النص المفهرس
صفحات 501-520
وَأَجْعَلْنَا شَاكِرِينَ لِنِعَمِكَ، مُثْنِينَ بِهَا، قَابِلِينَ لَهَا، وَأَتِمَّهَا عَلَيْنَا )). ( طب ، ك ؛ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ) . ٥٦ - ((اَللَّهُمَّ؛ إِنَّا نَسْألُكَ مُوجِبَاتٍ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ ، ( وَأَجْعَلْنَا شَاكِرِيْنَ لِنِعَمِكَ، مُثْنِيْنَ بِهَا) أي: عليها، ( قَابِلِيْنَ لَهَا، وَأَتِمَّهَا عَلَيْنَا ))) ؛ أي : بدوام ذلك . وإنَّما سأل التوفيق لدوام الشكر!؟ لأنَّ الشكر قيدُ النعم ، فبه تدوم وتبقى ، وبتركه تزول وتحول ، قال الله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا يَأَنفُسِهِمٌ﴾ [١١/ الرعد]، وقال تعالى ﴿لَيِنِ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [٧/ إبراهيم]. فالحقُّ - تقدَّس - إذا رأى عبده قام بحقُ نعمته بالدوام على شكرها ؛ منَّ بأُخرى رآه لها أهلا ، وإِلاَّ ! قطع عنه ذلك . ( طب)؛ أي: أخرجه الطبرانيُّ في ((الكبير))، وكذا في ((الأوسط)). (ك) وأخرجه الحاكم في ((المستدرك)): كلهم؛ ( عَنِ أَبْنِ مَسْعُوْدٍ ) رضي الله تعالى عنه قال: كانَ النَّبِيُّ وَهِ يُعَلِّمُنا هذا الدُّعاءَ. قال الحافظ الهيثميُّ : إسناد ((الكبير)) جيّد. انتهى. ومِن ثَمَّ آثره المصنّف تبعا لـ ((الجامع الصغير)). ٦٥ - ((اللَّهُمَّ؛ إِنَّا نَسْأَلُكَ مُوْجِبَاتٍ) - بكسر الجيم - جمع موجبة ؛ وهي الخصلة التي أوجبت لقائلها الرحمة ؛ أي : مقتضيات (رَحْمَتِكَ ) بوعدك ، فإنَّه لا يجوز الخُلْف فيه ، وإلاّ! فالحقُّ سبحانه لا يجب عليه لأحد شيء ؛ قاله السيوطيُّ . وفي الحفني على (( الجامع الصغير)) : موجبات رحمتك ؛ أي : أسبابها ؛ أي : كلّ قول وفعل مقتضٍ للرحمة ليترتَّب عليها المسبَّبات ، فليس المراد بالموجبات الواجبات ، إذ لا يجب عليه تعالى شيء . انتهى . ( وَعَزَائِمَ): جمع عزيمة (مَغْفِرَتِكَ) ؛ أي : الأسباب المؤكّدة المقتضية ٥٠١ وَالسَّلاَمَةَ مِنْ كُلِّ إِثْمٍ، وَالْغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِّ، وَالْفَوْزَ بِالْجَنَّةِ ، وَالنَّجَاةَ مِنَ النَّارِ )) . (ك ؛ عَنِ أَبْنِ مَسْعُودٍ ) . ٦٦ ـ((اللَّهُمَّ؛ أَقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا تَحُولُ بِهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ لمغفرتك ، يعني : نسألك أعمالاً تعزم وتتأكَّد بها مغفرتك . (وَالسَّلَامَةَ مِنْ كُلِّ إِثْم) يوجب عقاباً؛ أو عتاباً؛ أو نقص درجة، أو غير ذلك . قال العلقمي، قال شيخنا - يعني السيوطيَّ -: قال العراقيُّ: فيه جواز سؤال العصمة !! وقد أنكر بعضهم جواز ذلك ؛ إذالعصمة إنَّما هي للأنبياء والملائكة !! قال: والجواب : أنَّها في حقِّ الأنبياء والملائكة واجبة ، وفي حقِّ غيرهم جائزة ، وسؤال الجائز جائزٌ ، إِلَّ أنَّ الأدب سؤالُ الحفظ في حقِّنا ؛ لا العصمة ، وقد يكون هذا هو المراد هنا . انتهى . وقال العلاَّمة ابن حجر الهيتمي في ((شرح العُباب)) : الحقُّ ما قاله بعض المتأخِّرين : أنَّه إِن قصد التوقِّي عن جميع المعاصي والرذائل في سائر الأحوال امتنع ؛ لأنَّه سؤال مقام النبوّة ، وإن قصد التحقُّظ من أعمال السوء ! فهذا لا بأس به. انتهى (( شرح الأذكار » . ( وَالْغَنِيْمَةَ مِنْ كُلِّ بِرَّ) - بكسر الموحدة - أي: طاعة وخير . ( وَالفَوْزَ بِالْجَنَّةِ، وَالنَّجَاةَ مِنَ النَّارِ))) ، ذكره تعليما لأمّته، لأنَّ متيقٌن الفوز والنجاة . (ك)؛ أي: أخرجه الحاكم في ((المستدرك))؛ (عَنْ) عبد الله ( بْنِ مَسْعُوْدٍ) رضي الله تعالى عنه قال: كانَ مِنْ دعاءِ رسولِ اللهَِّ((اللَّهمَّ ... الخ)). وقال الحاكم : صحيح على شرط مسلم . ٦٦ - ((اللَّهُمَّ؛ أَقْسِمْ لَنَا)؛ أي : اجعل لنا قَسْماً ونصيباً ( مِنْ خَشْيَئِكَ )؛ أي : خوفك المقترن بالتَّعظيم ( مَا تَحُوْلُ) أنت ؛ أي : تحجُز وتمنع ( بِهِ بَيِّتَنَا وَبَيْنَ ٥٠٢ مَعَاصِيكَ ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبُلِّغُنَا بِهِ جَنَتَّكَ ، وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مَصَائِبَ الدُّنْيَا ، معَاصِيْكَ ) ، لأنَّ القلب إذا امتلأ من الخوف أحجمت الأعضاء جميعها عن ارتكاب المعاصي ، وبقدر قلّة الخوف يكون الهجوم على المعاصي ، فإذا قلَّ الخوف جدًّا ؛ واستولت الغفلة ؛ كان ذلك من علامة الشقاء ، ومن ثَمَّ قالوا : المعاصي بريد الكفر ؛ كما أنَّ القُبلة بريدُ الجماع، والغِناءُ بريدُ الزِّنا، والنَّظرُ بريدُ العِشْقِ، والمرضُ بريدُ الموتِ ، وللمعاصي من الآثار القبيحة المذمومة المضرَّة بالعقل والبدن ؛ والدنيا والآخرة ما لا يحصيه إلاَّ الله . ( وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا) - بتشديد اللَّم المكسورة ، ويجوز تخفيفها - أي : توصلنا ( بِهِ جَثََّكَ ) ؛ أي : مع شمولنا برحمتك ، إذ ليست الطاعة وحدَها مبلّغة ، بدليل خبر: ((لَنْ يَدْخُلَ أَحَدُكُمُ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ )) ، قالوا : وَلاَ أنت يا رسول الله ؟ !! قال: ((وَلاَ أَنَا؛ إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللهُ بِرَحْمَتِهِ )) . ( وَمِنَ الْيَقِيْنِ ) ؛ أي : وارزقنا من اليقين بك، ونفوذِ قضائك، وأنَّه لا رادً له ، وبأنَّه لا يصيبنا إِلاَّ مَا كتب الله لنا ، وبأنّ ما أخطأنا لم يكن ليصيبنا ؛ وما أصابنا لَم يكن ليخطئنا . ( مَا تُهَوِّنُ) - بكسر الواو المشدَّدة وبالتحتيّة والفوقيّة - قال ابن الجزري : رواية ((ما تُهَوِّنُ علينا)) بحذف (( به)) يقتضي أن يكون بالتَّحتيّة ، وإثباته يقتضي أن يكون بالفوقيّة !! انتهى . أي: يُسَهَّل ويُخَفَّفُ ( بِهِ عَلَيْنَا مَصَائِبَ الدُّنْيَا) بأن نعلم أنَّ ما قدَّرته لا يخلو عن حكمة ومصلحة واستجلاب منفعةٍ ، وأنَّك لا تفعل بالعبد شيئاً ؛ إلاَّ وفيه صلاحه ، وذلك كموت الولد ، فيلاحظ أنَّ هذه المصيبة في طيِّها رَفْعُ درجات ، وتكفير سيِّئَات ، ويتيَقَّن أنَّها بإرادته تعالى ، فهذا شأن الكاملين . وقوله : ((مصائبَ)) - بالنصب - وقد يرفع على أنَّ ((يَهُون)) - بفتح أوَّله وضمِّ الهاء -: مضارع هان ؛ بالتحتيّة والفوقيّة . والله أعلم . ٥٠٣ وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَِّنَا مَا أَحْبَيْتَنَا، وَأَجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّاً ، وَأَجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا، وَأَنْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا، وَلاَ تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا ، وَلاَ تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَاَ ، ( وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا ) ، لأنَّها طرائق الدلائل الموصلة لمعرفة الله تعالى وتوحيده ؛ من البراهين المأخوذة ، إمّا من الآيات المنزَّلة ؛ وطريق ذلك السمع ، أو من الآيات في الآفاق والأنفس ؛ وطريق ذلك البصر . ( وَقُوَّتِنَا) ؛ أي : قوّة قلبنا الذي عليه مدارُ إيماننا، أو المراد : قوّة سائر قوانا ؛ من الحواسّ الظاهرة والباطنة ، وباقي الأعضاء البدنيّة . ( ما أَخْبَيْتَنَا) ؛ أي: متّعْنا بذلك مدَّة حياتنا، (وَأَجْعَلْهُ) ؛ أي : المذكور من السمع والبصر والقوّة. أو الضمير للتَّمثُّع؛ المأخوذ من: (( متِّعنا)) - على حَدِّ قَوْلِهِ ﴿أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [٨/ المائدة]. ( الوَارِثَ مِنَّا) ، ومعنى وراثتها : لزومُها له عند موته لزومَ الوارث له ؛ قاله المناوي . وقد تقدَّم الكلام عليه . (وَأَجْعَلْ ثَأْرَنَا) - بالمثلَّثة - أي: انتقامنا ونصرنا مقصوراً (عَلى مَنْ ظَلَمَنا)، ولا تجعلنا ممَّن تعدَّى في طلب ثأره ، وأخذ به غير الجاني ، كما كان أهل الجاهليَّة يفعله ، وكما يفعله الآن القبائل أهل البوادي ؛ مِنْ قَتْلِ غير القاتل ، بل ولو كان الآخذ بالثأر من غير أولياء الدم . أو المراد : اجعل إدراك ثأرنا على من ظلمنا فندرك ثأرنا ، وأصل الثأر : الحقد والغضب ، ثمّ استعير لمطالبة دم القتيل . ( وَأَنْصُزْنَا عَلَىْ مَنْ عَادَانًا ) ؛ أي: ظَفِّرْنا عليه وانْتُقِمْ منه ، وهو تعميم بعد تخصيص . ( وَلاَ تَجْعَلْ مُصِيْبَتَنَا فِي دِيْنِنَا ) ؛ أي : لا تصيبنا بما ينقص ديننا ؛ من أكل الحرام ، واعتقاد السوء ، والفترة في العبادة ، والغفلة عن الطاعة . ( وَلاَ تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا) ، الهمُّ : المقصد والحزن ؛ أي : لا تجعل أكبر قصدنا أو حزننا لأجل الدنيا ، فإنَّ ذلك سببُ الهلاك ، بل اجعله مصروفاً في عمل الآخرة. وأشار بـ((أكبر)) أنّ القليل من الهمِّ ممَّا لا بدَّ منه في أمر المعاش له ولعياله ٥٠٤ وَلاَ مَبْلَغَ عِلْمِنَا، وَلاَ تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لاَ يَرْحَمُنَا)). (ت، ك؛ عَنِ آبْنِ عُمَرَ ) . ٦٧ - (اللَّهُمَّ؛ أَحْسِنْ عَافِتَنَا فِي الأُمُورِ كُلِّهَا، وَأَجِرْنَا مِنْ خِزْيِ الدُّنْيَا مرخّص فيه ، بل مستحبٌّ ؛ على ما صرَّح به القاضي عياض ، والمضرُّ الانهماك . ( وَلاَ مَبْلَغَ عِلْمِنَا) - بفتح الميم واللَّم ، بينهما موحدة ساكنة ــ : وهو الغاية التي يبلغها الماشي والمحاسب فيقف عندها ، أي : لا تجعلنا بحيث لا نعلم ولا نتفكّر إلا في أحوال الدنيا ، بحيث تكون جميعُ معلوماتنا الطرقَ المحصِّلة للدنيا ، والعلوم الجالبة لها ، بل اجعلنا متفكِّرين في أمر العُقبى ، متفخّصين عن العلوم الفاخرة المتعلّقة بأمور الآخرة . ومجمله : لا تجعل علمنا غير متجاوز عن الدنيا مقصوراً عليها ؛ بل اجعله متجاوزا عنها إلى الآخرة . (وَلاَ تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لاَ يَرْحَمُنَا)))؛ أي: لا تجعلنا مغلوبين للظَّلَمة والكَفَرة والفَجَرة ، ولا تجعلهم علينا حاكمين . ويجوز حمله على ملائكة العذاب في القبر ؛ أو في النار ، ولا مانع من إرادة الجميع . (ت، ك)؛ أي: أخرجه الترمذيُّ في ((الدعوات))، وقال : حديث حسن ، وأخرجه الحاكم في ((المستدرك))، وقال : صحيح على شرط البخاريِّ . ( عَنِ أَبْنِ عُمَرَ ) بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما ؛ قال : قلَّما كان رسول الله ◌َّ يقومُ مِنْ مجلسٍ حتَّى يدعو بهذه الدَّعَوَاتِ . ورواه عنه أيضا النسائيُّ، وفيه عبد الله بن زحر: ضعَّفوه، فالحديث لأجله حسن؛ لا صحيح. انتهى (( مناوي)) . ٦٧ - ((اللَّهُمَّ؛ أَحْسِنْ عَاقِبَتَنَا) ؛ أي: آخرة أمرنا ( فِي الأُمُوْرِ كُلِّهَا ) ؛ أي : اجعل آخر كلّ عمل لنا حسناً ، فإنَّ الأعمال بخواتيمها . ( وَأَجِزْنَا مِنْ خِزْي الذُّنْيَا) ؛ أي: رَزَاياها ومصائبها وخِدَعها، وتسلُّط الأعداء ٥٠٥ وَعَذَابِ الْآخِرَةِ )). ( حم، حب، ك ؛ عَنْ بُسْرِ بْنِ أَرْطَأَةَ [رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ] ) . ٦٨ - ((يَا وَلِيَّ الإِسْلاَمِ وَأَهْلِهِ. وشماتتهم، ( وَعَذَابِ الآخِرَةِ ))) زاد الطبرانيُّ: فمَن كان هذا دعاءَه مات قبل أن يصيبه البلاء ، وهذا من جنس استغفار الأنبياء ؛ مع كونهم علموا أنَّهم مغفور لهم !! قال الشوكانيُّ : هذا الدعاء من جوامع الكلم ، لأنَّه إذا أحسن الله تعالى عاقبة العبد في الأمور كلِّها فاز في جميع أموره ، ووقعت أعمالُه مرضيّة مقبولة ، وجنّه ما لا يرضيه ، ووقَّقه وسدَّده وثبَّته حتى تحسن عاقبة أموره . وفي الحديث دليلٌ على مشروعيَّة سؤال الله عزَّ وجلَّ أن يحسِّن للداعي عاقبة أموره كلِّها، وأعظم الأمور وأجلّها وأهمُّها : حسن خاتمة عمره ، فإنَّه يلقى ربَّه على ما ختم له به ؛ إن خيراً فخير ، وإن شرّاً فشرٌّ . انتهى . ( حم، حب، ك)؛ أي: أخرجه الإمام أحمد في (( مسنده)) ، وابن حِبَّان وصحَّحه: والحاكم في ((مستدركه)) وصحَّحه كلهم ؛ (عَنْ بُشْرِ ) - بضم الموحدة وسكون المهملة - ( بْنِ أَرْطَاةَ) . قال المناوي : صوابه ابن أبي أرطاة ؛ كما في ((الإصابة))، قال ابن حبَّان: ومَن قال: ابن أرطاة فقد وَهِمَ . وهو قرشيٍّ عامريٌّ ، مختلف في صحبته ، ولاَّه معاوية اليمن ؛ فأفسد وعتا وتجبَّر. قال ابن عساكر : له باليمن آثار غير محمودة . وقتل عبد الرحمن وقثم : ابني عبيد الله بن عبَّاس، وخلقاً ، حتَّى مَن لم يبلغ الحُلم ؛ كولد زينب بنت فاطمة بنت عليٍّ كرم الله وجهه . قال يحيى بن معين : كان بُسر رجل سوء ، وأهل المدينة ينكرون سماعه من النَّبِي ◌َِّ. انتهى ملخصاً ؛ ذكره المناوي. وأخرجه الطبرانيُّ في ((الكبير))، قال في ((مجمع الزوائد »: وإِسناد أحمد وأحدُ إِسنادَيْ الطبرانيّ ثقاتٌ . انتهى . ٦٨ - ((يا وَلِيَّ)؛ أي: يا ناصر (الإِسْلاَم وَأَهْلِهِ؛) يا متولِّيَ أُمور العالم ٥٠٦ ثَبَّتِي بِهِ حَتَّى أَلْقَاكَ )) . ( طب ؛ عَنْ أَنَسٍ ) . ٦٩ - ((اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ الْمَسْأَلَةِ؛ وَخَيْرَ الدُّعَاءِ، وَخَيْرَ النَّجَاحِ، وَخَيْرَ الْعَمَلِ، وَخَيْرَ الثَّوَابِ، وَخَيْرَ الْحَيَاةِ، وَخَيْرَ الْمَمَاتِ ، وَثَبْنِي وَثَقِّلْ مَوَازِينِي ، وَحَقِّقْ إِيمَانِي، وَأَرْفَعْ دَرَجَتِي ، وقائماً بها ( ثَبَّتْنِيْ بِهِ ) ؛ أي : الإسلام ، أي : عليه بأن أكون متمسِّكا به ، ومتَّصفا به ( حَتَّى أَلْقاكَ ))) ؛ أي : حتَّى تتوفّاني على الإسلام. ( طب)؛ أي: أخرجه الطبرانيُّ في ((الكبير))؛ (عَنْ أَنَسٍ ) رضي الله عنه . ٦٩ - ((اللَّهُمَّ؛ إِنِّيْ أَسْأَلُكَ خَيْرَ المَسْأَلَةِ): وهو أقواها تأثيراً في الإِجابة ، وأحسنُها جمعاً للمطلوب الذي العبدُ أحوج إليه من غيره ، وهكذا قوله : ( وَخَيْرَ الدُّعَاءِ ) ، والمراد أنَّه طلب من الله تعالى أن يرشده إلى خير المسألة التي يُسأل بها عزَّ وجلَّ ، وإلى خير الدُّعاء الذي يدعى به سبحانه وتعالى . (وَخَيْرَ النَّجَاحِ) ؛ أي: التمام والكمال، (وَخَيْرَ العَمَلِ ) الذي أعملُه ، وهو أكثر الأعمال ثواباً . ( وَخَيْرَ الثَّوَابِ ) الذي يُئاب به العباد على أعمالهم . ( وَخَيْرَ الحَيَاةِ )؛ وهو : أن يكون في طاعة الربِّ سبحانه وتعالى ، مجتنباً معاصِيَه . ( وَخَيْرَ المَمَاتِ ) ؛ وهو : أن يموت مرضيّاً عنه ، مغفوراً له ، مثاباً ، متثبّاً ، مختوماً له بالسعادة ؛ وبكلمة الشهادة . ( وَثَبِّتْنِيْ) في جميع الأفعال والأقوال ، ( وَثَقِّلْ مَوَازِيْنِيْ ) بكثرة الحسنات حتَّى ترجح على السيئات ؛ فبذلك يكون الفوز والسعادة . (وَحَقّقْ إِنْمَانِيْ ) بأن تجعله ثابتاً قَوِيّاً ، فإنَّ قوَّة الإِيمان سبب للرِّضا بالقضاء ، وللإذعان لأحكام القدر ، وذلك أصلٌ كبير يوجب الفوز بالسعادة . ( وَأَرْفَعْ دَرَجَتِيْ) في الدار الآخرة . ويمكن أن يكون المقصودُ رفعَها في الدارين ؛ لأنَّ رفعها في الدنيا لمثل الأنبياء والصالحين يكون سبباً لقبول قولهم ٥٠٧ وَتَقَبَّلْ صَلاَتِي ، وَأَغْفِرْ خَطِيئَتِي، وَأَسْأَلُكَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى مِنَ الْجَنَّةِ . آمِينَ . اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَسْأَلُكَ فَوَاتِحَ الْخَيْرِ، وَخَوَاتِمَهُ وَجَوامِعَهُ ، وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، وَظَاهِرَهُ وَبَاطِنَهُ ، وَالدَّرَجَاتِ الْعُلَىُ مِنَ الْجَنَّةِ. آمِينَ . اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ مَا آتِي، وَخَيْرَ مَا أَفْعَلُ، وَخَيْرَ مَا أَعْمَلُ، وَخَيْرَ مَا بَطَنَ، وَخَيْرَ مَا ظَهَرَ، وَالذَّرَجَاتِ الْعُلَى مِنَ الْجَنَّةِ. آمِينَ. اللَّهُمَّ ؛ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ تَزْفَعَ ذِكْرِي ، وامتثال ما يرشدون إليه من الحقِّ . ( وَتَقَبَّلْ صَلاَّتِيْ ) ، لأنها رأس الإِيمان وأساسه ، وقبولُها يستلزم قبولَ غيرها . ( وَأَغْفِرْ خَطِيْئَتِيْ ) ؛ أي : ذنبي ، لأنَّ ذلك من أعظم المطالب. (وَأَسْأَلُكَ الدَّرَجَاتِ العُلَى مِنَ الجَنَّةِ. آمِيْنَ . اللَّهُمَّ ؛ إِنِّيْ أَسْأَلُكَ فَوَاتِحَ الخَيْرِ ، وَخَوَاتِمَهُ) ؛ جمع بذلك بين طرفي الخير . ( وَجَوَامِعَهُ) ، سأل الجوامع !! لأنَّ ما يجمع الأمر المتفرّق هو أقرب إلى ضبطه ، وأسهل لتيشُّره ، وأقرب لحصوله ، ثمَّ أَكَّد الطلب بقوله : ( وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، وَظَاهِرَهُ وَبَاطِنَهُ، وَالدَّرَجَاتِ العُلَىْ مِنَ الجَنَّةِ. آمِيْنَ) وتمَّمه بالتَّأمين تأكيداً لما قبله . ( اللَّهُمَّ ؛ إِنِّيْ أَسْأَلُكَ خَيْرَ مَا آتِيْ) من جميع الأمور ، فيشمل الأقوال والأفعال . ( وَخَيْرَ مَا أَفْعَلُ، وَخَيْرَ مَا أَعْمَلُ، وَخَيْرَ مَا بَطَنَ، وَخَيْرَ مَا ظَهَرَ ) - من عطف الخاصّ على العامّ - ( وَالذَّرَجَاتِ العُلَىْ مِنَ الجَنَّةِ . آمِيْنَ) كرَّر سؤال الدرجات العُلى في الجنَّة !! لأنَّها المقصود بالذات ، وما سواها وسيلة إليها . ( اللَّهُمَّ ؛ إِنِّيْ أَسْأَلُكَ أَنْ تَرْفَعَ ذِكْرِيْ ) ؛ أي : تجعل لي ثناءً حسناً في الناس ، ٥٠٨ وَتَضَعَ وِزْرِي، وَتُصْلِحَ أَمْرِي، وَتُطَهِّرَ قَلْبِي، وَتُحَصِّنَ فَرْجِي ، وَتُنَوِّرَ قَلْبِي ، وَتَغْفِرَ لِي ذَنْبِي ، وَأَسْأَلُكَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى مِنَ الْجَنَّةِ . آمِينَ . اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ تُبَارِكَ لِي فِي سَمْعِي ، وَفِي بَصَرِي ، لأنَّه يترتَّب على ذلك مصالح ؛ منها : انقياد النَّاس له إِلى الحقِّ ، ومنها : امتثال موعظته وأوامره بالخير . وقد سأل ذلك خليل الله إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام ، كما حكى الله ذلك عنه بقوله: ﴿وَأَجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِىِ الْآَخِرِينَ اهـ ﴾ [الشعراء] . وقد وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ امتنَّ الله سبحانه وتعالى نبيَّه وَلّ؛ فقال ﴿ (١﴾ [الشرح] . ( وَتَضَعَ وِزْرِيْ )؛ أي : تغفر ذنوبي وتعفو عن قبائحي، ( وَتُصْلِحَ أَمْرِيْ ) مفرد مضاف فيشمل جميع الأمور . ( وَتُطَهِّرَ قَلْبِيْ) من النِّفاق ، والحقد، والحسد ، والكبر ، وسائر الأخلاق الذميمة ، لأنَّ القلب إذا تطهّر أبصر الحقَّ فتَبِعَه، وعرف الباطل فاجتنبه. وعبَّر بـ((تطهّر)) !! إشارة أنَّ هذه الأخلاق الذميمة نجاساتٌ ، فما دام القلب متلطّخاً بها ؛ فهو متنجِّس ، وصلاح القلب بزوالها عنه . ( وَتُحَصِّنَ فَرْجِيْ ) ؛ أي : تحفظه من الوقوع في المحرَّمات التي سببها النَّظر المحرَّم ، ( وَتُنَوِّرَ قَلْبِيْ ) ، لأنَّ تنوير القلب يستلزم الهداية إلى الحقِّ واتِّباعه ، واجتناب الباطل والنفور عنه . ( وَتَغْفِرَ لِي ذَنْبِيْ)، لأنَّ بمغفرة الذُّنوب فوزَ العبد في الدار الآخرة . (وَأَسْأَلُكَ الدَّرَجَاتِ العُلَىُّ مِنَ الجَنَّةِ . آمِيْنَ . اللَّهُمَّ ؛ إِنِّيْ أَسْأَلُكَ أَنْ تُبَارِكَ لِيْ فِي سَمْعِيْ ، وَفِي بَصَرِيْ ) ، سأله أن يبارك له في سمعه وبصره !! لأنَّ بالسمع تَلَقِّي جميع المسموعات ، وبالبصر إدراك جميع المبصرات ، وإذا بورك له فيهما قَبِل الحقَّ وردَ الباطل ، وهكذا المباركة في الرُّوح المذكور في قوله : ٥٠٩ وَفِي رُوحِي ، وَفِي خَلْقِي ، وَفِي خُلُقِي ، وَفِي أَهْلِي ، وَفِي مَحْيَايَ ، وَفِي مَمَاتِي ، وَفِي عَمَلِي ، ( وَفِي رُوْحِيْ ) ، فإنَّ الرُّوح إذا كانت مباركةً كانت جميع الأعمال الصادرة عنها مباركةً جارية على الصَّواب ؛ ماشية على الصِّراط المستقيم . وقد يراد بالروح هنا نفس الشّخص ، ليكون من عطف العامِّ على الخاصّ . ( وَفِي خَلْقِيْ ) - بفتح الخاء المعجمة وإسكان اللَّم - : هو جمال الصورة الظاهرة ، ( وَفِي خُلُقِيْ) - بضمتين -: الصورة الباطنة في الإنسان، وإذا بورك فيهما كان سبباً لجلب الخير ودفع الشرِ. وقد ورد في حسن الأخلاق أدلَّة ليس هذا موضع بسطها ، ويغني عن ذلك ما وصف الله سبحانه وتعالى نبيَّه وَله بقوله ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾﴾ [٤/ القلم] . فإذا كان الرسول وَل﴿ على خلق عظيم، ومدحه الله تعالى على ذلك ؛ فينبغي لكلِّ مقتدٍ به أن يكون على خلق عظيم . ( وَفِي أَهْلِيْ ) ، لأنَّه إذا بارك الله له في الأهل كانوا له قرَّة عين ، ومسرَّة قلب ، وجرت أموره على الصلاح والسداد ، وتمسَّكوا بهدي صالح العباد . وأهل الرّجل عشيرتُه وذوو قرباه، ومنه قوله تعالى ﴿فَأَبْعَثُواْ حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ. وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَاً﴾ [٣٥/ النساء]. ومن المجاز ((الأهل للرّجل)): زوجته ، ويدخل فيه الأولاد ، ولا مانع من إرادة هذه المعاني . وقال الراغب - وتبعه المناوي ـ: أهل الرجل من یجمعه وإیًّاهم نسبٌ أو دین ، أو ما يجري مجراهما ؛ من صناعة وبيت وبلد ، فأهلُ الرجل مَن يجمعه وإيَّاهم مسكن واحد ، ثمَّ تجوّز فقيل : أَهل بيته من يجمعه وإياهم نسب أو ما ذكر ، وتعورف في أسرة النَّبِيِّ وَلّ مطلقاً. ، ( وَفِي مَحْيَايَ ؛ وَفِي مَمَاتِيْ ) ، لأنَّ من بورك له فيهما فاز بخيري الدنيا والآخرة . ( وَفِي عَمَلِيْ) ، لأنَّ العمل إذا بورك فيه تكاثر ثوابه ، وتضاعف أجره . ٥١٠ وَتَقَبَّلْ حَسَنَاتِ، وَأَسْأَلُكَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى مِنَ الْجَنَّةِ. آمِينَ)). ( ك ، طب؛ عَنْ أُمّ سَلَمَةَ ). ٧٠ - ((يَا مَنْ لاَ تَرَاهُ أَلْعُيُونُ ، ( وَتَقَبَّلْ حَسَنَاتِيْ) ، لأنَّها إذا كانت مقبولة كانت ذخيرة لصاحبها ؛ يستحقُّ ثوابها . ( وَأَسْأَلُكَ الدَّرَجَاتِ العُلَى مِنَ الجَنَّةِ. آمِيْنَ))) ختم الدعاء بذلك !! لأنَّه من أعظم مقاصد أنبياء الله تعالى وصالح عباده . (ك، طب)؛ أي: أخرجه الحاكم في ((المستدرك))، والطبرانيُّ في ((الكبير))، أي: و((الأوسط)): كلهم؛ من حديث أمِّ سلمة رضي الله تعالى عنها؛ عن النَّبِنَّهِ قالت: هذا ما سأل محمَّدٌ وَّهِ ربَّهُ: اللَّهُمَّ؛ إِنِّيْ أَسْأَلُكَ خَيْرَ المَسْأَلَةِ)) ... الحديث. هكذا ساقه الحاكم في (( المستدرك )) بهذا اللَّفظ الذي ذكره المصنّف من حديثها ، وساقه الطبرانيُّ من حديثها ببعض هذه الألفاظ، وبألفاظ أُخَر . قال الحافظ الهيثميُّ في ((مجمع الزوائد »: رواه الطبرانيُّ في ((الأوسط))؛ ورجاله رجال الصحيح ، غير محمد بن زنبور وعاصم بن عبيد ، وهما من الثُّقات . وساقه الطبرانيُّ في ((الكبير))؛ من طريقٍ آخرَ ( عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) رضي الله تعالى عنها . انتهى. من ((تحفة الذاكرين)). ٧٠ - ((يَا مَنْ لاَ تَرَاهُ العُيُوْنُ) ؛ أي: في الدنيا، وأمَّا في الآخرة ! فقد صحَّت السنَّة المتواترة بأنَّ العباد يرون ربَّهم عزَّ وجلَّ ، ولا التفات إلى المجادَلة الواقعة بين منكري الرؤية ، فكلُّها خيالات مختلّة ، وعلل معتلّة . وما تمسّكوا به من الدليل القرآني !! فهو مُعَارَض بمثله من القرآن ، والرجوعُ إلى السنَّة المتواترة واجبٌ على كلِّ مسلم . وأمَّا ما تمسّكوا به من الأدلَّة العقليّة !! فهو السراب الذي يحسبه الظمآن ماء ٥١١ وَلاَ تُخَالِطُهُ الْظُنُونُ ، وَلاَ يَصِفُهُ الْوَاصِفُونَ، وَلاَ تُغَيِّرُهُ الْحَوَادِثُ ، وَلاَ يَخْشَىْ الدَّوَائِرَ ، يَعْلَمُ مَثاقِيلَ الْجِبَالِ، وَمَكَابِيلَ أَلْبِحَارِ ، حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً !! وليس لنا في هذا إلاَّ ما جاءنا من طريق رسوله وليه ، وقد جاءنا بما لا تبقى معه شبهة ، ولا يرفعه شكٌّ، ولا يدخله خيال . انتهى . ( تحفة الذاكرين ) للشوكاني رحمه الله تعالى . (وَلاَ تُخَالِطُهُ الُّنُوْنُ ) ، قال الشوكانيُّ: أي: أنَّ علمه عزَّ وجلَّ عن يقين ، فهو العالم بخفِيَّات الأمور ودقائقها ؛ كما يعلم بظواهرها وجلياتها . انتهى . وقال ابن الجزري : أي لا يدخل في علمه شكّ ، بل يعلم الجزئيَّات على وجه التحقيق . وقال عليّ القاري: والأولى أن يقال : المعنى : لا تبلغ كُنْهَ ذاته وصفاته الأوهامُ والظنون ، حتى يناسب ما قبله وما بعده . وقيل : معناه يعلم الكليَّات والجزئيَّات ؛ إجمالاً وتفصيلاً ، ولا يدخل في علمه شكّ ولا ظنٍّ ولا وهم ، بل هو يعلم الكليَّات جميعاً على ما هي عليه . ( وَلاَ يَصِفُهُ الوَاصِفُوْنَ ) ؛ أي : يعجز الواصفون عن وصف حقيقته تبارك وتعالى ، كما يعجز العادُّون عن إحصاء نعمته ؛ أي : لا يقدرون على ذلك ، كما قال عزَّ وجلَّ ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ، عِلْمًا ﴾﴾ [طه]. فلا أحد من عباده يقدر على إحصاء الثناء عليه والوصف له ، بل : هو كما أثنى على نفسه . ( وَلاَ تُغَيِّرُهُ الحَوَادِثُ ) الكائنة في الزمان على اختلاف أنواعها ، لأنه إنَّما تُغَيِّرُ بتغيّرها العالم الحادث ؛ لا القديم الواجب الوجودِ والبقاءِ سبحانه وتعالى . ( وَلاَ يَخْشَىْ الدَّوَائِرَ ) ؛ أي : لا يخاف عواقب الأمور وحوادث الدُّهور . وقال ابن الجزري : أي : دوائر الزمان وتقلُّباته . ( يَعْلَمُ مَثاقِيْلَ الجِبَالِ ) ؛ أي : مقادير وزنها وعدد حصيَّاتها . ( وَ) يعلم ( مَكَابِيْلَ البِحَارِ ) ؛ أي: مقدارها كيلاً وعدد قطراتها . ٥١٢ وَعَدَدَ قَطْرِ الأَمْطَارِ، وَعَدَدَ وَرَقِ الأَشْجَارِ ، وَعَدَدَ ما أَظْلَمَ عَلَيْهِ اللَّيْلُ وَأَشْرَقَ عَلَيْهِ النَّهَارُ ، (وَ) يعلم (عَدَدَ قَطْرِ الأَمْطارِ)؛ أي: قَطَراتها النازلة من السماء ، فوق الجبال والبحار، والبراري والقفار وغيرها. والقَطْر: جمع قَطْرة - على ما في ((الصحاح)) - والأصحُ : أنَّه اسم جنس جَمْعِيٌّ يفرَّق بينه وبين مفرده بالتاء ، واحده قَطْرة . ( وَ) يعلم (عَدَدَ وَرَقٍ): اسم جنس جمعيّ؛ واحده ورقة. (الأَشْجَارِ ) والنبات والأزهار ، والأشجار : جمع شَجَر ، وواحد الشجر شجرة : وهي ما له ساق من نبات الأرض . ( وَ) يعلم (عَدَدَ ما أَظْلَمَ) فعلٌ لازم (عَلَيْهِ اللَّيْلُ): هو من غروب الشمس إلى طلوع الفجر ، وقيل : إلى طلوع الشمس، وأظلم اللَّيل : اشتدَّ ظلامه ، وعدد ما أظلم عليه ، أي : عدد ما اشتمل عليه ظلامه ، أو اشتمل عليه بظلامه . ( وَأَشْرَقَ ) فعل لازم ( عَلَيْهِ النَّارُ ) : هو عند العرب من طلوع الفجر إلى غروب الشَّمس ، وقيل : من طلوع الشَّمس ، واليوم من طلوع الفجر ، ومعنى أشرق عليه النهار : اشتمل عليه بنوره وإسناد الإشراق إلى النَّهار مجازيٌّ ؛ من باب الإسناد إلى الزمان، وهو في الحقيقة للشَّمس . والواو في ((أشرق)): الأقرب أنَّها بمعنى ((أو))، فيعمُّ ما بقي حتى اشتمل عليه اللَّيل والنهار معاً ، وما اشتمل عليه أحدهما فقط ؛ ١ - كالأجرام التي لا توجد في أحدهما وتعدم فيه . و٢ - كالأغراض ولا سيَّما على القول بأنّ العرض لا يبقى زمانين ، وهذا هو المناسب للمقام . و٣ - المعدودات التي يمرُّ عليها اللَّيل والنهار : هي الموجودات التي في عالم الملك ، وهي جميع هذا العالم الكائن بالأرض ؛ من حيوان وجماد ، لأنَّ اللَّيل والنَّهار إنَّما يجريان بالأرض . ٥١٣ وَلاَ تُوَارِي مِنْهُ سَمَاءٌ سَمَاءٌ ، وَلاَ أَرْضٌ أَرْضاً ، وَلاَ بَحْرٌ مَا فِي قَعْرِهِ ، وَلاَ جَبَلٌ مَا فِي وَعْرِهِ .. اِجْعَلْ خَيْرَ عُمُرِي آخِرَهُ، وَخَيْرَ عَمَلِي خَوَاتِمَهُ ، وَخَيْرَ أَتَامِي يَوْمَ أَلْقَاكَ فِيهِ » . ( وَلاَ تُوَارِيْ ) ؛ أي : لا تخفي ولا تستر ولا تحجب ( مِنْهُ) ؛ أي : من الله ( سَماءٌ سَمَاءً ) ، أي : سماءً فوقها أو تحتها ، فإنَّ علمه سبحانه وتعالى يستوي فيه جميع الأشياء من العلويَّات والسفليَّات ، والجزئيّات والكليَّات ؛ في عالم الملك والملكوت ، والغيب والشهادة . ( وَلاَ) تواري منه ( أَرْضٌ أَرْضاً، وَلاَ بَحْرٌ) يواري ( مَا فِي قَعْرِهِ ) : نهاية أسفله ؛ من الجواهر والحيوانات والنباتات . ( وَلاَ جَبَلٌ ) يواري ( مَا فِي وَعْرِهِ) ، أي: جوفه ؛ من المعادن والينابيع وغيرهما . قال الله تعالى ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾﴾ [النحل]. والمعنى : أنَّ علمه تعالى محيطٌ بجميع الموجودات والمعدومات ، الواجبات والجائزات والمستحيلات ، يعلم الأشياء كما هي عليه في الواقع ؛ فلا يحجبها عنه حاجب ، ولا يحول بينه وبينها حائل ؛ لا سماء ولا أرض ، ولا بحر ولا جبل . قال الله سبحانه وتعالى ﴿ وَمَا تَكُونُ فِ شَأْنٍ وَمَا نَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْءَانٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا ك ◌ُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيَةٍ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ زَّيِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِ السَّمَآءِ﴾ [٦١/ يونس] . ( أَجْعَلْ خَيْرَ عُمُرِيْ آخِرَهُ) ؛ لأنَّ وقت الضعف والعجز عن الكسب ، ( وَ) اجعل (خَيْرَ عَمَلِيْ خَوَاتِمَهُ)، لأنَّ دوائر السعادة والشقاوة تدور على الخاتمة ۔ کما تدل عليه الأحادیث ۔۔ ( وَ) اجعل (خَيْرَ أَيَّامِيْ يَوْمَ أَلْقَاكَ فِيْهِ))) ؛ أي: وقت أَحضر عندك بالموت ؛ 1 أو بالبعث . سأل الله تعالى أن يكون خير أيَّامه يوم يلقاه سبحانه وتعالى !! لأنّ ذلك الوقت ٥١٤ ( طب ؛ عَنْ أَنَسٍ ) . هو وقتُ الظَّفر بالرحمة الواسعة ، والفوز بما لا خير يساويه ، ولا نعمة تضاهيه . وكون ذلك اليوم خيرَ أيَّامه يستلزمه أن يكون ينال فيه ما يرجوه ويظفر بما يطلبه ، لأنَّه لو لم يحصل له ذلك لم يكن خيرَ أيَّامه . وقد سمع رسول الله وَ﴿ هذا الدعاء وَقَرَّرَهُ؛ فكان الدعاء به من السُّنَّة ، وقد تقرَّر أنَّ السنَّة قوله وَّهِ وفعله وتقريره . ( طب) ؛ أي: أخرجه الطبرانيُّ في (( الكبير))؛ (عَنْ أَنَسٍ ) رضي الله تعالى عنه قال: إنَّ النَّبيَّ ◌َِّ مرَّ بأعرابيٍّ؛ وهو يدعو في صلاته، وهو يقول : يا مَنْ لا تَراهُ العيون ... إلى آخر الدعاء. قال أنس: فَوَكَلَ رَسولُ اللهِنَّهِ بالأعرابيِّ رجلاً؛ فقال: ((إِذا صَلَّى فَأْتِنِي بِهِ))، فلمَّا صلَّى أتاه الأعرابيُّ - وقد كان أُهْدِي لرسول الله وَلِّ ذَهَب من بعض المعادن -، فلمّا أتاه الأعرابيُّ وَهَب له الذهب، وقال: (( مِمَّنْ أَنْتَ ؛ يا أَعْرَابِيُّ؟! )) قال: من بني عامر بن صَعْصَعَة ؛ يا رسول الله . قال : (( يا أَعْرَابِيُّ ؛ هَلْ تَذْرِيْ لِمَ وَهَبْتُ لَكَ الذَّهَبَ !؟)) قال: للرَّحِمِ بيننا وبينك، قال: ((إنَّ لِلرَّحِمِ حَقّاً، وَلَكِنْ وَهَبْتُ لَكَ الذَّهَبَ لِحُسْنِ تَنَائِكَ عَلى اللهِ تَعالى)). قال في ((مجمع الزوائد)): رواه الطبرانيُّ في ((الأوسط))، ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الأذرمي : وهو ثقة . انتهى . وفي « حياة الحيوان )) للكمال الدميري رحمه الله تعالى : فائدة : روى ابن بَشْكَوَال بسنده إلى أحمد بن محمد العطَّار ؛ عن أبيه قال : كان لنا جار فأُسِرَ ، وأقام في الأَسْر عشرين سنة ؛ وأيس أن يرى أهله . قال : فبينما أنا ذات ليلة أفكّر فيمن خلَّفت من صبياني وأبكي ؛ وإذا أنا بطائر سقط فوق حائط السِّجن يدعو بهذا الدعاء !. قال : فتعلَّمته من الطائر ، ثمَّ دعوت الله به ثلاث ليال متتابعات ، ثمَّ نمت ، فما استيقظت ؛ إلاَّ وأنا في بلدي فوق سطحِ داري . قال : ٥١٥ فنزلت إلى عيالي فَسُرُّوا بي بعد أن فزعوا منِّي ؛ لمَّا رأوني ورأوا ما بي من تغير الحال والهيئة ، ثمَّ إِنِّي حججت من عامي ، فبينا أنا أطوف وأدعو بهذا الدعاء إذا أنا بشيخ قد ضرب يده على يدي ؛ وقال لي : من أين لك هذا الدعاء ؟! فإن هذا الدُّعاء لا يدعو به إلا طائر ببلاد الرُّوم. [قلت]: تعلَّمت الدعاء من الطائر !! فقال : صدقت . فسألت الشيخ عن اسمه فقال : أنا الخَضِرُ . وهو هذا الدعاء : (( اللَّهُمَّ إِنِّيْ أسألكَ؛ يا مَنْ لاَ تراهُ العُيُونُ، ولا تخالطُهُ الظُّنُونُ، ولا يَصِفُهُ الوَاصِفُونَ، ولا تغيِّره الحوادثُ ولا الدُّهورُ، يعلم مَثاقِيْلَ الجِبَالِ، ومَكَائِيْلَ البِحَارِ، وعددَ قَطْرِ الأَمْطَارِ، وعَدَدَ وَرَقِ الأَشجارِ، وعَدَدَ مَا يُظْلِمُ عَلَيْهِ اللَّيْلُ وَيُشْرِقُ عَلَيْهِ النَّهَارُ ، وَلاَ تُوَارِيْ مِنْهُ سَمَاءٌ سَمَاءً ، وَلاَ أَرْضٌ أَرْضاً ، وَلاَ جَبَلٌ إِلاَّ يَعْلَمُ مَا فِيْ وَعْرِهِ وَسَهْلِهِ ، وَلاَ بَحْرٌ إِلَّ يَعْلَمُ مَا فِيْ قَعْرِهِ وَسَاحِلِهِ . اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ تَجْعَلَ خَيْرَ عَمَلِي آخِرَهُ، وَخَيْرَ أَيَّامِي يَوْمَ أَلْقَاكَ فِيْهِ ، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ . اللَّهُمَّ مَنْ عَادَانِي فَعَادِهِ ، وَمَنْ كَادَنِي فَكِدْهُ ، وَمَنْ بَغَى عَلَيَّ بِهَلَكَةٍ فَأَهْلِكْهُ، وَمَنْ أَرَادَنِي بِسُوْءٍ فَخُذْهُ ، وَأَطْفِىءْ عَنِّي نَارَ مَنْ أَشَبَّ لِيْ نَارَهُ ، وَأَكْفِي هَمَّ مَنْ أَدْخَلَ عَلَيَّ هَمَّهُ ، وَأَدْخِلْنِي فِي دِرْعِكَ الحَصِيْنَةِ ، وَأَسْتُرْنِي بِسَتْرِكَ الوَاقِي؛ يَا مَنْ كَفَانِي كُلَّ شَيْءٍ، إِكْفِي مَا أَهَمَّنِي مِنْ أَمْرِ الذُّنْيَا وَالآخِرَةِ ، وَصَدِّقْ قَوْلِي وَفِعْلِي بِالتَّحْقِيْقِ ؛ يَا شَفِيْقُ ، يَا رَفِيْقُ ؛ فَرِّجْ عَنِّي كُلَّ ضِيْقٍ ، وَلاَ تُحَمِّلْنِيْ مَا لاَ أُطيقُ، أَنْتَ إِلَهِي الحَقُّ الْحَقِيْقُ، يَا مُشْرِقَ البُرْهَانِ، يَا قَوِيَّ الأَرْكَانِ ، يَا مَنْ رَحْمَتُهُ فِيْ كُلِّ مَكَانٍ ؛ وَفِيْ هُذَا الْمَكَانِ ، يَا مَنْ لاَ يَخْلُو مِنْهُ مَكَانٌ ، أَحْرُسْنِي بِعَيْنِكَ الَّتِي لاَ تَنَمُ ، وَأَكْتُفْنِي فِي كَنَفَكَ أَلَّذِي لاَ يُرَامُ . إِنَّهُ قَدْ تَيَقَّنَ قَلْبِي أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ، وَأَنِّي لاَ أَهْلِكُ وَأَنْتَ مَعِي ؛ يَا رَجَائِي ، فَأَرْحَمْنِي بِقُدْرَتِكَ؛ ◌َا عَلِيُّ، يَا عَظِيْماً يُرْجَىْ لِكُلِّ عَظِيْمٍ، يَا عَلِيْمُ يَا حَلِيْمُ ، أَنْتَ بِحَاجَتِي عَلِيْمٌ، وَعَلَى خَلاَصِي قَدِيْرٌ، وَهُوَ عَلَيْكَ يَسِيْرٌ، فَآَمْنُنْ عَلَيَّ بِقَضَائِهَا ؛ ٥١٦ الثَّلاثَةُ الأَخِيرَةُ مِنَ (الْحِصْنِ الْخَصِينِ)). يا أَكْرَمَ الأَكْرَمِيْنَ، يَا أَجْوَدَ الأَجْوَدِيْنَ، يَا أَسْرَعَ الْحَاسِيْنَ ، يَا قَوِيُّ يَا مَتِيْنُ ، يَا رَبَّ العَالَمِيْنَ، أَرْحَمْنِي وَأَرْحَمْ جَمِيْعَ المُذْنِيْنَ مِنْ أُمَّةِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ نَّهِ إِنَّكَ عَلَى كلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ . اللَّهُمَّ؛ اسْتَجِبْ لَنَا كَمَا أُسْتَجَبْتَ لَهُمْ بِرَحْمَتِكَ ، وَعَجِّلْ عَلَيْنَا بِفَرَجٍ مِنْ عِنْدِكَ ، بِجُودِكَ وَكَرَمِكَ، وَأَرْتِفَاعِكَ فِي عُلُوِّ سَمَائِكَ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ ؛ إِنَّكَ عَلَى مَا تَشَاءُ قَدِيْرٌ . وَصَلّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، خَاتَمِ النَّبِّينَ، وَعَلَى آلِهِ وَصَخْبِهِ أَجْمَعِيْن)). وهذا الدعاء: روى الطبرانيُّ بإسناد صحيح قطعةً منه؛ عن أنس: أنَّ النَّبِيَّ ◌َلهو مرَّ بأعرابيٍّ ... )) إلى آخر ما تقدَّم. انتهى كلام ((حياة الحيوان)) للدّميري في الكلام على الطائر صفحة ٥٩١ ج١ حرف الطاء . (الثَّلاثَةُ) الأحاديث (الأَخِيْرَةُ) التي أوَّلها: ((يَا وَلِيَّ الإِسْلاَمِ)» ... الخ مأخوذةٌ ( مِنْ) كتاب ( ((الحِصْنِ الحَصِيْنِ ) من كلام سيِّد المرسلين)) للشيخ الحافظ المحدِّث المقرىء : شمس الدين أبي الخير محمد بن محمد بن محمد بن علي بن يوسف ؛ ابن الجزري العمري ؛ الدمشقيِّ ، ثمَّ الشيرازيِّ؛ الشافعيِّ ، المتوفى سنة - ٨٣٣ - : ثلاث وثلاثين وثمانمائة هجريَّة ، رحمه الله تعالى. وهو من الكتب الجامعة للأدعية والأوراد والأذكار الواردة في الأحاديث والآثار ، وذكر فيه مقدّمة تشتمل على أحاديث في فضل الدُّعاء والذكر وآدابه وأوقات الإِجابة وأمكنتها ، ثمّ الاسم الأعظم والأسماء الحسنى ، ثمَّ ما يقال في الصباح والمساء ، وفي الحياة والممات ، ثمَّ الذكر العامّ ، ثمّ الاستغفار ، ثم فضل القرآن، ثمَّ الدعاء، ثم ختمه بفضل الصلاة على النَّبِيِّ وَلِهِ . ولقد أحسن من قال : لُ أَذْكُرْ إِلَهَ العَالَمِيْنَا إِنْ نَابَكَ الأَمْرُ المَهُوْ فَدُوْنَكَ الحِصْنَ الحَصِيْنا وَإِذَا بَغَىْ باغٍ عَلَيْكَ ٥١٧ تتمَّة في آداب الدعاء : وآكدُها: ١ - تجنُّب الحرام ؛ مأكلاً ومشرباً وملبساً، و٢ - الإخلاص لله، و٣ - تقديم عمل صالح، و٤ - الوضوء، و٥ - استقبال القبلة، و٦ - الصلاة ، و٧ - الجئؤُّ على الركب، و٨ - الثناء على الله تعالى، و٩ - الصلاة على نبيِّه أوَّلاً وآخراً، و١٠ - بسط يديه ورفعهما حذوَ مَنْكِبَيْه وكشفها ؛ مع التأذُّب والخشوع والمسكنة والخضوع ، و١١ - أن يسأل الله تعالى بأسمائه العظام الحسنى ؛ والأدعية المأثورة . و١٢ - يتوسَّل إلى الله بأنبيائه والصالحين ؛ بخفض صوت واعتراف بذنب، و١٣ - يبدأ بنفسه، ولا يخصُّ نفسه؛ إن كان إماماً، و١٤ - يسأل بعزم ورغبة ؛ وجدٍّ واجتهاد، و١٥ - يحضر قلبه ويحسن رجاءه ، و١٦ - يكرِّر الدعاء ؛ ويلحَّ فيه ، و١٧ - لا يدعو بإثم ؛ ولا قطيعة رحم ؛ ولا بأمر قد فرغ منه؛ ولا بمستحيل، و١٨ - لا يتحجَّر ؛ ويسأل حاجاتِه كلَّها، و١٩ - يؤمِّن الداعي والمستمع ، و٢٠ - يمسح وجهه بيديه بعد فراغه، و٢١ - لا يستعجل أو يقول : دعوتُ فلم يُسْتَجَبْ لي. ذكره في ((عدَّة الحصن الحصين)) للعلامة ابن الجزري ، رحمه الله تعالى . وقال الغزاليُّ في (( إحياء علوم الدين)): آداب الدعاء عشرة : الأول : أن يترصّد الأزمان الشريفة ؛ كيوم عرفة ، وشهر رمضان ، ويوم الجمعة ، والثلث الأخير من اللَّيل ، ووقت الأسحار . الثاني : أن يغتنم الأحوال الشريفة ؛ كحالة السجود ، والتقاء الجيوش ، ونزول الغيث ، وإقامة الصلاة وبعدها ، وحالة رقَّة القلب . الثالث : استقبال القبلة ، ورفع اليدين ، ويمسح بهما وجهه في آخره . الرابع : خفض الصوت بين المخافتة والجهر . الخامس : أن لا يتكلَّف السجع . ٥١٨ وَصَلَّى اللهُ عَلَى نَبِّنَاَ مُحَمَّدٍ .. كُلَّمَا ذَكَرَهُ الذَّاكِرُونَ، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِهِ الْغَافِلُونَ . السادس : التضرّع والخشوع والرهبة . السابع : أن يجزم بالطلب ، ويوقن بالإجابة ويُصَدِّقَ رجاءه فيها . الثامن : أن يلحَّ في الدعاء ، ويكرِّره ثلاثاً ، ولا يستبطىء الإِجابة . التاسع: أن يفتتح الدعاء بذكر الله تعالى، أي: وبالصلاة على رسول الله وَليه بعد الحمد لله تعالى والثناء عليه ، ويختمه بذلك كلّه أيضاً . العاشر : - وهو أهمُّها؛ والأصل في الإجابة - هو التوبة، وردُّ المظالم، والإقبال على الله تعالى . انتهى . والله أعلم . (وَصَلَّى اللهُ عَلَى نَبِيَِّا ) ، الصلاة منه: رحمة مقرونة بتعظيم ، ولفظها مختصٌّ بالمعصوم ؛ من نبي وملك تعظيماً لهم ، وتمييزاً لمراتبهم عن غيرهم . ( مُحَمَّدٍ ): علمٌ منقول من اسم المفعول المضعَّف، سمِّي به نبيِّنَا وَِّ - مع أنَّه لم يُؤْلَفْ قبل أوان ظهوره - بإلهام من الله لجدِّه عبد المطلب !! إشارة إلى كثرة خصاله المحمودة ، ورجاءَ أن يحمده أهل الأرض والسماء ، وقد حقَّق الله تعالى رجاءه . قيل : وكما اشتملت ذاته على كمال سائر الأنبياء والمرسلين اشتمل اسمه الشريف بحساب الجُمَّل على عدَّة الرسل ؛ بناء على أنَّهم ثلثمائة وأربعة عشر . ( كُلَّمَا): ظرف زمان، وسرت الظرفية إلى ((كلّ)) !! لإضافته إلى ((ما )) المصدريَّة الظرفية؛ أي : كل وقت . ( ذَكَرَهُ الذَّاكِرُوْنَ ) ذكراً لسانياً، بأن أَجْرَوْا اسمَه الشريف على ألسنتهم في الصلاة عليه ، أو الحكاية عنه ، أو غير ذلك . ويحتمل : ذكره الذاكرون ذكراً قلبياً ؛ وهو الاستحضار ، والأوَّل هو المتبادر . ( وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِهِ الغَافِلُوْنَ). وقوله: ((عن ذكره)): يعيّن أنَّ المراد الذّكرُ ٥١٩ وَصَلَّىْ عَلَيْهِ فِي الأَوَّلِينَ اللِّسانيّ ؛ أو يكاد ، حيث قال ذلك ولم يقل : غفل عنه !!. والقول بأنّ المرادَ الذكرُ القلبيّ ربَّما يرشِّحه مقابلةُ الذكر بالغفلة ، ومحلُّها القلب ، فيكون محلَّ الذكر أيضاً القلبُ ، لأن الضدّين يجب اتّحاد محلِّهما . وأمَّا اللِّساني !! فضدُّه السكوت ومحلُّه اللسان أيضاً، إلاَّ أن يقصد بالغفلة الترك تجوزّاً. والضمير في ((ذكره))؟! يحتمل عوده على النَّبِيِّ ◌ِّـــ كما قرَّرناه -، ويصح عوده على الله سبحانه . روى جماعة ؛ عن عبد الله بن عبد الحكم أنَّه قال : رأيت الشافعيَّ رحمه الله تعالى في النَّوم فقلت له : ما فعل الله بك ؟ قال : رحمني وغفر لي ، ورُفِعْتُ إلى الجنَّةَ كما يزفُّ العروس، ونُثِرَ عليَّ كما يُنْثَرُ عليه. فقلت له : بِمَ بَلغتَ هذه الحالة!؟ فقال: قال لي قائل: ((بقولك في كتاب ((الرسالة)): وصلى الله على محمّد كلَّما ذكره الذاكرون ، وغفل عن ذكره الغافلون)) . قال: فلمَّا أَصبَحْتُ نظرتُ (( الرسالة))؛ فوجدتُ الأمر كما رأيت . وفي ((الإِحياء)) لحُجَّة الإسلام الغزاليِّ رضي الله تعالى عنه : روي عن أبي الحسن الشافعيِّ قال: رأيتُ النَّبيَّ ◌ََّ في المنام فقلتُ: يا رسول الله ؛ بمَ جُوزِيَ الشافعيُّ عنك ، حيث يقول في كتاب ((الرسالة )»: وصلى الله على سيدنا محمَّد كلَّما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون!؟ فقال الطيار: جُوْزِيَ عَنِّي أنَّه لا يوقف للحساب؛ ذكره الفاسي في ((شرح الدلائل)). ( وَصَلَّى) اللهُ(عَلَيْهِ )؛ أي : رحمهُ رحمَةً مقرونة بالتعظيم. ( فِي الأَوَّلِيْنَ ) ؛ أي : المتقدِّمين بالزمان على هذه الأمّة من أهل الإيمان في الأمم الماضية ، أو المراد أوَّل هذه الأمَّة ، هذا إذا كانت الأوَّليّة باعتبار زمان وجودهم . ٥٢٠