النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦٠
وهو أحد الأعلام ، ترجمته معروفة ، أخرج له ع(١).
وليس هذا بعبدالله بن عون بن أمير مصر أبي عون عبدالملك بن يزيد الهلالي أبي محمد البغدادي
الأدمي الخراز ، الزاهد ، هذا روی له م س(٢) .
قوله : (( كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال ، فكتب إليّ إنما كان ذلك في أول
الإسلام)» ... الحديث، اعلم أن الرواية بالكتابة(٣)، وهو أن يكتب الشيخ شيئاً من حديثه بخطه أو يأمر
غيره فيكتب عنه بإذنه ، سواء كتب أو كُتب عنه إلى غائب عنه ، أو حاضر عنده ، ويقول : أجزتُ لك
ما کتبتُه ، وهي تنقسم إلى نوعين :
أحدهما : الكتابة المقترنة بالإجازة بأن يكتب إليه بالحديث أو الأحاديث ، ويقول : أجزت لك
ماكتبته لك ، ونحو ذلك ، وهي شبيهة بالمناولة المقرونة بالإجازة في الصحة والقوة .
والنوع الثاني : الكتابة المجردة عن الإجازة كهذا المكان الذي نحن فيه ، فإنها صحيحة تجوز
الرواية بها على الصحيح المشهور بين أهل الحديث ، وهو عندهم معدود في المسند الموصول ، وهو
قول كثير من المتقدمين والمتأخرين ، منهم : أيوب السَّخْتياني ، ومنصور ، والليث بن سعد ، وغير واحد
من الشافعيين ، منهم : أبو المظفر السمعاني ، وفي الصحيحين أحاديث من هذا النوع منها هذا ، وقد قال
البخاري في الأيمان والنذور: (( كتب إليّ محمد بن بشار))(٤)، فذكر حديثاً، ولا أعلم في خ حديثاً رواه
البخاري نفسه بالكتابة إلا هذا ، لكن فيه غير ذلك في [١٧٧ ب/أ] أثناء السند .
ومنع صحة ذاك قوم آخرون ، وبه قطع الماوردي في (( الحاوي)) .
وقال السيفُ الآمدي : لا يرويه إلا بتسليط من الشيخ ، كقوله : فاروه عني ، أو أجزت لك روايته .
وذهب أبو الحسن بن القطان إلى انقطاع الرواية بالكتابة ، قاله عقب حديث جابر بن سمرة الذي
فيه عامر بن سعد بن أبي وقاص ، قال : كتبت إلى جابر بن سمرة مع غلامي نافع : أن أخبرني بشيء
سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : فكتب إني سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم
يوم جمعة عشية رجم الأسلمي ، فذكر الحديث ، أخرجه م منفرداً به(٥) ، وقد ردّ ذلك علي بن القطان
أبو عبدالله بن المواق . والله أعلم .
قوله : (( وهم غارّون))، هو بالغين المعجمة، وبعد الألف راء مشددة ، أي: غافلون، والغِر
والغرير : الغافل الذي لاعلم عنده بالأمور بيّن الغرارة ، والاسم : الغِرة(٦).
قوله : (( قال يحيى أحسبه))، يحيى هذا هو يحيى بن يحيى التميمي ، المذكور في أول سند
مسلم هنا .
قوله : (( أو البتة))، يعني أن يحيى بن يحيى التميمي شك قال: أظن سُليم بن أخضر قال:
(١) ثقة ثبت فاضل. مات سنة خمسين ومائة. انظر (التقريب)) ٥٣٣ (٣٥٤٣).
(٢) ثقة عابد، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائتين. انظر ((التقريب)) ٥٣٣ (٣٥٤٤) .
(٣) انظر حول هذا الموضوع: (( علوم الحديث)) لابن الصلاح ص ١٥١ - ١٨٠ .
(٤) ((صحيح البخاري)) ٧ : ٢٨٨ (٦٦٧٣)، كتاب الأيمان والنذور ، باب إذا حنث ناسياً في الأيمان .
(٥) انظر ((صحيح مسلم)) ٣: ١٤٥٣ (١٨٢٢)، كتاب الإمارة، باب الناس تبع لقريش، والخلافة في قريش.
(٦) انظر ((النهاية)) ٣ : ٣٥٥،٣٥٤ .

٢٦١
وأصاب يومئذ جويرية أو البتّة ، أي: القَطْع بأنه قال ذلك(١)، والبَتّ - بفتح الموحدة، وتشديد المثناة
فوق - : القطع ، وألفها ألف وصل، وسمعت بعضَ الفضلاء ينقل عن بعض العجم أن الألف ألف قطع،
وهذا غلط لاشك فيه . والله أعلم .
قوله : (( وحدثني عبدالله بن عمر ، وكان في ذلك الجيش))، اعلم أن الراوي إذا قدم المتن على
السند ، كأن يقول : قال رسول الله صلی الله عليه وسلم كذا وكذا حدثني به فلان ، ويسوق إسناده إليه
عليه الصلاة والسلام ، أو يقدم بعض الإسناد مع المتن على بقية السند كهذا الحديث الذي نحن فيه ،
فهذا إسناد متصل ، لايمنع ذلك الحكم باتصاله ، ولايمنع من روى كذلك ، أعني تحمله من شيخه
كذلك أن يبتدئ بالإسناد جميعه أولاً ، ثم يذكر المتن ، كما جوّزه بعض المتقدمين من أهل الحديث .
قال الحافظ الفقيه أبو عمرو عثمان بن عبدالرحمن بن الصلاح : « ينبغي أن يكون فيه خلاف نحو
الخلاف في تقديم بعض المتن على بعض ، فقد حكى الخطيبُ المنعَ من ذلك على القول بأن الرواية
على المعنى لاتجوز . والجوازَ على القول بأن الرواية على المعنى تجوز، ولافرق بينهما في ذلك .
انتهى . والله أعلم»(٢).
قوله : (( وقد أشار ابن سعد إلى هذه الرواية))، يعني وهم غافلون ، قال : والأول أثبت ، يعني :
أنهم اصطفّوا للقتال . والله أعلم .
قوله : (( بريدة بن الحصيب))، تقدم قريباً ضبطه وضبطه والده .
قوله : (( واستعمل عليه شُقْران مولاه))، شُقْران - بضم الشين المعجمة ، وإسكان القاف - : مولى
رسول الله صلى الله عليه وسلم، مشهور بهذا اللقب ، واسمه صالح، وقال بعض الحفاظ : قيل: اسمه
صالح ، وكان عبداً حبشياً لعبد الرحمن بن عوف ، أهداه للنبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: بل اشتراه
منه ، فأعتقه بعد بدر ، وكان ممن حضر غَسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وانقرض عقبه ، فمات
آخرهم بالمدينة في خلافة الرشيد ، روى عنه : عبدالله بن أبي رافع، ويحيى بن عمارة المازني ،
وأبو جعفر الباقر(٣). قال الذهبي: (( وما أحسب أباجعفر أدركه، فإن أبامعشر السندي ذكر أنه شهد
بدراً))(٤) . انتهى . قلت : ويؤكد ماقاله الذهبي ماذكره بعضهم أنه عليه الصلاة والسلام ورثه من أبيه
فأعتقه .
فائدة شاردة : أرسل أبو جعفر الباقر محمد بن علي بن الحسين(*) بن علي بن
أبي طالب ، (( عن جديه : الحسن والحسين، وجده الأعلى : علي بن أبي طالب ، وعن عائشة
وأبي هريرة وجماعة ، قاله في (( التهذيب))(٦)، وفي سنن ابن ماجة، عن أم سلمة حديث: (( الحج جهاد
(١) انظر (( النهاية)) ١ : ٩٣ .
(٢) ((علوم الحديث)) ٢٢٩، ٢٣٠.
(٣) هو : محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب . انظر فهرس الرجال .
(٤) (( تجريد أسماء الصحابة)) ١ : ٢٥٩ (٢٧٣٠).
(٥) في نسخة الأحقاف : الحسن . وهو خطأ .
(٦) انظر (التهذيب)) ٩ : ٣١١ (٥٨٢).

٢٦٢
كل ضعيف))(١)، قال العلائي: والظاهر أنه مرسل، وأرسل عن عمر، قاله الذهبي))(٢).
وقال الحافظ زكي الدين عبدالعظيم المنذري في حواشيه : في حديث سمُرة في أبواب القضاء في
سماعه من سمرة نظر ، فقد نقل من مولده ووفاة سمرة مايتعذر معه سماعه منه ، وقيل فيه مايمكن
سماعه منه . والله أعلم .
قوله : « مَحمِيَةَ بن جَزْء الزُّبَيْدي))، هو بضم الزاي ، وهو حليف بني جُمح ، نسب الزُّبيديّ
ابنُ الكلبي، وهو عم عبدالله بن الحارث بن جزء، من مهاجرة الحبشة. وفي ((صحيح مسلم)) : أنه
رجل من بني أسد(٢) . انتهى . كذا وقع في مسلم في الزكاة أنه من بني أسد . قال القاضي عياض : وإنما
هو من زُبيد . والله أعلم .
قوله : (( مائتي بيت)) ، هو بفتح الموحدة ، ثم ياء مثناة تحت ساكنة ، ثم مثناة فوق ، وهو واحد
البيوت ، وفي نسخة: بِنْت - بكسر الموحدة ، ثم نون ساكنة ، ثم مثناة فوق- ، والأول أظهر . والله
أعلم .
قوله : (( يقال له هشام بن صُبَابة الليثي))، صُبَابة - بضم الصاد المهملة ، ثم موحدتين بينهما ألف
كلاهما مخففة-، وهذا ظاهر، إلا أني رأيته في بعض الكتب مصحّفاً فأحببتُ ضبطه ، وهو
أخو مقيس(٤) بن صُبابة ، أسلم هشام ، ووُجد قتيلاً في بني النجار ، قتله أنصاري ، وظنه من العدو .
قوله : (( أصابه رجل من الأنصار من رهط عُبادة بن الصامت)) ، هذا الرجل الذي أصابه لاأعرف
اسمه .
قوله : (( وهو يُرى))، هو بضم أول وفتح ثالثه ، أي : يظن .
قوله : ((يقال: جهجاه بن مسعود))، قال المؤلف: (( جهجاه بن مسعود ، وقال أبو عُمر :
جهجاه بن سعيد بن حرام ، هو صاحب حديث (( المُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعَىَّ وَاحِدٍ))(٥) ، وقيل: إن ذلك قيل
في غيره . وقال الطبري : المحدثون يزيدون فيه الهاء ، والصواب : جهجا ، دون هاء .
وجهجاه هذا هو الذي جاء وعثمان رضي الله عنه يخطب ، وبيده عصا النبي صلى الله عليه
وسلم، فأخذها وكسرها على ركبته اليمنى ، فدخلت فيها شظية منها ، فبقي الجرح وأصابته الآكلة(٦)،
وشُدت العصا، وكانت مضببة ، ذكره ابن مسلمة التجيبي في تاريخه»(٧). انتهى .
(١) (( سنن ابن ماجة)) ٢: ٩٦٨ (٢٩٠٢)، كتاب المناسك، باب الحج جهاد النساء . والحديث حسنه الألباني في
(( صحيح الجامع الصغير) (٣١٧١) .
(٢) ((جامع التحصيل)) للعلائي ١ : ٢٦٦ (٧٠٠).
(٣) ٢ : ٧٥٤ (١٠٧٢)، كتاب الزكاة ، باب ترك استعمال آل النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقة.
(٤) في ل : نفيس .
(٥) تكملة الحديث: (( والكافر يأكل في سبعة أمعاء)). انظر ((صحيح البخاري)) ٦: ٢٤٦ (٥٣٩٣)، كتاب
الأطعمة، باب المؤمن يأكل في مِعىِّ واحد، (( صحيح مسلم)) ٣: ١٦٣٢ (٢٠٦٢)، كتاب الأشربة ، باب
المؤمن يأكل في مِعِىِّ واحد .
(٦) هو: جهجاه بن سعيد الغفاري، ويقال: ابن مسعود بن حرام، صحابي. انظر (( الإصابة)) ١: ٥١٨ (١٢٤٧).
(٧) ((عيون الأثر) ٢: ١٤٤.

٢٦٣
وقد توفي جهجاه بعد عثمان بسنة ، قاله بعض الحفاظ .
وقول المؤلف : (( وقيل إن ذلك قيل في غيره))(١)، يعني (( وَالكَافِرِ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءِ))(٢)، يقال
إنه : ثمامة بن أُثال الحنفي ، ذكره ابن إسحاق ، ويقال : بل هو أبو بصرة الغفاري ، قاله أبو عبيدة ،
قاله [١/٢١٧٨] السهيلي في أواخر (( روضه)»: وعزى أنه جهجاه إلى مسند ابن أبي شيبة ، ثم قال: وفي
(( الدلائل)) أن اسمه نضلة(٣). انتهى .
وقول المؤلف : وجهجاه هذا هو الذي جاء وعثمان رضي الله عنه يخطب ، إلى آخره ، رأيت عن
الحافظ ابن دحية نقلاً عن ابن العربي في كتاب ((القواصم)): لايصح كسر العصا عمن أطاع ولامن
عصى(٤) . انتهى .
وقوله عليه الصلاة والسلام: ((فِي سَبْعَةٍ أَمْعَاءٍ)) سأذكرها قريباً إن شاء الله تعالى .
قوله : (( وسِنان بن وَبْر (٥) الجهني(٦)))، قال المؤلف: (( وسنان بن وَبِسْر - بإسكان الباءِ- عند
بعضهم ، وقال(٧): سنان(٨) بن تيم ، ويقال: ابن وبر. وفي كتاب ابن شبَّة: سنان بن أُبير(٩). وحكى
الأموي عن ابن إسحاق : سنان بن عمرو ، ويقال : ابن وَبرة»(١٠) . انتهى .
والذي رأيته في (( الاستيعاب)) في نسخة المصنف ابن سيدالناس : سنان بن تيم الجهني ، ويقال :
سنان بن وبرة(١١) ، كذا رأيته في النسخة المذكورة بخط ابن الأمين ، وقد كتب هذا الاسم بخط ابن
الأمين حاشية لفظها في كتاب الدارقطني وابن السكن : سنان بن وَبر ، وعند عمر بن شَبَّة : سنان بن
أُبير . انتهت . فهذا هو المعتمد .
قوله : (( فصرخ الجهني -يعني سناناً - : يا معشر الأنصار! وصرخ جهجاه : يامعشر
المهاجرين)) انتهى. اعلم أن في ((الصحيح)): ((مَابَالُ دَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ))، وفي أخرى: (( دَعُوهَا فَإِنَّهَا
(١) ((عيون الأثر)) ٢: ١٤٤.
(٢) تقدم تخريجه. (( صحيح البخاري)) ٦: ٢٤٦ (٥٣٩٣)، ((صحيح مسلم)) ٣: ١٦٣٢ (٢٠٦٢).
(٣) انظر (( الروض)) ٤ : ٤٢٠.
(٤) بعد البحث لم أجد هذه العبارة .
(٥) في ((الإصابة)) ٣ : ١٩٠ (٣٥١٤) وبرة أو وبر .
(٦) جاء في ((الإصابة)) ٣: ١٩٠ (٣٥١٤): (( سنان بن وبرة أو وبر الجهني، حليف بني الحارث، ... سمعت
سنان .. يقول : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة بني المصطلق، وكان شعارنا: يامنصور أمت ... وهو
الذي نازع جهجاه الغفاري على الماء فاقتتلا) .
(٧) في ((عيون الأثر)) ٢: ١٤٤: وقال أبو عمر .
(٨) في ل : ويقال : يسار .
(٩) بحثت عنه في كتاب ((تاريخ المدينة)) لابن شبة ، في مظانه مثل خبر عبدالله بن أبيُ ابن سلول ١ : ٣٤٩ ، وفي
فهرس الأعلام فلم أجده ، والمحقق ذكر أن المخطوط كثر فيه الخرم ، ولعل هذا العَلم سقط .
(١٠) ((عيون الأثر)) ٢: ١٤٤.
(١١) انظر (الاستيعاب)) ٢: ٦٥٦ (١٠٦٧).

٢٦٤
مُنْتِنَةٍ))(١)، أي: كلمة خبيثة ؛ لأنها من دعوى الجاهلية ، وقد جعل الله المؤمنين إخوة وحزباً واحداً،
فإنما ينبغي أن تكون الدعوة : ياللمسلمين .
فمن دعى في الإسلام دعوى الجاهلية ، فقال الإمام السهيلي : (( يتوجه فيها للفقهاء ثلاثة أقوال :
أحدها : أن يُجلد من استجاب إليها بالسلاح خمسين سوطاً ، اقتداءً بأبي موسى الأشعري
رضي الله عنه في جلده النابغة الجعدي خمسين سوطاً حين سمع بالعامر ، فأقبل يشتد بعصبية له .
والقول الثاني : أن فيها الجلد دون العشر ، لنهيه عليه الصلاة والسلام أن يجلد فوق عشرة إلا في
حَدّ(٢) .
القول الثالث : اجتهاد الإمام في ذلك على حسب مايراه من سدّ الذريعة ، وإغلاق باب الشر،
إما بالوعيد ، وإما بالسجن ، وإما بالجَلْد .
فإن قيل : إن الرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعاقب الرجلين حين دعوا بها ، قلنا: قد قال :
(( دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَة)) ، فقد أكّد النهي ، فمن دعا إليها بعد هذا النهي ، وبعد وصف النبي صلى الله عليه
وسلم لها بالإنتان ، وجب أن يؤدّب حتى يشم نتنها ، كما فعل أبوموسى الأشعري -رحمه الله -
بالجعدي ، فلامعنى لنتنها إلا سوء العاقبة فيها ، والعقوبة عليها))(٣) . انتهى لفظه .
قوله : ((فغضب عبدالله بن أبي ابن سلول))، تقدم الكلام عليه كتابة ونطقاً، وأن سلول
لا ينصرف ؛ لأنها أمه ، ففيها العلمية والتأنيث ، وتقدم أنه هلك على كفرة ونفاقه بعد تبوك .
قوله : (( وعنده زيد بن أرقم غلام حدث)) انتهى . زيد هذا صحابي ، كنيته : أبو عَمرو ، وقيل :
أبو عامر(٤) ، وقيل : أبو سعيد ، وقيل : أبو حمزة ، وقيل: أبو أُنيسة .
زيد بن أرقم بن زيد بن قيس بن النعمان بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن
الخزرج بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي المدني ، غزا مع النبي صلى الله عليه وسلم سبع عشرة غزوة ،
استصغره عليه الصلاة والسلام في أُحد ، وكان يتيماً في حِجر عبدالله بن رواحة ، وسار معه إلى مؤتة ،
نزل الكوفة ، وتوفي بها سنة ٥٦ ، وقيل : سنة ٦٨ ، وله مناقب كثيرة(٥)، وأجلُّها حديث في خ م في
قصة إخباره بقول عبدالله بن أُبي هذا، وفي آخره: ((إِنَّ اللَّهَ قَدْ صَدَّقَكَ))(٦).
قوله : (( حَدَث)) ، يعني صغير السن.
(١) هذه الجملة والجملة السابقة مذكورة في حديث واحد، انظر ((صحيح البخاري)) ٦ : ٧٧ (٤٩٠٥)، كتاب
تفسير القرآن، باب قوله: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦]، ((صحيح مسلم))
٤ : ١٩٩٩ (٢٥٨٤)، كتاب البر والصلة والآداب ، باب نصر الأخ ظالماً أو مظلوماً.
(٢) جاء في (( سنن البيهقي الكبرى)) ٨: ٣٢٨ (١٧٣٦٨) (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لايحل لرجل
يؤمن بالله واليوم الآخر أن يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حَدّ))
(٣) ((الروض)) ٤ : ١٤، ١٥.
(٤) من هنا إلى قوله أبو حمزة سقط من ل .
(٥) روى له الستة. انظر ((الاستيعاب)) ٢: ٥٣٥ (٨٣٧)، ((الإصابة)) ٢: ٥٨٩ (٢٨٧٥)، ((التقريب)
٣٥٠ (٢١٢٨).
(٦) انظر (( صحيح البخاري)) (٤٩٠٢)، (( صحيح مسلم))

٢٦٥]
قوله : ((وجلابيب قريش))، الجلابيب - بفتح الجيم -: (( لقب لكل من أسلم من المهاجرين ،
لقَّبَهم بذلك المشركون ، وأصل الجلابيب : الأُزُر الغِلاظ ، واحدها جلباب ، وكان يَلْتَحِفون بها،
فلقَّبُوهم بذلك)»(١) ، قاله أبوذر .
قوله : (( إلا كما قال الأول: سَمِّنْ كَلَبَك يأكلْك)) ، الأولُ يعني: المَثَل الأول، والقائل: سَمِّنْ
كلبَك يأكلْك، هو مَثَلٌ كما قاله الجوهري(٢) . انتهى. وتقول العرب في خلافه: اَجِعْ كلَك يتبعْك ،
وهذا مَثَلٌ أيضاً .
قوله : ((أما والله))، تقدم الكلام عليها، وأنه يجوز: أما والله، وأم والله، مطولاً، فانظر إن
أردته .
قوله : ((عباد بن بشر)) ، هو بكسر الموحدة ، وإسكان الشين المعجمة .
قوله : (( آذَن))، هو بهمزة وصل، وفتح الذال المعجمة ، وسكون النون ، فعل أمر بالإذن .
قوله : ((أوهم في حديثه ولم يحفظ ما قال الرجل))، أوهم في الكلام والكتاب إذا سقط منه
شيئاً .
قوله : ( حَدَباً على ابن أُبي))، هو بفتح الحاء والدال المهملتين وبالموحدة ، أي : عطفاً، يقال
حَدِب عليه ، وتحدّب إذا عطف(٣)، وقد تقدم ذلك في باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم قومه
وغيرهم إلى الإسلام .
قوله : (( أُسيد بن الحُضير))، تقدم مرات أن أُسيدا - بضم الهمزة ، وفتح السين-، وأن حُضَيراً -
بضم الحاء المهملة ، وفتح الضاد المعجمة - .
قوله : (( أوَما بلغك)) ، هو بتحريك الواو على الاستفهام .
قوله : (( ثم مَتَن رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بالناس»، قال المؤلف: قال صاحبُ (( العين»:
(( سار سيراً مماتناً، أي: بعيداً)»(٤). انتهى(٥). وهذا لفظ السهيلي بعينه(٦)، ويروي : مشى بالناس .
انتهى .
وقال ابن الأثير: (( مَتَنَ الناس يوم كذا، أي: سار بهم يومه أجمع، ومتن في الأرض :
ذهب))(٧) . انتهى .
وقال أبوذر في حواشيه: (( متن بالناس ، أي: سار بهم حتى أضعف إِلَهم، يقال: مَتّن بالإِبل :
(١) (( الإملاء المختصر في شرح غريب السير) ٣ : ٤٠.
(٢) انظر (( الصحاح)) ٥ : ٥٧١ ، باب النون، فصل السين، مادة (سمن).
(٣) انظر (( النهاية)) ١ : ٣٤٩ .
(٤) (( العين)) ٨: ١٣١، باب التاء والنون والميم معهما ..
(٥) ((عيون الأثر) ٢ : ١٤٤.
(٦) انظر: ((الروض)) ٤: ١٨، وقد نقل من صاحب (( العين)) .
(٧) ((النهاية)) ٤ : ٢٩٣.

٢٦٦
إذا أتعبها حتى تضعُف، ويُروى ثم مَشَى بدل قوله مَتَن، وهو معلوم)»(١) . انتهى .
ومتن بفتح الميم والمثناة فوق المخففة ، وبالنون المفتوحات ، فإذا بالغت شددت .
قوله : (( ليشغل الناس))، هو بفتح أوله وثالثه ، يقال : شغل متعدياً، ويقال : أشغله على لغة .
قوله : (( فوق النقيع))، هو بفتح النون ، والباقي معروف .
قوله : « يقال له نَقْعاء» ، هو بفتح ، النون وإسكان القاف ، وبالعين المهملة ممدود .
وقال الصغاني في ((ذيله)) في نقع: (( والنَّقْعَاء موضع خلف المدينة عند النَّقيع»(٢)، وقد اعتمدت
في الضبط النسخة التي عندي من ((الذيل)) الصحيحة التي تقدم وصفُها. والله أعلم. [١٧٨بـ/أ]
قوله : ((وجدوا رفاعة بن زيد بن التابوت أحد بني قينقاع)) إلى آخره ، رفاعة هذا منافق
معروف ، من جلّة المنافقين ، تقدم ، وتقدم أن قينقاع مثلث النون .
وفي مسند عبد بن حُميد من حديث جابر ، حديث قال فيه : (( كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم
في سفر ، فهاجت ريح تكاد تدفن الراكب ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( بُعثتْ هَذهِ الرِّيحُ
لِمَوْتِ مُنَافِقٍ)) ، فلما رجعنا إلى المدينة ، وجدنا قد مات في ذلك اليوم منافق عظيم النفاق ، فسمعت
أصحابنا بعده يقولون: هو رافع بن التابوت))(٣)، فالظاهر أنه غير الأول ، ويحتمل أنه نسبه هنا إلى
جده ، وقد تقدم الكلام على ذلك في خبر مخيريق مطولاً ، فانظره .
قوله : (( فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن عبدالله أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم)) ،
تقدم أن عاصماً ثقة ، وأنه تابعي ، فحديثه هذا مرسل ، وعبدالله هذا الآتي هو ولد المنافق عبدالله بن
أبي ابن سلول ، وابنه رجل صالح جليل المقدار ، قُتل شهيداً باليمامة ، في خلافة الصديق سنة اثنتي
عشرة . والله أعلم .
قوله : (( أما والله))، تقدم أنه يقال: أمَ والله ، وأما والله، مطولاً، فانظره إن أردته .
قوله : « لا أُرْعِدَت له آنف»، أُرْعِدت - بضم الهمزة وكسر العين- ، مبني لما لم يسم فاعله ،
وآنف -بمد الهمزة ، وضم النون- ، جمع أنف(٤) ، وقد تقدم .
قوله : (( وقدم مِقْيَس بن صُبابة من مكة مسلماً فيما يظهر)) ، مقيس بن صُبابة تقدم نسبه قريباً في
نسب أخيه ، وضبط صبابة ، وسيأتي أيضاً في غزوة الفتح أن النبي صلى الله عليه وسلم أهدر دمه فيمن
أهدر دمه ، وأنه كان قد أتى النبي صلى الله عليه وسلم مسلماً قبل ذلك ، ثم عدا على رجل من الأنصار
قتل أخاه مسلماً خطأ في غزوة ذي قَرَد ، وهو يُرى أنه من العدو ، وكذا قال المؤلف في غزوة الفتح ،
وإنما قتله في غزوة بني المصطلق هنا كما ترى ، ثم لحق بمكة مرتداً ، فقتله نُمَيلة بن عبدالله
الليثي وغيره كما سيأتي في غزوة الفتح ، ونميلة من قومه .
وقوله : في غزوة ذي قرد ، تبع فيه أباعُمر بن عبدالبر ، كما رأيته في ترجمة هشام بن صُبابة ، فإنه
(١) (( الإملاء المختصر في شرح غريب السير)) ٣ : ٤٠.
(٢) ٤ : ٣٧٠ باب العين ، فصل النون ، مادة (ن ق ع) .
(٣) ((مسند عبد بن حميد)) ١: ٣١٥ (١٠٢٩).
(٤) انظر (( النهاية)) ١ : ٧٥.

٢٦٧
قال كذلك .
غريبة: رأيت في كتاب ((المُغْرِب)) أن مِقْيساً بالصاد ، قال: وأهل الحديث يقولونه
بالسين . انتهى. وكذا في (( الصحاح» للجوهري، ولفظه: في (قيص): و((مِقْيَص بن صُبَابة - بكسر
الميم-، رجل من قريش، كذا قال ، قتله النبي صلى الله عليه وسلم في الفتح)) (١). انتهى.
قوله : (( فيما يُظهر)) ، هو بضم أوله وكسر الهاء رباعي ، وهذا ظاهر .
قوله : (( ثم عدا)»، هو بالعين المهملة من العدوان ، وهذا ظاهر .
قوله : (( على قاتل أخيه، فقتله))، تقدم أنه رجل من الأنصار ، وقد ذكر بعض مشايخي القصة ،
فقال : وذكر الواحدي عن الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس ، أن مِقْيَس بن صُبابة الليثي وجد
أخاه هشاماً قتيلاً في بني النجار ، وكان مسلماً فأتى مقيس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم،
فأخبره ، فأرسل معه رسولاً من بني فهر إلى بني النجار يأمرهم إن علموا قاتله ، فيدفعوه إلى أخيه ،
فيقتص منه ، وإن لم يعلموا له قاتلاً أن يدفعوا إليه الدية ، قالوا سمعاً وطاعة ، والله مانعلم له قاتلاً ، ولكنا
ندفع إليه ديته ، فأعطوه مائة من الإبل ، فوسوس الشيطان إليه ، فقتل الفهري ، فرجع إلى مكة كافراً،
وأنشد شعراً ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، ثم أهدر الشارع دمه يوم الفتح، فقُتل بأسياف المسلمين
بالسوق ، وذكر مقاتل أن الفهري اسمه : عمرو . انتهى .
قوله : (( في شعر مقيس أن قد بات))، أن بفتح الهمزة وإسكان النون مصدرية .
قوله فيه : (( بالقاع)) ، هو المنخفض من الأرض .
قوله فيه : (( يُضَرِّج ثوبيه))، هو بالضاد المعجمة المفتوحة ، ثم راء مشددة مكسورة ، ثم جيم ،
أي : فلطخ(٢).
قوله : (( دماء الأخادع)) ، الأخادع ، هو بالخاء المعجمة ، وبعد الألف دال مهملة مكسورة ، ثم
عين مهملة ، وهي : عروق القفا ، وإنما هما أخدعان ، فجمعهما مع مابينهما ، وذلك لأن كل قطعة منها
يقال لها أخدع(٣) .
قوله فيه : (( تُلِمُّ))، هو بضم التاء المثناة فوق ، وكسر اللام، وتشديد الميم ، أي : تنزل بي
وتزور (٤) .
قوله : (( فيحميني)) ، هو بفتح أوله وبالحاء المهملة ، أي : يمنعني .
قوله فيه : (( وطاء المضاجع)) ، الوطاء بكسر الواو ، وبالطاء المهملة ممدود ، يعني : ليانتها .
قوله فيه : (( حللت بها وِتْري))، الوِتْر - بكسر الواو ، وإسكان المثناة فوق، وبالراء - : طلبُ
الثأر، والموتور : الذي قُتل له قتيل ، فلم يدرك بدمه ، يقال منه: وتره يتره وترًا ووِترة(٥) .
(١) ((الصجاح)) ٣: ٢٦١، باب الصاد، فصل القاف، مادة (قيص).
(٢) انظر (( النهاية)) ٣: ٨١.
(٣) انظر (( القاموس)) ١ : ٩١٩، باب العين ، فصل الخاء.
(٤) انظر (( النهاية)) ٤: ٢٧٢.
(٥) انظر ((النهاية)) ٥ : ١٤٧.

٢٦٨
قوله فيه : (( ثورتي))، الثَُّر - بالثاء المثلثة، ثم همزة ساكنة-، (( والنُّوْرَة: الذَّحْلُ، يقال: ثَأَرْتُ
القتيلَ ، وبالقتيل تَأْراً أو ثُوْرَةً ، أي: قتلتُ قاتلَه))(١)، وقد تقدم ذلك.
وقال أبوذر هنا: ((النُّوْرة: الثّأْرُ. والثَّوْرة بفتح الثاء : الوثُوب والإيقاع، والصواب هنا تُورتي بضم
الثاء ، وهمز الواو))(٢).
قوله فيه : «ثأرت به فهما(٣)))، كذا في نسخة ، ولم أر غيرها ، ولعله فِهراً، أو هو الصواب ،
ويشهد له ماتقدم قريباً . والله أعلم .
قوله : (( عَقْله)) ، العقل - بفتح العين ، وإسكان القاف - : الدية ، وأصله أن القاتل كان إذا قتل قتيلاً
جمع الدية من الإبل ، فعقلها بفناء أولياء المقتول ، أي : شدها في عقلها ليسلمها إليهم ، ويقبضوها منه ،
فسميت الدية عقلاً بالمصدر (٤) .
قوله : (( فيه سراة بني النجار)) ، السراة الأسخياء في مروءة ، واحدهم سرى ، وقد تقدم كلام
السهيلي في ذلك .
قوله : ((فارع))، قال أبوذر: ((فارع: اسم حصن لهم))(٥) . انتهى . وفارع بالفاء، وبعد الألف
راء مكسورة ، ثم عين مهملة .
وقال ابن دريد في (( الجمهرة)): (( وفارع: أَطَمٌ بالمدينة))(٦).
وفي غزوة الخندق في سيرة ابن إسحاق وابن هشام : أنه حصن حسان بن ثابت ، وأنه كان مع
النساء والصبيان في الخندق(٧) .
وقال الجوهري: (( وفارع اسم حصن))(٨). انتهى.
قوله : ((وقال مقيس بن صُبابة أيضاً))، تقدم الكلام على مقيس قريباً، وماذا جرى له ، وأن
المحدثين يقولونه بالسين ، وقاله في المغرب وغيره بالصاد .
قوله فيه : (( جَلَّلتُه ضربة)) ، هو بالجيم واللام المشددة ، أي : علوته .
قوله فيه : (( باءت لها وَشَل))، (( باءت ، أي: أخذَتْ بالثأر، يقال: بُؤْتُ بفلان، أي: أخَذَتْ
بثأره، ويُروى باتَتْ ، [وهذه في نسختي]، وهو معلوم)) (٩) ، قاله أبوذر في حواشيه .
(١) ((الصحاح)) ٢: ٢٤٥، باب الراء ، فصل الثاء ، مادة (ثأر).
(٢) (( الإملاء المختصر في شرح غريب السير)) ٣ : ٤١.
(٣) في (( عيون الأثر» ٢: ١٣٨ : فِهراً .
(٤) انظر (( القاموس)) ١٣٣٦، باب اللام ، فصل العين .
(٥) (( الإملاء المختصر في شرح غريب السير) ٣ : ٤١ .
(٦) ((الجمهرة في اللغة)) ٢: ٣٨٢ مادة (ر ع ف).
(٧) انظر ( سيرة ابن هشام)) ٤ : ١٨٧.
(٨) ((الصحاح)) ٥: ٥٤٠، باب العين ، فصل الفاء، مادة (فرع) .
(٩) (( الإملاء المختصر في شرح غريب السير) ٣: ٤١.

٢٦٩
قوله فيه : (( ولها وشل))، الوَشَل - بفتح الواو والشين المعجمة- ، أي: قطر(١).
قوله : (( من ناقع الجوف))، يعني الدم، وناقع بالنون وبعد الألف قاف مكسورة ، ثم عين
مهملة .
قوله: (( فيه وينصرم))، أي: ينقطع. [١/٢١٧٩]
قوله : (( أَسِرَّتَهُ)) ، الأسِرَّة - بفتح الهمزة ، وكسر السين المهملة، ثم راء مشددة مفتوحة - ،
وهي : التكسر الذي يكون في الجبهة(٢).
قال الجوهري : والسَّرَرُ أيضاً: واحَدُ أسرار الكَفِّ والجَبْهة، وهي خُطوطها، ثم أنشد بيتاً
للأعشى ، ثم قال: وجمع الجمع أَسَارير، وفي الحديث ((تَبْرُق أساريرُ وجْهه))(٣)، وكذلك السِّرَار لغة
في السِّرَر ، وجمعه أسِرَّة، مثل: خِمَارٍ وأَخْمِرَةٍ(٤) . انتهى. فما وقع في الأصل هو على لغة .
قوله : ((إذا ظُلَموا)»، هو مبني لما لم يسم فاعله .
قوله : (( وكان شِعار المسلمين))، تقدم أن الشعار بكسر الشين ، وتخفيف العين: العلامة التي
يتعارفون بها في الحرب .
قوله : (( يامنصور أمت أمت»، أمت(٥) أمر من الموت ، والمراد به : التفاؤل بالنصر بعد الأمر
بالإماتة مع حصول الغرض للشعار ، فأنهم جعلوا هذه الكلمة علامة بينهم يتعارفون بها لأجل ظلمة الليل .
قوله : (( جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار))، تقدم الكلام عليها رضي الله عنها ، وتأتي في
الزوجات .
قوله : ((قال أبو عُمر: وكان اسمها برة))، إلى آخره، قد تقدم أن هذا في ((صحيح مسلم))،
فلاحاجة إلى عزوه لأبي عمر . والله أعلم .
قوله : (( فكانت مائة بيت)) ، بيت هنا - بفتح الموحدة وإسكان المثناة تحت ، ثم مثناة فوق- ،
وفي نسخة - بكسر الموحدة ، ثم نون ساكنة ، ثم مثناة فوق-(٦) ، وقد تقدم ذلك .
قوله : (( بعث إليهم الوليد بن عقبة مصدّقاً)»، الوليد بن عقبة هو ابن أبي معيط ، واسم أبي معيط :
أبان بن عمرو ذكوان بن أمية بن عبدشمس بن عبدمناف بن قصي القرشي الأُموي ، أمه أروى بنت كُریز
-بضم الكاف ، وفتح الراء- ابن ربيعة بن حبيب بن عبدشمس بن عبدمناف ، وأمها البيضاء بنت
عبدالمطلب أمّ حكيم ، عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الوليد هو أخو عثمان لأمه ، أسلم يوم
الفتح هو وأخوه خالد بن عقبة . قال ابن عبدالبر: لما أسلم كان قد ناهز الاحتلام . وقال الأمير : كان
(١) انظر (( لسان العرب)) ١١ : ٧٢٥ .
(٢) انظر (( النهاية)) ١ : ٤٨.
(٣) (( صحيح البخاري)) ٤: ٢٠٠ (٣٥٥٥)، كتاب المناقب ، باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم.
(٤) ((الصحاح)) ٢: ٣٥٨، باب الراء ، فصل السين، مادة (سرر).
(٥) في ل بزيادة : فعل .
(٦) من عند قوله : وفي نسخة إلى هنا ساقط من ل .

٢٧٠
طفلاً(١).
وقال غيرهما : كان كبيراً ، وبعثه عليه الصلاة والسلام على صدقات بني المصطلق كما هنا (٢).
قال النمري : ولاخلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن فيما علمتُ أن قوله تعالى: ﴿إِن جَآءَكُمْ
فَاسِقُ بِنَاٍ فَتَبَيَّنُواْ﴾(٣)، نزلت في الوليد بن عقبة، وذلك أنه عليه الصلاة والسلام بعثه مصدقاً إلى
بني المصطلق ، فعاد وأخبر أنهم ارتدوا ومنعوا الصدقة ؛ لأنهم خرجوا يتلقونه ، وهم متقلدون(٤) السيوف
فرحاً به وسروراً بقدومه ، فخافهم ، فرجع وأخبره عليه الصلاة والسلام برِدتهم ، فبعث عليه الصلاة
والسلام إليهم خالد بن الوليد ، فأخبروه الخبر وأنهم مسلمون ، فنزلت الآية(٥) .
قالوا : ومما يرد قول من قال : كان صغيراً، أن الزبير بن بكار وغيره من علماء السير ذكروا أن
الوليد وعمارة ابني عقبة ، وعمارة أسلم أيضاً يوم الفتح ، وروى عنه ابن مدرك خرجا من مكة ليردا
أختيهما أم كلثوم بنت عقبة عن الهجرة ، وكانت هجرتها في الهدنة يوم الحديبية قبل الفتح ، فمن يكون
صغيراً يوم الفتح لا يقوي لرد أخته قبل ذلك ، ثم ولاه عثمان رضي الله تعالى عنه، وكان من رجال
قريش، ظرفاً - يفتح الظاء المعجمة المشالة- وحلماً وشجاعة وكرماً وأدباً ، وكان شاعراً ، وهو الذي
صلى الصبح بأهل الكوفة أربع ركعات ، وقال: أزيدكم ، وكان سكراناً ، وهذا رواه الثقات من أهل
الحديث ، ولما شهدوا عليه بالشراب ، أمر عثمان به ، فجلد ، وعزله عن الكوفة ، واستعمل عليها
سعيد بن العاصي ، ولما قتل عثمان اعتزل الوليد الفتنة ، وأقام بالرَّقَّة إلى أن توفي بها ، وله عقب
رضي الله عنه ، وقد ذكرت بعض هذا فيما مضى ، فراجعه .
قوله : (( مصدِّقاً» ، هو بتشديد الدال وكسرها ، أي: عاملاً يستوفي الزكاة من أربابها .
وفي (( المعالم)) للخطابي: أن المصدق - بتخفيف الصاد - : العامل ، قاله ابن الأثير مطولاً(٦).
وفي (( المطالع)): والمصدق - بتخفيف الصاد -: آخذ الصدقة، قال ثابت: ويقال أيضاً للذي
يعطيها من ماله ، فإذا شددت الصاد ، فهو المتصدق لاغير ، وقد جاء المتصدق في طالب الصدقة ،
وأنكره ثعلب(٧) . انتهى ملخصاً .
(١) انظر ((الإكمال)) ٧: ٢٠٨، ٢٠٩.
(٢) انظر ((تهذيب الأسماء)) ٢: ٤٤٣.
(٣) سورة الحجرات : ٦ .
(٤) هكذا في الأصل ، وقد وضع المؤلف نقطتي التاء .
(٥) انظر ((الاستيعاب)) ٤ : ١٥٥٣.
(٦) انظر ((النهاية)) ٤: ٢٧٢.
(٧) انظر (( مشارق الأنوار)) ٢: ٥١ ، حرف الصاد ، مادة (ص د ق) .

٢٧١
[حديث الإفك](١)
[وفي هذه الغزاة قال أهل الإفك في عائشة رضي الله تعالى عنها ما قالوا، فبرأها الله مما قالوا.
روينا من طريق البخاري ، حدثنا يحيى بن بكير ، حدثنا الليث ، عن يونس ، عن ابن شهاب ، أخبرني عروة بن
الزبير ، وسعيد بن المسيب ، وعلقمة بن وقاص ، وعبيد الله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود ، عن حديث عائشة زوج
النبي صلى الله عليه وسلم حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرأها الله مما قالوا . وكل حدثني طائفة من الحديث ،
وبعض حديثهم يصدق بعضاً ، وإن كان بعضهم أوعى له من بعض . الذي حدثني عروة عن عائشة ، أن عائشة زوج
النبي صلى الله عليه وسلم قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج
سهمها خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم معه . قالت عائشة : فأقرع بيننا في غزوة غزاها ، فخرج سهمي ،
فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما أنزل الحجاب، فأنا أحمل في هودجي، وأنزل فيه ، حتى إذا فرغ
رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك ، وقفل ، ودنونا من المدينة قافلين ، آذن ليلة بالرحيل ، فمشيت ، حتى
جاوزت الجيش ، فلما قضيت شأني ، أقبلت إلى رحلي ، فإذا عقد لي من جزع أظفار قد انقطع ، فالتمست عقدي ،
وحبسني ابتغاؤه ، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون بي ، فاحتملوا هودجي ، فرحلوا على بعيري الذي كنت ركبت ،
وهم يحسبون أني فيه ، وكان النساء إذ ذاك خفافاً ، لم يثقلهن اللحم ، إنما يأكلن العلقة من الطعام ، فلم يستنكر القوم
خفة الهودج حين رفعوه ، وكنت جارية حديثة السن ، فبعثوا الجمل وساروا ، فوجدت عقدي بعدما استمر الجيش ،
فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب فأممت منزلي الذي كنت فيه ، وظننت أنهم سيفقدوني فيرجعون إلي ، فبينا
أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت . وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش ، فأدلج ،
فأصبح عند منزلي ، فرأى سواد إنسان نائم ، فأتاني ، فعرفني حين رآني ، وكان يراني قبل الحجاب ، فاستيقظت
باسترجاعه حين عرفني ، فخمرت وجهي بجلبابي ، والله ما يكلمني ، ولا أكلمه وما سمعت منه كلمة غير استرجاعه
حين أناخ راحلته ، فوطئ على يدها ، فركبتها ، فانطلق بي يقود بي الرحلة ، حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا ، موغرين
في نحر الظهيرة ، فهلك من هلك .
وكان الذي تولى الإفك عبدالله بن أبي ابن سلول ، فقدمنا المدينة ، فاشتكيت حين قدمت شهراً، والناس
يخوضون في قول أصحاب الإفك ، ولا أشعر بشيء من ذلك، وهويريبني في وجعي أني لاأعرف من رسول الله
صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي ، إنما يدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم
فيسلم ، ثم يقول : كيف تيكم؟ ثم ينصرف ، فذاك الذي يريبني ، ولا أشعر بالشر ، حتى خرجت بعدما نقهت ،
فخرجت معي أم مسطح قبل المناصع ، وهو متبرزنا ، وكنا لانخرج إلا ليلاً إلى ليل ، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريباً
من بيوتنا ، وأمرنا أمر العرب الأول في التبرز قبل الغائط ، فكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا ، فانطلقت أنا وأم
مسطح وهي ابنة أبي رهم بن عبدمناف ، وأمها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق ، وابنها مسطح بن أثاثة
فأقبلت أنا وأم مسطح قبل بيتي ، قد فرغنا منٍ شأننا ، فعثرت أم مسطح في مرطها ، فقالت : تعس مسطح . فقلت
لها : بئس ما قلت ، أتسبين رجلاً شهد بدراً . قالت : أي هنتاه أولم تسمعي ما قال؟ قلت : وما قال؟ قالت :
فأخبرتني بقول أهل الإفك ، فازددت مرضاً على مرضي ، فلما رجعت إلى بيتي ، ودخل علي رسول الله صلى الله عليه
وسلم تعني سلم ثم قال : كيف تيكم؟ فقلت : أتأذن لي أن آتي أبوي . قالت : وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من
قبلهما . قالت : فأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجئت أبوي ، فقلت لأمي : ياأمتاه! ما يتحدث الناس؟
قالت : يابنية! هوني عليك ، فوالله لقل ما كانت امرأة قط وضيئة ، عند رجل يحبها ، ولها ضرائر ، إلا أكثرن عليها .
قالت : فقلت : سبحان الله! ولقد تحدث الناس بهذا؟ قالت : فبكيت تلك الليلة ، حتى أصبحت لايرقأ لي دمع ، ولا
أكتحل بنوم ، حتى أصبحت أبكي .
فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي ، يستأمرهما في فراق
أهله . قالت : فأما أسامة بن زيد فأشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءة أهله ، وبالذي يعلم
لهم في نفسه من الود . فقال: أهلك يارسول الله ، ولا نعلم إلا خيراً. وأما علي بن أبي طالب ، فقال: يارسول الله!
لم يضيق الله عليك ، والنساء سواها كثير ، وإن تسأل الجارية تصدقك . قالت : فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم
بريرة ، فقال : أي بريرة! هل رأيت من شيء يريبك؟ قالت : بريرة . والذي بعثك بالحق ، إن رأيت عليها أمراً أغمصه
عليها ، أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها ، فتأتي الداجن فتأكله . فقام رسول الله صلى الله عليه
وسلم فاستعذر من عبدالله بن أبي ابن سلول . قالت : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر: يا معشر
المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي ، فوالله ما علمت عن أهلي إلا خيراً . ولقد ذكروا رجلاً ما
علمت عليه إلا خيراً ، وما كان يدخل على أهلي إلا معي . فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال : يارسول الله أنا أعذرك
منه ، إن كان من الأوس ضربت عنقه ، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك . قالت : فقام سعد بن
(١) هذا العنوان لا يوجد في الأصل، والزيادة من (( عيون الأثر)) ٢: ١٣٩.

٢٧٢
عبادة وهوسيد الخزرج ، وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً ، ولكن احتملته الحمية ، فقال سعد : كذبت لعمر الله ،
لاتقتله ولا تقدر على قتله . فقام أسيد بن حضير ، وهوابن عم سعد بن معاذ ، فقال لسعد بن عبادة : كذبت لعمر الله
لنقتله ، فإنك منافق تجادل عن المنافقين . فتثاور الحيان : الأوس والخزرج ، حتى هموا أن يقتتلوا ، ورسول الله
صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر ، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا وسكت .
قالت فمكثت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم ، فأصبح أبواي عندي ، وقد بكيت ليلتين ويوماً لاأكتحل
بنوم ، ولا يرقأ لي دمع ، يظنان أن البكاء فالق كبدي .
قالت : فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي ، فاستأذنت علي امرأة من الأنصار ، فأذنت لها فجلست تبكي معي .
قالت : فبينما نحن على ذلك دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسلم ثم جلس . قالت : ولم يجلس عندي
منذ قيل قبلها ، ولقد لبث شهراً لا يوحى إليه في شأني . قالت : فتشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جلس ،
ثم قال : أما بعد ياعائشة ، فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا ، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله ، وإن كنت ألممت بذنب
فاستغفري الله وتوبي إليه ، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ، ثم تاب إلى الله ، تاب الله عليه . قالت: فلما قضى رسول الله
صلى الله عليه وسلم مقالته ، قلص دمعي ، حتى ما أحس منه بقطرة ، فقلت لأبي : أجب رسول الله صلى الله عليه
وسلم فيما قال . قال : والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت لأمي : أجيبي رسول الله
صلى الله عليه وسلم . فقالت : ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم . قالت فقلت وأنا جارية حديثة
السن لاأقرأ كثيراً من القرآن : والله لقد علمت ، لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم ، وصدقتم به ، فلئن
قلت لكم إني بريئة والله يعلم أني بريئة لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني منه بريئة لتصدقوني ،
والله ما أجد لكم مثلاً إلا قول أبي يوسف : فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون [يوسف: ٨٣ ] قالت : ثم
تحولت فاضطجعت على فراشي . قالت: وأنا حينئذ أعلم أني بريئة وأن الله مبرئي ببراءتي ، ولكن والله ما كنت أظن
أن الله منزل في شأني وحياً . يتلى، ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بأمر يتلى ، ولكن كنت
أرجوأن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله بها . قالت: فوالله ما رام رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، ولا خرج أحد من أهل البيت ، حتى أنزل الله عليه ، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء ، حتى إنه ليتحدر
منه مثل الجمان من العرق ، في يوم شات ، من ثقل القول الذي ينزل عليه .
قالت : فلما سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، سري عنه وهو يضحك ، فكانت أول كلمة تكلم بها :
ياعائشة! أما الله فقد برأك. فقالت أمي: قومي إليه. قالت: فقلت: والله لاأقوم إليه، ولا أحمد إلا الله. وأنزل الله
: ﴿إن الذين جاؤوا بالإِفك عصبة منكم﴾[النور: ١١] العشر الآيات كلها، فلما أنزل الله هذا في براءتي. قال أبوبكر
الصديق وكان ينفق على مسطح بن أثاثة ، لقرابته منه وفقره : والله لاأنفق على مسطح شيئاً أبداً بعد الذي قال لعائشة
ما قال ، فأنزل الله : ﴿ولا يأتل أولوالفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله
وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم﴾[ النور: ٢٢]، قال أبوبكرٍ : بلى والله إني لأحب أن
يغفر الله لي ، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه ، وقال : والله لاأنزعها منه أبداً .
قالت عائشة : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل زينب ابنة جحش عن أمري ، قال: يازينب ماذا علمت
أورأيت؟ فقالت : يارسول الله أحمي سمعي وبصري، ما علمت إلا خيراً. قالت: وهي التي كانت تساميني من
أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، فعصمها الله بالورع، وطفقت أختها حمنة تحارب لها ، فهلكت فيمن هلك من
أصحاب الإفك .
قال البخاري : حدثنا محمد بن كثير ، أخبرنا سليمان ، عن حصين ، عن أبي وائل ، عن مسروق ، عن أم رومان
أم عائشة ، أنها قالت : لما رميت عائشة خرت مغشياً عليها](١)
قوله : (( روينا من طريق البخاري))، فذكر حديث الإفك، كان ينبغي له أن يقول : ومسلم
والنسائي ، ثم يقول : والطريق والسياق للبخاري ، أو يقول من طريق البخاري وغيره ، والسياق
للبخاري . والله أعلم . وما أدري لم يفعل هذا؟.
قوله : ( حدثنا يحيى بن بکیر)) ، هو یحیی بن عبدالله بن بكير .
قوله : (( ثنا الليث))، هو ابن سعد، الإمام ، أحد الأعلام ، الذي قال فيه الإمام الشافعي : الليث
أفقه من مالك ، ولكن أصحابه أضاعوه(٢) .
(١) (( عيون الأثر)) ٢: ١٣٩ - ١٤٣.
(٢) انظر مقولة الإمام الشافعي في (( سير أعلام النبلاء) ٨ : ١٥٦ .

٢٧٣
قوله : ((ثنا يونس))، هو ابن يزيد الأيلي ، مشهور(١) .
قوله : (( عن ابن شهاب)) ، هو الزهري ، محمد بن مسلم بن عبيدالله بن عبدالله بن شهاب ، أحد
الأعلام ، شيخ الإسلام ، تقدم مراراً .
قوله : (( أخبرني عروة بن الزبير ، وسعيد بن المسيب ، وعلقمة بن وقاص ، وعبيدالله بن
عتبة بن مسعود ، عن حديث عائشة ، إلى أن قال : كل قد حدثني طائفة من الحديث))، تقدم الكلام
في مثل هذا ونظرتُه بهذا ، وهو إذا كان الحديث عن كل راو قطعة منه ، فإنه يجوز جمع ذلك مع
البيان ، فإن كان كلهم ثقات كهذا ، فهو حجة ، وإن كان فيهم مجروح ، فإن الحديث لايكون حجة ؛
لأن مامن قطعة من الحديث إلا ويحتمل أن تكون عن المجروح ، وقد ذكرت ذلك في المكان الذي وقع
في سورة النور من تفسير البخاري - والله أعلم- في تعليقي على خ وفي هذا أيضاً .
قوله : (( أوعى)) ، أي : أحفظ .
قوله : (( حين قال لها أهل الإفك ما قالوا))، الإفك: الكذب ، وأراد هنا ماكذب عليها مما رُميت
به ، وأهل الإفك ذكرتهم في تعليقي على البخاري ، وهم :
- عبدالله بن أبي ابن سلول ، رأس المنافقين ،
- وعبدالله بن جحش ، وسیجئ مافيه ،
- وأخوه أبو أحمد بن جحش ، واسمه : عبد ، وقيل : عبدالله ، وليس بشيء(٢)،
- وأختهما حَمْنَةِ (٣) ،
- ومِسْطَحْ بن أُثَاثَة، واسمه : عوف ، وقيل : عامر (٤)،
- وحسان بن ثابت .
وذكرهم ابن عبد السلام(٥) في تفسيره ، وعدّ فيهم زيد بن رفاعة (٦) ، وأسقط أبا أحمد بن جحش .
وذكرهم بعض مشايخي فيما قرأته عليه : عبدلله بن أُبي ، وحَمْنة ، وأخواها عبدالله ، وأبا أحمد ،
ومسطحاً ، وحساناً ، وقال : ذكرهم السهيلي ، وقيل : إن حساناً لم يكن منهم . انتهى .
وفي إثبات عبدالله بن جحش فيهم نظر ؛ لأنه قُتل في أُحد ، ويشبه أن يكون سبب الوهم في
(١) هو : يونس بن يزيد بن أبي النجاد الأيلي ، أبويزيد . انظر فهرس الرجال.
(٢) أبوأحمد بن جحش ، هو : أخو أم المؤمنين زينب ، اسمه عَبد ، صحابي . انظر فهرس الرجال .
(٣) هي : حمنة بنت جحش أخت أم المؤمنين زينب ، صحابية . انظر فهرس تراجم النساء .
(٤) هو : عوف بن أثاثة ، ومِسْطَح لقبه ، صحابي . انظر فهرس الرجال .
(٥) هو : عزالدين عبدالعزيز بن عبدالسلام ، الملقب بسلطان العلماء .
(٦) لم أجد في كتب الصحابة من اسمه زيد بن رفاعة، وقد ذكره ابن حجر في ((فتح الباري)) ٨: ٣١٩ (٤٧٥٠)
بقوله : (( وزاد فيهم الزمخشري : زيد بن رفاعة ، ولم أره لغيره)، وفي (( سبل الهدى والرشاد)) للشامي ، يوجد
اثنان بهذا الاسم ، شخص منافق مات في غزوة بني المصطلق ، واسمه : زيد بن رفاعة بن التابوت . انظر
٤ : ٣٥١، والآخر وقع في سرية زيد بن حارثة إلى حِسمى، فأسلم. انظر ٦ : ٣٠٨ . والاحتمال الأكبر أنه
حصل تقديم وتأخير ، والصواب : رفاعة بن زيد ، فابن التابوت منافق كبير ، وقد ذكر في هذه السرية ، وابن
وهب صحابي . انظر فهرس الرجال ، وفهرس الأعلام .

٢٧٤
ذكره فيهم كون أبي أحمد أخيه سماه بعضهم : [١٧٩ ب/أ] عبدالله، كما تقدم ، فرأى في مكان
أبا أحمد بن جحش ، وفي مكان آخر عبدالله بن جحش ، فظنهما اثنين ، وإنما هما واحد . والله أعلم .
تنبيه : اختلف في جلدهم على قولين ، والذي يظهر أنه عليه الصلاة والسلام جلدهم ، وقد
جزم البخاري في أواخر ((صحيحه))(١) بذلك في باب قول الله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾(٢).
وقد روى أصحاب السنن الأربعة من حديث عمرة(٣)، عن عائشة رضي الله عنها أنه لما نزل فيها
أمر برجلين وامرأة، فضُربوا حدّهم، قالت: (( حسن غريب، لانعرفه إلا من حديث ابن
أبي إسحاق))(٤)، وفي د: (( حسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة ، قال النفيلي : المرأة حمنة بنت
جحش))(٥) . انتهى .
وقد جزم ابن عبدالبر في ((الاستيعاب)) في ترجمة مسطح بأنه جُلد الحدّ(٦)، وفي ترجمة حمنة
بأنها ◌ُلدت مع من حُلد عند من صحح جلدهم(٧) . انتهى .
وفي ترجمة حسان : (( وقال قوم في حسان أنه ممن خاض في الإفك على عائشة ، وأنه جُلد في
ذلك ، وأنكر قوم أن يكون حسان خاض في الإفك أو جُلد فيه ، ورووا عن عائشة أنها برأته من
ذلك))(٨) . انتهى.
وفي سيرة ابن إسحاق من طريقين صحيحين حديث الإفك ، وفي آخره : « ثم أمر مسطح بن
أثاثة ، وحسان بن ثابت ، وحمنة بنت جحش، وكان ممن أفصح بالفاحشة ، فضُربوا
حدّهم))(٩) . انتهى .
وفي آخر الغزوة مالفظه : قال ابن إسحاق : وقال قائل من المسلمين في ضرب حسان وأصحابه
في فِريتهم(١٠) على عائشة رضي الله عنها ، قال ابن هشام في ضرب حسان وصاحبيه :
وحمنةُ إذ قالوا هجيراً ومسطح
لقد ذاق حسان الذي كان أهله
وسخطة ذي العرش الكريم فأُترحوا
تعاطَوا برجم الغيب زوجَ نبيهم
مخازي تبقى عُمّموها وفُضّحوا(١١)
وآذوا رسول الله فيها فجللوا
(١) انظر (( صحيح البخاري)) ٨: ٢٠٥، باب قول الله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾.
(٢) سورة الشورى : ٣٨.
(٣) انظر (( سنن ابن ماجة)) ٢: ٨٥٧ (٢٥٦٧)، كتاب الحدود ، باب حد القذف.
(٤) ( سنن الترمذي)) ٥: ٣٣٦ (٣١٨١)، كتاب تفسير القرآن ، باب ومن سورة النور .
(٥) (( سنن أبي داود)) ٤ : ١٦٢ (٤٤٧٥)، كتاب الحدود ، باب في حد القذف .
(٦) انظر (الاستيعاب)) ٤ : ١٤٧٢ (٢٥٥٠).
(٧) انظر (( الاستيعاب)) ٤: ١٨١٣ (٣٣٠٢).
(٨) انظر ((الاستيعاب)) ١ : ٣٤١، باب حسان .
(٩) (( سيرة ابن هشام)) ٤ : ٢٦٧.
(١٠) في ل : مرثيهم .
(١١) هذا البيت ساقط من ل.

٢٧٥
شآبيب قَطْر من [ذُرا](١) المُزْن تَسْفِحُ
وصُبت عليهم مُحْصَدات كأنها
وقال ابن القيم في (( الهدي)): (( وحكم صلى الله عليه وسلم بحدّ القذف لما أنزل الله تعالى براءة
زوجته عائشة من السماء ، فحد رجلين وامرأة ، وهما حسان بن ثابت ، ومِسْطح بن أُثاثة ، قال أبو جعفر
النفيلي: ويقولون: إن المرأة حمنة بنت جحش))(٢) . انتهى .
وقال في حديث الإفك مانصه: « ولما جاء الوحي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن صرح
بالإفك ، فجلدوا ثمانين ثمانين ، ولم يحدّ الخبيث عبدالله بن أبي مع أنه رأس الإفك ، فقيل : لأن
الحدود تخفيف عن أهلها وكفارة ، والخبيث ليس أهلاً لذلك ، وقد وعده الله تعالى بالعذاب العظيم ،
فيکفیه ذلك عن الحد .
وقيل : بل كان يستوشي الحديث ويجمعه ويحكيه ويخرجه في قوالب من لاينسب إليه .
وقيل : الحد لا يثبت إلا بإقرار وبيّنة ، وهو لم يقر بالقذف ولاشهد به عليه أحد ، فإنه إنما كان
يذكره بين أصحابه ، ولم يشهدوا عليه ، ولم يكن يذكره بين المؤمنين .
وقيل : حد القذف حد آدمي لا يستوفى إلا بمطالبة ، وإن قيل : إنه حق الله ، فلابد من مطالبة
المقذوف ، وعائشة رضي الله عنها لم تطالب ابن أُبي .
وقيل : بل ترك حده لمصلحة ، وهي أعظم من إقامته ، كما ترك قتله مع ظهور نفافه ، وتكلمه
بما يوجبُ قتلَه مراراً، وهي تأليف قومه ، وعدم تنفيرهم عن الإسلام ، فإنه كان مطاعاً فيهم ، رئيساً
عليهم ، فلم يؤمن إثارة الفتنة في حده ، ولعله ترك لهذه الوجوه كلها ، فجلد حسان ، ومسطح بن أثاثة ،
وحمنة بنت جحش ، وهؤلاء من المؤمنين الصادقين تطهيراً لهم وتكفيراً ، وترك عبدالله بن أبي ، إذ ليس
من أهل ذلك))(٣) . انتهى . والمسألة طويلة، ويكفي هذا منها ، وقد زدت على هذا في تعليقي على خ.
فائدة : في الطبراني معجم النساء في مسند عائشة رضي الله عنها أن عبدالله بن أبي جلد
مائة وستين ، قال عقيبه عبدالله بن عمر: وهكذا يفعل في كل من قذف زوجة نبي(٤) . انتهى .
قوله : (( فخرج فيها سهمي))، تقدم من عند ابن سعد أنه كان معها في هذه الغزوة أم سلمة .
قوله : (( بعد ما أُنزِل الحجاب))، أنزل مبني لما لم يسم فاعله ، والحجاب مرفوع نائب مناب
الفاعل .
قوله : (( في هَوْدجي))، الهَوْدَجُ : معروف، وهو مركب من مراكب النساء، مُقبّب وغير مقبب .
قوله : (أُحمَل))، وكذا وأنزل ، وهما مبنيان لما لم يسم فاعله .
قوله : (( وقَفَل)» ، أي : رجع .
قوله : (( آذن)) ، هو بمد الهمزة وفتح الذال ، أي: أعلم . وهذا ظاهر جداً .
(١) في الأصل (ردى) ، والتصويب من سيرة ابن هشام ٤ : ٢٧٤ .
(٢) (( زاد المعاد)) ٥ : ٤٥.
(٣) ((زاد المعاد) ٣ : ٢٦٣، ٢٦٤.
(٤) انظر (( المعجم الكبير)) ٢٣: ١٢٨ (١٦٤) وعبارته: (( وبعث [رسول الله صلى الله عليه وسلم] إلى عبدالله بن
أبي المنافق ، فجيء به ، فضربه النبي صلى الله عليه وسلم حدّين ... قال ابن عمر: إنما ضرب ... حدين؛ لأنه من
قذف أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فعليه حدان) .

٢٧٦
قوله : ((إلى رَحْلي))، الرَّحْل: المنزل والمأوى(١).
قوله : (( من جَزْع أظفار)) ، الجَزْع : خرز معروف ، وهو بفتح الجيم وإسكان الزاي ، وقال ابن
قرقول في (( المطالع)): وكان عند بعض شيوخنا - بفتح الزاي وسكونها - : خرز ملون(٢).
وفي ((الصحاح)): (( الجَزْع: الخَرَز اليماني، وهو الذي فيه سواد وبياض، تُشَبَّه بِه الأعين)(٢).
وقد ذكره المؤلف في الفوائد، فقال مالفظه: (( وجَزْعِ ظَفَار ، قال يعقوب : مدينة باليمن ، وقد
وقع : حَرْعٌ ظَفَارِي، وهو أيضاً صحيح))(٤). انتهى .
والذي في هذه السيرة من عند البخاري: ((جَزْعِ أَظْفَار))(٥)، والذي ذكره رواه بعض الرواة ،
وصُوب : ظفار بغير ألف، وقال آخرُ من قيده بالألف أخطأ ، وصحيح(٦) الرواية بفتح الظاء .
وظَفَار : قرية باليمن ، وقيل: جبل، وهو مبني على الكسر ، كجذامٍ وقطامِ(٧). وعن البكري
سبيلها سبيل المؤنث لاينصرف .
قال في (( المطالع)): ويرفع وينصب ، وقال أيضاً ابن قرقول : من جزع ظفار، وهذا صوابه .
وهي رواية الأصيلي وأبي الهيثم، وكافة رواة مسلم، إلا أنه وقع في كتاب التفسير(٨) والشهادات من
البخاري : أظفار ، وكذا رواه الباجي في مسلم (٩)، وهو مضاف إلى ظفار مدينة باليمن .
قال ابن دريد: الجَزَع الظفاريُ (١٠) ، وأنشد بيتاً غير الأول . انتهى .
قال ابن بطال : جاء في خبر أن ثمنه كان اثني عشر درهماً .
وقال ابن التين : كان ثمنه شيئاً يسيراً . والله أعلم .
قوله : (( وحبسني ابتغاؤه)) ، أي : أخرني طلبُه .
قوله: (( وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون بي))، هؤلاء الرهط لاأعرفهم . وقال بعض حفاظ
العصر مالفظه : وقع عند الواقدي من طريق عباد بن عبدالله بن الزبير ، عن عائشة في حديث الإفك : أن
الذي كان يرحل هودجها ويقودها : أبومويهبة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان رجلاً
(١) انظر ((النهاية)) ٢: ٢٠٩.
(٢) انظر ((مشارق الأنوار)) ١ : ١٨٩، مادة (جزع).
(٣) ((الصحاح)) ٣ : ٤٥٤، باب العين ، فصل الجيم، مادة (جزع).
(٤) (( عيون الأثر)) ٢ : ١٤٥.
(٥) انظر (( صحيح البخاري)) ٣: ٢٠٧ (٢٦٦١)، كتاب الشهادات ، باب تعديل النساء بعضهن بعضا.
(٦) في ل : وصحح .
(٧) انظر ( معجم البلدان)) ٤ : ٦٠ .
(٨) انظر (( صحيح البخاري)) ٦: ٦ (٤٧٥٠)، كتاب التفسير، باب تفسير قوله: ﴿لَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ
وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً﴾ . وفي الطبعة التي عندي : ظفار.
(٩) انظر ((صحيح مسلم)) ٤: ٢١٣٠ (٢٧٧٠)، كتاب التوبة ، باب في حديث الإفك وقبول توبة القاذف .
(١٠) ((الجمهرة في اللغة)) ٢: ٣٧٨ مادة (رظ ف)، وعبارته: « الجَزّع الظفاري منسوب إلى ظُفار».

٢٧٧
صالحاً ، وذكره البلاذُري فقال: أبو مويهبة. انتهى. قال ابن عبدالبر: لا يوقف له على اسم(١). وقد تقدم
أن الرهط : مادون العشرة من الرجال .
قوله : (( يرحلون هودجي»، يرحلون هو بتخفيف الحاء يشدون عليها الرحل ، قال في
(( المطالع)»: ومنه ورَحَلوا هودجي ويرحلون بي في حديث الإفك(٢).
قوله : (( العُلْقَة)) ، هي بضم العين المهملة ، وإسكان اللام ثم القاف المفتوحة ثم تاء التأنيث :
اليسير الذي فيه بُلْغة(٣).
قوله : (( فبعثوا الجمل)) ، بعثوه ، أي : أثاروه من بُروكه(٤).
قوله : (( بعدما استمر الجيش))، استمر ، أي: ذهب ، وسحْر مستمر ، أي : ذاهب .
قوله : (( فأممتُ منزلي)» ، أي : قصدته .
قوله : (( وكان صفوان بن المُعطّل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش))، قال المؤلف في
الفوائد: (( وفي حديث الإفك ذكر صفوان بن المُعَطِّل . قال السهيلي : وكان يكون على ساقة العسكر ،
يلتقط ما يسقط من المتاع ، ولذلك تخلف في هذا الحديث ، وقد روى أنه [١٨٠أ/أ] كان ثقيل النوم ،
لا يستيقظ حتى يرتحل الناس .
ویشهد لذلك حديث أبي داود : أن امرأة صفوان اشتکت به إلى رسول الله صلی الله علیه وسلم ،
وذكرت أشياء منها أنه لايصلي الصُبح ، فقال صفوان : يارسول الله! إني امرؤ ثقيل الرأس ، لاأستيقظ
حتى تطلع الشمس ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((إِذَا اسْتَيقَظْتَ فَصَلِّ))(٥). وقُتل صفوانُ شهيداً
في خلافة معاوية، واندكّت رجله يوم قُتل، فطاعن بها وهي منكسرة، حتى مات))(٦). انتهى . وقد
لخص المؤلفُ ذلك من كلام ((الروض))، وفي ((الروض)) زيادة ، وهو أنه لما ذكر حديث أبي داود
عقبه بقوله : (( وقد ضعف البزارُ حديث أبي داود في مسنده))(٧) . انتهى .
وأما ابن إمام الجوزية فقال : وكان صفوان قد عرّس في أخريات الجيش ؛ لأنه كان كثير النوم ،
(١) هو : أبو مويهبة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(٢) انظر ((مشارق الأنوار)) ١: ٣٥٧، مادة (رحل) .
(٣) انظر ((النهاية)) ٣ : ٢٩٠.
(٤) في ل : مَبْرَ كه .
(٥) (( سنن أبي داود)) ٢: ٣٣٠ (٢٤٥٩)، كتاب الصوم ، باب المرأة تصوم بغير إذن زوجها . والحديث أخرجه
أحمد في ((مسنده)) ٣: ٨٠ (١١٧٧٦)، وابن حبان في ((صحيحه)) ٤ : ٣٥٤ (١٤٨٨)، والحاكم في
(( المستدرك)) ١: ٦٠٢ (١٥٩٤)، وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، ووافقه الذهبي على
شرط الشيخين ، والبيهقي في ((الكبرى))(٨٢٨٢). وصحح إسناد الحديث الحافظ ابن حجر في ((الإصابة))
٣ : ٤٤١، والألباني في ((صحيح الجامع الصغير)) ١: ١٢٢ (٣٣٤).
(٦) ((عيون الأثر)) ٢: ١٤٤، وانظر ((الروض)) ٤ : ٢٤.
(٧) (( الروض) ٤ : ٢٤.

٢٧٨
كما جاء عنه في صحيح أبي حاتم(١) وفي السنن . انتهى .
صفوان هذا هو ابن المعطل هو بفتح الطاء المهملة المشددة ، وهذا ظاهر إلا أني سكت عنه ،
فأحببتُ ضبطه ، وبيضه كذا في نسختي من (( الروض))، وفي ((الاستيعاب)) كذلك، وكتب في الحاشية
كرحَضَةٍ(٢)، قال فيه الطبري وابن السكن . وقال فيه الحاكم أبو أحمد: رُخيصة . وقد كتب ابن سيد
الناس مؤلف هذه السيرة عند هذا الكلام مالفظه : عند ابن الكلبي : ربيضة بن المؤمل بن خزاعي بن
محارب بن هلال بن فالج ، وباقيه كما في الأصل. انتهى. أي: كما في (( الاستيعاب)) وبعد فالج : ابن
ذكوان بن ثعلبة بن بُهثة بن سُليم ، وقيل في نسبه : صفوان بن المعطّل رخصة بن المؤمل بن خزاعي بن
محارب بن مرة بن هلال بن فالج بن ذكوان بن ثعلبة بن بهثة بن سُليم السُلمي الذكواني ، يكنى
أباعمرو ، ويقال : أسلم قبل(٣) المُرَيسيع ، وشهدها .
وقال الواقدي : شهد صفوان بن المعطل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق والمشاهد
بعدها ، وكان مع كُرْز بن جابر في طلب العرنيين الذين أغاروا على لقاح النبي صلى الله عليه وسلم(٤) .
قيل : إن سعيد بن المسيب ، وأبابكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام رويا عنه ، وأنكر ذلك
أبوحاتم .
قال ابن إسحاق : وجه عمرُ بن الخطاب عثمانَ بن عفان بن أبي العاصي إلى أرمينية الرابعة ، وكان
عندها شيء من قتال ، فأصيب صفوان بن المعطل شهيداً . قال بعض الحفاظ المتأخرين : سنة تسع عشرة
في خلافة عمر ، ويقال : مات بالجزيرة بناحية شِمْشَاط(٥) ، ودفن هناك.
وقيل : إنه غزا الرُّوم(٦) في خلافة معاوية ، فاندقت ساقه ، ثم نزل ، فطاعن حتى مات في سنة
ثمان وخمسين ، وكان شجاعاً فاضلاً خيراً ، أثنى عليه النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الإفك ،
وقال : ماعلمت عليه إلا خيراً ، فبرأه الله عزوجل ورسوله .
ولما بلغ صفوان أن حسان بن ثابت فيمن قال فيه ، ضربه بالسيف فجرحه ، وقال :
غلام إذا هوجیتُ لستُ(٧) بشاعر
تَلقَّ ذبابَ السيف مِنِّي فإنني
من الباهتِ الرامي البراء الطواهر(٨)
ولكنني احمي حماي وأبتغي
روى حديثه في مواقيت الصلاة أبو هريرة ، وأخرج له عبدالله بن أحمد بن حنبل في زوائد المسند .
(١) انظر (( صحيح ابن حبان)) ٤ : ٣٥٤ (١٤٨٨).
(٢) في ب: رخصة، وفي ل: الرخصة. وفي (( الإصابة)) (٤٠٩٣): لكن عند الكلبي رحضة.
(٣) في ب ، ل : يوم .
(٤) انظر (الاستيعاب)) ٢: ٧٢٥ (١٢٢٣).
(٥) مدينة بالروم على شاطئ الفرات. انظر ((معجم البلدان)) ٣: ٢٥٨ .
(٦) جيل معروف في بلاد واسعة تضاف إليهم ، وحدود الروم من الشرق والشمال تركيا والروس ، ومن الجنوب
الشام والإسكندرية ، ومن الغرب بحر الأندلس . انظر (( معجم البلدان)) ٣ : ٩٧ -٩٨ .
(٧) في ل : ليس .
(٨) انظر (( تاريخ الطبري)) ٢: ١١٥، (( سيرة ابن هشام)) ٤: ٢٧١.

٢٧٩
والله أعلم .
قوله : ((فأدلج))، تقدم الكلام على أدْلج، وادّلج، وأن معناهما سار بليل . وقيل : بينهما فرق ،
وقد تقدم(١) .
قوله : (( فرأى سَوَاد إنسان)) ، هو بفتح السين ، وتخفيف الواو ، وهو الشخص .
قوله: (( باسترجاعه))، أي بقوله: ﴿إِنَّاللَّهِ وَإِنَّآَ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾(٢). وهذا ظاهر جداً .
قوله : « فخَمَّرْتُ وجهي» ، أي : غطيته .
قوله : (( بجِلْبَابِي))، الجِلْياب -بكسر الجيم- قال ابن شُميل: هو ثوب أقصر من
الخمار وأعرض ، وهي : المِقْنَعة ، تغطّي به المرأة رأسها(٣) .
وقال غيره : هو ثوب واسع دون الرداء تغطي به المرأة ظهرها وصدرها .
قال ابن الأعرابي : هو الإزار ، وقال غيره : هو الخمار، وقيل: هو كالملاءة
والملحفة(٤). انتهى لفظ ((المطالع)).
ولابن الأثير نحوه ، وهو: ((الجِلْبَابِ: الإزار والرداء، وقيل: المِلْحَفة، وقيل: هو كالمِقْعة
تغطي به المرأة رأسها وظهرها وصدرها، وجمعه جلابيب))(٥) .
قوله : (( والله ما يُكلِّمُني ولا أُكلِّمُه)) ، في سيرة ابن هشام عن ابن إسحاق وقد ساق حديث الإفك
بإسنادين صحيحين ، قال لها: ماخلَّفكِ - رحمكِ الله-، قالت: فما كلمته(٦). انتهى . فيؤول
مافي خ م وغيرهما من قولها : ماسمعت منه كلمة غير استرجاعه(٧) . والله أعلم .
قوله : (( مُوغِرين))، هو بكسر الغين المعجمة المخففة ، أي : نازلين في الهاجرة ، والوَغْرَة : شدة
الحر(٨)، وكونه بالغين المعجمة وبالراء ، هو الرواية الصحيحة ، وقد رواه بعض رواة مسلم من رواية
يعقوب بن إبراهيم : موعزين - بعين مهملة ، وزاي- ولاوجه له ولايلتفت إلى من رواه بالعين المهملة
والراء ، أي : ساروا في الوعرة ليقطعوا على الجيش بسرعة .
قوله : (( في نحر الظهيرة))، هو حين تبلغ الشمس منتهاها من الارتفاع ، قال يعقوب هو أولها .
قوله : ((عبدالله بن أُبي ابن سلول))، تقدم الكلام عليه كتابةً ونطقاً ، وأن سلول أمه ، ولا ينصرف
(١) انظر ((الصحاح)) ١ : ٤٦٦، مادة (دلج).
(٢) سورة البقرة : ١٥٦ .
(٣) الجلباب : غطاء الرأس ، يسمى الآن عند الناس العباءة ، ويسمى المقنعة: الخِمار.
(٤) انظر ((مشارق الأنوار)) ١: ١٩١، مادة (جلب)، (( لسان العرب) ١ : ٢٧٣ .
(٥) (( النهاية)) ١ : ٢٨٣.
(٦) انظر (( سيرة ابن هشام)) ٤ : ٢٦٢.
(٧) انظر ((صحيح البخاري)) ٦: ٦ (٤٧٥٠)، كتاب التفسير، باب تفسير: ﴿لَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ
وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً﴾، (( صحيح مسلم)) ٤ : ٢١٣١ (٢٧٧٠)، كتاب التوبة ، باب في حديث الإفك
وقبول توبة القاذف .
(٨) انظر (( النهاية)) ٥ : ٢٠٨.