النص المفهرس
صفحات 21-40
قال ابن سيد النَّاس في عُيُونُ الأثر :
"ذكر وفاة عبد المُطّلب
وكفالة أبي طالب للنبي *
ثم إن عبد المطّلب بن هاشم هلك عن سن عالية مختلف في حقيقتها قال أبو الربيع بن سالم: أدناها فيما
انتهى إليّ ووقفت عليه "خمس وتسعون سنة" ذكره الزُّبَيْر، وأعلاها فيما ذكره الزُّبَيْر أيضاً عن نوفل بن عمارة
قال: كان عبيد بن الأبرص ترب عبد المطّلب وبلغ عبيد مائة وعشرين سنة وبقي عبد المطّلب بعده عشرين
سنة، وكانت وفاته سنة تسع من عام الفيل، ولَلني / يومئذ ثمان سنين، وقيل: بل توفى عبد المطّلب وهو ابن
ثلاث سنين ، حكاه أبو عُمَر .
وبقى رَسُوْل الله ﴿ بعد مهلك جده عبد المُطّلب مع عمه أبي طالب ، وكان عبد المطّلب يوصيه به
فيما يزعمون، وذلك أن عبد الله أَبَا رَسُوْل الله ﴿ وَأَبا طالب أخوَان لأب وأم ، فكان أبو طالب هو الذي
يلي رَسُول الله څ بعد جده ، فكان إليه ومعه .
وذكر الواقدي أن أَبَا طالب كان مقلاً من المال ، وكانت له قطعة من الإبل تكون بعرنة فيبدو إليها
فيكون فيها، ويؤتى بلبنها إذا كان حاضراً بمكة . فكان عيال أَبي طالب إذا أكلوا جميعاً وفرادى لم يشبعوا ،
وإذا أكل معهم النبي ◌َ شبعوا ، فكان أبو طالب إذا أراد أن يغديهم، أو يعشيهم يقول : كما أنتم حتى يأتي
ابني فيأتيّ رَسُوْل الله صلى الله عليه وسلم فيأكل معهم فيفضلون من طعامهم ، وإن كان لبناً شرب رَسُوْل الله
* أولهم ثم يُناول القعب فيشربون منه فيروون من عند آخرهم من القعب الواحد ، وإن كان أحدهم ليشرب
قعباً وحده، فيقول أبو طالب: إنك لمبارك. وكان الصبيان يصبحون شعثاً رمضاً، ويصبح رَسُوْل الله ◌ِ لاّ
دهيناً كحيلاً، وقالت أم أيمن - وكانت تحضنه -: ما رأيت رَسُوْل الله﴿ شكا جوعاً قط ، ولا عطشاً ،
وكان يغدو إذا أصبح فيشرب من ماء زمزم شربة فربما عرضنا عليه الغداء فيقول أنا شبعان" .
ل
قال ابن سيد النَّاس في عُيُونُ الأثر :
"ذكر سفره مع عمه أبي طالب إلى الشّام وخبره مع بحيرا الراهب
وذكر نبذة من حفظ الله تعالى لرسوله # قبل النبوة
قال أبو عُمَر سنة ثلاث عشرة من الفيل وشهد بعد ذلك بثمان سنين يوم الفجار سنة إحدى
وعشرين. وقال أبو الحسن الماوردي خرج به عليه الصلاة والسلام عمه أبو طالب إلى الشّام في تجارة له وهو
ابن تسع سنین.
وذکر ابن سعد یاسناد له عن داود بن الحصين إنه كان ابن اثنتي عشرة سنة .
قال ابن إسحاق: ثم إن أَبًا طالب خرج في ركب إلى الشّام فلما تهيأ للرحيل صب به رَسُوْل اللهمصالات
فيما يزعمون فرق له أبو طالب وقال : والله لأخرجن به معي ولا يفارقني ولا أفارقه أبداً ، أو كما قال. فخرج
به معه فلما نزل الر کب بصری من أرض الشام، وبها راهب يقال له بحیرا في صومعة له ، و کان إليه علم أهل
النصرانية ولم يزل في تلك الصومعة منذ قط راهب، إليه يصير علمهم عن كتاب فيها - فيما يزعمون-
يتوارثونه كابراً عن كابر ، فلما نزلوا ذلك العام ببحيرا، وكانوا كثيراً ما يمرون به قبل ذلك ، فلا يكلمهم ولا
يعرض لهم، حتى كان ذلك العام فلما نزلوا به قريباً من صومعته صنع لهم طعاماً كثيراً ، وذلك فيما يزعمون
عن شيء رآه، وهو في صومعته، يزعمون أنه رأى رَسُوْل الله / في الركب حين أقبلوا وغمامة تظله من بین
القوم ثم أقبلوا فترلوا في ظل شجرة منه، فنظر إلى الغمامة حتى أظلت الشجرة وتهصرت أغصان الشجرة على
رَسُوْل الله # حتى استظل تحتها ، فلما رأى ذلك بحيرا نزل من صومعته ، وقد أمر بذلك الطعام فصنع ثم
أرسل إليهم: إني قد صنعت لکم طعاماً يا معشر قريش وأحب أن تحضروا کلکم صغیر کم و کبیر کم وعبید کم
وحركم ، فقال له رجل منهم : والله يا بحيرا إن بك اليوم لشأناً ! ما كنت تصنع هذا بنا ، وقد كنا نمر بك
كثيراً ، ما شأنك اليوم ؟ قال له بحيرا: صدقت، قد كان ما تقول ، ولكنكم ضيف ، وقد أحببت أن أكرمكم
وأصنع لكم طعاماً فتأكلوا منه كلكم ، فاجتمعوا إليه وتخلف رَسُوْل الله / من بين القوم حداثة سنه في رحّال
القوم ، فلما نظر بحيرا في القوم لم ير الصفة التي يعرف ويجد عنده ، فقال : يا معشر قريش لا يتخلفن أحد
منكم عن طعامي ، قالوا له : يا بحيرا ما تخلف عن طعامك أحد ينبغي له أن يأتيك إلا غلام ، وهو أحدث القوم
سناً فتخلف في رحالهم . قال : لا تفعلوا أدعوه فليحضر هذا الطعام معكم ، فقال رجل من قريش: واللات
والعزى إن كان للؤماً بنا أن يتخلف ابن عبد الله بن عبد المُطّلب عن طعام من بيننا . ثم قام إليه فاحتضنه
وأجلسه مع القوم ، فلما رآه بحيرا جعل يلحظه لحظاً شديداً وينظر إلى أشياء من جسده قد كان يجدها عنده من
صفته ، حتى إذا فرغ القوم من طعامهم وتفرقوا، قام إليه بحيرا ، فقال له : يا غلام! أسألك بحق اللات والعزى
إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه - وإنما قال له بحيرا ذلك لأنه سمع قومه يحلفون بهما - فزعموا أن رَسُوْل الله
قال : لا تسألني باللات والعزى شيئاً ، فوالله ما أبغضت شيئاً قط بغضهما ، فقال له بحيرا: فبالله إلا ما
أخبرتني عما أسألك عنه ، فقال له : سلني عما بدا لك، فجعل يسأله عن أشياء من حاله من نومه وهيئته
وأموره. ويخبره رَسُوْل الله : ﴿ فيوافق ذلك ما عند بحيرا من صفته. ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين
كتفيه على موضعه من صفته التي عنده ، فلما فرغ أقبل على عمه أبي طالب ، فقال : ما هذا الغلام منك ؟
قال : ابني ، قال : ما هو بابنك وما ينبغي ، لهذا الغلام أن يكون أبوه حياً . قال: فإنه ابن أخي ، قال : فما
فعل أبوه ؟ قال : مات وأمه حبلى به . قال : صدقت، فارجع بابن أخيك إلى بلده واحذر عليه يهود ، فو الله
لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنه شراً، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم، فأسرع به إلى بلاده .
فخرج به عمه أبو طالب سريعاً حتى أقدمه مكة حين فرغ من تجارته بالشام ، فزعموا أن نفراً من أهل الكتاب
قد كانوا رأوا من رَسُوْل الله ﴿ مثل ما رأى بحيرا في ذلك السفر الذي كان فيه مع عمه أبي طالب ، فأرادوه
فردهم عنه بحيرا في ذلك وذكرهم الله تعالى وما يجدون في الكتاب من ذكره وصفاته، وأنهم إن أجمعوا لما أرادوا
لم يخلصوا إليه ، حتى عرفوا ما قال لهم وصدقوه بما قال ، فتركوه وانصرفوا عنه .
قوله: فصب به رَسُوْل الله:﴿، الصبابة: رقة الشوق وصبيت أصب ، وعند بعض الرواة فضبث
به ، أي لزمه قاله السهيلي .
وروينا من طريق التِّرْمِذيّ ثنا الفضل بن سهل أبو العبّاس الأعرج البغدادي ثنا عبد الرحمن بن غزوان
أبو نوح قال : أنا يُؤْنُّس بنَ أَبِي إسحاق عن أَبِي بكر بن أَبِي مُؤْسَى عن أبيه قال خرج أبو طالب إلى الشّام
وخرج معه النبي * في أشياخ من قريش، فلما أشرفوا على الراهب هبطوا فحلوا رحالهم فخرج إليهم
الراهب وكانوا قبل ذلك يمرون به ، فلا يخرج إليهم ولا يلتفت . قال : فهم يحلون رحالهم فجعل يتخللهم
الراهب حتى جاء فأخذ بيد رَسُوْل الله :﴿، ثم قال: هذا سيد العالمين هذا رَسُوْل رب العالمين، يبعثه الله رحمة
للعالمين . فقال الأشياخ من قريش: ما علمك ؟ فقال: إنكم حين أشرفتم على العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلا
خر ساجداً ولا يسجدان إلا لنبي ، وإني لأعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة ثم رجع فصنع
لهم طعاماً، فلما أتاهم به وكان هو في رعية الإبل. قالوا: أرسلوا إليه. فأقبل وعليه غمامة تظله، فلما دنا من
القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء الشجرة، فلما جلس مال فيء الشجرة عليه ، فقال : انظروا إلى فيء الشجرة
مال عليه . قال : فبينما هو قائم عليهم ، وهو يناشدهم أن لا يذهبوا به إلى الروم ، فإن الروم إن رأوه عرفوه
بالصفة فيقتلونه. فالتفت فإذا سبعة قد أقبلوا من الروم ، فاستقبلهم ، فقال : ما جاء بكم ؟ قالوا : جئنا، إن
هذا النبي خارج في هذا الشهر فلم يبق طريق إلا بعث إليه بأناس وإنا قد أُخبرنا خبره بعثنا إلى طريقك هذا ،
فقال : هل خلفكم أحد هو خير منكم ؟ قالوا : إنما أخبرتنا خيرة بعثنا لطريقك هذا ، قال : أفرأيتم أمراً أراد
الله أن يقضيه، هل يستطيع أحد من النَّاس رده ؟ قالوا: لا ، قال : فبايعوه وأقاموا معه ، قال: أنشدكم بالله
أیکسم ولیه؟ قالوا : أبو طالب. فلم يزل يناشده حتى رده أبو طالب، وبعث معه أبو بكر بلالاً، وزوده الراهب
من الكعك والزيت . قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه .
قلت : ليس في إسناد هذا الحديث إلا من خرج له في الصحيح وعبدالرحمن بن غزوان أبو نوح لقبه
قراد ، انفرد به البُخَاريّ . ويونس بن أبي إسحاق انفرد به مسلم . ومع ذلك ففي متنه نكارة ، وهي إرسال
أبي بكر مع النبي 8# بلالاً، وكيف وأبو بكر حينئذٍ لم يبلغ العشر سنين، فإن النبي ﴿ أسن من أبي بكر
بأزيد من عامين، وكانت للنبي ◌َ﴿ تسعة أعوام على ما قاله أبو جعفر مُحَمَّد بن جرير الطَّبَرِي وغيره، أو اثنا
عشر على ما قاله آخرون ، وأيضاً ، فإن بلالاً لم ينتقل لأبي بكر إلا بعد ذلك بأكثر من ثلاثين عاماً ، فإنه كان
لبني خلف الجمحيين، وعندما عذب في الله على الإسلام اشتراه أبو بكر رضي الله عنه رحمة له واستنقاذاً له من
أیدیھم ، وخبره بذلك مشهور .
وقوله "فبايعوه" إن كان المراد فبايعوا بحيرا على مسالمة النبي ﴿ فقريب، وإن كان غير ذلك ، فلا
أدري ما هو .
رجعٌ إلى خبر ابن إسحاق: وكان / يحدث عما كان الله يحفظه به في صغره انه قال: "لقد رأيتني في
غلمان من قريش ننقل حجارة لبعض ما يلعب به الغلمان، كلنا قد تعرى وأخذ إزاراً وجعله على رقبته يحمل
عليها الحجارة فاني لأقبل معهم كذلك وأدبر ، إذٍ لكمني لاكم ما أراه لكمة وجيعة ، ثم قال: شدّ عليك
إزارك. قالٍّ: فأخذته فشددته عليّ ثم جعلت احمل الحجارة على رقبتي وإزاري عليّ من بين أصحابي" .
قال السهيلي: وهذه القصة إنما وردت في الحديث الصحيح في خبر بنيان الكعبة كان ﴿ يحملٍ
الحجارة وإزاره مشدود عليه ، فقال له العبّاس: يا ابن أخي لو جعلت إزارك على عاتقك، ففعل فسقط مغشياً
عليه. ثم قال: "إزاري إزاري" فشد عليه إزاره، وقام يحمل الحجارة .
وفي حديث آخر: إنه لما سقط ضمه العبّاس إلى نفسه، وسأله عن شأنه، فأخبره أنه نودي من السماء:
أن اشدد عَليك إزارك يا مُحَمَّد. قال : وإنه لأول ما نودي .
قال: وحديث ابن إسحاق إن صح محمول علي أن هذا الأمر کان مرتين في حال صغره ، وعند بنيان
الكعبة .
وذكر البُّخَاريّ عنه﴿ انه قال: "ما هممت بسوء من أمر الجاهلية إلا مرتين" .
وقد قرأت على أبي عبد الله بن أَبِي الفتح الصُّوري بمرج دمشق : أخبركم أبو القاسم عبدالصمد بن
مُحَمَّد بن الحرستاني سماعاً عليه قال: أنا أبو مُحَمَّد طاهر بن سهل بن بِشْر بن أحمد الإسفراين، ي قال: أنا أبو
الحسين بُحَمَّد بن مكي بن عثمان الأزدي، قال : أنا القاضي أبو الحسن علي بن مُحَمَّد بن إسحاق الحلبي ثنا
C'
أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل المحاملي بغداد ثنا أبو الأشعث أحمد بن المقدام ثنا وهب بن جرير ثنا أَبِي عن
مُحَمَّد بن إسحاق .
قال : وحدثني مُحَمَّد بن عبد الله بن قيس ابن مخرمة عن الحسن بن مُحَمَّد بن علي عن أبيه عن جده
علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: سمعتِ رَسُوْل الله ﴿ يقول: "ما هممت بقبيح مما يهم به أهل الجاهلية
إلا مرتين من الدهر، كلتاهما عصمني الله عزّ وجلّ منها، قلت: ليلة لفتى كان معي من قريش بأعلى مكة في غنم
لأهله يرعاها: أبصر لي غنمي حتى أسمر هذه الليلة بمكة كما يسمر الفتيان . قال : نعم. فخرجت فلما جئت
أدنى دار من دور مكة سمعت غناء وصوت دفوف ومزامير، فقلت : ما هذا؟ فقالوا: فلان تزوج فلانة لرجل من
قريش تزوج امرأة من قريش، فلهوت بذلك الغناء وبذلك الصوت حتى غلبتني عيني فنمت، فما أيقظني إلا
مس الشمس، فرجعت إلى صاحبي . فقال : ما فعلت؟ فأخبرته. ثم فعلت الليلة الأخرى مثل ذلك فخرجت
فسمعت مثل ذلك، فقيل لي مثل ما قيل لي، فسمعت كما سمعت حتى غلبتني عيني فما أيقظني إلا مس الشمس
ثم رجعت إلى صاحبي، فقال لي: ما فعلت؟ فقلت: ما فعلت شيئاً قال رَسُوْل الله ﴿ والله ما هممت بغيرهما
بسوء مما يعمله أهل الجاهلية حتى أكرمني الله عزّ وجلّ بنبوته"
وذكر الواقدي عن أم أيمن قالت : كانت بوانة صنماً تحضره قريش، وتعظمه وتنسك له، وتحلق عنده
وتعكف عليه يوماً إلى الليل في كل سنة، فكان أبو طالب يحضره مع قومه، ويكلم رَسُوْل الله ﴿ أن يحضر
ذلك العيد معهم، فيأبى ذلك. قالت: حتى رأيت أَبًا طالب غضب عليه ورأيت عماته غضبن يومئذ أشد الغضب
وجعلن يقلن : إنَّا لنخاف عليك مما تصنع من اجتناب آلهتنا، ويقلن: ما تريد يا مُحَمَّد أن تحضر لقومك عيداً
ولا تكثر لهم جمعاً ؟ فلم يزالوا به حتى ذهب فغاب عنهم ما شاء الله ثم رجع مرعوبا فزعاً ، فقلنا: ما دهاك؟
قال: إني أخشى أن يكون بي لمم. فقلنا: ما كان الله عزّ وجلّ ليبتليك بالشيطان ، وكان فيك من خصال الْخَيْر
ما كان، فما الذي رأيت؟ قال: إني كلما دنوت من صنم منها تمثل لي رجل أبيض طويل يصيح بي وراءك يا
مُحَمَّد لا تمسه. قالت: فما عاد إلى عيد لهم حتى تنبأ ◌ِا "
قال ابن سيد النَّاس في عُيُونُ الأثر :
"ذكر رعيته { ي الغنم
روينا عن مُحَمَّد بن سعد قال: أنا سويد بن سعيد وأحمد بن مُحَمَّد الأزرقي، قالا: ثنا عَمْرو بن
يَحْيِى بن سعيد بن عَمْرو بن سعيد بن العاصِ الْقُرَشِيّ، عن جده سعيد يعني ابن عَمْرو، عن أَبِي هُرَيْرَة قال :
قال رَسُوْل الله :﴿ّ: "ما بعث الله نبياً إلا راعي غنم. قال له أصحابه: وأنت يا رَسُوْل الله؟ قال: وأنا رعيتها
لأهل مكة بالقراريط".
وروينا عن ابن سعد قال: أنا أحمد بن عبد الله بن يُونُس، ثنا زهير، ثنا أبو إسحاق قال : کان بین
أصحاب الإبل وأصحاب الغنم تنازع، فاستطال أصحاب الإبل، قال: فبلغنا والله أعلم أن النبي ٤﴿ قال:
"بعث مُؤْسَى وهو راعي غنم، وبعث داود وهو راعي غنم، وبعثت وأنا راعي غنم أهلي بأجياد" .
و
قال ابن سيد النَّاس في عُيُونُ الأثر :
"شهوده* يوم الفجار ثم حلف الفضول
قال السهيلي: والفجار بكسر الفاء بمعنى المفاجرة كالقتال والمقاتلة ، وذلك أنه كان قتالاً في الشهر
الحرام، ففجروا فيه جميعاً، فسمى الفجار ، وكانت للعرب فجارات أربعة ذكرها المسعودي، آخرها فجار
البراض، وهو هذا ، وكان لكنانة ولقيس فيه أربعة أيام مذكورة : يوم شمظة ويوم العيلاء، وهما عند عكاظ.
ويوم الشرب وهو أعظمها يوماً وفيه قيد حرب بن أُمَيَّة وسفيان وأبو سُفْيَان ابنا أُمَيَّة أنفسهم كي لا يفروا
فسموا العنابس . ويوم الحريرة عند نخلة . ويوم الشرب انهزمت قيس إلا بني نصر منهم فإنهم ثبتوا . وكان
انقضاء أمر الفجار على يدي عُتبة بن ربيعة . وذلك أن هوازن تواعدوا مع كنانة للعام المقبل بعكاظ فجاءوا
للوعد ، و کان حرب بن أُميّة رئیس قریش و کنانة ، و کان ◌ُتبة بن ربيعة يتيماً في حجره، فضن به حرب
وأشفق من خروجه معه، فخرج عُتْبَة بغير إذنه فلم يشعروا إلا وهو على بعيره بين الصفين ينادي: يا معشر
مضر علام تفانون؟ فقالت له هوازن : ما تدعو إليه ؟ قال: الصلح على أن ندفع لكم دية قتلاكم وتعفوا عن
دمائنا . قالوا : وكيف ؟ قال: ندفع لكم رهناً منا ، قالوا : ومن لنا بهذا ، قال : أنا ، قالوا : ومن أنت ؟ قال:
أنا ◌ُتبة بن ربيعة بن عبد شمس. فرضوا به ورضيت به كنانة ، ودفعوا إلى هوازن أربعين رجلاً فیھم حكيم بن
حِزام ، فلما رأت بنو عامر بن صعصعة الرَهْن في أيديهم عفوا عن الدماء وأطلقوهم ، وانقضت حرب الفجار،
وزعم أن النبي گے لم یقاتل فیھا
وروينا عن ابن سعد أن النبي ﴿ شهدها وله عشرون سنة وقال: قال عليه الصلاة والسلام: "قد
حضرته مع عمومتي ورميت فيه بأسهم، وما أحب أني لم أكن فعلت". وشهد رَسُوْل اللهلَ﴿ حلف الفضول
منصرف قريش من الفجار .
قال مُحَمَّد بن عُمَر : وكان الفجار في شَوّال ، وهذا الحلف في ذي القعدة ، وكان أشرف حلف كان
قط، وأول من دعا إليه الزُّبْر بن عبد المطلب، فاجتمعت بنو هاشم وزهرة وبنو أسد بن عبد العزى في دار ابن
جدعان، فصنع لهم طعاماً فتعاقدوا وتعاهدوا بالله لنكونن مع المظلوم حتى يؤدى إليه حقه ما بل بحر صوفة.
وقال عليه الصلاة والسلام: "ما أحب أن لي بحلف حضرته في دار ابن جدعان حمر النعم وأني أغدر
به سبعینه۔۔"
قال مُحَمَّد بن عُمَر: ولا نعلم أحداً سبق بني هاشم بهذا الحلف
ي
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم اختم بخير
الحمد لله الصمد(١) الواحد(٢) المتفضل بتحف(٣) النعم والفوائد، المحسن بالصلات والعوائد(٤)، الذي
خص هذه الأمة باتصال الإسناد(٥) لأقوال نبيهم ٤ / وأفعاله وتقريره حتى ما يصنع بقلامة (٦) ظفره، ليرفع لهم
العماد(٧) يوم التناد(٨).
(١) الصمد : السيد، الذي يصمد إليه في الأمر، وصمده: قصده معتمداً عليه قصده. فالصمد من صفاته تعالى وتقدس لأنه
أُصمدت إليه الأمور فلم يقض فيها غيره . انظر مفردات ألفاظ القرآن الكريم ص ٤٩٢، ولسان العرب (٣/ ٢٥٨).
(٢) خرم بعضاً منها في ن على كلمة واحدة، باتصال، ظفره وبقية الصفحة إلى أسفل.
(٣) تحف: جمع تحفه بالضم، وهي البر واللطف والطرفة. لسان العرب (٩ /١٧) والقاموس المحيط (١٧٧/٣).
(٤) العوائد: جمع عائدة وهي الصلة المعروف والعطف والمنفعة يعاد بها على الإنسان. لسان العرب (٣١٦/٣)، والقاموس ١/ ٦٠٨
(٥) السند لغة : ما ارتفع من الأرض في قبل الجبل أو الوادي أو هو معتمد الإنسان وكل ما استندت إليه من حائط وغيره. انظر
لسان العرب (٢٢٠/٣) القاموس المحيط (٥٨٤/١) المصباح المنير ص ١١٠-١١١.
والسند عند أهل الحديث: الإخبار عن طريق المعن وقيل هو الطريق الموصل للمتن. انظر المنهل الروي ص ٣٧، وفتح المغيث (١٤/١).
وقد وردت أقوال كثيرة من سلفنا الصالح رضوان الله عليهم تبين اختصاص أمة محمد # باتصال الإسناد منها:
قول محمد بن حاتم بن المظفر : "إن الله قد أكرم هذه الأمة وشرفها وفضلها بالإسناد، وليس لأحد من الأمم كلها قدمها وحديثها
إسناد، إنما هو صحف في أيديهم، وقد خلطوا بكتبهم أخبارهم، فليس عندهم تمييز بين ما نزل من التوراة والإنجيل وبين ما الحقوه
بكتبهم من الأخبار التي أخذوها عن غير الثقات. وهذه الأمة إنما تنص الحديث عن الثقة المعروف في زمانه ، المشهور بالصدق والأمانة
عن مثله حتى تتناهى أخبارهم ، ثم يبحثون أشد البحث حتى يعرفوا الأحفظ فالأحفظ، والأضبط فالأضبط والأطول مجالسة لمن فوقه
ممن كان أقل مجالسة ، ثم يكتبون الحديث من عشرين وجهاً أو أكثر حتى يهذبوه من الغلط والزلل ، ويضبطوا حروفه ويعدوه عداً،
فهذا من أفضل نعم الله على هذه الأمة فنستوزع الله شكر هذه النعمة". انظر شرف أصحاب الحديث ص ٤٠، وفتح المغيث (٣/
٣٣١). وقول أبى حاتم الرازي: " لم يكن في أمة من الأمم منذ خلق الله آدم أمناء يحفظون آثار الرسول ﴿ إلا في هذه الأمة". انظر
فتح المغيث (٣٣٢/٣)، والمواهب اللدنية للقسطلاني (٧٢٣/٢). وقال ابن حبان: "ولو لم يكن الإسناد وطلب هذه الطائفة له
لظهر في هذه الأمة من تبديل الدين ما ظهر في سائر الأمم، وذاك أنه لم يكن أمة لنبي قط حفظت عليه الدين عن التبديل ما حفظت
هذه الأمة، حتى لا يتهيأ أن يزاد في سنة من سنن رسول الله # ألف ولا واو كما لا يتهيأ زيادة مثله في القرآن فحفظت هذه الطائفة
السنن على المسلمين، وكثرت عنايتهم بأمر الدين ولولاهم لقال من شاء بما شاء". المجروحين (٢٥/١).
(٦) القلامة هي المقلومة عن طرف الظفر. يقال قَلَمْت ظفري وَقَلَّمْت أظفاري شدد للكثرة. انظر الصحاح (٢٠١٤/٥)، لسان
العرب (٤٩١/١٢) .
(٧) العماد: الأبنية الرفيعة يذكر ويؤنث الواحدة عمادة. قال تعالى ﴿إرم ذات العماد (٧)﴾ الفجر ، ذات البناء الرفيع المعمد. لسان
العرب (٣٠٣/٣).
(٨) يوم التناد : هو يوم القيامة، وسمي بذلك لمناداة الناس بعضهم بعضاً وقيل بتشديد الدال من ندّ البعير إذا هرب. انظر الجامع
لأحكام القرآن للقرطي (٣١٠/١٥) وتفسير ابن كثير (٧٩/٤).
١
وفضلهم بأشياء منها أولية الحساب وإجازة الصراط ودخول الجنة (١)، ليعظم له عليهم الفضل والمنة .
أحمده وله النعمة والطول وإبراء(٢) إليه من القوة والحول، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في
ملكه الذي خلق السماء والأرض والشمس والقمر وأجرى كلاً منهم(٣) في فلكه، وأشهد أن سيدنا محمداً خليله
وصفيه ورسوله وحبيبه ونبيه # وعلى جميع النبيين وآل كل وسائر الصالحين.
أما بعد(٤):
فلما كانت سير(٥) سيدنا رسول الله# وسراياه (٦) وبعوثه (٧) لا يعرفها في بلدتنا إلا قليل من الناس،
ومن استحضر منها شيئاً كان عندهم من الفضلاء الأكياس(٨). سبرت الكتب التي وقفت عليها في ذلك(٩)
(١) قال رسول الله(8): " نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، ونحن أول من يدخل الجنة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من
بعدهم ، فاختلفوا فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه".
أخرجه مسلم في كتاب الجمعة ، باب هداية هذه الأمة ليوم الجمعة (٥٨٥/٢) ح٢٠. وأشار الإمام ابن القيم إلى هذا المعنى، وقال:
" فهذه الأمة أسبق الأمم خروجاً من الأرض وأسبقهم إلى أعلى مكان في الموقف وأسبقهم إلى ظل العرش وأسبقهم إلى الفصل
والقضاء بينهم وأسبقهم إلى الجواز على الصراط، وأسبقهم إلى دخول الجنة، فالجنة محرمة على الأنبياء حتى يدخلها محمد {$*، ومحرمة
على الأمم حتى تدخلها أمته". حادي الأرواح ص٧٧ .
(٢) جاءت في: ن وص وم وأبرأ .
(٣) جاء في ن وص وم : منهما وهي الصواب لأن المقصود الشمس والقمر.
(٤) غير واضحة في م .
(٥) في م : سيرة .
(٦) سراياه : جمع سرية، وهي طائفة من الجيش يبلغ أقصاها أربعمائة تبعث إلى العدو، سموا بذلك لأنهم يكونون خلاصة العسكر
وخيارهم، من الشيء السَّريِ النفيس ، وقيل سموا بذلك لأنهم ينفذون سراً وخفية. انظر النهاية في غريب الحديث ( ٢ / ٣٦٣).
وأهل السير والمغازي يطلقون على كل جيش قاده رسول الله 83 بنفسه غزوة، سواء وقع قتال أم لم يقع، ويطلقون على ما أرسل
* على قيادته بعض أصحابه بعثاً أو سرية. وهذا اصطلاح أغلبي، لأن بعض الغزوات وأعظمها كبدر وأحد والخندق لم يخرج فيها
الرسول / إلى الكفار في بلادهم وإنما كان الكفار هم القادمين إليه، ولأن بعض الغزوات كان داخلياً في المدينة وأطرافها كغزوات
اليهود بني قينقاع والنضير وقريظة. انظر كتاب: محمد رسول # منهج ورسالة لمحمد الصادق إبراهيم عرجون (٢١٧/٣)
باختصار، والمدينة النبوية فجر الإسلام ( ١٢٨/١).
(٧) البعوث: الجيوش. لسان العرب (١١٦/٢).
(٨) الأكياس: جمع كَيِّس، وهو العاقل ومنه قوله رَله: " الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت". النهاية في غريب الحديث (٤
/٢١٧). الحديث أخرجه الترمذي في أبواب صفة القيامة (٦٣٨/٤) ح (٢٤٥٩) وقال حديث حسن، وأخرجه أحمد في مسنده (٤/
١٢٤) من حديث ابن المبارك عن أبي بكر بن أبي مريم عن ضمرة بن حبيب عن شداد بن أوس مرفوعاً، وأخرجه الحاكم في مستدركه
(٥٧/١) وقال: " حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه"، وتعقبه الذهبي بأن ابن أبي مريم واه .
(٩) طمس في م .
٢
م
فألفيت سيرة الحافظ(١) أبي الفتح ابن سيد الناس أجمع سيرة استحضرها المحدث السالك وذلك لأنه أربى فيها على
جميع السير فهن كالنجوم وهي بينهن كالقمر. لأنه ذكر فيها أحاديث من الكتب الستة، ومسند(٢) الإمام أحمد
وغيره من الكتب(٣) والأجزاء(٤) وزبداً(٥) من سيرة ابن إسحاق وابن عقبة (٦)، وابن عائذ(٧)، وزوائد(٨) ابن
هشام(٩) على ابن إسحاق وسير الواقدي ومحمد بن سعد(١٠) كاتبه(١١).
(١) الحفظ لغة نقيض النسيان، وهو التعاهد وقلة الغفلة، يقال حفظ الشيء حفظاً، ورجل حافظ وقوم حفاظ هم الذين رزقوا
حفظ ما سمعوه وقلما ينسون شيئاً يعونه . لسان العرب ( ٧ / ٤٤١).
والحافظ في اصطلاح المحدثين من ألفاظ التعديل شريطة أن تقترن بها العدالة فيقال عدل حافظ . قال الإمام السخاوي : "تقدم في أن
الوصف بالضبط والحفظ وكذا الإتقان لابد أن يكون في عدل هو حيث لم يصرح ذلك الإمام به إذ لو صرح به كان أعلى". فتح
المغيث (١١٣/٢). ولفظ الحافظ كثيراً ما يطلق في تراجم الحفاظ والمشاهير، ويراد به الضبط والإتقان ، قال الحافظ ابن مهدي:
"الحفظ بمعنى الإتقان". تدريب الراوي (٤٩/١).
(٢) سيأتي تعريف المصنف للحديث المسند .
(٣) قوله : وغيره من الكتب ، فيها طمس من الأصل من الوسط وظهر باقي كلمة: تب ، وهي واضحة من بقية النسخ ن، ص ، م .
(٤) الأجزاء : جمع جزء، وهو النصيب والقطعة من الشيء. النهاية في غريب الحديث (٢٦٥/١).
والجزء عند أهل الحديث: المصنفات التي جمعت الأحاديث المروية عن رجل واحد من الصحابة أو من بعدهم، وإن تباينت المواضيع
التي تناولتها. انظر الرسالة المستطرفة. ص ٨٦ بتصرف .
(٥) الزّبَد: بالفتح ، الزاء والباء والدال أصل واحد يدل على تولد شيء عن شيء، ومن ذلك زبد البحر وغيره كالرغوة . والزُبد :
بالضم، ما يستخرج بالمخض من لبن البقر والغنم ،والزبدة أخص منه ، وزبدة الشيء خلاصته، وهو المعنى المراد ، والله أعلم . انظر
معجم مقاييس اللغة ( ٤٣/٣)، والمصباح المنير ص ٩٥، والمعجم الوسيط (١ / ٣٨٨).
(٦) هو موسى بن عقبة ، سيترجم له المصنف فيما بعد .
وقد أثنى الإمام مالك على كتابه المغازي، وقال : "إنه أصح المغازي". انظر السير (٦ /١١٥).
وقال الإمام الشافعي : "وليس في المغازي أصح من كتاب موسى بن عقبة مع صغره وخلوه من أكثر ما يذكر في كتب غيره . انظر
الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (٢٢٥/٢). وقال الحافظ الذهبي: " أما مغازي موسى بن عقبة فهي في مجلد ليس بالكبير
سمعناها وغالبها صحيح ومرسل وجيد ، لكنها مختصرة تحتاج إلى زيادة بيان وتتمة ". السير (١١٦/٦).
(٧) هو محمد بن عائذ الدمشقي ، له كتاب الفتوح والمغازي، سيترجم له المصنف لاحقاً .
(٨) الزوائد : تطلق الزيادة في لغة العرب على النمو. لسان العرب (٣ / ١٩٨).
يقولون : زاد الشيء يزيد فهو زائد، ويقال شيء كثير الزيايد أي الزيادات، وربما قالوا: زوائد. انظر معجم مقاييس اللغة (٤٠/٣).
والزوائد في مصطلح أهل الحديث : المصنفات التي جمع فيها مؤلفوها الأحاديث الزائدة في بعض الكتب عن الأحاديث الموجودة في
كتب أخرى. انظر مذكرة التخريج د. الشريف منصور العبدلي رحمه الله ص ٣٠.
والزوائد المقصود بها هنا : الزيادات التي يخرجها راوي الأصل ( التلميذ ) .
(٩) هو عبدالملك بن هشام المعافري ، هذب سيرة ابن إسحاق وهو المطبوع باسم السيرة النبوية ، سيترجم له المصنف فيما بغد.
(١٠) طمس محمد بن سعد من م، وقد خصص محمد بن سعد المجلدين الأولين من كتابه الطبقات الكبرى للسيرة.
(١١) في ص : و كاتبه أبي .
٣
وأبي بشر الدولابي(١)، والبلاذري(٢)، وابن القداح واسمه عبدالله ابن محمد بن عمارة ابن القداح (٣) الأنصاري
مدني أخباري(٤)، عن ابن أبي ذئب(٥) ونحوه، مستور(٦) ما وثق ولا ضعف وقل ما روى(٧)، قاله في الميزان(٨).
وأبي عمر بن عبدالبر(٩)، وأبي الربيع بن سالم(١٠) ونحوها من العيون .
وذكر في أولها ترجمتين لابن إسحاق والواقدي وساق أغاليط وقعت في بعض الأحاديث مع ما فيها من
الفنون، وإذا فرغ من الغزوة أو السرية أو البعث أحياناً يذكر ما في ذلك من غريب، فهي في المعنى كاملة
لاستحضار الحدث الأريب(١١).
وقد اشترط فيها أن يذكر ما اقتضاه التاريخ إلا ما استثناه ولم يخالف ذلك إلا في أماكن يسيرة يعرفها(١٢)
الأنباه.
(١) هو محمد بن أحمد، أبو بشر الدولابي، سيترجم له المصنف لاحقاً، قال ابن كثير: "له تصانيف حسنة في التاريخ". البداية
والنهاية ( ١٤٥/١١). منها الذرية الطاهرة. كشف الظنون ( ١/ ٨٢٧ ).
(٢) هو أحمد بن يحيى بن جابر، أبو بكر البلاذري، قال عنه الحافظ الذهبي: "العلامة الأديب المصنف الكاتب صاحب التاريخ الكبير،
ت بعد ٢٧٠ هـ. السير (١٦٢/١٣). له كتاب أنساب الأشراف وهو تاريخ عام مرتب على النسب وقد خصص البلاذري القسم
الأول منه للسيرة .
(٣) طمس ابن القداح في م .
(٤) قال الخطيب البغدادي: "كان عالماً بالنسب، له كتاب في نسب الأنصار خاصة يرويه عنه مصعب بن عبد الله الزبيري". تاريخ
بغداد (٦٢/١٠) .
(٥) في ن و ص : ذؤيب و کتب في هامش ن : صوابه ابن أبي ذئب. وهي غير واضحة في م .
وهو محمد بن عبدالرحمن بن المغيرة بن أبي ذئب ، سيترجم له المصنف لاحقاً .
(٦) المستور لغة المخفي يقال ستر الشيء يسترُه ويستره سَتْراً وسَتَراً أخفاه. لسان العرب (٣٤٣/٤).
والمستور اصطلاحاً: هو مجهول الحال الذي جهلت عدالته الباطنة وهو عدل في الظاهر. قاله ابن الصلاح في علوم الحديث ص ١١١.
وعند الحافظ ابن حجر: من عرف عينه برواية اثنين عنه فاكثر ولم يوثق . نزهة النظر ص ٤٧ . وسيأتي الكلام على أقسام المجهول
وحكمه .
(٧) في م طُمست: قل ما روى.
(٨) ميزان الاعتدال (٤٨٩/٢) وانظر ترجمته في: الجرح والتعديل (١٥٨/٥)، وتاريخ بغداد (٦٢/١٠).
(٩) هو يوسف بن عبدالله بن محمد بن عبدالبر القرطبي ، سيترجم له المصنف. له الدرر في اختصار المغازي والسير، والاستيعاب في
معرفة الأصحاب وقد جعل مقدمته في سيرة النبي {18 .
(١٠) هو سليمان بن موسى بن سالم أبو الربيع الكلاعي البلنسي له كتاب الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله والثلاثة الخلفاء،
ستأتي ترجمته .
(١١) الأريب: العاقل لا يختل عن عقله. لسان العرب (٢٠٩/١).
(١٢) طمست: يعرفها، في م .
٤
وقد كنت قديماً في(١) اثنتين وتسعين(٢) وسبعمائة من السنين قد علقت عليها فوائد كالشرح لم تجدها
مجموعة في كتاب كثير من المؤلفين . ذكرت ما وقع فيها من غريب أو اسم أو ترجمة أو نسب أو موضع لا تجده
إلا بعد(٣) الفحص الزائد، المتعب للطالب الرائد. وعزوت غالباً ما أسنده من الكتب والأجزاء التي هي فيها، فما
في هذا الزمان من يؤلف مثلها ولا من يدانيها. وذكرت الحكمة في عدوله عن الكتب (٤) الستة أو(٥) بعضها ،
وذلك في الغالب طلباً لعاليها . وإن وقع له وهم أو خالف شرطه في الترتيب ذكرته إن نبهني الله له، وأزيد فيه
أقوالاً على ما ذكره وغير مسألة. وأوشح هذا التعليق بفوائد من كلام السهيلي أبي القاسم، تراها في أماكنها
كالزهر الباسم. وإذا استحضر الإنسان هذه السيرة وهذه الفوائد يكن إماماً فيما خلا من الأزمنة، وليس الخبر
کالمعاينة.
وسميته: "نور النبراس على سيرة ابن سيد الناس"
وليعلم الطالب أن كل ما في السير لم يقع للمؤلفين بالإسناد الصحيح (٦) أو الحسن(٧)، ولو اقتصروا على
ذلك لم يسلم لهم في جنب ما ذكروا إلا اليسير كالفتيل(٨)، أو النقير(٩)، أو القطمير(١٠).
(١) في ن ، م : في سنة .
(٢) طمست: تسعین في م .
(٣) طمست: إلا بعد في م .
(٤) غير واضحة في م .
(٥) في م : و .
(٦) الصحيح، لغة: ضد المكسور والسقيم، وهو حقيقة في الأجسام، مجاز للمعاني كالحديث والعبادة والمعاملة، فقيل صحت الصلاة إذا
أسقطت القضاء، وصح العقد إذا ترتب عليه أثره، وصح القول إذا طابق الواقع .
انظر أساس البلاغة ص ٢٤٩، والمصباح المنير ص ١٢٧، وفتح المغيث (١٥/١ ).
الصحيح اصطلاحاً عند الحافظ ابن حجر: " خبر الآحاد بنقل عدل تام الضبط، متصل السند غير معلل ولا شاذ". نخبة الفكر ٢٤.
(٧) الحسن، لغة: ضد القبيح ، وهو الكائن على وجه يميل إليه الطبع وتقبله النفس، فهو إما أن يكون مستحسناً طبعاً أو عقلاً أو
شرعاً. انظر لسان العرب ( ١١٤/١٣) والكليات ص ٤٠٢ .
وفرق الحافظ ابن حجر بين حد الصحيح والحسن اصطلاحاً بخفة الضبط .
فعلى ذلك يكون تعريف الحسن : خبر الآحاد بنقل عدل خف ضبطه متصل السند، غير معلل ولا شاذ . انظر نخبة الفكر ص ٢٩ .
(٨) الفتيل: المفتول، وسُمى ما يكون في شق النواة فتيلاً لكونه على هيئته، قال تعالى ﴿ولا يظلمون فتيلاً (٤٩)﴾ النساء، وهي ما
تفتله بين أصابعك من خيط أو وسخ، ويضرب به المثل في الشيء الحقير. مفرادات ألفاظ القرآن ص ٦٢٣ .
(٩) النقير: وقبة أو نكتة في ظهر النواة، ويضرب به المثل في الشيء الطفيف، قال تعالى ﴿ولا يظلمون نقيراً (١٢٤)﴾ النساء، انظر
مفردات ألفاظ القرآن ص٨٢١، ولسان العرب (٢٢٨/٥).
(١٠) قطمير: القشرة الرقيقة التي على النواة بين النواة والتمر ويقال هي النكتة البيضاء التي في ظهر النواة التي تنبت منها النخلة، قال تعالى
﴿والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير (١٣) ﴾ فاطر. وذلك مثل للشيء الطفيف. انظر مفردات ألفاظ القرآن ص ٦٧٨،
والصحاح (٧٩٧/٢)، ولسان العرب (١٠٨/٥).
وإنما يقع لهم تارة بالإسناد الصحيح(١) وتارة بالحسن، وأخرى(٢) بالضعيف(٣) ومرة (٤) بالمرسل(٥)،
وتارة بالمنقطع(٦)، وأخرى بالبلاغ(٧)، وتارة بالمعضل(٨). ويقع أيضاً لهم (٩) بما يقع به الحديث في صفاته(١٠).
(١) في ص : تارة بالصحيح .
(٢) في م : وتارة .
(٣) الضعيف، الضعف لغة: خلاف القوة وقد ضعف فهو ضعيف. انظر مفردات ألفاظ القرآن ص٥٠٦، ولسان العرب (٩/ ٢٠٣).
أما الضعيف اصطلاحاً: فهو كل حديث لم تجتمع فيه صفات القبول. النكت (٤٩٢/١).
قال البقيوني في منظومته ص٨: وكل ما عن رُتبة الحُسن قصر فهو الضعيف وهو أقساماً كُثر.
(٤) في ن، ص، م : وأخرى .
(٥) المرسل لغة: اسم مفعول من قولهم أرسل الحديث إرسالاً والإرسال: الإطلاق والإهمال. انظر القاموس المحيط (٥٦٣/٣)،
والكليات ص ٧٧ فكأن المرسل أطلق الإسناد ولم يقيده براوٍ معروف. انظر جامع التحصيل ص٢٣، والنكت لابن حجر (٥٤٢/٢)،
وفتح المغيث (١٥٦/١).
والمرسل اصطلاحاً: هو ما أضافه التابعي - صغيراً أو كبيراً - إلى النبي ﴿ مما سمعه من غيره، ولم يذكر من حدثه به. انظر النكت
لابن حجر (٥٤٦/٢) بتصرف يسير، والترهة له ص ٣٨ .
(٦) المنقطع، لغة : الشيء المصاب بالقطع ، يقال رجل قطيع القيام : لا يستطيع القيام لضعف أو سمن ، وامرأة قطيع اللسان : غير
سليطة. انظر لسان العرب (٨ / ٢٧٨) والمعجم الوسيط ( ٢ /٧٤٦).
فالانقطاع نقيض الاتصال وهما في المعاني كما في الأجسام. فتح المغيث (١ / ١٨٤ ).
المنقطع اصطلاحاً:"ما كان السقط في إسناده براو أو أكثر من اثنين بشرط عدم التوالي" .نزهةالنظرص٣٩،بتصرف يسير.
(٧) البلاغ، بلغ لغة: الوصول إلى الشيء. معجم مقاييس اللغة (١/ ٣٠١).
والإبلاغ الإيصال، وكذلك التبليغ، والاسم منه البلاغ. انظر الصحاح (١٣١٦/٤)، والمصباح المنير ص٢٤.
فاستعير لنقل الكلام إذا بلغه القول أو الرسالة عند تأديتها ويسمى البلاغ أو التبليغ .
أما البلاغ في اصطلاح المحدثين، فلم أجد من عرف البلاغات، ولكنني وجدت الباحث عبد الرزاق موسى في رسالته "الرواية على
الإبهام"، اجتهد في تعريفها فقال: البلاغ في الاصطلاح: "ما قال فيه المحدث بلغني مع حذف كل الإسناد أو بعضه من قبله أو قبل
غيره مما وصل إليه من الأحاديث والآثار" (٢٤٤/١).
(٨) في م: بالمعلل. والمعضل لغة: من عضل، والعين والضاد واللام أصل واحد يدل على شدة التواء في الأمر، والأمر المعضل هو
الشديد الذي يعنى إصلاحه وتداركه . معجم مقاييس اللغة (٣٤٥/٤). فكأن المحدث الذي حدث به أعضله حيث ضيق المجال على
من يؤديه إليه ، وحال بينه وبين معرفة رواته بالتعديل أو الجرح وشدد عليه الحال. فتح المغيث (١٨٥/١).
المعضل اصطلاحاً : "ما سقط من إسناده اثنين فصاعداً مع التوالي". نزهة النظر ص ٣٩ .
(٩) في م : لهم أيضاً .
(١٠) صفات الحديث المقبول ستة: اتصال السند، والعدالة، والضبط، ونفي الشذوذ، ونفي العلة القادحة، والعاضد عند الاحتياج
إليه. انظر فتح المغيث (١١٣/١).
٦
حاشى(١) الموضوع (٢)، فإنه كذب في ذاته . وقد قال شيخنا الحافظ العراقي في سيرته(٣).
تجمع ما صح وما قد أنكرا
وليعلم الطالب أن السيرا
به وإن إسناده لم يعتبر
والقصد ذكر ما أتى أهل السير
فانظر ما بين الصحيح والمنكر(٤)، ومالا يعتبر(٥) به من الأنواع .
ولخص الحافظ ابن حجر فقد هذه الصفات، قال: "وتلخيص التقسيم المطلوب إن فقد الأوصاف راجع إلى ما في راويه طعن أو في
سنده سقط، فالسقط إما أن يكون في أوله أو في آخره أو في أثنائه، ويدخل تحت ذلك المرسل والمعلق والمدلس والمنقطع والمعضل،
وكل واحد من هذه إذا انضم إليه وصف من أوصاف الطعن وهي : تكذيب الراوي أو تهمته بذلك أو فحش غلطه أو مخالفته أو
بدعته أو جهالة عينه أو جهالة حاله، فباعتبار ذلك يخرج منه أقسام كثيرة مع الاحتراز من التداخل المفضي إلى التكرار، فإذا فقد ثلاثة
أوصاف من مجموع ما ذكر حصلت منها أقسام أخرى مع الاحتراز مما ذكر ، ثم إذا فقد أربعة أوصاف فكذلك ثم كذلك إلى آخره،
فكلما عدمت فيه صفة واحدة يكون أخف مما عدمت فيه صفتان بشرط أن لا تكون الصفة المتقدمة قد جبرتها صفة قوية، وهكذا إلى أن
ينتهي الحديث إلى درجة الموضوع المختلق بأن تنعدم فيه شروط القبول، ويوجد فيه ما يشترط انعدامه من جميع أسباب الطعن والسقط".
النكت (٤٩٣/١ ).
(١) حاشا : تأتي في اللغة على ثلاثة أوجه:
١ - أن تكون فعلاً متعدياً متصرفاً ، تقول حاشيته بمعنى استثنيته .
٢ - أن تكون تنزيهية، نحو قوله تعالى ﴿حاش لله ما هذا بشراً (٣١)﴾ يوسف.
٣ - أن تكون للاستثناء، فهي حرف بمنزلة إلا وتجر ما بعدها "المستثنى". انظر مغنى اللبيب ص١٦٤-١٦٥ باختصار.
(٢) الموضوع، من كلمة وَضَعَ : أصل يدل على الخفض للشيء وحطه، والوَضْع في اللغة يستعمل لعدة معانٍ منها: الاختلاق، وضع
الشيء اختلقه. والإلصاق، يقال: وضع فلان على فلان كذا أي ألصقه به. والإسقاط: وضع عنه الدين والدم أي أسقطه عنه. انظر
النهاية (١٩٨/٥)، ولسان العرب (٣٩٦/٨)، والنكت (٢ / ٨٣٨).
والموضوع اصطلاحاً الحديث المختلق المصنوع المكذوب على رسول الله 58. انظر علوم الحديث ص ٩٨، فتح المغيث العراقي ص
١٢٠، وفتح المغيث (١ / ٢٩٤).
(٣) نظم الدرر السنية في سيرة خير البرية ط ، ص ٣٩١ .
(٤) المنكر، لغة: من تَكَرَ أصل يدل على خلاف المعرفة التي يسكن إليها القلب، وأنكر الشيء ونكره ، لم يقبله قلبه ولم يعترف به
لسانه. انظر معجم مقاييس اللغة (٤٧٦/٥)، ولسان العرب (٢٣٣/٥).
وفي الشرع : المنكر كل فعل تحكم العقول الصحيحة بقبحه ، أو تتوقف في استقباحه واستحسانه العقول ، فتحكم بقبحه الشريعة .
مفردات ألفاظ القرآن ص ٨٢٣ .
والمنكر في اصطلاح المحدثين :
١- ما انفرد به راوٍ فحش غلطه أو كثرت غفلته أو ظهر فسقه ولا متابع له ولا شاهد.
٢ - مخالفة الضعيف للثقة .
انظر النكت (٢ / ٦٧٥) ونزهة النظر ص ٣٢، ٤٢، ومذكرة في طرق التخريج د.الشريف منصور العبدلي رحمه الله ص ٤٩.
(٥) لا أظن أن المؤلف يعني منزلة الاعتبار للرواة عند المحدثين في مراتب الجرح والتعديل ، وذلك من خلال جمعه للصحيح والمنكر،
وإنما أراد والله أعلم قبول ما ذكره أهل السير من أخبار لا تصل الى مرتبة الترك .
٧
ولا يكن عملك رياء(١) بل ليكن(٢) مخلصاً(٣)، لا عليك أن ينوه بذكرك ويشاع، وإياك وسير البكري
أحمد بن عبد الله بن محمد أبي الحسن "فإنه كذاب دجال واضع القصص(٤) التي لم تكن(٥) قط(٦).
قال الذهبي في ميزانه: فما أجهله وأقل حياه، وما روى حرفاً من العلم بسند"(٧). انتهى.
والله أسال أن ينفع بهذا التعليق كاتبه وقارئه وناظره بمنه وكرمه ، وأن يعمنا بفضله وجوده ونعمه، إنه
على كل شيء قدير وبالإجابة جدير، وهو حسبنا ونعم النصير.
أما مرتبة الاعتبار للرواة عند المحدثين : فالاعتبار هو : تتبع الطرق من الجوامع والأجزاء والمسانيد لمعرفة المتابع والشاهد. انظر نزهة
النظر ص ٣٣ باختصار وتصرف يسير. أو هو: الهيئة الحاصلة في الكشف عن المتابع والشاهد. النكت (٢ / ٦٨١).
ومرتبة الاعتبار هي المرتبة التي يعتبر فيها بحديث الراوي لكن لا يحتج به إذا انفرد ، فإذا وجد له متابع أو شاهد ارتقى إلى مرتبة الحسن
لغيره . قال الحافظ ابن حجر : ومتى توبع السيء الحفظ معتبر كأن يكون فوقه أو مثله لا دونه وكذا المختلط الذي لم يتميز به ،
والمستور الإسناد والمرسل وكذا المدلس إذا لم يعرف المحذوف منه صار حديثهم حسناً لا لذاته، بل وصفه بذلك باعتبار المجموع من
المتابع والمتابع لأن مع كل واحد منهم احتمال كون روايته صواباً أو غير صواب على حد سواء ، فإذا جاءت من المعتبرين رواية
موافقة لأحدهم رجح أحد الجانبين من الاحتمالين المذكورين ودل ذلك على أن الحديث محفوظ فارتقى من درجة التوقف إلى درجة
القبول والله أعلم". نزهة النظر ص ٤٩ . فتأتي مرتبة الاعتبار في آخر مرتبة من مراتب التعديل وأول مرتبة من مراتب التجريح.
فهي عند ابن أبي حاتم : المرتبة الرابعة في مراتب الرواة ، قال : "ومنهم الصدوق الورع المغفل الغالب عليه الوهم والخطأ والغلط
والسهو، فهذا يكتب من حديثه الترغيب والترهيب والزهد والآداب ولا يحتج بحديثه في الحلال والحرام". الجرح والتعديل (١٠/١).
وعند الذهبي المرتبة الثالثة، قال : " ثم محله الصدق وجيد الحديث وصالح الحديث وشيخ وسط ... " الخ. انظر مقدمة الميزان ص ٤.
وعند الحافظ ابن حجر المرتبة الخامسة قال: الخامسة : من قصر عن درجة الرابعة قليلاً ، وإليه الإشارة بصدوق سيئ الحفظ ، أو
صدوق يهم أو له أوهام أو يخطئ .... انظر مقدمة التقريب ص ٢٨ .
أما السخاوي فعد المرتبة الخامسة مرتبة نظر، والسادسة مرتبة اعتبار ، قال : ثم إن الحكم في أهل هذه المراتب الاحتجاج بالأربعة
الأولى منها، وأما التي بعدها فإنه لا يحتج بأحد من أهلها لكون ألفاظها لا تشعر بشريطة الضبط بل يكتب حديثهم ويختبر ، وأما
السادسة : فالحكم في أهلها دون التي قبلها وفي بعضهم من يكتب حديثه للاعتبار دون اختبار ضبطهم لوضوح أمرهم فيه. فتح المغيث
(١١٦/٢-١١٧).
(١) الرياء : ترك الإخلاص في العمل بملاحظة غير الله فيه. التعريفات ص ١١٣.
(٢) في ص : یکن .
(٣) في ٢ : خالصاً .
(٤) في م : للقصص .
(٥) في ص : یکن .
(٦) قال الحافظ ابن حجر : "من مشاهير كتبه الذروة في السيرة النبوية، ما ساق غزوة منها على وجهها بل كل ما يذكره لا يخلو من
بطلان إما أصلاً وإما زيادة ". لسان الميزان (٢٠٢/١).
(٧) ميزان الاعتدال (١٢/١).
٨
قوله ( الحمد لله ) الحمد : هو الثناء (١) على المحمود بجميل صفاته وأفعاله .
والشكر: الثناء(٢) عليه بإنعامه على الشاكر(٣)، ونقيض المدح الذم(٤)، ونقيض الشكر الكفر(٥)، والحمد(٦) أعم(٧)،
يقال حَمِده بكسر الميم، يحمده بفتحها (٨) وفرق الإمام السُهيلي بين الحمد والمدح بأن الحمد يشترط فيه أن يكون صادراً عن
علم ، وأن تكون(٩) تلك الصفات المحمودة صفات كمال، والمدح قد يكون عن ظن وبصفة مستحسنة(١٠)، وإن كان فيها
نقص ما انتهى(١١). وفي الحديث الحسن في د (١٢) ق (١٣).
(١) تهذيب اللغة (٤ / ٤٣٥).
(٢) في م : والثناء .
(٣) قال ابن الأثير: "الشكر مقابلة النعمة بالقول والفعل والنية، فيثني على المنعم بلسانه ويذيب نفسه في طاعته ويعتقد أنه موليها".
انظر النهاية (٤٩٣/٢)، ولسان العرب (٤٢٤/٤).
(٤) انظر تهذيب اللغة (٤٣٤/٤) معجم مقاييس اللغة (١٠٠/٢)، الصحاح (٤٦٦/٢)، لسان العرب (١٥٥/٣).
(٥) لسان العرب (٤ / ٤٢٤) .
(٦) طمست في م .
(٧) الصحاح (٢ / ٤٦٦). قال ابن الأثير: " الشكر مثل الحمد إلا أن الحمد أعم منه، فإنك تحمد الإنسان على صفاته. الجميلة
وعلى معروفه، ولا تشكره إلا على معروفه دون صفاته". النهاية (٢ / ٤٩٣).
(٨) انظر معجم مقاييس اللغة (٢ / ١٠٠)، الصحاح (٢ / ٤٦٦)، لسان العرب (١٥٥/٣).
(٩) في ص و م : يكون .
(١٠) غير واضحة في م .
(١١) لم أقف على قول السهيلي في الروض الأنف وقد يكون في جزء أملاه في شرح سبحان الله وبحمده. انظر الروض (٢/
١٥٧). وللحمد أقسام ذكرها الجرجاني في كتابه التعريفات ص ٩٣، والكفوي في الكليات ص ٣٦٧، ٣٦٨. وانظر الحمد والشكر
والمدح والفرق بينه وبين الحمد في المحرر الوجيز لابن عطية (٦٦/١)، والتفسير الكبير للرازي (٢١٨/١)، والكشاف للزمخشري (١/
٤٦)، والدر المصون للسمين الحلبي (٣٦/١)، وتفسير أبي السعود (١١/١)، وروح المعاني للآلوسي (٧٠/١).
(١٢) سيأتي حديث أبي داود في الرواية التالية .
(١٣) أخرجه ابن ماجة في سننه في كتاب النكاح (٦١٠/١) عن أبى بكر بن أبي شيبة ومحمد بن يحيى ومحمد بن خلف والعسقلاني
عن عبيد الله بن موسى عن الأوزاعي عن قرة عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعاً بلفظ: "كل أمرٍ ذي بال لا يبدأ فيه.
بالحمد أقطع". رجال الإسناد عند ابن ماجه كلهم ثقات سوى قرة بن عبد الرحمن، فقد قال عنه الإمام أحمد: "منكر الحديث جداً"،
وقال يحيى بن معين: "ضعيف الحديث"، وقال أبو حاتم: "ليس بقوي"، وقال أبو زرعة: "الأحاديث التي يرويها مناكير"، وقال الحافظ
ابن حجر: "صدوق له مناكير". انظر الجرح والتعديل (١٣٢/٧)، التقريب (٢ /١٣٢) (٦٢٢٣).
وهذه الأقوال من الأئمة النقاد في قرة لعلها في غير الزهري .
فقد استشهد الإمام مسلم بقرة بن عبد الرحمن في موضعين من كتابه . انظر مستدرك الحاكم (٢٣١/١).
وصحح حديثه ابن حبان، وترجم له في الثقات، انظر الثقات، (٧ / ٣٤٢)، والإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (٢٣١/١).
وذكره ابن شاهين في تاريخ أسماء الثقات، وقال: وقرة بن عبد الرحمن ، قال يحيى: "وليس به بأس عندي". ص١٩٢.(١١٦٣).
٩
ومسند أبي عوانة (١)، المخرج على صحيح مسلم عن أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله لي قال: "كل أمر
ذي بال(٢) لا يبدأ فيه بالحمد لله أقطع"(٣)
وقال الأوزاعي : "ما أحد أعلم بالزهري من قرة بن عبد الرحمن". انظر الجرح والتعديل (١٣٢/٧).
وقال يزيد بن السمط: "أعلم الناس بالزهري قرة بن عبد الرحمن". انظر ثقات ابن حبان (٣٤٣/٧).
وقال ابن عدي : " ولقرة أحاديث صالحة یرویها عنه رشدین وسويد بن عبدالعزيز وابن وهب والأوزاعي وغيرهم ، وجملة حديثه عند
هؤلاء ولم أر في حديثه حديثاً منكراً جداً، فأذكره وأرجو أنه لا بأس به". الكامل (٢٠٧٧/٦).
وذكره الذهبي في كتابه الرواة المتكلم فيهم بما لا يوجب الرد ، فقال : "صويلح الحديث، روى له مسلم في الشواهد، وضعف" .
ص ١٦١ . وقال السبكي: " هو عندي في الزهري ثقة، فإن قلت قال ابن معين: إنه ضعيف ، وقال أحمد: منكر الحديث جداً،
وقال أبوزرعة: الأحاديث التي يرويها مناكير ، وقال أبو حاتم والنسائي: ليس بقوي ، وقال أبو داود : في أحاديثه نكارة .
قلت- الكلام للسبكي -: هذا الجرح إن قُبل فلا أقبله في حديث الزهري ، ولئن قبلته فيه فلا أقبله في هذا الحديث منه ، فلحديث قرة
عندي درجات ، أدناها حديثه عن غير الزهري کحديثه عن عطاء بن أبى رباح ومنصور بن المعتمر،و کحديثه عن حبيب بن أبي
ثابت، وأعلا منها حديثه عن الزهري ، لما عرفت من خصوصيته به لاسيما ما حدث به عن الأئمة مثل : الأوزاعي إمام أهل الشام ،
والليث بن سعد إمام أهل مصر ، وأعلا منها هذا الحديث بخصوصه فهو من أثبت أحاديثه عن الزهري، لأنه انضم إلى تحديث
الأوزاعي به عنه، وقبوله إياه منه أنه-أعني-الأوزاعي حدث به أيضاً عن شيخه الزهري وأن قرة توبع عليه". الطبقات الكبرى (١ /
١٠). مما تقدم يتبين أنه لم يذكر أحد من الأئمة حديث قرة المذكور بأنه منكر ، بل ذكر له ابن عدي عدداً من الأحاديث ، وله
أحاديث صالحة .. ولم ير في حديثه حديثاً منكراً جداً فيذكره . وكذا الحافظ الذهبي الذي ذكره في الرواة المتكلم فيهم بما لا
يوجب الرد . وتقدم كلام الأوزاعي ويزيد بن السمط .
فلذا صحح حديث قرة المذكور بعض العلماء وحسنه آخرون، فممن صححه أبو عوانة وابن حبان والحاكم والعيني . قال السبكي : "
وادعى مع ذلك أن الحديث صحيح، كما ادعاه الحبران: ابن حبان وابن البيع". الطبقات (١ / ٩). وقال العيني: "الحديث صحيح
صححه ابن حبان وأبو عوانة". عمدة القاري (١٢/١). وممن حَسّن الحديث ابن الصلاح والنووي والعراقي وابن حجر.
وقال السبكي : "وقضى ابن الصلاح بأن الحديث حسن دون الصحيح وفوق الضعيف محتجاً بأن رجاله رجال الصحيحين سوى قرة.
قال فإنه ممن انفرد مسلم عن البخاري بالتخريج له". الطبقات ( ١ / ٩).
وقال النووي: "وهذا حديث حسن". انظر الأذكار ص ١٠٣ .
قال السخاوي : "وحسنه ابن الصلاح ثم النووي في الأفكار وشيخ شيوخنا العراقي". الأجوبة المرضية (١٩٢/١).
قال ابن علان: "غفل - أي السخاوى - عن ذكر شيخه الحافظ ابن حجر فيمن حسنه"، الفتوحات الربانية (٢٨٨/٣).
فالذي يظهر لي والله أعلم أن الحديث لا يقل عن الحسن لذاته ، ومن حكم عليه بالصحة فالمراد بها الصحيح لغيره ، لأن الحديث
الحسن لذاته يتقوى بالشواهد والمتابعات إلى الصحيح لغيره . فأصاب المصنف في حكمه على الحديث .
(١) أبو عوانة: هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم النيسابوري الإسفراين، صاحب المسند الصحيح الذي خرجه على صحيح مسلم
وزاد أحاديث قليلة في أواخر الأبواب، ولد بعد ٢٣٠هـ، وت ٣١٦ هـ. السير (٤١٧/١٤).
(٢) البال: الحال والشأن، وأمر ذي بال أي شريف يحتفل له ويهتم به. النهاية (١٦٤/١).
(٣) الأقطع: المقطوع اليد، يقولون قطع الرجل ولا يقولون قُطع الأقطع ، لأن الأقطع لا يكون أقطع حتى يقطعه غيره.
لسان العرب (٢٧٨/٨). وسيأتي تفسير المصنف للأقطع بالناقص قليل البركة .
١٠
وفي رواية(١):" كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم(٢)".
وفي رواية : " ببسم الله الرحمن الرحيم(٣)".
ولهذا الحديث بدأ المؤلف رحمه الله والعلماء في أوائل كتبهم بالحمد لله ، ومعنى أقطع ناقص قليل
البركة(٤) ، وأجذم بمعناه وهو بالجيم، وذال معجمة .
(١) الحديث أخرجه أبو داود في السنن في كتاب الأدب ، باب الهدي في الكلام (٢٦١/٤) ح (٤٨٤٠)، عن أبي توبة ، قال: زعم
الوليد عن الأوزاعى عن قرة عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعاً بلفظه. ورجال السند ثقات سوى قرة ، وقد تقدم
الكلام فيه . والوليد هو الوليد بن مسلم القرشي مولاهم أبو العباس الدمشقي . ثقة كثير التدليس والتسوية ، عده الحافظ ابن حجر في
المرتبة الرابعة من مراتب الموصوفين بالتدليس وهي التي لا يحتج بشيء من حديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع لكثرة تدليسهم على
الضعفاء والمجاهيل . انظر التقريب (٣٤٢/٢) (٨٣٩٧)، وتعريف أهل التقديس ص ١٧٠ (١٢٧).
وقد عنعن الوليد في هذا الحديث ، لكن تابعه عبيد الله بن موسى عن الأوزاعي كما تقدم عند ابن ماجة فسند الحديث ضعيف ، لكن
مع متابعة عبيد الله بن موسى يرتقي إلى الحسن لغيره ، فيبدو لي أن المصنف قد أصاب في الحكم على الحديث بالحسن .
(٢) أجدم: أي مقطوع اليد من الجدم ، القطع. النهاية (٢٥١/١). وسيأتي ضبط المصنف لها بالحروف.
قال المناوي : " الأبتر لغة ما كان من ذوات الذنب ولا ذنب له، والأقطع ما قطعت يداه أو أحدهما. والأخذم: ما ذهبت أصابع
كفيه ، أطلق كل منهما في الحديث على ما فقد البركة تشبيهاً له بما فقد ذنبه الذي به تكمل خلقته ، أو بمن فقد يديه اللتين يعتمدهما
في البطش ومحاولة التحصيل أو بمن فقد أصابعه التي يتوصل بها تحصيل ما يروم تحصيله ". الفتح السماوي في تخريج أحاديث
البيضاوي (٩٦/١).
(٣) روى الخطيب بسنده عن محمد بن علي بن مخلد الوراق ومحمد بن عبد العزيز جعفر البرذعي ، قالا: أنا أحمد بن محمد بن
عمران، نا محمد بن صالح البصري بها ، نا عبيد بن عبدالواحد بن شريك ، نا يعقوب بن كعب الأنطاكي، نا مبشر بن إسماعيل، عن
الأوزاعي عن الزهرى ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله لم﴿: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن
الرحيم أقطع ". الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (١٢٨/٢) .
مدار الحديث على أحمد بن محمد بن عمران ابن الجندى ، قال عنه الخطيب البغدادي : "كان يُضعف في روايته ويطعن عليه في مذهبه ،
وقال الأزهري : ليس بشيء" . انظر تاريخ بغداد (٧٧/٥) ولسان الميزان (٢٨٨/١).
لذا قال عنه الحافظ ابن حجر: " في سنده ضعف وسقط بعض رواته". نقله عنه ابن علان في الفتوحات الا مة (١٩:٦x
وقال عنه السخاوى : " هذا حديث غريب أخرجه الخطيب البغدادى في كتابه الجامع لأخلاق الراوي وا
المرضية (١٨٩/١). ورمز السيوطى بضعف حديث البدء بالبسملة. فيض القدير (١٣/٥).
جامعة١
(٤) انظر الأذكار ص ٢٤٩ .
١١
المـ
ملة
م المسلمون الأخوب
المكتبة المركزية تدة الكرمة
UMM AL-
قسم المخطوطة
Y MAKKAH
RA
UNIVERSIT
٤٢٧٥
قال الإمام الواحدي(١): الألف واللام(٢) في الحمد يحتمل كونها للجنس(٣) أي جميع المحامد لله، لأنه
الموصوف بصفات الكمال في نعوته وأفعاله الحميدة.
ويحتمل كونها للعهد(٤)، أي الحمد الذي حمدته(٥) نفسي، وحمدته أولياؤه(٦)، واللام(٧) في لله لام(٨)
الإضافة(٩) .
(١) الواحدي هو: أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي النيسابوري ، صاحب التفسير ، صنف التفاسير الثلاثة البسيط
والوسيط والوجيز وله أسباب الترول، كان طويل الباع في العربية واللغات له شرح ديوان المتنبي والإغراب في الإعراب، ت ٤٦٨ هـ.
السير (٣٤٢/١٨) .
(٢) ذهب الخليل بن أحمد إلي أن " أل " مركبة من ألف ولام وأن همزتها همزة قطع فيسميه " أل " كقد، وهو اختيار ابن مالك. في
حسين ذهب المالقي والمرادي وغيرهما من النحاة إلى أن الأحسن والصواب أن يقال عنها لام التعريف، وأن الهمزة ألحقت بها توصلاً
للنطق وهذه الهمزة هي همزة وصل بدليل أنها تسقط في الدرج كما تسقط في سائر ألفات الوصل، فيقال بالرجل ومن الرجل. انظر
رصف المباني للمالقي ص ١٥٨، والجنى الداني للمرادي ص ٢١٦.
(٣) حرف التعريف " أل " نوعان: جنسية وعهدية .
فالجنسية : أن يكون الغرض منها تعريف الجنس والدخول على نكرة تفيد معنى الجنس المحض، نحو قولك: أهلك الناس الدينار
والدرهم. وهي إما لاستغراق وشمول أفراد الجنس حقيقة، نحو قوله تعالى ﴿وخلق الإنسان ضعيفاً (٢٨) ﴾ سورة النساء، أو
الاستغراق خصائص أفراد الجنس على سبيل المبالغة، نحو: زيد الرجل علماً. انظر كتاب معاني الحروف لعلي الرماني ص ٦٥، مغنى
اللبيب ص ٧٣، معجم حروف المعاني ص١٠٣. ومن قال إنها للجنس من المفسرين: ابن عطية وأبو حيان الأندلسي والقرطي. انظر
المحرر الوجيز (٦٦/١)، والنهر الماد من البحر المحيط (١٨/١)، والجامع لأحكام القرآن (١ / ١٣٣).
(٤) اللام العهدية وهي التي تأتي لقصد بعض الأفراد دون بعض ، وتوضع لتعرف حصة معهودة من الجنس كقولك : جاءني الرجل
إذا أردت واحداً بينك وبين المخاطب فيه عهد. وهي ثلاثة أضرب :
١- ذكري : إن يكون مصحوبها معهود ذكري كقوله تعالى (كما أرسلنا إلى فرعون رسولاً (١٥) فعصى فرعون الرسول (١٦)
﴾ سورة المزمل .
٢- حسي حضوري : نحو جاءني هذا الرجل .
٣- ذهني: نحو: ﴿ إذا هما في الغار (٤٠) ﴾ سورة التوبة .
انظر كتاب حروف المعاني لعلي الرماني ص ٦٥، مغني اللبيب ص ٧٢ معجم حروف المعاني ص ١٠٤ .
ومن قال إنها للعهد من المفسرين: الزمخشري والآلوسي. انظر الكشاف (٤٩/١-٥٠)، وروح المعاني (٧١/١).
(٥) في م : لحمدته .
(٦) في المطبوع من تفسير الوسيط للواحدي لم يذكر اللام الجنسية والعهدية عند تفسيره للحمد. (٦٥/١) ولعله في التفسير البسيط.
(٧) السلام حرف كثير المعاني والأقسام، أفردت لها المصنفات وذكر لها نحو من أربعين معنى. انظر رصف المباني ص ٢٩٣، والجنى
الداني ص١٤٣
(٨) غير واضحة في م .
(٩) في م : للإضافة .
١٢
ولها معنيان(١): الملك، والاختصاص(٢) والله أعلم.
قوله ( مُحلّي)(٣) هو بحاء مهملة مفتوحة ثم لام مشددة اسم فاعل .
قوله ( محاسن ) هو مجرور مضاف إليه وهو جمع حسن وهو ضد(٤) القبيح، وهذا الجمع على غير قياس(٥) كأنه
جمع مَحْسِنٍ (٦).
قوله ( بدرر ) هو بضم الدال المهملة ، جمع دُرة ، وهي اللؤلؤة(٧) وتجمع أيضاً على ذُرِ(٨) ودرات(٩).
قوله ( أخبارها ) هو بفتح الهمزة جمع خبر(١٠).[٢/ب]
(١) من معاني اللام الملك والاختصاص والاستحقاق . وضابط لام الملك: أن تقع بين ذاتين وتدخل على من يتصور منه الملك نحو :
المال لزيد . وضابط لام الاختصاص: أن تقع بين ذاتين وتدخل على مالا يتصور منه الملك، نحو: الباب للدار، والحصير للمسجد.
ولام الاستحقاق : هي التي تقع بين اسم ذات كلفظ الجلالة واسم معنى كالحمد أو العزة ، الحمد لله والعزة لله . انظر مغني اللبيب ص
٢٧٥، الجنى الداني ص ١٤٣، التحفة السنية ص ١٠.
ومن المفسرين من ذهب إلى أن اللام في لله للاستحقاق أي الحمد مستحق الله، كالبغوي وابن حيان - في قراءة الرفع - والسمين
الحلبي. انظر معالم التنزيل للبغوي (١ / ٣٩)، والنهر الماد من البحر المحيط لابن حيان (١٨/١)، والدر المصون للسمين الحلي (١/
٤٢) ومنهم من ذهب إلى أن اللام للاختصاص كالشوكاني. انظر فتح القدير (١/ ١٩).
وذهب الرازي إلى أن اللام في الحمد لله تحتمل الاختصاص والملك والقدرة والاستيلاء. انظر التفسير الكبير (٢٢٠/١).
قال المرادي: "الظاهر أن أصل معانيها الإختصاص وأما الملك فهو نوع من أنواع الإختصاص، وهو أقوى أنواعه، وكذلك الاستحقاق لأن
من استحق شيئاً فقد حصل له به نوع اختصاص". الجنى الداني ص١٤٤.
(٢) جاء في التفسير الوسيط للواحدي: "لها معنيان الملك والاستحقاق". ثم مثل الواحدي لكل منهما. انظر (١ / ٦٦).
(٣) من حلى الشيء وحلأه، جعله ذا حلاوة وحسن، يقال سيف مُحَلى. انظر الصحاح (٢٣١٨/٦) لسان العرب (١٤/
١٩٢).
(٤) غير واضحة في م .
(٥) في ص : القياس .
(٦) المحاسن : المواضع الحسنة في البدن ، والمحاسن في الأعمال ضد المساوئ . قال الأزهري: "لا تكاد العرب توحد المحاسن، والقياس
مَحْسَن". وقال ابن سيده: "قال بعضهم واحدها مَحْسَن، وليس هذا بالقوي، ولا بذلك المعروف، إنما المحاسن عند النحويين
وجمهور اللغويين جمع لا واحد له". انظر تهذيب اللغة (٣١٤/٤)، معجم مقاييس اللغة (٥٧/٢)، المحكم (٣ / ١٤٢)، لسان
العرب (١١٧/٣) .
(٧) اللؤلؤة العظيمة الكبيرة. لسان العرب (٢٨٢/٤) المصباح المنير ص ٧٣ .
(٨) في ص وم : دُره .
(٩) الصحاح ( ٢ / ٦٥٦).
(١٠٠) الخبر ما أتاك من نبأ عمن تستخبر، وأخابير جمع الجمع. انظر تهذيب اللغة (٣٦٤/٧)، لسان العرب (٤ / ٢٢٧).
١٣
قوله ( ومُجلّي )(١) هو بجيم مفتوحة ثم لام مشددة ، اسم فاعل .
قوله ( ميامن ) هو جمع ميمنة وهي خلاف الميسرة (٢).
قوله ( السيرة ) هي الطريقة(٣) من سار يسير(٤).
قوله ( غرر ) هو (٥) جمع غرة بالضم والغرة بياض في جبهة الفرس فوق الدرهم ، يقال فلان غرة في قومه أي
سيدهم ، وهم غُرر قومهم ، وغُرة كل شيء أوله وأكرمه (٦).
قوله ( من مشكاة) هي كل كوة لا تنفذ(٧) وقيل القنديل، والمصباح الفتيلة ، وقيل هي معلاق القنديل ،
والمصباح القنديل ، وقيل هي موضع الفتيلة ، والمصباح السراج .
قوله ( سرائر سيرها ) السير بفتح السين وإسكان المثناة تحت معروف .
قوله (وسير) هو بكسر السين وفتح المثناة تحت جمع سيرة، وهي الطريقة وقد تقدم أعلاه.
قوله (وقد طمت ) الظاهر أنه بفتح الطاء المهملة وتخفيف الميم من طما الماء معتل إذا ارتفع وملأ(٨) النهر، وهو أليق
هنا لقوله بحار. ويجوز أن يكون هو (٩) بفتح الطاء المهملة وتشديد الميم المفتوحة، ثم تاء التأنيث الساكنة. وكل شيء
علا وغلب فقد طَمَّ يَطُمُ(١٠) .
(١) محلى من جلا الأمر وجّلاه وجلى عنه كشفه وأظهره . قال ابن فارس: الجيم واللام والحرف المعتل أصل واحد وهو انكشاف
الشيء وبروزه. معجم مقاييس اللغة (١ / ٤٦٨)، لسان العرب (١٤ / ١٥٠).
(٢) ميامين جمع ميمون من اليمن وهو البركة خلاف الشؤم، والأيمن والميمنة خلاف الأيسر والميسرة . انظر تهذيب اللغة ( ٥ /
:
٥٢٨)، معجم مقاييس اللغة (٦ / ١٥٨)، الصحاح (٦ / ٢٢٢٠)، لسان العرب (١٣ / ٤٥٨).
(٣) غير واضحة في م .
(٤) انظر الصحاح (٢ / ٦٩١) لسان العرب (٤ / ٣٩٠).
(٥) في ن : وهي .
(٦) الصحاح (٢ / ٧٦٧ ).
(٧) في م : ينفذ. المشكاة : الكوة في الحائط غير النافذة، قال جمهور المفسرين: هي أجمع للضوء والمصباح فيها أكثر إنارة منه في
غيرها ، وأصلها الوعاء يجعل فيه الشيء، والمشكاة وعاء من أدم كالدلو يبرد فيها الماء. انظر الجامع لأحكام القرآن (٢٥٧/١٢)
مفردات ألفاظ القرآن ص ٤٦٣، الصحاح (٢٣٩٥/٦) النهاية (٣٣٤/٤) لسان العرب (٤٤١/١٤).
وقيل المشكاة عمود القنديل الذي فيه الفتيلة ، وقيل هي القنديل، وقيل هي الحديدة التي يعلق عليها القنديل.
انظر الجامع لأحكام القرآن (٤ / ٢٥٨)، النهاية (٤ / ٣٣٤)، لسان العرب (٤٤١/١٤).
(٨) رسمت في ن ، وملاء.
(٩) غير موجودة في م .
(١٠) الصحاح (٥ / ١٩٧٦). وقال ابن فارس: "طمى، الطاء والميم والحرف المعتل أصل صحيح يدل على علو وارتفاع في شيء
خاص ، يقال طما البحر يطمو ويَطْمى لغتان، وهو طام، وذلك إذا امتلأ وعلا". معجم مقاييس اللغة (٣ / ٤٢٢).
١٤
-