النص المفهرس

صفحات 1-20

بسم الله الرحمن الرحيم
وزارة التعليم العالي
جامعة أم القرى
كلية الدعوة وأصول الدين
نموذج رقم ( ٨ )
إجازة أطروحة علمية في صيغتها النهائية بعد إجراء التعديلات
قسم : الكتاب والسنة
كلية : الدعوة وأصول الدين
الاسم : إيناس خالد العبدالكريم المنيس
في تخصص : الكتاب والسنة .
الأطروحة مقدمة لنيل درجة : الد كتوراه
عنوان الأطروحة : " نور النبراس على سيرة ابن سيد الناس لسبط ابن العجمي من أول الكتاب إلى
ذكر إسلام أبي بكر الصديق رضي الله عنه تحقيق ودراسة " .
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين
وبعد:
فبناء على توصية اللجنة المكونة لمناقشة الأطروحة المذكورة أعلاه والتي تمت مناقشتها بتاريخ ١٤٢٣/٤/٧هـ
بقبولها بعد إجراء التعديلات المطلوبة ، وحيث قد تم عمل اللازم ، فإن اللجنة توصي بإجازتها في صيغتها
النهائية المرفقة للدرجة العلمية المذكورة أعلاه .
الله الموفق .
أعضاء اللجنة
المشرف
المناقش الداخلي
المناقش الخارجي
الاسم : د.نايف بن قبلان العتيبي
الاسم : أ. د. سعدي بن مهدي الهاشمي
الاسم : أ. د. أحمد بن محمد نور سيف
التوقيع :.
التوقيع : -
التوقيع:
یعتمد
رئیس القسم
الاسم : د. مطر بن أحمد الزهراني
التوقيع : ٢٠ـ
يوضع هذا النموذج أمام الصفحة المقابلة لصفحة عنوان الأطروحة في كل نسخة من الرسالة . ٢٢/ ٧

٣٠١٠٢٠٠٠٤٢٧٥
المملكة العربية السعودية
جامعة أم القرى
كلية الدعوة وأصول الدين
قسم الكتاب والسنة
ـرمة
عماره سوون المكتبات
جامعه
المكتبة المركزية مكة المكرمه
UMM AL-QURA
قسم المخطوط
MAKKAH
RA UNIVERSITY
٠٠٤٢٨٢
کتاب
٤٢٧٥
نور النبراس على سيرة ابن سيد الناس
للعلامة الحافظ برهان الدين أبي الوفا إبراهيم بن محمد بن خلیل
المعروف بـ: سبط ابن العجمي ( ٧٥٣ - ٨٤١ هـ)
دراسة وتحقيق من أول الكتاب
إلی ذکر إسلام أبي بكر الصديق رضي الله عنه
رسالة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه
للطالبة : إيناس خالد العبدالكريم المنيس
پاشراف
فضيلة الأستاذ الدكتور : نايف بن قبلان السليفي العتيبي
الجزء الثاني : بداية التحقيق
٧ ربيع الثاني ١٤٢٣هـ / ١٨ يونيو ٢٠٠٢م

القسم الثاني
النص المحقق

النص الكامل للجزء المطلوب تحقيق شرحه من كتاب
عُيُونُ الأثر
في فنون المغازي والشمائل
وَالسِّير
لابن سيد النَّاس
(٦٧١ هـ - ٧٣٤ هـ )
من بداية الكتاب حتى إسلام أبي بكر الصديق
أ

قال ابن سيد النَّاس في عُيُونُ الأثر :
"بسم الله الرحمن الرحيم
"مقدمة
الحمد لله محلّي محاسن السنة المحمدية بدرر أخبارها ، ومجلّي ميامن السيرة النبوية عن غرر آثارها ،
ومؤيد من اقتبس نور هدايته من مشكاة أنوارها . ومسدّد من التمس عز حمايته من أزرق سنانها وأبيض بتَّارها،
ومُسهّل طريق الجنة لمن اتّبع مستقيم صراطها، واهتدى بضياء منارها ، ومذلل سبيل الهداية لمن اقتفى سرائر
سیرها وسير أسرارها .
أحمده على ما أولى من نعم ، قعد لسان الشكر عن القيام بمقدارها ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا
شريك له، شهادة تبلغنا من ميادين القبول غاية مضمارها ، وتسوغنا من مشارع الرحمة أصفى مواردها وأعذب
أنهارها .
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي ابتعثه وقد طمت بحار الكفر بتيارها، وطغت شياطين الضلال
بعنادها وإصرارها ، وعتت طائفة الأوثان وعبدة الأصنام على خالقها وجبارها . فقام بأمره حتى تجلت غياهب
ظلمها عن سنا أبدارها ، وجاهد في الله حق جهاده حتى أسفر ليل جهلها عن صباح نهارها ، صلى الله عليه
وعلى آله وصحبه الذين حازت نفوسهم الأبية من مراضيه غاية أوطارها . وفازت من سماع مقاله ورواية
أحواله رؤية جلاله بملء مسامعها وأفواهها وأبصارها ، وسلم تسليماً كثيراً .
وبعد :
فلما وقفت على ما جمعه النَّاس قديماً وحديثاً من المجاميع في سير النبي ﴿ ومغازيه وأيامه إلى غير ذلك
مما يتصل به . لم أر إلا مطيلاً مملاً، أو مقصراً بأكثر المقاصد مخلاً. فالمطيل، إما معتن بالأسماء والأنساب.
والأشعار والآداب ، أو آخر يأخذ كل مأخذ في جمع الطرق والروايات . ويصرف إلى ذلك ما تصل إليه القدرة
من العنايات . والمقصر لا يعدو المنهج الواحد . ومع ذلك ، فلا بد وان يترك كثيراً مما فيه من الفوائد ، وإن
كانوا رحمهم الله هم القدوة في ذلك . ومما جمعوه يستمد من أراد ما هنالك . فليس لي في هذا المجموع إلا حسن
الاختيار من كلامهم . والتبرك بالدخول في نظامهم .
غير أن التصنيف يكون في عشرة أنواع كما ذكره بعض العلماء :
فأحدها : جمع المتفرقات ، وهو ما نحن فيه فإني أرجو أن الناظر في كتابي هذا لا يجد ما ضمنته إياه في مكان ولا
مكانين ولا ثلاثة ولا أكثر من ذلك ، إلا بزيادة كثيرة تتعب القاصد ويتعذر بها على أكثر النّاس المقاصد ،
فاقتضى ذلك أن جمعت هذه الأوراق وضمنتها كثيراً مما انتهى إلي من نسب سيدنا ونبينا مُحَمَّد رَسُوْل اللهِ لِ﴿،
ومولده ، ورضاعه ، وفصاله ، وإقامته في بني سعد ، وما عرض له هنالك من شق الصدر وغيره ، ومنشئه
وكفالة عبد المطّلب جده إياه إلى أن مات ، وانتقاله إلى كفالة عمه أبي طالب بعد ذلك، وسفره إلى الشّام ،
ورجوعه منه ، وماً وقع له في ذلك السفر من إظلال الغمامة إیاه وإخبار الگھَّان والرهبان عن نبوته ، وتزويجه
خديجة عليها السلام ، ومبدأ البعث والنبوة ونزول الوحي ، وذكر قوم من السابقين الأولين في الدخول في
الإسلام ، وما كان من الهجرتين إلى أرض الحبشة ، وانشقاق القمر ، وما عرض له بمكة من الحصار بالشعب ،
وأمر الصحيفة وخروجه إلى الطائف ، ورجوعه بعد ذلك إلى مكة وذكر العقبة ، وبدء إسلام الأنصار ،
والإسراء ، والمعراج ، وفرض الصلاة وأخبار الهجرة إلى المدينة ودخوله عليه الصلاة والسلام المدينة ، ونزوله
حيث نزل ، وبناء المسجد واتخاذ المنبر ، وحنين الجذع ، ومغازيه وسيره وبعوثه ، وما نزل من الوحي في ذلك ،
وعمره وكتبه إلى الملوك ، وإسلام الوفود ، وحجة الوداع ، ووفاته صلى الله عليه وسلم وغير ذلك .
ثم أتبعت ذلك بذكر أعمامه وعماته وأزواجه وأولاده ، وحليته وشمائله ، وعبيده وإمائه وهواليه ،
وخيله وسلاحه ، وما يتصل بذلك مما ذكره العلماء في ذلك على سبيل الاختصار والإيجاز ، سالكاً في ذلك ما
اقتضاه التاريخ من إيراد واقعة بعد أخرى ، لا ما اقتضاه الترتيب من ضم الشيء إلى شكله ومثله ، حاشا ذکر
أزواجه وأولاده عليه الصلاة والسلام ، فإني لم أسق ذكرهم على ما اقتضاه التاريخ ، بل دخل ذلك كله فيما
ب

اتبعت به باب المغازي والسير من باب الحَلَى والشمائل ، ولم أستثن من ذلك إلا ذكر تزويجه عليه السلام
خديجة عليها السلام ، لما وقع في أمرها من أعلام النبوة .
وقد أتحفت الناظر في هذا الكتاب من طرف الأشعار بما يقف الاختيار عنده ، ومن نتف الأنساب بما
لا يعدو التعريف حده ، ومن عوالي الأسانيد بما يستعذب الناهل ورده ، ويستنجح الناقل قصده ، وأرحته من
الإطالة بتكرار ما يتكرر منها ، وذلك أني عمدت إلى ما يتكرر النقل منه من كتب الأحاديث والسنن
والمصنفات على الأبواب والمسانيد وكتب المغازي والسير وغير ذلك مما يتكرر ذكره ، فأذكر ما أذكره من
ذلك بأسانیدهم إلى منتهی ما في مواضعه ، وأذکر أسانیدي إلى مصنفي تلك الكتب في مكان واحد عند انتهاء
الغرض من هذا المجموع . وأما ما لا يتكرر النقل منه إلا قليلاً، أو ما لا يتكرر منه نقل مما حصل من الفوائد
الملتقطة والأجزاء المتفرقة فإني أذكر تلك الأسانيد عند ذكر ما أورده بها ليحصل بذلك الغرض من الاختصار
وذکر الأسانيد مع عدم التكرار .
(تفسير الرموز) :
فأما الأنساب فمن ذكرته استوعبت نسبه إلى أن يصل إلى فخذه ، أو بطنه المشهور ، أو أبعد من
ذلك من شعبه ، أو قبيلته بحسب ما يقتضيه الحال إن وجدته ، فإن تکرر ذکره لم ارفع في نسبه واکتفیت بما
سلف من ذلك غير أني أنبه على المكان الذي سبق فيه نسبه مرفوعاً بعلامة أرسمها بالحمرة ، فمن ذكر في
السابقين الأولين أعلمت له « س» وللمهاجرين الأولين إلى أرض الحبشة « ها » وللثانية « هب » ولمهاجرة
المدينة «هـ» ولأهل العقبة الأولى «عا» والثانية « عب » وللمذكورين في النقباء « ق» ولأهل العقبة
الثالثة « عج » وللبدريين « ب » ولأهل أحد «١» .
وعمدتنا فيما نورده من ذلك على مُحَمَّد بن إسحاق ، إذ هو العمدة في هذا الباب لنا ولغيرنا ، غير
أني قد أجد الخبر عنده مرسلاً ، وهو عند غيره غير مسنداً ، فأذكره من حيث هو مسند ترجيحاً لمحل الإسناد .
وإن كانت في مرسل ابن إسحاق زيادة اتبعته بها ولم أتتبع إسناد مراسيله ، وإنما كتبت ذلك بحسب ما وقع لي ،
وكثيراً ما أنقل عن الواقدي من طريق مُحَمَّد بن سعد وغيره أخباراً ، لعل كثيراً منها لا يوجد عند غيره ، فإلى
مُحَمَّد بن عُمَر انتهى علم ذلك أيضاً في زمانه ، وإن كان قد وقع لأهل العلم كلام في مُحَمَّد بن إسحاق
وكلام في مُحَمَّد بن عُمَر الواقدي أشد منه ، فسنذكر نبذة مما انتهى إلي من الكلام فيهما جرحاً وتعديلاً ، فإذا
انتهى ما أنقله من ذلك ، أخذت في الأجوبة عن الجرح فصلاً فصلاً بحسب ما يقتضيه النظر ويؤدي إليه
الاجتهاد والله الموفق" .
(ابن إسحاق ) :
فأما ابن إسحاق ، فهو مُحَمَّد بن إسحاق بن يسار بن خيار ، ويقال : ابن يسار بن كُوثان المديني ،
مولی قیس بن مخرمة بن المُطّلب بن عبد مناف ، أبو بکر ، وقیل : أبو عبد الله ، رأی أنس بن ملك وسعید بن
الْمُسَيَّب، وسمع القاسم بن مَّحَمَّد بن أبي بكر الصديق وأبان بن عثمان بن عفّان ومحمد بن علي بن الحسن بن
علي بن أَبِي طالب وأبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج ونافعاً مولى ابن عُمَر
والزهري وغيرهم ، وحدث عنه أئمة العلماء ، منهم يَحْتَى بن سعيد الأنصاري وسفيان الثوريّ وابن جريج
وشعبة والحمادان وإبراهيم بن سعد وشريك بن عبد الله النَّخَعي وسفيان بن عيينة ، ومن بعدهم . ذكر ابن
المديني عن سُفْيَان بن عيينة أنه سمع ابن شِهَاب يقول : لا يزال بالمدينة علم ما بقي هذا - يعني ابن إسحاق .
وروى ابن أبي ذئب عن الزُّهْرِيّ أنه رآه مقبلاً ، فقال : لا یزال بالحجاز علم کثیر ما دام هذا
الأحول بين أظهرهم ، وقال ابن عُلَيَّة : سمعتَ شعبة يقول: مُحَمَّد بن إسحاق صدوق في الحديث ، من رواية
يُؤْتِس بن بُكَيْرِ عن شعبة: مُحَمَّد بن إسحاق أمير المحدثين ، فقيل له : لم ؟ قال لحفظه . وقال ابن أبي خيثمة :
حدثنا ابن المنذر عن ابن عيينة أنه قال : ما يقول أصحابك في مُحَمَّد بن إسحاق ؟ قال : قلت : إنهم يقولون إنه
كذاب ، قال : لا تقل ذلك . وقال ابن المديني : سمعت سُفْيَان بن عيينة سئل عن مُحَمَّد بن إسحاق؟ فقيل له :
ولم لم يرو أهل المدينة عنه؟ قال : جالسته منذ بضع وسبعين سنة وما يتهمه أحد من أهل المدينة ولا يقولون فيه
شيئاً ، وسئل أبو زرعة عنه؟ فقال : من تكلم في مُحَمَّد بن إسحاق ، هو صدوق .
ت

وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ، وقال ابن المديني: مدار حديث رَسُوْل الله ﴿ على ستة فذكرهم،
ثم قال : وصار علم الستة عند اثني عشر رجلاً أحدهم ابن إسحاق .
وسئل ابن شهَاب عن المغازي ، فقال: هذا أعلم النَّاس بها يعني ابن إسحاق . وقال الشافعي : من
أراد أن يتبحر في المغازي ، فهو عيال على ابن إسحاق . وقال أحمد بن زهير: سألت يَحْتَى بن معين عنه ، فقال:
قال عاصم بن عُمَر بن قَتَأْدَة : لا يزال في النَّاس علم ما عاش مُحَمَّد بن إسحاق ، وقال ابن أبي خيثمة : حدثّنا
هارون بن معروف قال : سمعت أبا معاویة یقول : کان ابن إسحاق من أحفظ النَّاس ، فكان إذا كان عند
الرجل خمسة أحاديث أو أكثر جاء فاستودعها مُحَمَّد بن إسحاق ، فقال : احفظها علي ، فإن نسيتها كنت قد
حفظتها علي . وروى الخطيب بإسناد له إلى ابن نفيل ثنا عبد الله بن فائد قال: كنا إذا جلسنا إلى مُحَمَّد بن
إسحاق فأخذ في فن من العلم قضى مجلسه في ذلك الفن .
وروينا من طريق الْبُّخَاريّ قال: قال لي إِبْرَاهِيم بن المنذر: حدثنا عثمان بن عُمَر أن الزُّهْريّ كان
يتلقف المغازي من ابن إسحاق . وقال أبو زرعة عبد الرحمن بن عَمْرو النَّصري: مُحَمَّد بن إسحاق قد أجمع
الكبراء من أهل العلم على الأخذ عنه ، منهم سُفْيَان وشعبة وابن عيينة والحمادان وابن المبارك وإبراهيم بن
سعد ، وروى عنه من الأکابر یزید بن أبي حبيب . وقد اختبره أهل الحديث فرأوا صدقاً وخیراً مع مدحه ابن
شهَاب له . وقد ذاكرت دحيماً قول مالك - يعني فيه - فرأى أن ذلك ليس للحديث ، إنما هو لأنه اتهمه
بالقدر . وقال إِبْرَاهِيم بن يعقوب الجوزجاني : النَّاس يشتهون حديثه ، وكان يرمي بغير نوع من البدع. وقال
ابن مير كَانَ يُرمى بالقدر ، وكان أبعد النَّاسِ منه. وقال البُّخَارِيّ: بلغني أن له ألف حديث ينفرد بها لا
يشاركه فيها أحد . وقال علي بن المديني عن سُفْيَان: ما رأيت أحداً يتهم مُحَمَّد بن إسحاق ، وقال أبو سعيد
الجُعْفيّ: كان ابن إدريس معجباً بابن إسحاق كثير الذكر له، ينسبه إلى العلم والمعرفة والحفظ . وقال إِبْرَاهِيم
الحربي حدثني مصعب قال : کانوا يطعنون عليه بشيء من غير جنس الحديث . وقال يَزِيْد بن هارونَ ، وَلو
سود أحد في الحديث لسود مُحَمَّد بن إسحاق . وقال شعبة فيه : أمير المؤمنين في الحديث .
وروى يَحِْى بن أَدَم ثنا أبو شِهَاب قال: قال لي شعبة بن الحجّاج: عليك بالحجاج بن أرطاة
وبمحمد بن إسحاق ، وقال ابن عُلَيَّة : قَال شعبة: أما مُحَمَّد بن إسحاق وجابر الجُعْفِيّ فصدوقان . وقال
يعقوب بن شيبة : سألت ابن المديني كيف حديث مُحَمَّد بن إسحاق صحيح ؟ قال : نعم حديثه عندي صحيح،
قلت له : فكلام مَألك فيه ؟ قال: لم يجالسه ولم يعرفه ، ثم قال علي : ابن إسحاق ، أي شيء حدث بالمدينة ،
قلت له: فهشام بن عُرْوَة قد تكلم فيه ! قال علي : الذي قال هِشَام ليس بحجة ، لعله دخل على امرأته ، وهو
غلام فسمع منها وسمعت علياً يقول : إن حديث مُحَمَّد بن إسحاق ليتبين فيه الصدق ، يروي مرة حدثني أبو
الزِّناد، ومرة ذكر أبو الزناد، وروى عن رجل عن من سمع منه يقول : حدثني سُفْيَان بن سعيد عن سالم أَبِي
النّضر عن عُمَير : « صوم يوم عَرَفَة » ، وهو من أروى النَّاس عن أَبِي النَضر ويقول : حدثني الحسن بن دِيْنَار
عن أَيُّوب عن عَمْرو بن شُعَيْب في: « سلف وبيع» ، وهو من أروى النَّاس عن عَمْرو بن شُعَيْب .
وقال علي: لم أجد لابن إسحاق إلا حديثين منكرين: نَافِع عن ابن عُمَر عن النبي صلى الله عليه
وسلم : « إذا نعس أحد کم یوم الجمعة » ، والزهري عن عُرْوَة عن زيد بن خالد: « إذا مس أحدكم فرجه»،
هذين لم يروهما عن أحد ، والباقون يقول : ذكر فلان ، ولكن هذا فيه ثنا ، وقال مرة : وقع إلي من حديثه
شيء فما أنكرت منه إلا أربعة أحاديث ، ظننت أن بعضه منه وبعضه ليس منه ، وقال البُّخَاريّ رأيت علي بن
المديني يحتج بحديثه وقال لي : نظرت في كتابه فما وجدت علیه إلا حدیثین ويمكن أن يكونا صحيحين ، وقال
العجْلي : ثقة ، وروى المُفَضَّل بن غَسَّان عن يَحْتَى بن معين: ثبت في الحديث ، وقال يعقوب بن شيبة : سألت
يَخْبَى بن معين عنه: في نفسك شيء من صدقه؟ قال: لا ! هو صدوق . وروى ابن أبي خيثمة عن يَحْثَى :
ليس به بأس. وقال ابن المديني : قلت لسفيان : كان ابن إسحاق جالس فاطمة بنت المنذرَ ، فقال : أَخْبَرَنِي أنها
حدثته وأنه دخل عليها، فاطمة هذه هي زوج هِشَام بن عُرْوَة ، وكان هِشَام ينكر على ابن إسحاق روايته
عنها، ويقول لقد دخلت بها ، وهي بنت تسع سنين وما رآها مخلوق حتى لحقت بالله ، وقال الأثرم : سألت
أحمد بن حنبل عنه ، فقال : هو حسن الحدیث" .
ث

قال ابن سيد النَّاس في عُيُونُ الأثر :
"ذكر الكلام في مُحَمَّد بن إسحاق والطعن عليه
روينا عن يعقوب بن شيبة قال: سمعت مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير وذكر ابن إسحاق ، فقال : إذا
حدث عمن سمع منه من المعروفين ، فهو حسن الحديث صدوق ، وإنما أتي من أنه يحدث عن المجهولین أحاديث
باطلة ، وقال أبو مُوْسَى مُحَمَّد بن المثنى ما سمعت يَحْتَى القَطَّان يحدث عن ابن إسحاق شيئاً قط .
وقال الميموني: ثنا أبو عبد الله أحمد بن حنبل بحدیث استحسنه عن مُحَمَّد بن إسحاق ، فقلت له : یا
أَبًا عبد الله ما أحسن هذه القصص التي يجيء بها ابن إسحاق ! فتبسم إلي متعجباً ، وروى ابن معين عن يحتی
بن القَطَّن أنه كان لا يرضى مُحَمَّد بن إسحاق ولا یحدث عنه .
وقال عبد الله بن أحمد : وسأله رجل عن مُحَمَّد بن إسحق ، فقال: کان أَبِي يتتبع حديثه ويكتبه
كثيراً بالعلو والترول ويخرجه في المسند ، وما رأيته اتقى حديثه قط ، قيل له : يحتج به ، قال: لم يكن يحتج به
في السنن، وقيل لأحمد: يا أَبًا عبد الله ! إذا تفرد بحديث تقبله ؟ قال : لا والله إني رأيته يحدث عن جماعة
بالحدیث الواحد ولا يفصل کلام ذا من كلام ذا . وقال ابن المديني مرة : هو صَالح وسط ، وروى الميموني عن
ابن معين : ضعيف . وروى عنه غيره : ليس كذلك ، وروى الدُّوري عنه : ثقة ، ولكنه ليس بحجة .
وقال أبو زرعة عبد الرحمن بن عَمْرو : قلت ليحيى بن معين : وذكرت له الحجة ، فقلت مُحَمَّد بن
إسحاق منهم ؟ فقال: كان ثقة ، إنما الحجة عُبَيْد اللَّه بن عُمَر ومالك بن أَنَس وذكر قوماً آخرين ، وقال أحمد
بن زهير : سئل يَحْتَى عنه مرة ، فقال : ليس بذاك ضعيف ، قال : وسمعته مرة أخرى يقول : هو عندي سقيم
ليس بالقوي ، وقال النَّسَائِيّ : ليس بالقوي .
وقال البرقاني : سألت الدّارقطني عن مُحَمَّد بن إسحاق بن يسار عن أبيه ، فقال : جميعاً لا يحتج بهما،
وإنما يعتبر بهما ، وقال علي : قلت ليحيى بن سعيد : كان ابن إسحاق بالكوفة وأنت بها ؟ قال : نعم ، قلت :
تركته متعمداً ؟ قال : نعم ، ولم أكتب عنه حديثاً قط . وروى أبو داود عن حَمَّاد بن سلمة قال: لولا
الاضطرار ما حدثت عن مُحَمَّد بن إسحاق .
وقال أحمد : قال مالك وذكره ، فقال : دجال من الدجاجلة .
وروی الهيثم بن خلف الدُّوري ثنا أحمد بن اِبْرَاهیم ثنا أبو داود صاحب الطیّالسّة قال : حدثني من
سمع هِشَام بن عُرْوَةٍ وقيل له : إن ابن إسحاق يحدث بكذًا ، وكذا عن فاطمة ، فقال كذبَ الخبيث .
وروى القَطَّان عن هشام أنه ذكره ، فقال : العدو لله الكذّاب یروي عن امرأتيّ من أين رآها ؟ وقال
عبد الله بن أحمد: فحدثت أَبِي بَذلك، فقال : وما ينكر ! لعله جاء فاستأذن عليها فأذنت له ، أحسبه قال : ولم
يعلم ، وقال مالك : كذاب ، وقال ابن إدريس : قلت لمالك - وذكر المغازي فسكت - قال: ابن إسحاق :
أنا بيطارها ، فقالَ : نحن نفيناه عن المدينة .
وقال مکی بن إِبْرَاهِیم : جلست إلی مُحَمَّد بن إسحاق ، و کان یخضب بالسواد فذ کر أحادیث في
الصفة فنفرت منها فلم أعد إليه ، وقال مرة : تركت حديثه ، وقد سمعت منه بالري عشرين مجلساً .
وروی السّاجي عن المُفضِّل بن غَسَّان حضرت یَزِيْد بن هارون ، وهو يحدث بالبقیع وعنده ناس من
أهل المدينة يسمعون منه ، حتی حدثهم عن مُحَمَّد بن إسحاق فأمسكوا ، وقالوا : لا تحدثنا عنه ، نحن أعلم به ،
فذهب يَزِيْد يحاولهم فلم يقبلوا فأمسك یَزِيْد .
وقال أبو داود : سمعت أحمد بن حنبل ذکره ، فقال : کان رجلاً یشتهي الحدیث فيأخذ کتب النَّاس
فيضعها في كتبه . وسئل أبو عبدالله: أيهما أحب إليك مُؤْسَى بن عبيدة الرَّبَذي، أو مُحَمَّد بن إسحاق ؟ قال:
لا، مُحَمَّد بن إسحاق .
وقال أحمد : کان یدلّس إلا أن کتاب إِبْرَاهِیم بن سعد إذا كان سماعاً قال : حدثني ، وإذا لم یکن قال:
قال . وقال أبو عبد الله قدم مُحَمَّد بن إسحاق إلى بغداد ، فكان لا يبالي عمن يحكي عن الكلبي وغيره . وقال:
ليس بحجة . وقال الفلاس : كنا عند وهب بن جرير فانصرفنا من عنده فمررنا بيحيى القَطّان ، فقال : أين
ج

كنتم ؟ فقلنا : كنا عند وهب بن جرير - يعني نقرأ عليه كتاب المغازي عن أبيه عن ابن إسحاق - فقال :
تنصرفون من عنده بکذب کثیر .
وقال عَبَّاس الدُّوري : سمعت أحمد بن حنبل وذكر مُحَمَّد بن إسحاق، فقال : أما في المغازي وأشباهها
فيكتب ، وأما في الحلال والحرام فيحتاج إلى مثل هذا ، ومد يده وضم أصابعه.
وروى الأثرم عن أحمد : کثیر التدليس جداً ، أحسن حديثه عندي ما قال : أَخْبَرَنِي وسمعت .
وعن ابن معين : ما أحب أن أحتج به في الفرائض . وقال ابن أبي حاتم : ليس بالقوي ضعيف
الحدیث، وهو أحب إلي من أفلح ابن سعید ، يكتب حديثه .
وقال سليمان التَّيْمِي : كذاب . وقال يَحْتَى الْقَطَّان : ما تركت حديثه إلا لله ، أشهد أنه كذاب .
وقد قال يَحتَّى بن سعيد : قَال لي وهيب بن خالد : أنه كذاب ، قلت لوهيب : ما يدريك ؟ قال : قال لي
مَأْلك أشهد أنه كذاب ، قلت لمالك : ما يدريكَ ؟ قال : قال لي هِشَام بن عُرْوَة : أشهد أنه كذاب ، قلت
لهشامَ : ما يدريك ؟ قال : حدث عن امرأتيّ فاطمة الحديث .
قلت : والكلام فيه كثير جداً ، وقد قال أبو بكر الخطيب : قد احتج بروايته في الأحكام قوم من أهل
العلم وصدف عنها آخرون ، وقال في موضع آخر : قد أمسك عن الاحتجاج بروایات ابن إسحاق غیر واحد
من العلماء لأسباب منها : أنه كان يتشَّيِّع ويُنسب إلى القدر ويدلّس ، وأما الصدق ، فليس بمدفوع عنه .
انتهى كلام الخطيب .
وقد استشهد به الُخاريّ ، وأخرج له مسلم متابعة واختار أبو الحسن بن القطان أن یکون حديثه من
باب الحسن لاختلاف النَّاس فیه .
أما روايته عن فاطمة ، فروينا عن أَبي بكر الخطيب قال : ثنا القاضي أبو بكر أحمد بن الحسن الحرشي
ثنا أبو العبّاس مُحَمَّد بن يعقوب الأصمّ، ثنا أبو زرعة عبد الرحمن بن عَمْرو بدمشق، ثنا أحمد بن خَالِد الوَهْبِيّ
لنا مُحَمَّد بن إسحاق عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر قالت: « سمعت امرأة ، وهي تسأل النبي
* فقالت : إن لي ضرة وأني أتشبع من زوجي بما لم يعطنيه لتغيظها بذلك، قال : المتشبع بما لم يعط كلابس
ثوبي زور » .
وقال أبو الحسن بن القَطَّان الحديث الذي من أجله وقع الكلام في ابن إسحاق من روايته عن فاطمة
حتى قال هِشَام : إنه كذاب ، وتبعه في ذلك مَالك وتبعه يَحْتَى بن سعيد وتتابعوا بعدهم تقليداً لهم حديث :
« فلتقرصه ولتنضح ما لم تر ولتصلي فيه »، وقد رُوينا من حديثه عنها غير ذلك" .
ح

قال ابن سيد النَّاس في عُيُونُ الأثر :
"ذ کر الأجوبة عما رُمي به
قلت : أما ما رمي به من التدليس والقدر والتشيع ، فلا يوجب ردّ روايته ولا يوقع فيها كبير وهن ،
أما التدليس فمنه القادح في العدالة وغيره ، ولا يحمل ما وقع هاهنا من مطلق التدليس على التدليس المقيد
بالقادح في العدالة ، وكذلك القدر والتشيع لا يقتضي الرد إلا بضميمة أخرى ولم نجدها هاهنا .
وأما قول مكي بن إِبْرَاهِيم : أنه ترك حديثه ولم يعد إليه ، فقد علل ذلك بأنه سمعه يحدث أحاديث في
الصفات فنفر منه ، وليس في ذلك كبير أمر ، فقد ترخص قوم من السلف في رواية المشكل من ذلك وما يحتاج
إلى تأويله لا سيما إذا تضمن الحديث حكماً ، أو أمراً آخراً ، وقد تكون هذه الأحاديث من هذا القبيل .
وأما الخبر عن يَزِيْد بن هارون أنه حدث أهل المدينة عن قوم فلما حدثهم عنه أمسكوا ، فليس فيه
ذكر ما يقتضي الإمساك ، وإذا لم يذكر لم يبق إلا أن يحول الظن فيه ، وليس لنا أن نعارض عدالة مقبولة بما قد
تظنه جرحاً .
وأما ترك یحْتَى القَطّان حديثه ، فقد ذكرنا أن السبب في ذلك وتكذيبه إياه روايته عن وهيب بن
خالد عن مالك عن هشام ، فهو ومن فوقه في هذا الإسناد تبع هشام ، وليس ببعيد على أن يكون ذلك هو
المتفر لأهل المدينة عنه في الخبر السابق عن يزيد بن هارون ، وقد تقدم الجوّاب عن قول هِشَام فیه عن أحمد بن
حنبل، وعلى بن المديني بما فيه مغني .
وأما قول ابن نمير : إنه يحدث عن المجهولين أحاديث باطلة ، فلو لم ينقل توثيقه وتعديله لتردد الأمر في
التهمة بما بينه وبين من نقلها عنه ، وأما مع التوثيق والتعديل فالحمل فيها على المجهولين المشار إليهم لا عليه .
وأما الطعن على العالم بروايته عن المجهولين فغريب ، قد حكي ذلك عن سُفْيَان الثَّوْرِيّ وغيره ، وأكثر ما فيه
التفرقة بين بعض حديثه وبعض ، فيرد ما رواه عن المجهولين ويقبل ما حمله عن المعروفين .
وقد روينا عن أبي عيسى التِّرْمذيّ قال : سمعت مُحَمَّد بن بشّار يقول : سمعت عبد الرحمن بن مهدي
يقول : ألا تعجبون من سُفْيَان بن عيينة! لقد تركت لجابر الجُعْفِيّ لِمَا حكى عنه أكثر من ألف حديث ، ثم هو
يحدث عنه ، قال التِّرْمذيّ: وقد حدث شعبة عن جابر الجُعْفِيَّ وَإبراهيم الهجري ومحمد بن عُبَيْداللَّه العرزمي
وغير واحد ممن يضعف في الحديث .
وأما قول أحمد: يحدث عن جماعة بالحديث الواحد ولا يفصل كلام ذا من كلام ذا ، وقد تتحد ألفاظ
الجماعة ، وإن تعددت أشخاصهم ، وعلى تقدير أن لا يتحد اللفظ ، فقد يتحد المعنى . روينا عن واثلة بن
الأسقع قال : إذا حدثتكم على المعنى فحسبكم .
وروينا عن مُحَمَّد بن سيرين قال : كنت أسمع الحديث من عشرة ، اللفظ مختلف والمعنى واحد ، وقد
تقدم من كلام ابن المديني أن حديثه ليتبين فيه الصدق ، يروي مرة حدثني أبو الزّناد ومرة ذكر أبو الزِّنَاد
الفصل إلى آخره .. ما يصلح لمعارضة هذا الكلام ، واختصاص ابن المديني بسُفَيَان معلوم كما علم اختصاص
سُفْيَان بمحمد بن إسحاق .
وأما قوله : کان یشتهي الحديث فيأخذ کتب النّاس فيضعها في کتبه ، فلا يتم الجرح بذلك حتى ينفي
أن تكون مسموعة له ويثبت أن يكون حدث بها ، ثم ينظر بعد ذلك في كيفية الإخبار ، فإن كان بألفاظ لا
تقتضي السماع تصريحاً فحكمه حكم المدلسين ، ولا يحسن الكلام معه إلا بعد النظر في مدلول تلك الألفاظ ،
وإن كان يروي ذلك عنهم مصرحاً بالسّماع ولم يسمع ، فهذا كذب صراح ، واختلاق محض ، لا يحسن
الحمل عليه إلا إذا لم نجد للكلام مخرجاً غيره .
وأما قوله : لا يبالي عمن يحكي عن الكلبي وغيره ، فهو أيضاً إشارة إلى الطعن بالرواية عن الضعفاء
لمحل ابن الكلبي من التضعيف ، والراوي عن الضعفاء لا يخلو حاله من أحد أمرين : إما أن يصرح باسم
الضعيف ؛ أو يدلّسه ، فإن صرح به ، فليس فيه كبير أمر ، يروي عن شخص ولم يعلم حاله ، أو علم وصرح
به ليبرأ من العهدة .
خ

وإن دلّسه : فإما أن يكون عالماً بضعفه ؛ أو لا ، فإن لم يعلم فالأمر في ذلك قريب ، وإن علم به
وقصد بتدليس الضعيف وتغييره وإخفائه ترويج الخبر حتى يظن أنه من أخبار أهل الصدق ، وليس كذلك،
فهذه جرحة من فاعلها ، وكبيرة من مرتكبها ، وليس في إخبار أحمد عن ابن إسحاق ما يقتضي روايته عن
الضعيف وتدليسه إياه ، مع العلم بضعفه حتی ینبني علی ذلك قدح أصلاً .
وجواب ثان : مُحَمَّد بن إسحاق مشهور بسعة العلم وكثرة الحفظ ، فقد يميز من حديث الكلي
وغيره مما يجري مجراه ما يُقبل مما يرد ، فيكتب ما يرضاه ويترك ما لا يرضاه . وقد قال يعلى بن عبيد: قال لنا
سُفْيَان الثَّوْرِيّ : اتقوا الكلبي ، فقيل له : فإنك تروي عنه ؟ فقال : أنا أعرف صدقه من كذبه .
ثم غالب ما يروي عن الكلبي أنساب وأخبار من أحوال النَّاس وأيام العرب وسيرهم وما يجري مجرى
ذلك ، مما سمح كثير من النَّاس في حمله عمن لا تحمل عنه الأحكام، وممن حكي عنه الترخص في ذلك الإمام
أحمد ، وممن حكي عنه التسوية في ذلك بين الأحكام وغيرها يَحْتَى بن معين ، وفي ذلك بحث ليس هذا موضعه .
وأما قول عبد الله عن أبيه : لم یکن يحتج به في السنن ، فقد یکون لما آنس منه التسامح في غیر السنن
التي هي جلّ علمه من المغازي والسیر ، طرد الباب فيه ، وقاس مرویاته من السنن على غيرها ، وطرد الباب في
ذلك يعارضه تعدیل من عدله .
وأما قول يَحْيِى: ثقة ، وليس بحجة ، فيكفينا التوثيق ، ولو لم يقبل إلا مثل العمري ومالك لقل
المقبولون . وأما ما نقلناه عن یحیی بن سعید من طريق ابن المديني ووهب بن جریر ، فلا یبعد أن یکون قلد
مالكاً ، لأنه روى عنه قول هشام فيه .
وأما قول يَحْتَى : مَا أحب أن أحتج به في الفرائض ، فقد سبق الجوَّاب عنه فيما نقلناه عن الإمام أحمد
رحمه الله ، على أن المعروف عن يَحتَى في هذه المسألة التسوية بين المرويات من أحكام وغيرها ، والقبول مطلقاً،
أو عدمه من غير تفصيل .
وأما ما عدا ذلك من الطعن ، فأمور غير مفسرة ومعارضة في الأكثر من قائلها بما يقتضي التعديل .
وممن يصحح حديثه ويحتج به في الأحكام أبو عيسى الترمذيّ رحمه الله تعالى ، ولم نتكلف الرد عن
طعن الطاعنين فيه إلا لما عارضه من تعديل العلماء له وثنائهم عليه ، ولولا ذلك لكان اليسير من هذا الجرح
كافياً في رد أخباره ، إذ اليسير من الجرح المفسر منه وغير المفسر كاف في ردّ من جهلت حاله قبله ولم يعدله
معدل . وقد ذكره أبو حاتم ابن حبان في كتاب « الثقات » له ، فأعرب عما في الضمير ، فقال : تكلم فيه
رجلان هشَام ومالك . فأما هشام: فأنكر سماعه من فاطمة ، والذي قاله ليس مما يجرح به الإنسان في الحديث ،
وذلك أن التابعين كالأسودَ وعلقمة سمعوا من عَائشَة من غير أن ينظروا إليها ، بل سمعوا صوتها ، وكذلك ابن
إسحاق كان يسمع من فاطمة والستر بينهما مسبل .
قال : وأما مَألك ، فإنه كان ذلك منه مرة واحدة ، ثم عاد له إلى ما يحب ، وذلك أنه لم يكن بالحجاز
أحد أعلم بأنساب النَّاس وأيامهم من ابن إسحاق ، وكان يزعم أن مالك من موالي ذي أصبح ، وكان مَأْلك
يزعم أنه من أنفسها ، فوقع بينهما لذلك مفاوضة ، فلما صنّف مَأْلكَ « الموطأ » قال ابن إسحاق : إنتوني به
فأنا بيطاره ، فنُقل ذلك إلى مالك ، فقال : هذا دجال من الدجاجلة ، يروي عن اليهود ، و کان بينهما ما
يكون بين النَّاس ، حتى عزم مُحَمَّد على الخروج إلى العراق، فتصالحا حينئذ ، وأعطاه عند الوداع خمسين ديناراً
ونصف ثمرته تلك السنة . ولم يكن يقدح فيه مَألك من أجل الحديث، إنما كان ينكر عليه تتبعه غزوات النبي
* من أولاد اليهود ، الذين أسلموا وحفظوا قصة خيبر وقريظة والنضير وما أشبه ذلك من الغرائب عن
أسلافهم . وكان ابن إسحاق يتتبع ذلك عنهم ليعلم ذلك ، من غير أن يحتج بهم ، وكان مالك لا يرى الرواية
إلا عن متقن صدوق .
قلت : ليس ابن إسحاق أَبَا عُذرة هذا القول في نسب مَأْلك ، فقد حكى شيء من ذلك عن الزُّهْرِيّ
وغيره ، والرجل أعلم بنسبه وتأبى له عدالته وإمامته ان يخالف قوله علمه ، وأما قول ابن إسحاق : أنا
جهبذها، فقد أتى أمراً إمراً ، وارتقى مرتقى وعراً، ولم يدر ما هنالك من زعم أنه في الإتقان کمالك ، وقد
ألقته آماله في المهالك ، من أنفه في الثرى ، وهو يطاول النجوم الشوابك .

قال ابن سيد النَّاس في عُيُونُ الأثر :
"( الواقدي )
وأما الواقدي: فهو مُحَمَّد بن عُمَر بن واقد أبو عبد الله المديني ، سمع ابن أَبِي ذئب وَمَعْمَر بن راشد
ومالك بن أنس ومحمد بن عبد الله ابن أخي الزُّهْرِيّ ومحمد بن عجلان وربيعة بن عثمان وابن جريج وأسامة بن
زین وعبدالحميد بن جعفر والثوري وأبا معشر وجماعة .
روى عنه كاتبه مُحَمَّد بن سعد وأبو حَسَّان الزّيادي ومحمد بن إسحاق الصَّاغَانِيّ وأحمد بن الخليل
البُرْجُلانيّ وعبد الله بن الحسين الهاشميّ وأحمد بن عبيد بن ناصح ومحمد بن شجاع الثّلْجَي والحارث بن أَبِي
أسامة وغيرهم .
ذكره الخطيب أبو بكر وقال : هو ممن طبق شرق الأرض وغربها ذكره ولم يخف على أحد عرف أخبار
النَّاس أمره، وسارت الركبان بكتبه في فنون العلم من المغازي والسير والطبقات وأخبار النبي ◌َ ا ،
والأحداث التي كانت في وقته وبعد وفاته ® ، وكتب الفقه واختلاف النَّاس في الحديث وغير ذلك ، وكان
جواداً كريماً مشهوراً بالسخاء .
وقال ابن سعد : مُحَمَّد بن عُمَر بن واقد أبو عبد الله مولى عبد الله بن بريدة الأسلمي ، كان من أهل
المدينة ، قدم بغداد في سنة ثمانين ومائة في دين لحقه ، فلم يزل بها وخرج إلى الشّام والرقة ، ثم رجع إلى بغداد ،
فلم يزل بها إلى أن قدم المأمون من خراسان فولاه القضاء بعسکر المهدي ، فلم یزل قاضياً حتى مات ببغداد ليلة
الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي الحجة ، سنة سبع ومائتين ، ودفن يوم الثلاثاء في مقابر الخيزران ،
وهو ابن ثمان وسبعين سنة ، وذكر أنه ولد سنة ثلاثين ومائة في آخر خلافة مروان بن مُحَمَّد .
وكان عالماً بالمغازي واختلاف النَّاس وأحاديثهم .
الكلام فيه جرحاً وتعديلاً
وقال مُحَمَّد بن خَلاّد : سمعت مُحَمَّد بن سلام الجُمَحِيّ يقول: مُحَمَّد بن عُمَر الواقدي عالم دهره .
وقال إِبْرَاهِيم الحربي : الواقدي آمن النَّاس على أهل الإسلام . وقال الحربي أيضاً : كان الواقدي أعلم
النَّاس بأمر الإسلام ، فأما الجاهلية فلم يعمل فيها شيئاً .
وقال يعقوب بن شيبة : لما انتقل الواقدي من الجانب الغربي إلى هاهنا يقال : إنه حمل کتبه علی
عشرين ومائة وقر ، وقيل : كانت كتبه ستمائة قمطر .
وقال مُحمَّد بن جرير الطبري : قال ابن سعد : کان الواقدي یقول : ما من أحد إلا و کتبه أکثر من
حفظه ، وحفظي أكثر من كتبي . وروى عنه غيره قال : ما أدركت رجلاً من أبناء الصَّحابة وأبناء الشهداء ولا
مولى لهم إلا سألته هل سمعت أحداً من أهلك يخبرك عن مشهده وأين قتل ، فإذا أعلمني مضيت إلى الموضع
فأعاينه ، ولقد مضيت إلى المريسيع فنظرت إليها ، وما علمت غزاة إلا مضيت إلى الموضع حتى أعاينه ، أو ،
نحو : هذا الكلام .
وقال ابن منيع : سمعت هارون الفروي يقول : رأيت الواقدي بمكة ومعه ركوة ، فقلت : أين تريد ؟
قال : أريد أن أمضي إلى حنين حتى أرى الموضع والوقعة ، وقال إِبْرَاهِيم الحربي: سمعت الْمُسَيَّي يقول : رأيت
الواقدي يوماً جالساً إلى أسطوانة في مسجد المدينة ، وهو يدرس ، فقلنا له : أي شيء تدرس ؟ فقال : حزبي
من المغازي .
وروينا عن أَبي بكر الخطيب قال: وأنا الأزهري قال: أنا مُحَمَّد بن العبّاس قال: ثنا أبو أَيُّوب قال:
سمعت إِبْرَاهِيم الحربي يقول : وأخبرني إِبْرَاهِيم بن عُمَر البرمكي ثنا عُبَيْد اللَّه بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن حمدان
العكبري ثنا مُحَمَّد بن أَيُّوب بن المعالىَ قالَ: قال إِبْرَاهِيم الحربي: سمعت المُسَي يقول : قلنا للواقدي هذا
الذي تجمع الرجال تقول : ثنا فلان وفلان وجئت بمتن واحد ، لو حدثتنا بحديث كل رجل على حدة ، قال :
يطول ، فقلنا له : قد رضينا ، قال فغاب عنا جمعة ثم أتاناً بغزوة أحد عشرين جلداً ، وفي حديث البرمكي مائة
جلد فقلنا له : ردنا إلى الأمر الأول . معنى اللفظين متقارب .
ذ

وعن يعقوب بن شيبة قال : ومما ذكر لنا أن مالكاً سُئل عن قتل الساحرة ، فقال : انظروا هل عند
الواقدي في هذا شيء ، فذاكروه ذلك فذكر شيئاً عن الضَّحّاك بن عثمان فذكروا أن مالكاً قنع به . وروي أن
مالكاً سُئل عن المرأة التي سَّت النبي ◌َ﴿ بخيبر ما فعل بها ؟ فقال : ليس عندي بها علم ، وسأسأل أهل العلم ،
قال: فلقي الواقدي، فقال: يا أَبَا عبد الله ما فعل النبي ﴿ّ بالمرأة التي سمته بخيبر؟ فقال: الذي عندنا أنه
قتلها ، فقال مالك: قد سألت أهل العلم فأخبروني أنه قتلها. وقال أبو بكر الصَّاغَانِيّ: لولا أنه عندي ثقة ما
حدثت عنه ، حدث عنه أربعة أئمة : أبو بكر بن أبي شيبة وأبو عبيد، وأحسبه ذكر أُبًا خيثمة ، ورجلاً آخر.
وقال عَمْرو الناقد : قلت للدراوردي : ما تقول في الواقدي ؟ فقال : تسألني عن الواقدي سل
الواقدي عني . وذكر الدراوردي الواقدي فقال ذلك أمير المؤمنين في الحديث ، وسئل أبو عَامِر العقدي عن
الواقدي ، فقال : نحن نسأل عن الواقدي ! ، إنما يُسأل هو عنا ، ما كان يفيدنا الأحاديث والشيوخ بالمدينة إلا
الواقدي .
وقال الواقدي : لقد كانت ألواحي تضيع فأؤتى بها من شهرتها بالمدينة ، يقال : هذه ألواح ابن واقد .
وقال مصعب الزُّبْرِيّ: والله ما رأينا مثله قط . قال مصعب : وحدثني من سمع عبد الله بن المبارك
يقول : كنت أقدم المدينة فما يفيدني ولا يدلني على الشيوخ إلا الواقدي .
وقال مجاهد بن مُؤْسَى : ما كتبت عن أحد أحفظ منه . وسئل عنه مصعب الزُّبْرِيّ ، فقال : ثقة
مأمون ، وكذلك قال الْمُسََّّبي. وسئل عنه معن بن عيسى، فقال: أنا أُسأل عنه ! هو يُسأل عني . وسئل عنه
أبو يَحْثَى الزُّهْرِيّ، فقال: ثقة مأمون . وسئل عنه ابن نمير ، فقال : أما حديثه عنا فمستو ، وأما حديث أهل
المدينة فهم أعلم به . وقال يَزِيْد بن هارون: ثقة . وقال عَبَّاس العنبري: هو أحب إليّ من عبد الرّزاق . وقال
أبو عبيد القاسم بن سلام : ثقة .
وقال إِبْرَاهِيم: وأما فقه أَبِي عبيد فمن كتابٍ مُحَمَّد بن عُمَر الواقدي ، الاختلاف والإجماع كان
عنده . وقال إبراهيم الحربي : من قال أن مسائل مَألك بن أَنَس وابن أَبِي ذئب تؤخذ عمن هو أوثق من
الواقدي ، فلا يصدّق ، لأنه يقول : سألت مالكاً وسألت ابن أبي ذئب .
وقال إِبْرَاهِيم بن جابر : حدثني عبد الله بن أحمد بن حنبل قال : كتب أَبِي عن أَبِي يُؤْسُف ومحمد
ثلاثة قماطر ، قلت له: كان ينظر فيها ؟ قال : كان ربما نظر فيها ، وكان أكثر نظره في كتب الواقدي .
وسئل إِبْرَاهِيم الحربي عما أنكره أحمد على الواقدي ؟ فقال : إنما أنکر علیه جمعه الأسانید ومجيئه بالمتن
واحداً . وقال إِبْرَاهِيمَ: وليس هذا عيباً ، فقد فعل هذا الزُّهْرِيّ وابن إسحاق .
قالَ إِبْرَاهِيم: لم يزل أحمد بن حنبل يوجه في كل جمعة بحنبل بن إسحاق إلى مُحَمَّد بن سعد فيأخذ له
جزءين من حديثٌ الواقدي فينظر فيهما، ثم يردهما ويأخذ غيرهما ، وكان أحمد بن حنبل ينسبه لتقليب الأخبار،
كأنه يجعل ما لمعمر لابن أخي الزُّهْرِيّ، وما لابن أخي الزُّهْرِيّ لمعمر ، وأما الكلام فيه فكثير جداً ، قد ضعف
ونسب إلى وضع الحديث ، وقال أحمد : هو كذاب ، وقال يَحْتَّى : ليس بثقة .
وقال البُّخَاريّ والرازي والنسائي : متروك الحديث ، وللنسائي فيه كلام أشد من هذا ، وقال
الدّار قطني ضعيف ، وقال ابن عَديّ : أحاديثه غير محفوظة ، والبلاء منه .
قلت : سعة العلم مظَنة لكثرة الإغراب ، وكثرة الإغراب مظنة للتهمة ، والواقدي غير مدفوع عن
سعة العلم فكثرت بذلك غرائبه .
وقد روينا عن علي بن المديني إنه قال: الواقدي عشرون ألف حديث لم نسمع بها . وعن يَحْتَى بن
معين: أغرب الواقدي على رَسُوْل الله ﴿ في عشرين ألف حديث ، وقد روينا عنه من تتبعه آثار مواضع
الوقائع وسؤاله من أبناء الصَّحابة والشهداء ومواليهم عن أحوال سلفهم ما يقتضي انفراداً بروايات وأخبار لا
تدخل تحت الحصر ، وكثيراً ما يطعن في الراوي برواية وقعت له ، من أنكر تلك الرواية عليه واستغربها منه ،
ثم يظهر له ، أو لغيره بمتابعة متابع ، أو سبب من الأسباب براءته من مقتضى الطعن ، فيتخلص بذلك من
العهدة .
ر

وقد روینا عن الإمام أحمد رحمه الله ورضی عنه أنه قال : ما زلنا ندافع أمر الواقدي حتی روی عن
معمر عن الزُّهْرِيّ عن نبهان عن أم سلمة عن النبي ◌َ﴿ّ: «أفعمياوان أنتما »، فجاء بشيء لا حيلة فيه ،
والحدیث حدیث یُوثّس لم يروه غيره .
وروینا عن أحمد بن منصور الرَّمادي : قدم علي بن المديني بغداد سنة سبع ومائتین والواقدي یومئذ
قاض علينا ، وكنت أطوف مع علي على الشيوخ الذين يسمع منهم ، فقلت : أتريد أن تسمع من الواقدي ؟
ثم قلت له بعد ذلك ، فقال : لقد أردت أن أسمع منه ، فکتب إلي أحمد بن حنبل كيف تستحل الرواية عن
رجل روى عن معمر حديث نبهان مكاتب أم سلمة ، وهذا حديث يُونُس تفرد به ؟ قال أحمد بن منصور
الرَّمادي : فقدمت مصر بعد ذلك ، فكان ابن أبي مريم يحدثنا به عن نافع بن یَزِيْد عن عقيل عن ابن شِهَاب
عن نبهان ، وقد رواه أيضاً يعقوب بن سفيان عن سعيد بن أبي مريم عن نافع بنَ يَزِيْد کروایة الرِّمَادي، قال
الرَّمَادي : فلما فرغ ابن أَبِي مريم من هذا الحديث ضحكتَ ، فقال: ممَ تضحك ؟ فأخبرته بما قال علي ،
وكتب إليه أحمد، فقال لي ابن أبي مريم: إن شيوخنا المصريين لهم عناية بحديث الزُّهْرِيّ، وكان الرَّمَادي
يقول: هذا مما ظلم فيه الواقدي .
فقد ظهر في هذا الخبر أن يُؤْنس لم ينفرد به وإذ قد تابعه عقيل ، فلا مانع من أن يتابعه معمر ، وحتى
لو لم يتابعه عقيل لكان ذلك محتملاً ، وقد يكون فيما رمي به من تقليب الأخبار ما ينحو هذا النحو .
وقد أثبتنا من كلام النَّاس في الواقدي ما يُعرف به حاله والله الموفّق .
وربما حصل إعلام في بعض الأحيان بغريب يوجد في الخبر ، وتنبيه على مشكل يقع فيه متناً ، أو
إسناداً على وجه الإيماء والإشارة ، لا على سبيل التقصي وبسط العبارة .
وسميته بـ
«عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير »
والله المسؤول أن يجعل ذلك لوجهه الكريم خالصاً ، وأن يؤوينا إلى ظله إذا الظل أضحى في القيامة
قالصاً بمنه وكرمه إن شاء الله تعالى" .
ز

قال ابن سيد النَّاس في عُيُونُ الأثر :
"ذكر تزويج عبد الله بن عبد المُطّلب
آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن کلاب
و کانت في حجر عمها وهيب بن عبد مناف
قال الزُّبَيْر : وكان عبد الله أحسن رجل مرئي في قريش قط ، وكان أبوه عبد الُطّلب قد مرّ به فيما
يزعمون على امرأة من بني أسد بن عبد العزى ، وهي أخت ورقة بن نوفل ، وهي عند الكعبة ، فقالت له :
أين تذهب يا عبد الله ؟ قال: مع أَبي ، قالت : لك مثل الإبل التي نحرت عنك ، وكانت مائة وقع علي الآن ،
قال : أنا مع أَبي ولا أستطيع خلافه ولا فراقه، وأنشد بعض أهل العلم في ذلك لعبد الله بن عبد المُطّلِب:
أما الحرامُ فالمماتُ دونه
والحلّ لا حلّ فأستبينَه
(يحمي الكريم عرضه ودينه)
فكيفَ بالأمر الذي تبغينَه
أَخْبَرَنَا الإمام العلامة أبو العبّاس أحمد بن إِبْرَاهِيم الواسطيّ سماعاً بدمشق أنبأ الأمير أبو مُحَمَّد الحسن
بن علي العلوي ببغداد سماعاً عليه قال : أَخْبَرَنَا الحافظ أبو الفضل مُحَمَّد بن ناصر بن مُحَمَّد بن علي السَّلامي
قراءة عليه وأنا أسمع قال : أنبأ أبو طاهر بن أَبِي الصقر أنبأ القاضي أبو البركات أحمد بن عبد الوهاب الفرّاء
أنبأ الشریف أبو جعفر مُحَمَّد بن عبد الله الحسيني ثنا أبو بكر اخضر بن داود بمكة ثنا الزُبْر بن بحّار حدثني
سُفْيَان بن عيينة عن جعفر بن مُحَمَّد عن أبيه قال: « ﴿ لقد جاءكم رَسُوْل من أنفسكم (١٢٨)﴾ [التوبة]،
قال: أحدكم من أنفسكم لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية، قال: وكان رَسُوْل الله ﴿ يقول : خرجت من
نکاح ولم أخرج من سفاح » .
وروينا عن ابن سعد قال: أنبأ هشام بن مُحَمَّد بن السَّائب الكلبي عن أبيه قال: كتبت للنبي مَ ا"
خمسمائة أم ، فما وجدت فيهن سفاحاً ولا شيئاً مما كان من أمر الجاهلية .
وروينا مرفوعاً من حديث ابن عَبَّاس وعائشة رضي الله عنهما: أن النبي ﴿ قال: «خرجت من
نکاح غیر سفاح » .
رجعٌ إلى الأول : فخرج به عبد المطّلب حتى أتى به وهيب بن عبد مناف بن زهرة ، وهو يومئذ سيد
بني زهرة سناً وشرفاً ، فزوجه آمنة بنت وهب ، وهي يومئذ أفضل امرأة في قريش نسباً وموضعاً ، فزعموا أنه
دخل عليها حين أملكها مكانه فوقع عليها ، فحملت برسول الله /، ثم خرج من عندها فأتى المرأة التي
عرضت عليه ما عرضت ، فقال لها : مَالك لا تعرضين علي اليوم ما عرضت بالأمس ، فقالت له : فارقك
النور الذي کان معك بالأمس ، فليس لي بك اليوم حاجة ، وقد كانت تسمع من أخيها ورقة بن نوفل إنه كائن
في هذه الأمة نبي . قال أبو عُمَر : كان تزوجها وعمره ثلاثون سنة ، وقيل خمس وعشرون ، وقيل بينهما ثمانية
وعشرون عاماً. وتزوج عبد المطّلب في ذلك المجلس هالة بنت وهيب بن عبد مناف فولدت له حمزة والمقوم
وحجلاً وصفية أم الزُبْر .
قال مُحَمَّد بن السَّائب الكلبي: لما تزوج عبد الله بن عبد المُطّلِب آمنة أقام عندها ثلاثاً، وكانت تلك
السنة عندهم إذا دخل الرجل على امرأته في أهلها" .
ش

قال ابن سید النَّاس في عُيُونُ الأثر :
"ذكر تسمية محمداً وأحمد#
روينا عن أَبي جعفر مُحَمَّد بن علي من طريق ابن سعد قال : أمرت آمنة ، وهي حامل برسول الله
* أن تسميه أحمد .
وروينا عن ابن إسحاق فيما سلف أنها أتيت حين حملت به فقيل لها : إنك قد حملت بسيد هذه الأمة ،
وفيه: ثم سميه محمداً .
وروينا من طريق التِّرْمِذيّ ثنا سعيد بن عبد الرحمن المَخْزُومِيّ ثنا سُفْيَان عن الزُّهْرِيّ عن مُحَمَّد بن
جُبير بن مطعم عن أبيه قال: قال رَّسُوْل الله :﴿: «إن لي أسماء: أناَ مُحَمَّد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو
الله بي الكفر ، وأنا الحاشر الذي يحشر النَّاس على قدمي ، وأنا العاقب الذي ليس بعدي نبي »، وصححه
وقال في الباب عن حذيفة . وروى حديث جُبير البُّخَاريّ ومسلم والنسائي وسيأتي الكلام على بقيّة الأسماء إن
شاء الله تعالى .
وذكر أبو الربيع بن سالم قال : ويروى أن عبد المُطّلب، إنما سماه محمداً لرؤيا رآها زعموا أنه رأى في
منامه كأن سلسلة من فضَّة خرجت من ظهره لها طرف في السماء وطرف في الأرض وطرف في المشرق وطرف
في المغرب ، ثم عادت كأنها شجرة على كل ورقة منها نور ، وإذا أهل المشرق والمغرب يتعلقون بها ، فقصها
فعبرت له بمولود يكون من صُلبه يتبعه أهل المشرق والمغرب ويحمده أهل السماء والأرض ؛ فلذلك سماه محمداً
مع ما حدثته به أمه .
وروينا عن أبي القاسم السهيلي رحمه الله قال: لا يعرف في العرب من تسمى بهذا الاسم قبله % إلا
ثلاثة، طمع آباؤهم حين سمعوا بذكر مُحَمَّد ﴿ وبقرب زمانه وأنه يبعث بالحجاز أن يكون ولداً لهم ، ذكرهم
ابن فورك في كتاب « الفصول » وهم: مُحَمَّد بن سُفْيَان بن مجاشع - جد الفرزدق الشاعر - والآخر مُحَمَّد
بن أُحَيْحة بن الجلاح بن الحريش بن جحجبا بن كلفة بن عوف بن عمرو بن مالك بن الأوس ، والآخر مُحَمَّد
بن حمران ، وهو من ربيعة ، وذكر معهم محمداً رابعاً أنسيته . وكان آباء هؤلاء الثلاثة قد وفدوا على بعض
الملوك الأول ، و کان عنده علم بالکتاب الأول فأخبرهم مبعث النبي ڑ وباسمه ، و کان کل واحد منهم قد
خلف امرأته حاملاً فنذر كل واحد منهم إن ولد له ولد ذكر أن يسميه محمداً ففعلوا ذلك .
وروينا عن القاضي أبي الفضل عياض رحمه الله في تسميته و / محمداً وأحمد قال: ثم في هذين الاسمين
من بدائع آياته وعجائب خصائصه أن الله جلّ اسمه حمى أن يُسمَّى بهما أحدٌ قبل زمانه .
أما أحمد الذي أتى في الكتب وبشرت به الأنبياء فمنع الله تعالى بحكمته أن يسمى به أحد غيره ، ولا
يدعی به مدعو قبله ، حتى لا يدخل لبس على ضعيف القلب أو شك .
وكذلك مُحَمَّد أيضاً لم يسم به أحد من العرب ولا غيرهم إلى أن شاع قبيل وجوده® وميلاده أن
نبياً يبعث اسمه مُحَمَّد .
فيسمى قوم قليل من العرب أبناءهم بذلك رجاء أن يكون أحدهم هو ، والله أعلم حيث يجعل
رسالاته، وهم: مُحَمَّد بن أُحَيْحة بن الجلاح الأوسي؛ ومحمد بن مسلمة الأنصاري ، ومحمد بن براء الْبَكْرِيّ،
ومحمد بن ◌ِسُفْيَان بن مجاشع ، ومحمد بن حمران الجُعْفِيّ ، ومحمد بن خزاعي السُّلَمِيّ ، لا سابع لهم.
ويقال : إن أول من سمي به مُحَمَّد بن سُفْیَان والیمن تقول : مُحَمَّد بن الحمد الأزدي ، ثم حمی الله
كل من تسمى به أن يدعي النبوة ، أو يدعيها أحد له، حتى تحققت التسميتان له ولم ينازع فيهما، والله أعلم".
ع

قال ابن سيد النَّاس في عُونُ الأثر :
"ذكر الخبر عن رضاعه ﴿
وما يتصل بذلك من شق الصدر
روينا عن ابن سعد قال: أنا مُحَمَّد بن عُمَر بن واقد الأسلمي قال : حدثني مُؤْسَى بن شيبة عن عميرة
بنت عبد الله بن كعب بن مالك عن بَرّة بنت أبي تجراة قالت: أول من أرضع رَسُوْلِ الله ◌ِ ثويبة بلبن ابن لها
يقال له مسروح أياماً قبل أن تقدم حليمة ، وكانت قد أرضعت قبله حمزة بن عبد المُطّلب ، وبعده أَبًا سلمة بن
عبد الأسد .
أَخْبَرَنا أبو العباس الساوي بقراءة والدي عليه قال : أنا أبو روح المطهر بن أَبِي بكر البيهقي سماعاً
عليه قال : أنا أبو بكر الطوسي قال : أنا أبو علي الخشنامي قال : أنا أحمد بن الحسن النَّيْسَابُوري قال : أنا
مُحَمَّد بن أحمد قال: أنا مُحَمَّد بن يَحْتَى ثنا مُحَمَّد بن عبيد ثنا الأعمش عن سعد بن عبيدة عن أَبي عبد الرحمن
عن علي قال: « قلت : يا رَسُوْل الله مَالك لا تتوق في قريش ولا تتزوج إليهم؟ قال: وعندك ! قلت : نعم
ابنة حمزة قال : تلك ابنة أخي من الرضاعة » .
قرأت على أَبي النور إسماعيل بن نور بن قمر الهيتي بسفح قاسيون أخبرك أبو نصر مُؤْسَى بن
عبدالقادر الجيلي قراءة عليه وأنت تسمع قال: أنا أبو القاسم سعيد بن أحمد بن البنَّاء قال: أنا أبو نصر مُحَمَّد
بن مُحَمَّد الزينبي قال: أنا أبو بكر مُحَمَّد بنِ عُمَر بن علي الوَرَّاق ثنا أبو بكر عبدالله بن سليمان بن الأشعث
ثنا أبو مُؤْسَى عيسى بن حَمَّاد زغبة قال: أنا اللّيث عن هِشَام بن عُرْوَة عن عُرْوَة عن زينب بنت أبي سلمة عن
أم حبيبة أنها قالت: « دخل علي رَسُوْل الله ﴿ فقلت : هل لك في أختي ابنة أَبِي سُفْيَان ، وفيه قَالَت: فوالله
لقد أنبئت أنك تخطب درّة بنت أبي سلمة ، قال: ابنة أبي سلمة ! قالت: نعم، قال: فوالله لو لم تكن ربيبتي
في حجري ما حلت لي إنها لابنة أخي من الرضاعة أرضعتني وإياها ثويبة ، فلا تعرضن علي بناتكن ولا
أخواتكن» الحديث .
وذكر الزُّبَيْر أن حمزة أسن من النبي ﴿ بأربع سنين. وحكى أبو عُمَر نحوه وقال: وهذا لا يصلح
عندي، لأن الحديث الثابت أن حمزة وعبد الله بن عبد الأسد أرضعتهما ثويبة مع رَسُوْل الله/ إلا أن تكون
أرضعتهما في زمانین .
قلت: وأقرب من هذا ما روينا عن ابن إسحاق من طريق البَكّائِي أنه كان أسن من رَسُوْل الله لَ﴿
بسنتين والله أعلم .
واسترضع له من بني سعد بن بكر امرأة يقال لها حليمة بنت أَبي ذويب ، وكانت تحدث أنها خرجت
من بلدها مع زوجها وابن لها ترضعه في نسوة من بني سعد بن بكر ، قالت : وفي سنة شهباء لم تبق لنا شيئاً ،
قالت : فخرجت على أتان لي قمراء معنا شارف لنا ، والله ما تبض بقطرة لبن ، وما ننام ليلتنا أجمع مع صبينا
الذي معنا من بكائه من الجوع ، ما في ثديي ما يغنيه ، وما في شارفنا ما يغذيه ، ولكنا نرجو الغيث والفرج،
فخرجتٍ على أتاني تلك فلقد أدمَّت بالركب حتى شق ذلك عليهم ضعفاً وعجفاً ، حتى قدمنا مكة نلتمس
الرضعاءٍ فما منا امرأة إلا، وقد عرض عليها رَسُؤْل الله ﴿ فتأباه إذا قيل لها إنه يتيم، وذلك أنا إنما كنا
نرجو المعروف من أبي الصبي ، فكنا نقول يتيم! ما عسى أن تصنع أمه وجده؟ فكنا نكرهه لذلك، فما بقيت
امرأة قدمت معي إلاَ أخذتٍ رضيعاً غيري ، فلما أجمعنا الانطلاق قلت لصاحبي : والله إني لأكره أن أرجع من
بين صواحبي ولم آخذ رضيعاً ، والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه ، قال : لا عليك أن تفعلي عسى الله أن
يجعل لناٍ فيه بركة ، قالت : فذهبت إليه فأخذته وما حملني على أخذه إلا أني لم أجد غيره ، فلما أخذته رجعت
به إلى رحلي فلما وضعته في حجري ، أقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن وشرب حتى روي وشرب معه أخوه
حتى روي ثم ناما ، وما كنا ننام معه قبل ذلك ، فقام زوجي إلى شارفنا تلك ، فإذا إنها لحافل، فحلب منها ما
شرب وشربت حتى انتهينا رياً وشبعاً ، فبتنا بخير ليلة ، يقول صاحبي حين أصبحنا: تعلمي والله يا حليمة لقد
أخذت نسمة مباركة ، قلت : والله إني لأرجو ذلك ، ثم خرجت وركبت أتاني وحملته عليها معي ، فوالله
لقطعت بالركب ما يقدر علي شيء من حمرهم حتى إن صواحبي ليقلن لي : يا بنت أبي ذؤيب ويحك أربعي
غ

علينا ، أليست هذه أتانك التي كنت خرجت عليها ؟ فأقول لهن : بلى والله إنها لهي . فيقلن: والله إن لها
لشأناً، قالت: ثم قدمنا منازلنا من بني سعد ولا أعلم أرضاً من أرض الله أجدب منها ، فكانت غنمي تروح علي
حين قدمنا به معنا شباعاً لبناً فنحلب ونشرب وما يحلب إنسان قطرة لبن ولا يجدها في ضرع ، حتى كان
الحاضر من قومنا يقولون لرعيالهم : ويلكم اسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب فتروح أغنامهم جياعاً
ما تبض بقطرة لبن، وتروح غنمي شباعاً لبناً ، فلم يزل نتعرف من الله الزيادة والخير حتى مضت سنتاه وفصلته
وكان يشب شباباً لا يشبه الغلمان ، فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلاماً جفراً ، فقدمنا به على أمه ونحن أحرص
شيء على مكثه فينا لما نرى من بركته ، فكلمنا أمه وقلت لها : لو تركت بني عندي حتى يغلظ فإني أخشى
عليه وباء مكة، فلم نزل به حتى ردته معنا فرجعنا به، فوالله إنه بعد مقدمنا به بأشهر مع أخيه لفي بهم لنا خلف
بيوتنا ، إذ أتانا أخوه يشتد ، فقال لي ولأبيه : ذاك أخي الْقُرَشِيّ عبدالله قد أخذه رجلان عليهما ثياب بيض
فأضجعاه فشقا بطنه فهما يسوطانه ، قالت : فخرجت أنا وأبوه نحوه فوجدناه قائماً منتقعاً لوجهه ، قال
فالتزمته والتزمه أبوه ، فقلنا : مالك يا بني ؟ قال : جاءني رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاني فشقا بطني
فالتمسا فيه شيئاً لا أدري ما هو ، قالت : فرجعنا به إلى خبائنا وقال لي أبوه : يا حليمة لقد خشيت أن يكون
هذا الغلام قد أصيب فألحقيه بأهله قبل أن يظهر ذلك به ، قالت : فاحتملناه فقدمنا به على أمه ، فقالت : ما
أقدمك به يا ظئر؟ ولقد كنت حريصة عليه ، وعلى مكثه عندك! قلت : قد بلغ الله بابني وقضيت الذي عليّ
وتخوفت الأحداث عليه فأديته عليك كما تحبين ، قالت : ما هذا شأنك فأصدقيني خبرك ، قالت : فلم تدعني
حتى أخبرتها ، قالت : أفتخوفت عليه الشيطان ؟ قلت : نعم ، قالت : كلا والله ما للشيطان عليه سبيل ، وإن
لبني لشأناً ، أفلا أخبرك خبره ؟ قلت : بلى ، قالت : رأيت حین حملت به أنه خرج مني نور أضاء له قصور
بَصْرِيّ من أرض الشّام ، ثم حملت به فوالله ما رأيت من حمل قط كان أخف منه ولا أيسر منه ، ووقع حین
ولدته وإنه لواضع يديه بالأرض رافع رأسه إلى السماء ، دعيه عنك وانطلقي راشدة .
قال السهيلي: وذكر غير ابن إسحاق في حديث الرضاع أن رَسُوْل الله ﴿ كان لا يقبل إلا على
لديها الواحد وتعرض عليه الآخر فيأباه كأنه قد أشعر أن معه شريكاً في لبانها ، وكان مفطوراً على العدل مجبولاً
على جميل المشاركة والفضل ﴿. ويروى أن نفراً من أصحاب رَسُوْل الله {﴿ قالوا له: يا رَسُوْل الله أَخْبَرَنَا
عن نفسك قال : "نعم أنا دعوة أَبِي إِبْرَاهِيم وبشارة عيسى بن مريم عليهما الصلاة والسلام ورأت أمي حين
حملت بي أنه قد خرج منها نور أضاء له قصور الشّام واسترضعت في بني سعد بن بكر، فبينا أنا مع أخ لي خلف
بيوتنا نرعى بهما لنا أتاني رجلان عليهما ثياب بيض بطست من ذهب مملوءة ثلجاً فأخذاني فشقا بطني، ثم
استخرجا قلبي فشقاه فاستخرجا منه علقة سوداء فطرحاها ثم غسلاً قلبي وبطني بذلك الثّلْج حتى أنقياه ، ثم
قال أحدهما لصاحبه : زنه بعشرة من أمته فوزنني بعشرة فوزنتهم ، ثم قال زنه بمائة من أمته فوزنني بهم
فوزنتهم، ثم قال زنه بألف من أمته فوزنني بهم فوزنتهم ، فقال دعه عنك ، فلو وزنته بأمته لوزنها . وفي رواية
فاستخرجا منه مغمز الشيطان وعلق الدم . وفيها وجعل الخاتم بين كتفي كما هو الآن" .
قوله في هذا الخبر: "وما في شارفنا ما يغذيه" قيل: بالدال المهملة من الغداء ، وقيل: بالمعجمة وقال
أبو القاسم: وهو أتم من الاقتصار على ذکر الغداء دون العشاء . وعند بعض النّاس يعذبه ومعناه ما يقنعه حتى
يرفع رأسه وينقطع عن الرضاع يقال منه عذبته وأعذبته إذا قطعته عن الشرب ونحوه والعذوب وجمعه عذوب
بالضم ولا يعرف فعول جمع على فعول غيره، قاله أبو عبيد. انتهى كلام السهيلي رحمه الله وأنشدني أَبي رحمه
الله لبعض العرب يهجو قوماً بات ضيفهم :
بتنا عذوباً وبات البق يلبسنا
نشوي القراح کان لا حيّ بالوادي
وذكر في فعول غیر عذوب وحکی ذلك عن « كتاب ليس » لابن خالويه .
وقوله: "أدمت بالركب" حبستهم وكأنه من الماء الدائم ، وهو الواقف . ويروى: "أذمت" ، أي
الأتان ، أي جاءت بما تذم عليه ، أو يكون من قولهم بئر ذمة ، أي قليلة الماء .
وقوله: "يسوطانه يقال: سطت اللبن أو الدم أو غيرهما أسوطه إذا ضربت بعضه ببعض ، والمسوط
عود يضرب به .
ف

وقوله : "مغمز الشيطان" هو الذي يغمزه الشيطان من كل مولود إلا عيسى بن مريم وأمه لقول أمها
حَنَّة : ( إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم (٣٦)﴾ [آل عمران]، ولأنه لم يخلق من مني الرجال ،
وإنما خلق من نفخة روح القدس .
قال السهيلي: ولا يدل هذا على فضل عيسى عليه الصلاة والسلام على نبينا مُحَمَّدَ ﴿ لأن محمداً
عندما نزغ ذلك منه ملئ حكمة وإيماناً بعد أن غسله روح القدس بالثلج والبرد . وقد روى أنه عليه الصلاة
والسلام ليلة الإسراء أتى بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيماناً فأفرغ في قلبه، وأنه غسل قلبه بماء زمزم، فوهم
بعض أهل العلم من روى ذلك ذاهباً في ذلك إلى أنها واقعة واحدة متقدمة التاريخ على ليلة الإسراء بكثير .
قال السهيلي ، وليس الأمر كذلك ، بل كان هذا التقديس وهذا التطهير مرتين:
الأولى: في حال الطفولية لينقى قلبه من مغمز الشيطان.
والثانية : عندما أراد أن يرفعه إلى الحضرة المقدسة، وليصلى بملائكة السموات ، ومن شأن الصلاة الطهور
فقدس باطناً وظاهراً وملئ قلبه حكمة وإيماناً، وقد كان مؤمناً، ولكن الله تعالى قال: ( ويزداد الذين آمنوا
إيماناً (٣١)﴾ [المدثر].
رِجعٌ إلى الأول : وانطلق به أبو طالب ، وكانت حليمة بعد رجوعها من مكة لا تدعه أن يذهب
مكاناً بعيداً فغفلت عنه يوماً في الظّهيرَة فخرجت تطلبه حتى تجده مع أخته، فقالت: في هذا الحرّ؟ فقالت أخته:
يسا أمه ما وجد أخي حراً ، رأيت غمامة تظل عليه إذا وقف وقفت ، وإذا سار سارت حتى انتهى إلى هذا
الموضع ، تقول أمها : أحقاً يا بنية ؟ قالت : إي والله ، قال : تقول حليمة : أعوذ بالله من شر ما يحذر على
ابني. فکان ابن عبّاس یقول : رجع إلى أمه ، وهو ابن خمس سنين ، و کان غيره يقول : ردّ إليها ، وهو ابن أربع
سنين، وهذا كله عن الواقدي. وقال أبو عُمَر ردته ظئره حليمة إلى أمه بعد خمس سنين ويومين من مولده ،
وذلك سنة ست من عام الفيل وأسلمت حليمة بنت أبي ذؤيب ، وهو عبد الله بن الحارث بن شجنة بن جابر
بن رزام بن ناضرة بن قبيصة بن نصر بن سعد بن بکر بن هوازن . قال أبو عُمَر روی زید بن أسلم عن عطاء
ابن يسار قال جاءت حليمة ابنة عبدالله أم النبي 34 من الرضاعة إلى النبي 43 يوم حنين فقام إليها وبسط لها
رداءه فجلست عليه. روت عن النبي ﴿ روى عنها ابنها عبد الله بن جعفر.
قِرئ على أَبِي العبّاس أحمد ابن يُؤْسُف الصوفي وأنا أسمع منه سنة ست وسبعين قال : أنا أبو روح
البيهقي سماعاً عليه سنة خمس وستمائة قال: أنا الإمام أبو بكر مُحَمَّد بن علي الطوسي قراءة عليه ونحن نسمع
قال : أنا أبو علي نصر الله بن أحمد بن عثمان الخشنامي قال: أنا أبو بكر أحمد بن الحسن النَّيْسَابُوري قال : أنا
أبو علي مُحَمَّد بن أحمد الميداني قال: أنا أبو عبد الله مُحَمَّد بن خالد بن فارس ثنا أبو عاصم النّبِيل عن جعفر
بن يَحْتَى بن ثوبان عن عمه عمارة عنِ أَبِيِ الطَّفَيْل قال :
رأيت رَسُوْل الله ﴿ يقسم لحماً بالجعرانة وأنا غلام شاب فأقبلت امرأة فلما رآها رَسُوْل الله صلى
الله عليه وسلم بسط لها رداءه فقعدت عليه ، فقال : من هذه ؟ قال: أمه التي أرضعته . هكذا روينا في هذا
الخبر ، وکذا حکی أبو عُمَر بن عبد البر عن حليمة بنت أبي ذؤیب أنها أسلمت وروت ، ومن النَّاس من ينكر
ذلك. وحكى السهيلي إنها كانت وفدت على النبي ﴿ قبل ذلك بعد تزويجه خديجة تشكو إليه السنة ، وأن
قومها قد أسنتوا فكلم لها خديجة فأعطتها عشرين رأساً من غنم وبكرات .
وذکر أبو إسحاق بن الأمين في استدراکه على أبي عُمَر : خولة بنت المنذر بن زید بن لبيد بن خداش
التي أرضعت النبي ◌ِ .
وذكر غيره فيهن أيضاً أم أيمن بركة حاضنته عليه الصلاة والسلام".
ق

قال ابن سيد النَّاس في عُيُونُ الأثر :
"ذكر الخبر عن وفاة أمه آمنة بنت وهب وحضانة أم أيمن له وكفالة عبد الُطّلب إياه
قال ابن إسحاق، فكان رَسُوْل الله ﴿ مع أمه آمنة وجده عبد المُطّلب في كلاءَةَ الله وحفظه ينبته الله
نباتاً حسناً لما يريد به من كرامته فلما بلغ رَسُوْل الله # ست سنين توفيت أمه آمنة بالأبواء بين مكة والمدينة
قال أبو عُمَر بن عبد البر : وقیل ابن سبع سنين قال وقال مُحَمَّد بن حبیب في "المخبر" : توفيت أمه څ وهو ابن
ثمان سنين . وقال: وتوفى جده عبد المُطّلب بعد ذلك بسنة وأحد عشر شهراً سنة تسع من عام الفيل وقيل انه
توفى جده عبد المُطّلب وهو ابن ثمان سنين .
رجعٌ إلَى ابن إسحاق قال : وكانت قد قدمت به على أخواله من بني عَديّ بنِ النَّجَّار تزيره إياهم فماتت ،
وهي راجعة إلى مكة، فكان رَسُوْل الله ﴿ مع جده عبد المُطَّلِب، وكان يوضع لعبد المُطّلِب فراش في ظل الكعبة،
فكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالاً، فكانَ رَسُوْل الله # يأتي وهو
غلامٍ جفر حتى يجلس عليه فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه ، فيقول عبد الُطّلب إذا رأى ذلك منهم : دعوا بني فوالله إن له
لشأناً ثم يجلسه معه عليه ويمسح ظهره بيده ويسره ما يراه يصنع . قرأت على أحمد بن مُحَمَّد المقدسي الزاهد أخبرك أبو
إسحاق إِبْرَاهِيم بن عثمان عن مُحَمَّد بن عبد الباقي عن أحمد ابن الحسن قال أبو إسحاق وأنا أحمد بن مُحَمَّد بن علي
بن صَالِح قال: أنا أبو بكر أحمد بن الحسين قالا : أنا أبو علي بن شاذان قال : أنا ابن درستويه قال : أنا يعقوب بن
سُفْيَان ثنا أبو الحسن مهدي ابن عيسى قال: أنا خالد بن عبدالله الواسطيّ عن داود بن أبي هند عن العباس بن عبد
الرحمن عن كندير بن سعيد عن أبيه قال حججت في الجاهلية فبينا أنا أطوف بالبيت إذا رجل يقول :
اردده رب واصطنع عندي يداً
ردّ إليّ راكبي محمداً
قال : قلت من هذا؟ قال: عبد المطلب بن هاشم بعث ابن ابنه في إبل له ضلت، وما بعثه في شيء إلا جاء به،
قال: فما برحت حتى جاء وجاء بالإبلَ معه قال : فقال : يا بني حزنت عليك حزناً لا يفارقني بعده أبداً قالوا :
وكانت أم أيمن تحدث تقول: كنت احضن رَسُوْل الله :﴿ فغفلت عنه يوماً فلم أدر إلا بعبد المطّلب قائماً على
رأسي يقول : يا بركة قلت: لبيك! قال: أتدري أين وجدت ابني ؟ قلت : لا أدري، قال: وجدته مع غلمان
قريباً من السدرة لا تغفلي عن ابني ، فإن أهل الكتاب يزعمون أن ابني نبي هذه الأمة وأنا لا آمن عليه منهم ،
وكان لا يأكل طعامًاً إلا قال: عليّ بابني، فيؤتى به إليه. وروينا عن ابن سعد قال: أنا هِشَام بن مُحَمَّد بن
السَّائب الكلبي قال : حدثني الوليد بن عبد الله بن جمیع الزُّهْرِيّ عن ابن لعبد الرحمن بن موهب بن رباح
الأشعري حليف بني زهرة عن أبيه قال : حدثني مخرمة بن نوفل الزُّهْرِيّ قال : سمعت أمي رقيقة بنت صيفي بن
هاشم بن عبد مناف تحدث - وكانت لدة عبد المطّلب- قالت : تتابعت على قريش سنون ذهبن بالأموال
وأشفين على الأنفس. قالت : فسمعت قائلاً يقول في المنام : يا معشر قريش! إن هذا النبي المبعوث منكم ،
وهذا إبان خروجه ، وبه يأتيكم بالحيا والخصب فانظروا رجلاً من أوسطكم نسباً طوالاً عظاماً أبيض مقرون
الحاجبين أهدب الأشفار ، جعداً أسهل الخدين ، رقيق العرنين ، فليخرج هو وجميع ولده ، وليخرج منكم من
كل بطن وجل فتطهروا وتطيبوا ثم استلموا الركن ، ثم ارقوا إلى رأس أبي قبيس ثم يتقدم هذا الرجل فيستسقي
وتُؤَمّنونُ ، فإنكم ستسقون ، فأصبحت فقصت رؤياها عليهم. فنظروا فوجدوا هذه الصفة صفة عبد المُطّلب
فاجتمعوا إليه، وخرج من كل بطن منهم رجل ففعلوا ما أمرهم به ثم علوا على أبي قبيس ومعهم النبي ﴿،
وهو غلام، فتقدم عبد المطلب وقال : لاهم هؤلاء عبيدك وبنو عبيدك وإماؤك وبنات إمائك ، وقد نزل بنا ما
ترى، وفتابعت علينا هذه السنون فذهبت بالظلف والخف والحافر وأشفت على الأنفس فأذهب عنا الجدب
والتنا بالجيا والخصب فما برحوا حتى سالت الأودية وبرسول ﴿ سقوا فقالت رقيقة بنت أَبي صيفي بن
هاشم بن عبد مناف :
بشيبة الحمد أسقى الله بلدتنا
وقد فقدنا الحيا واجلوذ المطر
فجاد بالماء جونى له سَبل
منا من الله بالميمون طائره
دان فعاشت به الأنعام والشجر
وخير من بشرت يوماً به مضر
مبارك الأمر يستسقى الغمام به
ما في الأنام له عدل ولا خطر"