأَنشَّقَّ الْقَمَرُ﴾ (١). فحينما رأى المعاندون هذه
الآية الكبرى، قال بعضهم لقد سحركم ابن أبي كبشة، فأنزل الله فيهم:
﴿وَإِن يَوْءَايَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِخْرٌ مُسْنِرُ﴾(٢). ثم سألوا الرسول بعد ذلك
آيات لا يقصدون بذلك إلا التعنت والعناد، فمنها أن قالوا: ﴿لَن نُؤْمِنَ لَكَ خَّی
تَفْجُرَلَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٢َ أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَخِلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجْرَاْلْأُنْهُرَ ◌ِلَلَهَا
تَفِْيرًا (٨) أَوْ تُسْقِطَ الَّمَآءَ كَا زَمْتَ عَيْنَا كِسَفَا أَوْ تَأْتِىَ بِاللّهِ وَالْمَلَبِكَةِ قَبِيلًا ﴾ أُوْ
يَكُونَ لَكَ بَيْتْ مِّنْ زُفٍ أَوْ تَرْقَى فِ السَّمَآءِ وَلَّن تُؤْمِنَ لِرُقِبِّكَ خَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كَِلْبًا
نَقْرَؤُهُ﴾ (٣) ولم يجبهم الله إلا بقوله: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِ هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا
رَسُولاً﴾ (٤) لأن الله علم ما تكِنه جوانحهم من التعصب والعناد، فلا يؤمنون
مهما جاءهم من البينات كما قال جل ذكره: ﴿ وَمَا يَشْعُرُكُمْ أَنَّهَآَ إِذَا جَاءَتْ لَا
يُؤْمِنُونَ﴾ (٥) وكيف يرجى الخير ممن قالوا: ﴿ اَلَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ
عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَيْنَا ◌ِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ أَقْتِنَا بِعَذّابٍ أَلِيمٍ﴾(٦).
(١) سورة القمر: آية ١.
(٢) سورة القمر: آية ٢.
(٣) سورة الإسراء: الآيات ٩٠ - ٩٢.
(٤) سورة الإسراء: آية ٩٣.
(٥) سورة الأنعام: آية ١٠٩.
(٦) سورة الأنفال: آية ٣٢.
٥٦