النص المفهرس
صفحات 21-40
أخي القرشي قد أخذه رجلان عليهما ثياب بيضٌ فأضجعاه فشقًا بطنه فهما يسوطانه(١)، فخرجت أنا وأبوه نحوه فوجدناه منتقعاً لونه (٢) فالتزمته والتزمه أبوه فقلنا له: مالك يا بني؟ فقال: جاءني رجلان عليهما ثيابٌ بيضٌ فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟؟ قال نعم. فأقبلا يبتدراني فأضجعاني فشقًا بطني، فالتمسا فیه شيئاً، فأخذاه وطرحاه ولا أدري ما هو. وفاة آمنة وكفالة عبد المطلب ووفاته وكفالة أبي طالب ثم إنَّ أمه أخذته وتوجهت به إلى المدينة لزيارة أخوال أبيه بني عدي بن النجار، وبينما هي عائدة أدركتها منيتها في الطريق فماتت بالأبواء (٣) فحضنته أم أيمن، وكفله جده عبد المطلب ورق له رقة لم تعهد له في ولده، لما كان يظهر عليه مما يدل على أن له شأناً عظيماً في المستقبل، وكان يكرمه غاية الإكرام، ولكن لم يلبث عبد المطلب أن توفي بعد ثماني سنوات من عمر الرسول وَله، فكفله شقيق أبيه أبو طالب، فكان له رحيماً وعليه غيوراً، وكان أبو طالب مقلًّا (٤) من المال فبارك الله له في قليله، وكان الرسول وَّر في مدة كفالة عمه مثال القناعة والبعد عن السفاسف التي يشتغل بها الأطفال عادة، كما روت ذلك أم أيمن حاضنته، فكان إذا أقبل وقت الأكل جاء الأولاد يختطفون وهو قانع بما سییسّره الله له. السفر إلى الشام لما بلغت سنَّه وَ﴿ اثنتي عشرة سنة أراد عمه وكفيله السفر بتجارة إلى الشام، فاستعظم الرسول وَ ل﴿ فراقه، فرقّ له وأخذه معه، وهذه هي الرحلة (١) يحركانه بسوط. (٢) شبهاً بالنقع وهو التراب. (٣) قرية بين مكة والمدينة وهي أقرب إلى المدينة. (٤) فقيراً. ١٧ الأولى ولم يمكثوا فيها إلا قليلاً، وقد أشرف على رجال القافلة وهم بقرب بُصرى (١) بَحِيرا الراهب(٢)، فسألهم عما رآه في كتبهم المقدسة من بعثة نبيّ من العرب في هذا الزمن، فقالوا إنه لم يظهر للآن، وهذه العبارة كثيراً ما كان يلهج بها أهل الكتاب من يهود ونصارى قبل بعثة الرسول: ط ﴿فَلَّا جَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ، فَلَعْنَهُ الَِّ عَلَى الْكَمْفِرِ ينَ﴾(٣) حرب الفِجَار ولما بلغت سنه عليه السلام عشرين سنة حضر حربَ الفِجار وهي حرب كانت بين كنانة ومعها قريش، وبين قيس. وسببها أنه كان للنعمان بن المنذر ملك العرب بالحيرة (٤) تجارة يرسلها كل عام إلى سوق عكاظ (٥) لتباعَ له وكان يرسلها في أمان رجل ذي منعة وشرف في قومه ليجيزها، فجلس يوماً وعنده البرّاض بن قيس الكناني، وكان فاتكاً خليعاً خلعه قومه لكثرة شرّه، وعروة بن عتبة الرحّال، فقال: من يجيز لي تجارتي هذه حتى يبلغها عكاظ؟؟ فقال البرّاض: أنا أجيزها على بني كنانة، فقال النعمان: إنما أريد من يجيزها على الناس كلهم؟ فقال: عروة أَبَيْتَ اللَّعن (٦) أكلبٌ خليع يجيزها لك؟ أنا أجيزها على أهل الشِّيح والقَيْصوم من أهل نجد (٧) وتهامة (٨). فقال البراض: أو (١) قرية على الحدود بين بلاد الشام وبلاد العرب. (٢) من النصارى الذين كانوا يؤمنون بالله قبل بعثة النبي وَّه ويكفرون بالأصنام. (٣) سورة البقرة: الآية ٨٩. (٤) بلدة غرب الفرات كان يقيم بها ملك العرب من قبل ملوك فارس، فتحها خالد بن الوليد في السنة الثانية عشرة (راجع إتمام الوفاء). (٥) سوق كانت تعقدها العرب كل عام لتعرض فيها تجارتها وما قاله فصحاؤها من قصائد الفخر وما أشبه ذلك من مفاخر العرب، وهي أشبه في ذلك بمعارض أوربة الآن. (٦) تحية عربية ومعناها باعدت كل ما استحق المذمة. (٧) هو المرتفع من بلاد العرب وهو وسطها . (٨) هو ما انخفض من سواحل البلاد العربية والشرقي منها يسمى البحرين، والفاصل بين نجد وتهامة الحجاز في الغرب واليمامة في الشرق. ١٨ . .... ...... ٠ ٠٠٠٠ تجيزها على كنانة يا عروة؟ قال: وعلى الناس كلهم، فأسرّها في نفسه وتربَّصَ له، حتى إذا خرج بالتجارة قتله غدراً ثم أرسل رسولا يخبر قومه كنانة بالخبر ويحذرهم قيساً قوم عروة. وأما قيس فلم تلبث بعد أن بلغها الخبر أن همت لتدرك ثأرها، حتى أدركوا قريشاً وكنانة بنخلة (١) فاقتتلوا ولما اشتد البأس وحميت قيس احتمت قريش بحرمها وكان فيهم رسول الله. ثم إن قيساً قالوا لخصومهم: إنَّا لانترك دم عروة فموعدنا عكاظ العام المقبل، وانصرفوا إلى بلادهم يحرض بعضهم بعضاً. فلما حال الحول جمعت قيس جموعها وكانت معها ثقيف وغيرها، وجمعت قريش جموعها من كنانة والأحابيش وهم حلفاء قريش، وكان رئيس بني هاشم الزبير بن عبد المطلب، ومعه إخوته أبو طالب وحمزة والعباس وابن أخيه النبي الكريم، وكان على بني أمية حرب بن أمية، وله القيادة العامة لمكانه في قريش شرفاً وسناً. وهكذا كان على كل بطن من بطون قريش رئيس، ثم تناجزوا الحرب فكان يوماً من أشد أيام العرب هولاً، ولما استحل فيه من حرمات مكة التي كانت مقدسة عند العرب سمِّي يوم الفِجار. وكادت الدائرة تدور على قيس حتى انهزمَ بعض قبائلها، ولكن أدركها من دعا المتحاربين للصلح(٢)، على أن يحصوا قتلى الفريقين، فمن وجد قتلاه أكثر أخذ دية الزائد، فكانت لقيس زيادة أخذوا ديتها من قريش، وتعهد بها حرب بن أمية ورهن لسدادها ولده أبا سفيان. وهكذا انتهت هذه الحرب التي كثيراً ما تشبه حروب العرب تبدؤها صغيرات الأمور حتى ألّفَ الله بين قلوبهم وأزاح عنهم هذه الضلالات بانتشار نور الإِسلام بينهم. حلف الفُضُول وعند رجوع قريش من حرب الفِجار تداعَوْا لحلف الفضول، فتم في دار عبد الله بن جُدعان التّيْمي أحد رؤساء قريش ، وكان المتحالفون بني (١) موضع بين مكة والطائف. (٢) عتبة بن ربيعة . ١٩ .... . هاشم وبني المطلب ابني عبد مناف وابني أسد بن عبد العُزّى وابني زهرة بن كلاب وابني تيم بن مرة تحالفوا وتعاقدوا ألا يجدوا بمكة مظلوماً من أهلها أو من غيرهم من سائر الناس، إلا قاموا معه حتى ترد إليه مظلمته. وقد حضر هذا الحلف رسول الله وَر مع أعمامه، وقال بعد أن شرفه الله بالرسالة: ((لقد شهدت مع عمومتي حلف في دار عبد الله بن جُدْعان ما أحب لي به حمر النعم(١) ولو دعيت به في الإِسلام لأجبت)) وذلك لأنه وقّ مبعوث بمكارم الأخلاق وهذا منها، وقد أقرّ دين الإِسلام كثيراً منها، يرشدك إلى هذا قوله ◌َله: ((بعثت لأتمِّم مكارم الأخلاق)) وقد دعا بهذا الحلف كثيرون فأنصفوا. رحلته إلى الشام المرة الثانية ولما بلغت سنه وق لقه خمساً وعشرين سنة سافر إلى الشام المرّة الثانية، وذلك أنَّ خديجة بنت خُوَيلد الأسدية (٢) كانت سيدة تاجرة ذات شرف ومال، تستأجر الرجال في مالها وتضاربهم إياه، فلما سمعت عن محمد وَلٍّ من الأمانة وصدق الحديث ما لم تعرفه في غيره حتى سماه قومه الأمين، استأجرته ليخرج في مالها إلى الشام تاجراً وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره، فسافر مع غلامها مَيْسَرة فباعا وابتاعا وربحا ربحاً عظيماً، وظهر للنبي الكريم في هذه السفرة من البركات ما حبِّيه في قلب مَيْسَرة غلام خديجة . زواجه خديجة فلما قدما مكة ورأت خديجة ربحها العظيم، سُرَّت من الأمين وله وأرسلت إليه تخطبه لنفسها، وكانت سنها نحو الأربعين، وهي من أوسط (١) رد العدوان وإعادة الحق إلى نصابه . (٢) من بني أسد بن عبد العزى بن قصي. ٢٠ قريش حسباً وأوسعهم مالاً، فقام الأمين ول مع أعمامه حتى دخل على عمها عمرو بن أسد فخطبها منه بواسطة عمه أبي طالب فزوَّجها عمُّها. وقد خطب أبو طالب في هذا اليوم فقال: الحمد الله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل وضئضيء(١) معدّ وعنصر مضر، وجعلنا حضنة بيته وسّاس حرمه، وجعله لنا بيتاً محجوجاً وحرماً آمناً وجعلنا حكام الناس، ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبد الله لا يوزن به رجل شرفاً ونبلاً وفضلاً، وإن كان في المال قُلّ فإن المال ظلِّ زائل وأمر حائل وعارية مستردة، وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم وخطر جليل، وقد خطب إليكم رغبة في کریمتكم خديجة وقد بذل لها من الصداق (كذا) وعلى ذلك تم الأمر. وقد كانت متزوجة قبله بأبي هالة توفي عنها وله منها ولد اسمه هالة وهو ربيب المصطفى وَلة. بناء البيت الحرام ولما بلغت سنه وَل# خمساً وثلاثين سنة جاء سيل جارف فصدع جدران الكعبة بعد توهينها من حريق كان أصابها قبل، فأرادت قريش هدمها ليرفعوها ويسقفوها فإنها كانت رضيمة(٢) فوق القامة، فاجتمعت قبائلهم لذلك ولكنهم هابوا هدمها لمكانتها في قلوبهم. فقال لهم الوليد بن المغيرة: أتريدون بهدمها الإِصلاح أم الإساءة؟ قالوا: بل الإصلاح، قال: إن الله لا يُهلك المصلحين، وشَرَعَ يَهدمُ فتبعوه وهدموا حتى وصلوا إلى أساس إسماعيل، وهناك وجدوا صحافاً نقش فيها كثير من الحِكم على عادة من يضعون أساس بناء شهير، ليكون تذكرة للمتأخرين بعمل المتقدمين. ثم ابتدؤوا في البناء وأعدّوا لذلك نفقة ليس فيها مهر بغيّ ولا بيع ربا، وجعل الأشراف من قريش يحملون الحجارة على أعناقهم، وكان العباس ورسول الله فيمن يحملون، وكان الذي يلي البناء رومى اسمه باقوم، وقد خصص لكل ركن جماعة من (١) أصل. (٢) بناء رضيم مبني بالصخر بدون طين اهـ. من أساس البلاغة . ٢١ .... ...... الكعبة المشرفة .... --. ... آخر الأسود باب السلام ٢٢ تا العظماء ينقلون إليه الحجارة، وقد ضاقت بهم النفقة الطيبة عن إتمامه على قواعد إسماعيل، فأخرجوا منها الحِجْر وبنوا عليه جداراً قصيراً علامة على أنه من الكعبة. ولما تم البناء ثماني عشرة ذراعاً بحيث زيد فيه عن أصله تسعُ أذرع ورفع الباب عن الأرض بحيث لا يُصعد إليه إلَّ بدرج، أرادوا وضع الحجر الأسود موضعه فاختلف أشرافهم فيمن يضعه، وتنافسوا في ذلك حتى كادت تشب بينهم نار الحرب، ودام بينهم هذا الخصام أربع ليال، وكان أسنَّ رجل في قريش إذ ذاك أبو أمية بن المغيرة المخزومي عم خالد بن الوليد فقال لهم: يا قوم لا تختلفوا وحكموا بينكم من ترضون بحكمه. فقالوا: نُكِلُ الأمر لأول داخل، فكان هذا الداخل هو الأمين المأمون عليه الصلاة والسلام، فاطمأن الجميع له لما يعهدونه فيه من الأمانة وصدق الحديث، وقالوا: هذا الأمین رضیناه، هذا محمد ټ﴾ لأنهم کانوا یتحاكمون إلیه إذ کان لا يداري ولا يماري. فلما أخبروه الخبر بسط رداءه وقال: لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب، ثم وضع فيه الحجر وأمرهم برفعه حتى انتهوا إلى موضعه فأخذه ووضعه فيه. وهكذا انتهت هذه المشكلة التي كثيراً ما يكون أمثالها سبباً في انتشار حروب هائلة بين العرب، لولا أن يمنّ الله عليهم بعاقل مثل أبي أمية يرشدهم إلى الخير، وحكيم مثل الرسول وَّ﴾، يقضي بينهم بما يرضى جميعهم، ولا يستغرب من قريش تنافسهم هذا، لأن البيتَ قِبلةُ العرب وكعبثهم التي يحجون إليها، فكل عمل فيه عظيم، به الفخر والسادة، وهو أول بيت وضع للعبادة شهادة القرآن الكريم. قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَّذِىِ بِبَكَ مُبَارَ كًا وَهُدًى لِلْعَلِّينَ (٨٦ فِيهِ ،َبَتُ بَيْنَتُ مَّقَامُ إِبْرَهِيَمَّ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنَّاً﴾(١). وكان يليّ أمره بعد ولد إسماعيل قبيلة جُرْهم، فلما بَغَوْا وظلّمُوا من دخل مكة، اجتمعت عليهم خُزاعة وأجْلَوهم عن البيت ووليتْه خُزاعة حيناً من الدهر، ثم أخذته منهم قريش في عهد قصي بن كلاب وبسببه أَمِنوا في (١) سورة آل عمران: الآيتان ٩٦ - ٩٧. ٢٣ .... .... .. . .. ... " ---- ....... بلادهم فكانت قبائل العرب تهابهم. وإذا احتمَوْا به كان حصناً أميناً من اعتداء العادين، وامتنَّ الله عليهم بذلك في تنزيله فقال: ﴿أَوَلَمْ يَوْاْأَنَّ جَعَلْنَا حَمَّاءَ ا مِنَّا ج وَيُخَطّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِمْ﴾(١). معيشته وَالر قبل البعثة لم يرث ◌َّه من والده شيئاً، بل وُلد يتيماً عائلًا فاسترضع في بني سعد؛ ولما بلغ مبلغاً يمكنه أن يعمل عملاً كان يرعى الغنم مع إخوته من الرضاع في البادية، وكذلك لما رجع إلى مكة كان يرعاها لأهلها على قراريط (٢) كما ذكر ذلك البخاري في صحيحه. ووجود الأنبياء في حال التجرد عن الدنيا ومشاغلها أمر لا بدّ منه، لأنهم لو وجدوا أغنياء لألْهِتْهم الدنيا وشُغلوا بها عن السعادة الأبدية؛ ولذلك ترى جميع الشرائع الإلهية متفقة على استحسان الزهد والتباعد عنها، وحال الأنبياء السالفين أعظم شاهد على ذلك، فكان عيسى عليه السلام أزهدَ الناس في الدنيا، وكذلك كان موسى وإبراهيم. وكانت حالتهم في صغرهم ليست سعة، بل كلهم سواء. تلك حكمة بالغة أظهرها الله على أنبيائه ليكونوا نموذجاً لمتَّبعيهم في الامتناع عن التكالب على الدنيا والتهافت عليها، وذلك سبب البلايا والمحن. وكذلك رعاية الغنم، فما من نبي إلا رعاها كما أخبر عن ذلك الصادق المصدوق في حديث للبخاري، وهذه أيضاً من بالغ الحكم، فإن الإِنسان إذا استرعى الغنم، وهي أضعف البهائم، سكن قلبه الرأفة واللطف تعطفاً، فإذا انتقل من ذلك إلى رعاية الخلق كان لما هذب أولاً من الحدّة الطبيعية والظلم الغريزي فيكون في أعدل الأحوال. ولما شبَّ ◌َّ﴿ كان يتجر، وكان شريكه السائب بن أبي السائب. وذهب بالتجارة لخديجة رضي الله عنها، إلى الشام على جُعْلٍ (٣) يأخذه. (١) سورة العنكبوت: آية ٦٧ . (٢) اسم المكان ولم يرد بذلك القراريط من الفضة. (٣) الجُعْل بالضم ما جعل للإِنسان من شيء على فعل قام به. ٢٤ ولما شرفت خديجة بزواجه وكانت ذات يسار، عمل في مالها وكان يأكل من نتيجة عمله. وحقق الله ما امتنّ به قوله جل ذكره: ﴿أَمْ يَجِدْكَ يَتِيمَا فَاوَى ﴾ وَوَجَدَكَ ضَآلًّا فَهَدَى (﴾ وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾(١). بالإِيواء والإِغناء قبل النبوة والهداية بالنبوة، هداه للكتاب والإِيمان ودين إبراهيم عليه السلام چ ولم يكن يدري ذلك قبل. قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَاً مَا كُنْتٍّ تَدْرِى مَا الْكِتَبُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْتَلَهُ نُورًا نَهْدِى بِهِ، مَن أَشَآءُ مِنْ. عِبَادِنَا﴾(٢). سيرته في قومه قبل البعثة كان * أحسن قومه خلقاً وأصدقهم حديثاً وأعظمهم أمانة، وأبعدهم عن الفحش والأخلاق التي تُدُنِّس الرجال، حتى كان أفضلَ قومه مروءة، وأكرمهم مخالطة، وخيرَهم جواراً، وأعظمهم حلماً، وأصدقهم حديثاً فسمِّوه الأمين، لما جمع الله فيه من الأمور الصالحة الحميدة، والفعال السديدة من الحلم، والصبر، والشكر، والعدل، والتواضع، والعفة، والجود، والشجاعة، والحياء. حتى شهد له بذلك ألدُّ أعدائه النضر بن الحارث من بني عبد الدار، حيث يقول: قد كان محمد ◌َ﴿ فيكم غلاماً حَدَثاً أرضاكم فيكم وأصدقكم حديثاً وأعظمكم أمانة، حتى إذا رأيتم في صدغيه الشّيبَ وجاءكم بما جاءكم قلتم: ساحر! لا والله ما هو بساحر، قال ذلك في معرض الاتفاق على ما يقولونه للعرب الذي يحضرون الموسم، حتى يكونوا متفقين على قول مقبول يقولونه. ولما سأل هِرَقْلُ ملك الروم أبا سفيان قائلاً: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقولَ ما قال؟ قال: لا، فقال هِرقل: ما كان ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله. ورد ذلك في أول صحيح البخاري. وقد حفظه (١) سورة الضحى: الآيتان ٦ -٨. (٢) سورة الشورى: آية ٥٢ . ٢٥ ..... . .... ..- ** الله في صغره من كل أعمال الجاهلية التي جاء شرعه الشريف بضدها(١) وبُغِّضت إليه الأوثان بغضاً شديداً حتى ما كان يحضر لها احتفالاً أو عيداً مما يقوم به عُبّادها. وقال ◌ِّ: ((لما نشأت بُغِّضتْ إليَّ الأوثان وبُغِّض إليَّ الشعر ولم أهتم بشيءٍ مما كانت الجاهلية تفعله إلَّ مرتين، كل ذلك يحول الله بيني وبين ما أريد من ذلك. ثم ما هممْتُ بسوء بعدهما حتى أكرمني الله برسالته. قلت ليلة لغلام كان يرعى معي لو أبصرت لي غنمي حتى أدخل مكة فأسمر كما يسمر الشباب، فخرجت لذلك حتى جئت أول دار من مكة اسمع عزفاً بالدفوف والمزامير لعرس بعضهم، فجلست لذلك، فضرب الله على أذني فنمت، فما ايقظني إلّ مسُّ الشمس ولم أقض شيئاً، ثم عراني مرة أخرى مثل ذلك». وكان ◌َّهُ لا يأكل ما ذُبح على النُّصُبِ (٢) وحرَّمَ شُرب الخمر على نفسه مع شيوعه في قومه شيوعاً عظيماً، وذلك كله من الصفات التي يحلّي الله بها أنبياءه ليكونوا على تمام الاستعداد لتلقّي وحيه، فهم معصومون من الأدناس قبل النبوة وبعدها. أما قبل النبوة فليتأهَّلوا للأمر العظيم الذي سيسند إليهم، وأما بعدها فليكونوا قدوة لأممهم. عليهم من الله أفضل الصلوات وأتم التسليمات. ما أكرمه الله به قبل النبوّة أول منحة من الله ما حصل من البركاتِ على آل حليمة الذين كان مسترضعاً فيهم، فقد كانوا قبل حلوله بناديهم مجدبين، فلما صار بينهم صارت غُنيماتِهم تؤوب (٣) من مرعاها وإن أضراعها لتسيل لبناً ويرحم الله البوصيري حیث یقول في همزیته : سمبـ (١) الشفاء للقاضي عياض. (٢) هي حجارة تنصب وتصب عليها دماء الذبائح وتعبد. (٣) تعود. ٢٦ وإذا سخّرَ الإِله أُناساً لسعيدٍ فإنَّهم سعداءُ ثم أعقب ذلك ما حصل من شق صدره (١) وإخراج حظ الشيطان منه، وليس هذا بالعجيب على قدرة الله تعالى، فمن استبعد ذلك كان قليل النظر لا يعرف من قوة الله شيئاً، لأنَّ خرق العادات للأنبياء ليس بالأمر المستحدث ولا المستغرب. ومن المكرمات الإلهية تسخير الغمامة له في سفره إلى الشام، حتى كانت تظله في اليوم الصائف لا يشترك معه أحد في القافلة، كما روى ذلك ميسرة غلام خديجة الذي كان مشاركاً له في سفره، وهذا ما حبَّبه إلى خديجة حتى خطبته لنفسها، وتيقنت أن له في المستقبل شأناً. ولذلك لما جاءته النبوة كانت أسرع الناس إيماناً به ولم تنظر آية أخرى زيادة على ما علمته من مكارم الأخلاق وما سمعته من خوارق العادات. ومن مِنَنِ الله عليه ما كان يسمعه من السلام عليه من الأحجار والأشجار(٢) فكان إذا خرج لحاجته أبعدَ حتى لا يرى بناء ويفضي إلى الشِّعاب وبطن الأوذية، فلا يمر بحجر ولا شجرة إلّ سمع: الصلاةُ والسلامُ عليك يا رسولَ الله، وكان يلتفت عن يمينه وشماله وخلفه فلا یری أحداً، وقد حدَّثَ بذلك عن نفسه. ولیس في ذلك كبير إشكال، فقد سخر الله الجمادات للأنبياء قبله؛ فعصا موسى التقمت ما صنع سحرةُ فرعون بعد أن تحوَّلت حية تسعى، ثم رجعت كما كانت، ولما ضرب بها الحجر نبع منه الماء اثنتي عشرة عيناً، لكل سبط من أسباط بني إسرائيل عين. وكذلك غيره من الأنبياء سخر الله لهم ما شاء من أنواع الجمادات، لتدل العقلاء على عظيم قدرهم وخطارة شأنهم. تبشير التوراة به أنزل الله التوراة على موسى محتوية على الشرائع التي تناسب أهل ذاك الزمن، ونوَّه فيها بذكر كثير من الأنبياء الذين علم الله أنه سيرسلهم، فمما جاء (١) حديث شق الصدر صحيح أخرجه مسلم في باب الاسرار ١٠١/١ وأحمد في سنده ١٢١/٣٥. (٢) السيرة الحلبية . ٢٧ ....--- فيها تبشيراً برسولنا الكريم خطاباً لسيدنا موسى عليه السلام(١) (وسوف أقيم لهم نبياً مثلك من بين إخوتهم وأجعل كلامي في فمي ويكلمهم بكل شيء آمره به ومن لم يطع كلامه الذي يتكلم به باسمي فأنا الذي أنتقم منه، فأما النبي الذي يجترى عليّ بالكبرياء ويتكلم باسمي بما لم آمر به أو باسم آلهة أخرى فليقتل، وإذا أحببت أن تميز بين النبي الصادق والكاذب فهذه علامتك أن ما قاله النبي باسم الرب ولم يحدث فهو كاذب يريد تعظيم نفسه ولذلك لا تخشاه). ويقول اليهود إنَّ هذه البشارة ليوشع بن نون خليفة موسى عليه السلام مع أنهم كانوا ينتظرون في مدة المسيح نبياً آخر غير المسيح (٢) فإنهم أرسلوا ليوحنا المعمدان (يحيى) يسألونه عن نفسه فقالوا له: أنت إيليا؟ فقال: لا، فقالوا: أنت المسيح؟ فقال: لا، فقالوا: أنت النبي؟ فقال: لا، فقالوا: ما بالك إذاً تعمّد إذا لم تكن إيليا ولا المسيح ولا النبي؟ فهذه تدل على أن التوراة تبشر بإيليا والمسيح ونبي لم يأت حتى زمن المسيح، ثم إن التوراة تقول في صفة النبي إنه مثل موسى وقد نصت في آخر سفر التثنية على أنه لم يقم في بني إسرائيل نبي مثل موسى، وورد في هذه البشارة أن النبي الذي يفتري على الله يقتل ويشبه ذلك في القرآن قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَيْنَا بَعْضَ الْأُقَاوِيِ ﴿ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَ لَقَطَعْنَا مِنْهُ أَلْوَنِينَ﴾(٣). ونبينا ◌َ﴿ مكث بين أعدائه الألدّاء من مشركين ويهود ثلاثاً وعشرين سنة يدعوهم فيها إلى الله، ومع ذلك عصمه الله منهم وأنزل عليه تطميناً لخاطره: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ﴾(٤). أكان يُعجزُ اللَّه، وهو القادر على كل شيء، أن يعاقب من ينسب إليه ما لم يقله، وهو الذي قال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَى عَلَى الَِّ كَذِبًا فَإِن يَشَّلَ اللهُ يَخْتِمْ عَى (١) الإصحاح الثامن: سفر التثنية . (٢) الإصحاح الأول من إنجيل يوحنا. (٣) سورة الحاقة: الآيتان ٤٤ - ٤٦. (الوتين): عرق في القلب إذا انقطع مات صاحبه . (٤) سورة المائدة: آية ٦٧ . ٢٨ ..-- قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَّ بِكَلِمَتِهِ، إِنَّهُ عَلِيُمْ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾(١) وقد أخبرتنا هذه البشارة عن العلامة التي نعرف بها صدق النبي من كذبه وهي الإخبار بما سيأتي، وقد أخبر النبي ◌ّر عن أشياء كثيرة فحدثت كما أخبر عنها، ومنها ما لا ينفع منه الحَدْس والتخمين، كالإِخبار بأن الروم سَيْغْلِبون بعد أن قهرهم الفرس قهراً شديداً، حتى كادوا يحتلون القسطنطينية عاصمة ملكهم، فالإِخبار إذاً بأن الروم سيردون ما فقد منهم بعد بضع سنين لا يكون إلاّ من عند الله، ولذلك استغربه جداً بعض المشركين من قريش، وراهن على ذلك أبا بكر الصديق رضي الله عنه، وقد حقق الله الخبر فاستحقّ الصدِّيق الرهن. وهذا قليل من كثير سيأتيك تفصيله إن شاء الله تعالى. وروى القاضي عياض في الشفاء أن عطاء بن يسار سأل عبد الله بن عمروبن العاص عن صفة رسول الله وَله فقال: أجل !! والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: ﴿يَأَيُّهَا النَُّّ إِنّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾(٢) ((وحرزاً للُّأُمَيِّين أنت عبدي ورسولي سمِّيتك المتوكل ليس بفظٍّ ولا غليظ ولا صخّاب(٣) في الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلاّ الله ويفتح به أعيناً عُمْياً وآذاناً صُمّاً وقلوباً غُلْفاً)). وروي مثله عن عبد الله بن سلام (٤) رضي الله عنه وهو الذي کان رئیس اليهود، فلم تُعْمِه الرياسة حتى يترك الدين القويم، وكذلك كعب الأحبار وفي بعض طرق الحديث: ولا صخّابٍ في الأسواق ولا قوَّالٍ للخنا(٥)، أُسدّده (١) سورة الشورى: آية ٢٤ . (٢) سورة الأحزاب: آية ٤٥ . (٣) شديد الصوت . (٤) اسمه قبل الإِسلام الحصين بشره رسول الله صل بالجنة. (٥) الفحش. ٢٩ ------------- لكل جميل، وأهب له كل خلق كريم، وأجعل السكينة لباسه، والبر شعاره، والتقوى ضميره، والحكمة مقوله، والصدق والوفاء طبيعته، والعفو والمعروف خلقه، والعدل سيرته، والحق شريعته، والهدى إمامه، والإِسلام ملته، وأحمد اسمه، أهدي به بعد الضلالة، وأعلم به بعد الجهالة، وأرفع به بعد الخمالة، وأُسمِّي به بعد النكرة، وأكثر به بعد القلة، وأغني به بعد العيلة، وأجمع به بعد الفرقة، وأؤلف به بين قلوب مختلفة، وأهواء متشتتة، وأمم متفرقة، وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس. وقد أخبر عليه السلام عن صفته في التوراة فقال وهو الصادق الأمين: عبدي أحمد المختار مولده مكة ومهاجره بالمدينة - أو قال طَيْبة - وأمته الحمّادون الله على كل حال. تبشير الإِنجيل بشّر عيسى عليه السلام قومه في الإِنجيل بالفارقليط ومعناه قريب من محمد أو أحمد ويصدّقه في القرآن قول الله تعالى في سورة الصف ﴿ وَإِذْ قَالَ. عِسَى أَبْنُ مَرْيَ يَنِّيّ ◌ِسَآءِيَلَّ إِلَّى رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ النَّوْرَنَّةِ وَمَُشِّرَ بِرَسُولٍ يَأْتِى مِنْ بَعْدِى أَسْمُ ◌ٍ أَحَدٍّ﴾(١). وقد وصف المسيح هذا الفارقليط بأوصاف لا تنطبق إلا على نبينا وصلاليه فقال: إنه يوبخ العالم على خطيئته وإنه يعلّمهم جميع الحق، لأنه ليس ينطق من عنده، بل يتكلم بكل ما يسمع، وهذا ما ورد في القرآن الكريم: ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْمَوَىَّ (﴾ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى﴾(٢) وقد ورد في إنجيل برنابا الذي ظهر منذ زمن قريب وأخفته حجب(٣) الجهالة: ذكر اسم الرسول وَل صراحة. (١) سورة الصف: آية ٦. (٢) سورة النجم: الآيتان ٣، ٤ . (٣) ترجم إلى العربية وهو الآن مطبوع بمصر. ٣٠ .----* ....... .... ٠ ٠. حركة الأفكار قبل البعثة وهذا يسهِّل لك فهم الحركة العظيمة من الأحبار والرهبان قبيل البعثة، فكان اليهود يستفتحون على عرب المدينة برسول منتظر. فقد حدَّث عاصم بن عمروبن قتادة عن رجال من قومه قالوا: إنما دعانا للإِسلام - مع رحمة الله تعالى لنا - ما كنا نسمع من أحبار يهود، كنَّا أهلَ شرك وأصحابَ أوثان، وكانوا أهلَ كتاب عندهم علم ليس لنا، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور، فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا قد تقارب زمان نبي يبعث الآن نقتلكم معه قتل عادٍ وإرَم. فكثيراً ما نسمع ذلك منهم. فلما بعث الله رسوله محمدً اله أجبنا حين دعانا إلى الله، وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا به، فبادرناهم إليه فآمنًا وكفروا، (وإنما قال لهم اليهود نقتلكم معه قتل عاد وإرم لأن من صفته و لا في كتبهم أنَّ هذا النبي يستأصل المشركين بالقوة ولم يكونوا يظنون أنَّ الحسدّ والبغي سيتمكنان من أفئدتهم فينبذون الدين القيّم فيحق عليهم العذاب في الدينا والآخرة). وكان أمية بن أبي الصلت المتنصر العربي كثيراً ما يقول: إني لأجد في الكتب صفة نبي يبعث في بلادنا. وحدَّث سلمان الفارسي رضي الله عنه عن نفسه أنه صحب قسِّيساً فكان يقول له يا سلمان أن الله سوف يبعث رسولاً اسمه أحمد يخرج من جبال تهامة علامته أن يأكل(١) الهدية ولا يأكل الصدقة، وهذا الحديث كان من أسباب إسلام سلمان. ولما راسل ﴿ ملوك الأرض لم يُهِنْ كتابَه إلا كسرى الذي ليس عندهم علم من الكتاب، وأما جميع ملوك النصارى كالنجاشي ملك الحبشة، والمقوقس ملك مصر، وقيصر ملك الروم، فأكرموا وفادة رسله. ومنهم من آمن كالنجاشي، ومنهم من ردّ رداً لطيفاً وكاد يسلم لولا غلبة الملك كقيصر، ومنهم من هادى كالمقوقس. ولم يكن 18 في قوة يُرهب بها هؤلاء الملوك، اللهم ما ذاك إلّ لأنهم يعلمون أنَّ المسيحَ عليه السلام بَشِّرَ برسولٍ يأتي من بعده، ووافقت صفاتُ رسولنا ما عندهم فأجابوا بالتي هي أحسن، (١) يقبل الهدية ولا يقبل الصدقة . ٣١ ٣٢ -٠٠ ٠٠٠ ........ .. .. --- ..........-------------- . . . . وأما ما سُمع من الهواتف والكهان قبيل زمنه، فهو ما لا يدخل تحت حصر وليس بعد ما ذكرته لك زيادة لمستكثر. ومع ذلك كله فالأعمال التي جاد الله بها على يديه والأقوال التي أتانا بها أعظم مقوّ لحجته ومؤيد لدعوته. وسيأتي عليك بيان ذلك كله بأجلى بيان فتأمله ترشد. هداك الله الى الصراط السويّ. ٠٠٠ ٫٫٠٠ ٢٠٠٫ ١٥٠٠كـ --------- - الـ بدء الوحي لما بَلَغَ عليه السلام سن الكمال وهي أربعون سنة، أرسله الله للعالمين بشيراً ونذيراً ليخرجهم من ظلمات الجهالة إلى نور العلم، وكان ذلك في أول شباط سنة ٦١٠ من الميلاد كما أوضحه المرحوم محمود باشا الفلكي تبين بعد دقة البحث أن ذلك كان في ١٧ رمضان سنة ١٣ قبل الهجرة وذلك يوافق يوليو (تموز) سنة ٦١٠ وأول ما بدء به الوحي الرؤيا الصادقة فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصباح، وذلك لما جرت به عادة الله في خلقه من التدريج في الأمور كلها حتى تصل إلى درجة الكمال. ومن الصعب جداً على البشر تلقّي الوحي من الملك لأول مرة، ثم حُبِّب إليه عليه السلام الخَلاء ليبتعد عن ظلمات هذا العالم وينقطع عن الخلق إلى الله، فإن في العزلة صفاءً السريرة. وكان يخلو بغار(١) حِراء فيتعبَّد فيه الليالي ذوات العدد، فتارة عشراً، وتارة أكثر إلى شهر. وكانت عبادته على دين أبيه إبراهيم عليه السلام ويأخذ لذلك زاده، فإذا فرغ رجع الى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق(٢) وهو في غار حراء. فبينما هو قائم في بعض الأيام على الجبل، إذ ظهر له شخص وقال له: أبشر يا محمد أنا جبريل وأنت رسول الله إلى هذه الأمة. ثم قال له: اقرأ قال ما أنا بقارىء، فإنه عليه السلام أميّ لم يتعلم القراءة قبلاً. فأخذه فغطّه بالنمط الذي كان ينام عليه حتى بلغ منه الجهد ثم أرسله، فقال: اقرأ . قال: ما أنا بقارىء فأخذه فغطّه ثانية ثم أرسله، فقال: اقرأ قال: ما أنا بقارىء، فأخذه فغطَّه ثالثة، ثم أرسله، فقال: ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ (١) جبل على مقربة من مكة . (٢) الملك . ٣٣ خَلَقَ الْإِنِسْنِ مِنْ عَلَقِ () آقْرَأْ وَرَبُّكَ آلْأَكْرَمُ * الَّذِىِ عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴾ عَلَّمَ آلْإِنسَانَ مَالَمْ يَعْلَمْ﴾(١). فرجع ◌َلّه يرجف فؤاده مما ألمّ به من الروع الذي استلزمته مقابلة الملك لأول مرة، فدخل على خديجة زوجه، فقال: زمِّلوني (٢) زمِّلوني، لتزول عنه هذه القُشَعْريرة، فزملوه حتى ذهب عنه الرَّوع فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي؛ لأن الملك غطه حتى كاد يموت. ولم يكن 18 علم قبل ذلك بجبريل ولا بشكله فقالت: كلا! والله ما يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم وتحمل الكُلَّ وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق فلا يسلط الله عليك الشياطين والأوهام ولا مراء أن الله اختارك لهداية قومك. ولتتأكد خديجة مما ظنته أرادت أن تتثبت ممن لهم علم بحال الرسل ممن اطلعوا على كتب الأقدمين، فانطلقت به حتى أتت ورقة بن نوفل ابن عم خديجة، وكان امرأً قد تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخاً كبيراً قد عمي، فقالت له خديجة: يا ابن عمّ اسمع من ابن أخيك، فقال يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره وَلّ خبر ما رأى. فقال له ورقة: هذا الناموس (٣) الذي نزّل الله على موسى، لأنه يعرف أن رسول الله إلى أنبيائه هو جبريل، ثم قال: يا ليتني فيها جَذّعاً (شاباً جلْداً) إذ يخرجك قومك من بلادك التي نشأت بها لمعاداتهم إياك وكراهيتهم لك، حينمنا تطالبهم بتغيير اعتقادات وجدوا عليها آباءهم، فاستغرب وَّر ما نسب لقومه مع ما يعرفه من حبهم له لاتصافه بمكارم الأخلاق وصدق القول حتى سموه الأمين وقال: أوَ مُخْرِجيَّ هم؟ قال: لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عُودي. وقد نطق بذلك القرآن الكريم. (١) سورة العلق: آية ١ . (٢) لفوني في ثوبي . (٣) الناموس في الأصل صاحب سر الملك والرواية هنا جبريل عليه السلام لأن الله خصه بالوحي والغيب (النهاية). ٣٤ جـ ٠٠ ... .. ........ دعتداعيات الك - لكـ ــ . .. قال تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِ جَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَآ أَو لَتَعُودُنَّ فِى مِنً﴾ (١). ولتمام تصديق ورقة برسالة الرسول الأكرم وَليّه قال: وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً (معصداً) ثم لم يلبث ورقة أن توفي. فترة الوحي وفترة الوحي مدة لم يتفق عليها المؤرخون، وأرجح أقوالهم فيها أربعون يوماً، ليشتد شوق الرسول _18 للوحي، وقد كان. فإن الحال اشتد به عليه السلام حتى صار كلما أتى ذروة جبل بدا له أن يرمي نفسه منها حذراً من قطيعة الله له بعد أن أراه نعمته الكبرى وهي اختياره لأن يكون واسطة بينه وبين خلقه فيتبدى له الملك قائلاً: أنت رسول الله حقاً فيطمئن خاطره ويرجع عما عزم عليه حتى أراد الله أن يظهر للوجود نور الدين فعاد إليه الوحي. عود الوحي فبينما هو يمشي (٢) إذ سمع صوتاً فرفع إليه بصره فإذا الملك الذي جاءه بجراء جالس بين السماء والأرض، فرعب منه لتذكر ما فعله في المرة الأولى، فرجع وقال: دثّروني دّروني. فأنزل الله تعالى عليه: ﴿ يَأْيُهَا الْمُذَّثِّرُ قُمْ فَأَنِذِرْ﴾ (٣). حذِّر الناس من عذاب الله إن لم يرجعوا عن غيِّهم وما كان يعبد آباؤهم ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِرْ﴾ خصه بالتعظيم ولا تشرك معه في ذلك غيره ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. لتكون مستعداً للوقوف بين يدي الله، إذ لا يليق بالمؤمن أن يكون مستقذراً نجساً ﴿ وَالرَّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ أي اهجر أسباب الرجز وهو العذاب (١) سورة إبراهيم: آية ١٣. (٢) حديث رواه الصحابي الجليل جابر بن عبد الله غزا تسع عشرة غزوة مات بالمدينة عمره ٩٤ سنة. وأخرج الحديث البخاري ومسلم في باب بدء الوحي. (٣) سورة المدثر: آية ١ . ٣٥ ٢٢٢ بيب بـ بأن تطيع الله وتنفذ أمره ﴿ وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ ولا تهبْ أحداً هبة وأنت تطمع أن تستعيض من الموهوب أكثر مما وهبت، فهذا ليس من شأن الكرام ـرَبّكَ فَأصبر﴾. على ما سيلحقك من أذى قومك حينما تدعوهم إلى الله. الدعوة سرّاً فقام ◌َّ بالأمر ودعا لعبادة الله أقواماً جفاة لا دين لهم، إلا أن يسجدوا الأصنام لا تنفع ولا تضر، ولا حجة لهم إلا أنهم متبعون لما كان يعبد آباؤهم وليس عندهم من مكارم الأخلاق إلا ما كان مرتبطاً بالعزة والأنفة، وهو الذي كثيراً ما كان سبباً في الغارات والحروب وإهراق الدماء فجاءهم رسول الله بما لا يعرفونه. فذوو العقول السليمة بادروا إلى التصديق وخلع الأوثان، ومن أعمته الرياسة أدبر واستكبر كيلا تسلب منه عظمته. وكان أول من سطع عليه نور الإِسلام خديجة بنت خويلد زوجه(١)، وعلي بن أبي طالب ابن عمه(٢) وكان مقيماً عنده يطعمه ويسقيه ويقوم بأمره لأن قريشاً كانوا قد أصابتهم مجاعة، وكان أبو طالب مقلا كثير الأولاد، فقال # لعمه العباس بن عبد المطلب: إنَّ أخاك أبا طالب كثير العيال والناس فيما ترى من الشدة، فانطلق إليه لنخفِّف من عياله تأخذ واحداً وأنا واحداً، فانطلقا وعرضا عليه الأمر، فأخذ العباس جعفر بن أبي طالب وأخذ عليه السلام علياً فكان في كفالته كأحد أولاده إلى أن جاءت النبوة وقد ناهز(٣) الاحتلام فكان تابعاً للنبي في كل أعماله، ولم يتدنس بدنس الجاهلية من عبادة الأوثان واتباع الهوى، وأجاب أيضاً زيد بن حارثة (٤) بن شرحبيل الكلبي مولاه عليه الصلاة والسلام وكان يقال له زيد بن محمد، لأنه لما اشتراه أعتقه وتبنَّاه، وكان المتبنى معتبراً كابن (١) أول المؤمنين من النساء . (٢) أول المؤمنين من الفتيان أسلم وله من العمر عشر سنوات. (٣) بلغ الاحتلام. (٤) أول المؤمنين من الموالي . ٣٦ اتهالحاههها ------ ---------------- .W . .. . ..... " ........... ... ... .. ..... ٠ -.... ۔۔۔۔