النص المفهرس

صفحات 481-500

إِلَيْكَ أَوَّاهاً مُنِيباً .
رَبِّ ؛ تَقَبَّلْ تَوْيَتِي، وَأَغْسِلْ حَوْبَتِي، وَأَجِبْ دَعْوَتِي، وَثَبَّتْ
حُجَّتِي ، وَأَهْدِ قَلْبِي ،
ـجَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّبِينَ عَلَى
دلّ على ذلك قوله ﴿ وَبَشِرِ الْمُخْبِتِينَ
[الحج] .
٣٥
مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِى الصَّلَوْةِ وَمَّارَزَقْتَهُمْ يُنْفِقُونَ
وأصل الإِخبات: الطُّمأنينةُ، ومنه ﴿ وَأَخْبَتُوَاْ إِلَى رَبِّهِمْ﴾ [٢٣/ هودا، أي :
اطمأنّت نفوسهم إلى امتثال جميع ما برز منه ، والمخبت : الخاشع المتواضع .
انتهى (« شرح الأذكار » .
( إِلَيْكَ أَوَّاهاً) أتى بـ ((إِلى)) في هذا المقام !! لكونها أظهر تبادلاً ؛ أو معنىٌ
من اللّم . والأوّاه : مبالغة من : أوَّه تأويهاً ؛ إذا قال : أوّه ، وهو صوت الحزين
المتفجع .
( مُنِيْباً) ؛ أي : اجعلني راجعاً إليك عن المعصية إلى الطاعة ، وعن الغفلة إلى
الحضرة .
( رَبِّ ؛ تَقَبَّلْ تَوْبَتِيْ)؛ أي : اجعلها قابلة للقبول ، ( وَأَغْسِلْ حَوْبَتِيْ) - بفتح
المهملة - ، والحُوب - بالضم والفتح -: الإِثم ، وغسلها كناية عن إزالتها بالكليّة ؛
بحيث لا يبقى منها أثر .
( وَأَجِبْ دَعْوَتِيْ ) ؛ أي : جميع دعواتي ؛ كما أفادته الإِضافة وذُكِرَ !! لأنّه من
فوائد القبول التوبة . وذكر ابن حجر في ((شرح المشكاة)): أَنَّ دعوات التائب
مستجابة بإعطائها نفسها ، أو ما هو أفضل منها .
( وَثَيَّتْ حُجَّتِيْ) ؛ أي: على أعدائك في الدنيا ، وعند إجابة المَلَكين في
البرزخ ، وبين يديك عند الحساب يوم القيامة .
( وَأَهْدِ قَلْبِيْ ) ؛ أي : أوصله إلى دوام مراقبة اطّلاعك عليه، ثمّ شهود
٤٨١

وَسَدِّدْ لِسَانِي، وَأَسْلُلْ سَخِيمَةَ صَدْرِي)) . (ت، د، ه؛ عَنِ آَبْنِ
عَبَّاسٍ ) .
٥٥ - (« اللَّهُمَّ ؛ أَغْنِي بِالْعِلْمِ ،
عظمتك ، بحيث يكون فانياً عما سواك ، راغباً في دوام إمدادك ورضاك .
( وَسَدِّدْ لِسَانِيْ)؛ أي : اجعله متحرِّياً للسداد ؛ فلا أنطق إلّ بالحق فأكون
مصيبا ، كما أنّ من سَدَّدَ ساعِدَهُ عند رمية سهمه يكون مصيباً غالباً .
( وَأَسْلُلْ سَخِيْمَةَ صَدْرِيْ)))؛ أي: أخرجها. من سُلَّ السيفُ؛: أُخرج من
غِمْدِهِ ، والسَّخِيمة هنا - كما قال النوويّ - : الحقد ، وجمعها السخائم ؛ أي :
أخرج ما في صدري ؛ من الحسد والكبر وغيرهما من الأخلاق الرديئة ، من
الشَّخْمة : وهي السواد ، ومنه سخائم القِذْر .
وإضافتها للصدر !! لأنّ مبدأها - أي : غالباً - القوّة الغضبيّة المنبعثة من القلب
الذي هو في الصدر. وفي رواية ابن أبي شيبة: (( قلبي )) بدل (( صدري )) ؛ قاله ابن
علان .
(ت، د،ه) ؛ أي : أخرجه الترمذيُّ، وأبو داود ، وابن ماجه - كما في
المصنّف -؛ ( عَنِ أَبْنِ عَبَّاسٍ ) رضي الله تعالى عنهما ، وقال الترمذي : حسن
صحيح .
وكذا أخرجه عنه النسائي ، والحاكم ، وابن حبّان في «صحيحيهما )) ؛ كما في
((السلاح)). ورواه ابن أبي شيبة في ((مصنّفه))؛ كما في ((الحصن))؛ قاله ابن
علان .
وكذا رواه الإمام أحمد في (( مسنده)) .
٥٥ - ((اللَّهُمَّ؛ أَغْنِيْ بِالْعِلْم)؛ أي: علم طريق الآخرة ، إذ ليس الغنى إلاّ
به ، وهو القطب ؛ وعليه المدار ، لأنّ العلم والعبادة جوهران ؛ لأجلها كان كلُّ
ما ترى وتسمع ؛ من تصنيف المصنفين ، وتعليم المعلّمين ، ووعظ الواعظين ،
٤٨٢

وَزَيِّنِي بِالْحِلْمِ، وَأَكْرِمْنِي بِالتَّقْوَى، وَجَمِّلْنِي بِالْعَافِيَةِ)). (إِبنُ
النَّجَّار ؛
ونظر الناظرين . بل لأجلهما أُنزلت الكتب ، وأرسلت الرسل . بل لأجلها خُلقت
السموات والأرض وما فيهما من الخلق، ﴿اَللَّهُ الَّذِى خَقَ سَبْعَ سَمَوَتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ
يَتَغَزَّلُ الْأَعْرُ بَيْنَهُنَّ لِيَعْلَمُوَأْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلَمَّا لِيَ﴾ [الطلاق].
وكفى بهذه الآية دليلاً على شرف العلم ؛ لا سيّما علم معرفة الله . والعلم أشرف
الجوهرين ؛ وأفضلُها ، فمن أوتي العلم فهو الغنيُّ بالحقيقة ؛ وإن كان فقيراً من
المال ، ومن حُرم العلم - لاسيّما علم المعرفة والتوحيد - فهو الفقير بالحقيقة ؛ وإن
كان غنيّا بالمال ، ولهذا قال :
مَنْ عَرَفَ اللهَ فَلَمْ تُغْنِهِ مَعْرِفَةُ اللهِ فَذَاكَ الشَّقِيّ
قاله المناوي في « کبیرہ )) .
(وَزَيَّيْ بِالْحِلْم) ؛ أي: اجعله زينة لي ، فإنّه لا زينة كزينته .
(وَأَكْرِمْنِيْ بِالتَّقْوَى ) لأكون من أكرم الناس عليك؛ ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ
أَنْقَنَكُمْ﴾ [١٣/ الحجرات]. (وَجَمَّلْنِيْ بِالْعَافِيَةِ)))، فإنّه لا جمال كجمالها .
وقد قيل : العافية تاج على رؤوس الأصحّاء لا يعرفها إلاّ المرضى ، وخصّ سؤال
الإكرام بالتقوى !؟ موافقةً للآية الكريمة في قوله ﴿إِنَّ أَكْرَ مَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَئِكُمْ﴾ لأَنَّها
أساس كلِّ خير وعمادُ كلِّ فلاح ، وسبب لسعادة الدنيا والعُقْبى . ولقد صدق القائل :
سِيْقَ إِلَيْهِ المتْجَرُ الرَّابِحُ
مَنِ اتَّقَى اللهَ فَذَاكَ الذِيْ
وقال الآخر :
والعِزُّ كُلُّ العِزِّ للمُتَّقِيْ
مَا يَصْنَعُ العَبْدُ بِغَيْرِ الثّقَى
وهب أنّ الإنسان تعب جميع عمره ، وجاهد وكابد ؛ أليس الشأن كلُّه في
القَبول!؟ ﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اَللَّهُ مِنَ الْمُنَّقِينَ ﴾﴾ [المائدة]. فمرجع الأمر كلّه للتقوى.
( ابنُ النَّجَّارِ )؛ أي: أخرجه ابنُ النَّجَّار في ((تاريخه)).
٤٨٣

عَنِ ابْنِ عُمَرَ ) .
٥٦ - (( آللَّهُمَّ ؛ أَغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَخَطَايَايَ كُلَّهَا .
وهو الإمام العلامة الحافظ : محمّد بن محمود بن الحسن بن هِبَة الله بن
محاسن ، مُحِبّ الدين بن النجار ؛ البغداديُّ ، الحافظ ، المؤرِّخ ، الأديب ، أحد
أفراد عصره .
ولد في بغداد في ذي القعدة الحرام ، سنة -٥٧٨ - : ثمان وسبعين وخمسمائة هجريّة.
وسمع من الحافظ ابن الجوزيّ الواعظ وغيره .
ورحل إلى الشام ومصر والحجاز وخُراسان وأَصبهان ومَرْو وهَرَاة ونَيَّسابور ،
مع الكثير ، وحصَّل الأصول والمسانيد ، واستمرت رحلته سبعاً وعشرين سنة ،
واشتملت ((مشيخته)) على ثلاثة آلاف شيخ .
وكان إماماً حَجَّة ، ثقة حافظاً ، مقرئاً ، أديباً ، عارفاً بالتاريخ وعلوم الأدب ،
حَسَن الإلقاء والمحاضرات ، وله التصانيف الممتعة ؛ منها ((تاريخ بغداد)): ذيّل به
على (( تاريخ بغداد )) للحافظ أبي بكر أحمد بن عليّ بن ثابت الخطيب البغدادي ،
واستدرك عليه ، وهو تاريخ حافل ، دل على تبّره في التاريخ ، وسعة حفظه
للتراجم والأخبار .
وكانت وفاته في بغداد سنة - ٦٤٣ - ثلاث وأربعين وستمائة هجرية ، رحمه الله
تعالى آمين .
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطّاب رضي الله تعالى عنهما، ورواه عنه الإمام الرافعيّ أيضا.
٥٦ - ((اللَّهُمَّ؛ أَغْفِرْ لِيْ ذُنُوْنِيْ) : جمع ذَنْبٍ ، والذنب : ماله تَبِعَةٌ دنيويّة ؛
أو أخرويّة، مأخوذ من الذَّنَب. ولما كان المصطفى ◌َّ معاتباً بترك ما هو الأولى
- تأكيداً لعصمته - أطلق عليه اسم الذنب . ( وَخَطَايَايَ ) : جمع خطيئة ، ويقال :
خطيّة ، وهي مرادفة للذنب - كما في كتب اللغة - وإن كان أصل العطف يقتضي
المغايرة . ( كُلَّها ) ؛ أي : صغيرها وكبيرها .
٤٨٤

اللَّهُمَّ؛ أَنْعِشْنِي، وَأَجْبُرْنِي، وَأَهْدِنِي لِصَالِحِ الأَعْمَالِ
وَالأَخْلاَقِ؛ فَإِنَّهُ لاَ يَهْدِي لِصَالِحِهَا، وَلاَ يَصْرِفُ سَيَّهَا إِلَّ أَنْتَ )).
( طب ؛ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ [رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ] ).
٥٧ - (« اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْماً نَافِعاً ، وَرِزْقاً
( اللَّهُمَّ ؛ أَنْعِشْنِيْ ) - بهمزة قطع ويجوز وصلها - ، أي : ارفعني وقوِّ جَأشي ،
( وَأَجْبُرْنِيْ ) ؛ أي : أصلح شأني بحصول الغنى لي .
( وَأَهْدِيْ لِصَالِحِ الأَعْمَالِ ) .
أي : للأعمال الصالحة .
( وَالأَخْلاَقِ ) : جمع خُلق - بالضم - : الطبع والسجيّة ، وجمعه !! باعتبار
مخالفته الناس ومجاملتهم ، كما أشار إليه خبر : (( وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ » .
( فَإِنَّهُ لاَ يَهْدِيْ لِصَالِحِهَا، وَلاَ يَصْرِفُ سَيَّتَهَا) عنّي (إِلاَّ أَنْتَ))) ؛ لأَنَّك المقدِّر
للخير والشرّ ، فلا يُطلب جلبُ الخير إلاَّ منك، ولا دفعُ الشرِّ إلاَّ منك وحدك.
وفيه حذف من الأوّل ، فكأنّه قال : واهدني لصالح الأعمال والأخلاق ، واصرف
عنّي سيّتها ؛ فإنّه لا يهدي ... الخ .
( طب)؛ أي: أخرجه الطبراني في ((الكبير))؛ (عَنْ أَبِيْ أُمَامَةَ) الباهليّ
رضي الله تعالى عنه قال: ما صلَّيْتُ وراء نبيّكم وَّلٍ إلاَّ سمعته يقول ذلك !!.
قال الحافظ الهيثميّ : رجاله وُثِّقُوا . وكذا رواه ابن السُّنِّيّ عن أبي أمامة
الباهليّ .
قال في (( شرح الأذكار)) : وهو حديث غريب ؛ كما قاله الحافظ ابن حجر ،
رحمه الله تعالى ، انتهى .
٥٧ - ((اللَّهُمَّ؛ إِنِّيْ أَسْأَلُكَ عِلْماً نافِعاً)؛ أي : شرعياً، أعمل به ، وقُدم
على ما بعده ؟ لأنه طريق إلى معرفة الحلال والحرام وأسباب القبول . ( وَرِزْقاً
٤٨٥

طَيِّاً، وَعَمَلاً مُتَقَبَّلاً)). (حم، ٥؛ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ).
٥٨- ((اللَّهُمَّ؛ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ .. أَحْيِنِي مَا
عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْراً لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا عَلِمْتَ الْوَفَاةَ خَيْراً لِي .
اللَّهُمَّ ؛ وَأَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ،
طيِّاً) ؛ أي : حلالاً ملائماً للقوّة، مُعِيْناً على الطاعة والعبادة، (وَعَمَلاً مُتَقَبَّلاً)))
- بفتح الباء - ؛ أي : مقبولاً ؛ بأن يكون مقروناً بالإخلاص .
(حم) ؛ أي : أخرجه الإمام أحمد، وابن ماجه ؛ ( عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) رضي الله
تعالى عنها ، ((زوج النبيّ وَّه، وأم المؤمنين)) وقد تقدّمت ترجمتها.
وكذا رواه عنها ابنُ السُّنِّي في ((عمل اليوم والليلة))، والنسائي في (( السنن
الكبرى))، وأبو يعلى، والدارقطني في ((الأفراد))، والطبرانيّ في ((الصغير))،
وهو حديث حسن لشاهده ؛ كما قال الحافظ ابن حجر وخرّجه من طرق . انتهى
((شرح الأذكار » .
٥٨ - ((اللَّهُمَّ؛ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ) - الباء للاستعطاف والتذلل -؛ أي: أنْشُدُكَ
بحقّ علمك ما خفي على خلقك ممّا استأثرتَ به ، فالغيبُ مفعول به ؛ أي : أتوسَّل
إليك بهذه الصفة المتعلّقة بكلِّ شيءٍ .
( وَقُدْرَتِكَ عَلَىُ الْخَلْقِ ) ؛ أي : جميع المخلوقات ؛ من إِنس وجنّ ومَلَك
وغيرها . ( أَحْيِيْ مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْراً لِيْ، وَتَوَقَِّيْ إِذَا عَلِمْتَ الْوَفَاةَ خَيْراً لِيْ ) عبّر
بما في الحياة !! لاتّصافه بالحياة حالاً ؟ وبـ ((إذا)) الشرطيّة في الوفاة !! لانعدامها
حال التمنّ ؟ أي : إذا آل الحال أن تكون الوفاة بهذا الوصف فتوفّني .
( اللَّهُمَّ؛ وَأَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الغَيْبِ ) عن أعين الناس ، ( وَالشَّهَادَةِ ) للناس ،
أي : في السِّر والعلانية ، فإنّ خشيةَ الله رأسُ كلّ خير .
والشأن في الخشية في الغيب !! لمدحه تعالى مَن يخافه بالغيب ، قال تعالى
٤٨٦

وَأَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الإِخْلاَصِ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ ، وَأَسْأَلُكَ الْقَصْدَ فِي
الْفَقْرِ وَأَلْغِنَى، وَأَسْأَلُكَ نَعِيماً لاَ يَنْقَدُ ، وَأَسْأَلُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لاَ تَنْقَطِعُ ،
وَأَسْأَلُكَ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ ، وَأَسْأَلُكَ بَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ ،
﴿﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبٍ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ
[الملك] .
( وَأَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الإِخْلاَصِ )، أي : النطق بالحقّ ( فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ)،
أي : في حالتي رضا الخلق منّي وغضبهم عليّ فيما أقوله ؛ فلا أُداهن ، ولا أُنافق ،
أو في حالتي رضاي وغضبي ، بحيث لا تلجئني شدّة الغضب إلى النطق بخلاف
الحقّ ، ككثير من الناس إذا اشتدّ غضبه أخرجه من الحقّ إلى الباطل .
قال الحفني: ولا مانع من إِرادة الأمرين معاً ، أي : أسألك أن لا أخرج عن
الحق في جميع الأحوال .
( وَأَسْأَلُكَ الْقَصْدَ ) ؛ أي : التوسط ( فِي الْفَقْرِ ) بأن لا أقتِّر في حال فقري ،
( وَالْغِنَى ) ؛ أي : التوسُّط في الغنى بأن لا أُسرف وأنفق المال فيما لا يليق .
( وَأَسْأَلُكَ نَعِيْماً لا يَنْفَدُ) - بالدال المهملة - أي: لا ينقضي، وهو نعيم الآخرة .
( وَأَسْأَلُكَ قَرَّةَ عَيْنٍ ) بكثرة النسل المستمرّ بعدي ، أو بالمحافظة على الصلاة ،
لقوله: ((وجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاَةِ )).
( لاَ تَنْقَطِعُ ) ؛ بل تستمرّ ما بقيت الدنيا ، وقيل : أراد قرّة عينه بدوام ذكره
وكمال محبّته والأنس به . قال بعضهم : مَن قرّت عينه بالله قرّت به كلُّ عين ؛ قاله
المناوي .
وقال الحِفْني: قوله: ((قرّة عين))؛ أي: فرّحني دائماً، وخصّ العين !! ؟
لأَنَّها سبب في فرح القلب عند نظرها ما يسر .
(وَأَسْأَلُكَ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ ) بأن تسهّله عليّ فأتلقّاه بانشراح صدر .
( وَأَسْأَلُكَ بَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ ) برفع الروح إلى منازل السعداء ومقامات
المقرّبين ، فهو كناية عن السرور الدائم .
٤٨٧

وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقائِكَ، فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ
مُضِرَّةٍ ، وَلاَ فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ .
اللَّهُمَّ ؛ زَيِّنَا بِزِينَةِ الإِيمَانِ ،
وقيّد ببعد الموت !! لأنّ السرور الدائم لا يتيسر في الدنيا ، لأنّها دار همٍّ وغمِّ
وسقم .
هِيَ الدُّنْيا تَقُولُ بِمِلْءٍ فِيْها حَذَارِ حَذَارِ مِنْ بَطْشِيْ وَفَتْكِيْ
( وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ ) ؛ أي : الفوز بالتجلّي الذاتيّ الأبدي الذي
لا حجاب بعده ، ولا مستقرّ للكمّل دونه ؛ وهو الكمال الحقيقيّ .
وقيّد النظر باللّذّة !! إِيذاناً بأنَّ المسؤول هو نظر اللطف والجمال في الجنّة،
لا نظر الهيبة والجلال في عرصات القيامة. ( وَالشَّوْقَ) - بالنصب - أي: وأسألك
الشوق (إِلَى لِقائِكَ ) . قال ابن القيّم : جمع في هذا الدعاء بين أطيب ما في
الدنيا ؛ وهو الشوق إلى لقائه ، وأطيب ما في الآخرة ؛ وهو النظر إليه .
(فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ ) بأن لا يكون هناك ضرّاء أصلاً ، أو هناك ضرّاء غير
مضرّة ، وذلك أَنَّ أهل الشوق إلى اللقاء الذين هم أهل الحبِّ الخالص المشاهدون
لذاته تعالى ؛ قد يحصل لهم حجب عن الشهود في بعض الأحيان ، ثمّ يزول
ويرجع لهم الشهود ، فهذا الحَجْب ضررٌ ، لكنه غير مضرّ لكونه يزول ، فإن دام !
فهو الضرر المضرّ، وبعض أهل الله لا يحصل لهم حجب أصلاً ؛ فضلاً عن
دوامه .
( وَلاَ فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ ) ؛ أي : موقعة في الحيرة ، مفضية إلى الهلاك .
قال القونوي : الضّراء المضرّة : حصول الحجاب بعد التجلّي ، والتجلّي بصفة
تستلزم سَدْل الحجب ، والفتنة المضلّة : كلُّ شبهة توجب الخلل ، أو تنقص في
العلم والشهود .
( اللَّهُمَّ؛ زَيَّّا بِزِيْنَةِ الإِيْمَانِ )، وهي زينة الباطن ، إذ لا معوّل إلاَّ عليها ، لأنّ
٤٨٨

وَأَجْعَلْنَاَ هُدَاةً مُهْتَدِينَ )). (ن، ك؛ عَنْ عَمَّارِ بْنِ ياسِرٍ [َرَضِيَ اللهُ
تَعَالَىْ عَنْهُمَا]) .
الزينة زينتان : زينة البدن ، وزينة القلب ؛ وهي أعظمهما قدراً ، وإذا حصلت زينة
القلب حصلت زینة البدن على أكمل وجه .
والمعنى: اللَّهِمَّ اجعلنا مستكملين لشُعَب الإيمان؛ لتتنوّر بواطننا بالنُّور
الناشىء عن التصديق القلبيّ فيظهر نوره علينا .
( وَأَجْعَلْنَا هُدَاةً ) ؛ أي: نهدي غيرنا ( مُهْتَدِيْنَ))) في أنفسنا ، لأنَّ الهادي إذا
لم يكن مهتدياً في نفسه لم يصلح كونه هادياً لغيره ؛ لأنّه يوقع الناس في الضلال من
حيث لا يشعر .
(ن ، ك)؛ أي : أخرجه النسائيُّ، والحاكم ؛ أي : وكذا الإمام أحمد في
((المسند ))، كلهم؛ (عَنْ ) أبي اليَقْظان (عَمَّرِ بْنِ ياسِرٍ ) العَنْسي - بالعين المهملة
المفتوحة والنون الساكنة والسين المهملة - ثم المذْحجيّ ؛ القحطانيّ نسباً ،
المخزوميّ حِلْفاً وولاءً ، المكّي ثمّ المدنيّ ثمّ الشاميّ ثمّ الدمشقيّ.
أحد السابقين الأوّلين المعذّبين في الله أشدّ العذاب، وكذا عُذِّبَ أبوه وأُّه
سميّة، ومرّ بهم النبيّ وَّه؛ وهم يعذَّبون فقال: ((صَبْراً آلَ ياسِرٍ، فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ
الْجَنَّةُ)) ، وكانت سميّة أمُّه أوّلَ شهيدة في الإسلام .
شهد عمّار جميع المشاهد مع رسول الله وَلاتر، وكان مخصوصاً منه بالبشارة
والترحيب ، والبشاشة والتطييب ، وأخبر أنه أحد الأربعة الذين تشتاق إليهم الجنّة ،
وقال له : ((مَرْحَباً بِالطَّيِّبِ الْمُلَيَّبِ )) .
وأخبر أنّه ما خيّر بين أمرين إلا اختار أيسرَهما . وقال : عَمَّارُ جِلْدَةُ مَا بَيْنَ عَيْنِي
وَأَنْفِي))، وقال: ((اهْتَدُوْا بِهَدْىٍ عَمَّارٍ))، وَقال: ((مَنْ عَادَى عَمَّاراً عَادَاهُ اللهُ،
وَمَنْ أَبْغَضَ عَمَّاراً أَبْغَضَهُ اللهُ)). وآخِىُ النبيُّ ◌َّ بينه وبين سعد بن أبي وقّاص .
ولمّا أخبر وَِّ أنه أُكرِه على الكفر فكفر؛ قال: ((كَلاَّ؛ وَاللهِ إِنَّ عَمَّاراً مُلِىءَ
إِيْمَاناً مِنْ قَرْنِهِ إِلى مُشَاشِهِ)). ونزل فيه قوله تعالى ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَيِنٌّ
بِاَلْإِيمَنِ﴾ [١٠٦/ النحل].
٤٨٩

٥٩ - (« اللَّهُمَّ؛ أَنْتَ خَلَقْتَ نَفْسِي، وَأَنْتَ تَوَفَّاهَا، لَكَ مَمَاتُهَا
وَمَحْيَاهَا ، إِنْ أَحْيَيْتَهَا .. فَأَحْفَظْهَا، وَإِنْ أَمَنَّهَا .. فَأَغْفِرْلَهَا.
اللَّهُمَّ ؛ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَّةَ )).
ولاّه عمر على الكوفة ؛ وكتب إليهم : إنّه من النُّجباء الرُّفقاء ؛ فاعرفوا له
قدره .
رُوي له عن رسول الله ﴿ اثنان وستّون حديثاً ؛ اتّفقا منها على واحد ، وانفرد
البخاريّ بثلاثة ، ومسلم بواحد. وأخرج عنه أصحاب (( السُّنن )) وغيرهم.
قُتل رضي الله عنه بصفِّين ؛ سنة : سبع وثلاثين، عن ثلاث وخمسين سنة ، قال
قبل أن يقتل : أَثْتُوني بِشَرْبَةِ لَبَنٍ، فإِنِّي سمعت رسول الله وَ له يقول: ((آخِرُ شَرْبَةٍ
تَشْرَبُها شَرْبَةُ لَبَنٍ))؛ كذا نقل من (( الرياض)) للعامريّ باختصار .
٥٩ - ((اللَّهُمَّ؛ أَنْتَ خَلَقْتَ نَفْسِيْ) ؛ أي : أوجدتها من العدم ، وأبدعتها
على غير مثال سبق . ( وَأَنْتَ تَوَفَّاهَا) - بحذف إحدى التاءين للتّخفيف - أي:
تتوفّاها .
وحَسُنَ الحذف هاهنا !! لئلاّ يجتمع ثلاث تاءآت ؛ قاله ابن الجزريّ في (( مفتاح
الحصن)) .
( لَكَ مَمَاتُهَا وَمَحْيَاهَا )؛ أي : موتُها وحياتها مُلكان لك ، لا يملك غيرك شيئاً
﴾ [الفرقان] .
٣
من ذلك، قال تعالى ﴿ وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَوَةً وَلَا نُشُورًا
( إِنْ أَحْبَيْتَهَا فَأَحْفَظْهَا ) من البليّات ، وممّا يوجب العذاب أو يقتضي
الحجاب ، ( وَإِنْ أَمَتَّهَا فَأَغْفِرْ لَهَا ) ذنوبها وسائر المخالفات والتقصيرات ، فإِنّه
لا يغفر الذُّنوب إِلّ أنت .
(اللَّهُمَّ؛ إِنِّيْ أَسْأَلُكَ ) ، أي : أطلب منك ( الْعَافِيَةَ))) - تعميم بعد تخصيص -
أي : أسألك العافية في اليقظة والمنام ، وفي الحياة الدنيا من سائر الآلام وجميع
٤٩٠

(م؛ عَنِ أَبْنِ عُمَرَ [رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا] ) .
٦٠ - («اللَّهُمَّ؛ أَغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي ، وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي ،
وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي .
المؤذيات والأسقام ، وفي الآخرة من حلول دار الانتقام ، والبعد عن رضا الملك
العلاّم .
(م) ؛ أي : أخرجه مسلم في ((صحيحه)) ؛ من حديث خالد بن عبد الله بن
الحارث ( عَنِ أَبْنِ عُمَرَ ) بن الخطّاب ، ورواه عنه النسائي أيضاً .
قال خالد : سمعت عبد الله بن الحارث يحدّث عن ابن عمر: أنّه أمر رجلاً إِذا
أخذ مضجعه أن يقول ذلك ، فقال له رجل : سمعتَ هذا من عمر !؟ فقال : من
خيرٍ من عُمَر .. من رسول الله وَلتر .
وأخرجه أبو يعلى ؛ كما أشار إليه الحافظ ابن حجر قال : وليس لعبد الله بن
الحارث - وهو أبو الوليد البصري ؛ نسيبُ ابنِ سِيْرِيْن - إلاّ هذا الحديث الواحد عن
ابن عمر في الصحيح .
٦٠ - ((اللَّهُمَّ؛ أَغْفِرْ لِيْ خَطِيْئَتِيْ) ؛ أي: ذنبي ، ويجوز تسهيل الهمزة
فيقال : خطيتي - بالتحتيّة المشدّدة - ( وَجَهْلِيْ) ، أي : ما صدر منّي من أجل
جهلي .
وفيه إيماء إلى قوله تعالى ﴿ إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَلَةٍ﴾ [النساء].
قال البغويّ : أجمع السلف على أنّ من عصى الله تعالى ؛ فهو جاهل ؛ قاله في
(( شرح الأذكار)) لابن علآن رحمه الله تعالى .
وقال الحفني: قوله: ((وجهلي)) أي: ما يقع منّ حال الجهل .
( وَإِسْرَانِيْ فِي أَمْرِيْ) ؛ أي : مجاوزتي الحدّ في كلّ شيءٍ، ( وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ
مِنِّيْ ) من المعاصي والسيئات ، والتقصير عن الطاعات ؛ ممّا علمتُه وممّا لم
أعلمه ، فهو تعميمٌ بعد تعميم .
٤٩١

اللَّهُمَّ ؛ أَغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَعَمْدِي، وَهَزْلِي وَجِدِّي، وَكُلُّ ذَلِكَ
عِنْدِي .
اللَّهُمَّ؛ أَغْفِرْ لِ مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا
أَعْلَنْتُ ،
( اللَّهُمَّ؛ أَغْفِرْ لِيْ [خَطَئِيْ]): نقيض الصواب. (وَعَمْدِيْ)، هما
متقابلان؛ قاله المناوي. وأقول: كذا وقع في نسخة (( الجامع الصغير)) :
((خطأي)) بلفظ المفرد، ومثله في ((الأذكار النووية)). ووقع عند أكثر رواة
البخاريّ: ((خطاياي))؛ كما نبّه عليه ميرك !! قال الحافظ ابن حجر : في رواية
الكشْمِيْهَني: ((خَطَئي))، وكذا أخرجه البخاريّ في ((الأدب المفرد)) بالسند الذي
في ((الصحيح))، وهو المناسب لذكر العمد ، ولكنّ جمهور الرواة على الأوّل.
والخطايا : جمع خطيئة ، وعطفُ العمد عليها !! من عطف الخاصّ على
العامّ ، فإِنّ الخطيئة أعمُّ من أن تكون خطأً أو عمداً ، أو من عطف أحد المتقابلين
على الآخر . انتهى .
والمعنى : أنّه اعتبر المغايرة بينهما باختلاف الوصف ؛ كما في قوله تعالى
١١﴾ [الحجر] .
تِلْكَ ءَايَتُ الْكِتَبِ وَقُرْءَانِ مُّبِينٍ
( وَهَزْلِيْ وَجِدِّيْ) - بكسر الجيم -: وهما ضِدّان. ( وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِيْ ) ، أي :
موجود ومتحقّق ، كالتذييل للسابق ، أي : أنا متّصف بهذه الأشياء فاغفرها لي .
قاله والفر تواضعاً.
وعن عليّ رضي الله عنه : عد فوات الكمال وترك الأولى ذنباً ، وهذا هو
الأعلى ، وبالاعتبار أولى ، فإنّ حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين.
( اللُّهُمَّ ؛ أَغْفِرْ لِيْ مَا قَدَّمْتُ) قبل هذا الوقت، (وَمَا أَخَّرْتُ) عنه،
( وَمَا أَسْرَرْتُ ) ؛ أي: أخفيت ، ( وَمَا أَعْلَنْتُ ) ؛ أي : أظهرت ، أو ما حدّثتُ به
٤٩٢

أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ ، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) . (ق؛ عَنْ
أَبِي مُوسَى ) .
٦١ - («اللَّهُمَّ؛ أَهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ ،
نفسي ، وما تحرّك به لساني ؛ قاله تواضعاً وإجلالاً لله تعالى .
( أَنْتَ الْمُقَدِّمُ) بعض العباد إليك بتوفيق الطاعة ، ( وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ ) بخذلان
بعضهم عن التوفيق ، ( وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ)))، أي: أنت الفعّال لكلّ
ما تشاء . ولذا لم يوصف به غيرُ الباري . ومعنى قدرته على الممكن الموجود حال
وجوده : أنّه إن شاء أبقاه ، وإن شاء أعدمه . ومعنى قدرته على المعدوم حين
عدمه : أنّه إن شاء إيجاده أوجده ، وإلاّ! فلا . وفيه : أنّ مقدور العبد مقدورٌ لله
حقيقة ؛ لأنّه شيء .
( ق ) أي: متفق عليه، أي: رواه البخاريّ، ومسلم في ((صحيحيهما)) في
( الدعوات ) ؛ (عَنْ أَبِيْ مُؤْسَى) الأَشْعَرِيّ : عبد الله بن قَيْس رضي الله تعالى
عنه . وقد تقدّمت ترجمته ، وأخرجه عنه البيهقيّ ، وغيره أيضاً .
٦١ - ((اللَّهُمَّ ؛ أَهْدِنِيْ فِيْمَنْ هَدَيْتَ) من النبيّين والصدِّيقين والشهداء
والصالحين، و((في)) بمعنى ((مع))، وكذا فيما بعده . قال تعالى ﴿فَأُؤْلَئِكَ مَعَ
الَّذِينَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيْنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [٢٩/ النساء] الآية. ويصحّ
بقاؤها على حالها متعلِّقة بمحذوف، وأُؤْثِر حذفه !! للمبالغة ، أي : اجعل لي
نصيباً وافراً من الاهتداء ، واجعلني معدوداً في جملتهم ؛ مندرجاً في زمرتهم .
وهذا كما قال نبيُّ الله سليمان - صلّى الله على نبينا وعليه وسلم -: ﴿وَأَدْخِلْنِى
[النمل] . ونبيُّ الله يوسف - صلّى الله على نبينا
بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ الصَّلِحِينَ
﴾ [الشعراء]. ولم يعبّرا بـ(( من)) كما في
(٨٣
وعليه وسلم -: ﴿وَأَلْحِقْنِى بِالصَّلِحِينَ
قوله تعالى في حق إبراهيم على نبيّنا وعليه وعلى سائر النبيّينْ الصلاة والسلام :
﴾ [النحل] ؛ إيثاراً للتواضع والتذلّل الله تعالى، فشهدا
﴿ وَإِنَُّ فِى الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِحِينَ
٤٩٣

وَعَافِي فِيَمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا
أَعْطَيْتَ ، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ ، فَإِنَّكَ تَقْضِي وَلاَ يُقْضَى عَلَيْكَ، وَإِنَّهُ
لاَ يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ ،
تأخّرهما عن الصالحين ، ثمّ سألا أن يَلْحقا بهم .
وأمّا الآية الأخيرة !! فهي إخبار من الله تعالى عن حقيقة إبراهيم ، فالملحظ
مختلف . ثمّ الصلاح الذي سألاه صلاحُ الأنبياء ، وهو أكمل مراتب الصلاح ؛ لا مطلق
الصلاح، إذ مرتبة النبوة أسنى وأشرف. والله أعلم. انتهى ((شرح الأذكار)).
( وَعَافِيْ) من كلّ نقص ؛ ظاهراً وباطناً، في الدنيا والآخرة ، واجعلني
مندرجاً ( فِيْمَنْ عَافَيْتَ ) ممّن ذكر أوّلاً، (وَتَوَّلَّنِيْ) ؛ أي : بحفظك لي عن كلّ
مخالفة ونظر إلى غيرك ؛ بإنعامك عليّ بمعرفتك ، واجعلني مندرجاً ( فِيْمَنْ
تَوَلَّيْتَ ) كذلك ، وهم المذكورون أَولاً .
( وَبَارِكْ لِيْ فِيْمَا أَعْطَيْتَ): ((في)) للظَّرفية، متعلِّقة بالفعل المذكور قبلها ،
أي : ضع بركتك العظمى لي في كلّ ما أعطيتني من خير الدارين .
وفي ((النهاية)): أي : أثبت لي دوام ما أعطيتني من التشريف والكرامة .
( وَقِنِيْ شَرَّ مَا) ؛ أي : الفعل الذي ( قَضَيْتَ ) به عليّ ، وشرّ ما يقترن به من
وسوسة الشيطان والهوى والنفس للإنسان ، حتّى يمنع ثوابه ؛ إن كان ابتلاء ،
ويحمل على الاستمرار فيه ؛ إن كان معصية ، أو يمنع كماله ؛ إن كان طاعة .
( فَإِنَّكَ تَقْضِيْ ؛ وَلاَ يُقْضَى عَلَيْكَ ) . وقع كالتعليل لسؤالِ ما قبله ، إذ لا يعطي
تلك الأمور المهمّة إلاّ مَن كملَت فيه حقائق القدرة ؛ ولم يوجد منها شيء في غيره .
وإثبات الفاء في رواية الترمذيّ ، وإحدى روايات النسائي ، والحاكم .
(وَإِنَّهُ) ؛ أي: الشأن (لاَ يَذِلُّ) - بفتح فكسر - ( مَنْ وَالَيْتَ ) ، الذل: ضدّ
العز ، والموالاة : ضد المعاداة ، والمعنى : لا يطرق الذلّ والهوان في الدارين
أحداً واليته من عبادك .
٤٩٤

وما يطرقه من الحوادث الظاهرة والأمراض الباطنة ونحوها !! فهو ؛ وإن عدّه
عوامُ الناس ذُلاًّ؛ إلاّ أنه غاية الرِّفعة والعزَّة عند الله وعند أوليائه .
وما العبرة إلاَّ بهم !! ومن ثَمّ وقع للأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم
أجمعين - من الامتحان العجيب ما هو مشهور ؛ زيادة في التشريف ، وإعلاماً بعلوّ
المقام المنيف .
وزاد في رواية النسائي، والطبراني، والبيهقي: (( وَلاَ يَعِزُّ مَنْ عادَيْتَ)) بعد
قوله ((وَلاَ يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ))، وهذه الزيادة لم يخرّجها الباقون ؛ قاله الشوكاني في
(«العدة)).
قال السيوطيّ رحمه الله تعالى : لا خلاف بين العلماء من أهل اللُّغة والحديث
والصرف أنّ (( يَعِزّ)): بكسر العين وفتح الياء . قال: وأَلَّفْتُ فيه مؤلّفاً سمّيته :
((النُّبوت في ضبط ألفاظ القنوت)) . وقلتُ في آخره نظماً:
يَا قَارِئاً كُتُبَ التَّصرِيفِ كُنْ يَقِظاً
وَحَرِّرِ الفَرْقَ فِي الأَفْعَالِ تَحْرِيْرًا
تَثْلِيْثُ عَيْنٍ بِفَرْقٍ جَاءَ مَشْهُورَا
((عَزَّ)» المُضَاعَفُ يَأْتِي فِي مُضَارِعِهِ
فَمَا كَـ(( قَلَّ)) وَضِدَ الدُّلُ مَعْ عِظَمٍ
وَمَا كَ (عَزَّ عَلَيْنَا الحَالُ))؛ أَيْ: صَعُبَتْ
وَلهُذِهِ الْخَمْسَةُ الأَفْعَالِ لازَمِةٌ
((عَزَزْتَ زَيْداً)) بِمَعْنَى قَدْ غَلَبْتَ كَذَا
وَقُلْ إِذَا كُنْتَ فِيْ ذِكْرِ القُنُوتِ (( وَلاَ
وَأَشْكُرْ لِأَهْلِ عُلُومِ الشَّرْعِ إِذْ شَرَحُوا
وَأَصْلَحُوا لَّكَ لَفَّظاً أَنَتَ مُفْتَقِرٌ
لاَ تَحْسَبَنْ مَنْطِقَاً يُحْكَىْ وَفَلْسَفَةً
كَذَا ((كَرُمْتَ عَلَيْنَاَ)) جَاءَ مَكْسُورا
فَأَفْتَحْ مُضَارِعَهُ؛ إِنْ كُنْتَ نِخْرِيْرا
وَأَضْمُمْ مُضَارِعَ فِعْلٍ لَيْسَ مَقْصُورًا
أَعَنْتُهُ فَكِلاَ ذَا جَاءَ مَأْثُورًا
يَعِزُّ )) يَا رَبِّ مَنْ عَادَيْتَ مَكْسُورًا
لَكَ الصَّوَابَ وَأَبْدَوْا فِيْهِ تَذْكِيْرًا
إِلَيْهِ فِيْ كُلِّ صُبْحِ لَيْسَ مَنْكُورًا
سَاوَى لَدَىْ عُلَمَاءِ الشَّرْعِ قِطْمِيْرا
قال ابن علان: وقد بقي عليه ((عزّ )) : بمعنى : قوي ، ففي بعض حواشي
٤٩٥

تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ)) . (٤، هق؛ عَنِ الْحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ).
((شرح التحفة))(١) في الكلام على نوع ((العزيز)): يقال منه : عزّ بمعنى قوي،
مضارعه يَعَزّ - بفتح العين - . انتهى .
وزاد الترمذيُّ: ((سُبْحَانَكَ)) قبل قوله: ( تَبَارَكْتَ)؛ أي: تعاظَمْتَ (رَبَّنَا
وَتَعَالَيْتَ))). قال في (( شرح الأذكار)): قال بعض مشايخنا : كأنّ الحكمة في
الإتيان بضمير الجمع هنا ؛ دون ما تقدّم من قوله: ((اهدني ... الخ)) !! لأنَّ ذلك
مقام سؤال ؛ وهو مناسب للتذلُّلِ والانكسار ، وهذا مقام ثناء على المولى ؛ فناسب
الإتيان فيه بضمير الجمع المذكور ، إمّا إشارة إلى العجز عن قيام المرء بمفرده بأداء
حقِّ ثنائه ، وإمّا إشارة إلى أنَّ جميع أجزائه مربوبةٌ للباري ، وإمَّا تعاظُماً بهذه
الإضافة الشريفة إلى الربوبيَّة المنيفة .
وفي ((التحفة)) لابن حَجَر الهيتميّ: وزاد العلماء - بعد ((تَعَالَيْتَ)) -: ((فَلَكَ
الحَمْدُ عَلَى مَا قَضَيْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ)). ولا بأس بهذه الزِّيادة، بل قال
جَمْعٌ : إِنَّها مستحبَّة ، لورودها في رواية البيهقيّ . انتهى . وزاد ابن الجزري في
((عدة الحصن)): ((وَصَلَّى اللهُ عَلَى النَّبِيِّ)) ، وعزاها إلى النسائيُّ.
قال الشوكاني : وهو كما قال . قال النووي : إنّها زيادة بسند صحيحٍ أو حسن .
وتعقّبه الحافظ ابن حجر : بأنَّه منقطع ، وأخرج هذه الزيادة الطبرانيُّ ، والحاكم .
وقد طوَّلنا المقال على حديث الحسن هذا في (( شرحنا للمنتقى))؛ فليرجع
إليه ، وقد ضعَّفه بعض الحفاظ، وصحَّحه آخرون ، وأقلُّ أحواله - إذا لم يكن
صحيحاً - أن يكون حسناً . انتهى ؛ كلام الشوكاني .
(٤، هق)؛ أي: أخرجه أصحاب ((السنن الأربعة)): أبو داود،
والترمذيُّ، والنسائيُّ، وابن ماجه، والبيهقيُّ في (( سننه))؛ (عَنِ الحَسَنِ بْنِ
عَلِيٍّ) بن أبي طالب: سبط رسول الله وَّه وريحانته من الدنيا، رضي الله تعالى
(١) صوابه النخبة. ((هامش الأصل)) !!
٤٩٦

٦٢ - (( اَللَّهُمَّ؛ إِنَّكَ سَأَلْتَنَا مِنْ أَنْفُسِنَا مَا لَاَ نَمْلِكُهُ إِلَّ بِكَ .
اَللَّهُمَّ؛ فَأَعْطِنَا مِنْهَا مَا يُرْضِيكَ عَنَّا)) . ( ابْنُ عَساكِرَ ؛
عنهما . وقدّ تقدَّمت ترجمته .
قال الترمذيُّ : هذا حديث حسن لا نعرفه إلاّ من هذا الوجه .
وأخرجه ابن حبَّان في ((صحيحه))، والحاكم في ((المستدرك)) وصحّحاه ،
وابن أبي شيبة في ((مصنفه))، وأخرجه الإمام أحمد ، وابن خُزَيْمَة ، والدار قطني ،
والدارِمي ، والطبرانيُّ : كلهم ؛ من حديث الحسن بن عليّ . قال الحافظ ابن حجر
- كما في ((شرح الأذكار)) -: والحديث حسن صحيح، أخرجه ابن خُزَيْمة .
انتهى .
وأخرجه أيضاً الحاكم ؛ من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه بلفظ حديث
الحسن مقيّداً بصلاة الصبح ، فقال : صحيح . وقال الحافظ ابن حجر : ليس هو
كما قال ! بل هو ضعيف ، لأن في إِسناده عبد الله بن سعيد المَقْبُرِي .
وأخرجه بنحوه الطبرانيُّ؛ من حديث بريدة ، رضي الله تعالى عنه . انتهى .
ملخصاً من ((شرح الأذكار)) و((شرح العدة)).
٦٢ - ((اللَّهُمَّ؛ إِنَّكَ سَأَلْتَنَا): كلَّفْتَنَا ( مِنْ أَنْفُسِنَا) - بمنزلة التَّأكيد لما قبله -
( مَا لاَ نَمْلِكُهُ ) ؛ أي : ما لا نستطيعه ولا نقدر عليه من فعل المأمورات واجتناب
المنهيَّات . (إِلاَّ بِكَ ) ؛ أي : بإقدارك وتمكينك وتوفيقك .
( اللَّهُمَّ ؛ فَأَعْطِنَا مِنْهَا مَا ) : توفيقاً نقتدر به على فعل الذي ( يُرْضِيْكَ عَنَّا))) من
الطاعات وتجنُّب المخالفات ، فإنَّ الأمور كلَّها بيدك ؛ منك مصدرُها وإليك
مرجعُها ، ونحن ضعفاء وأنت القادر ، فنسألك أن تسعِفَنا وتعيننا على ذلك .
( أَبْنُ عَساكِرَ ) ؛ أي : أخرجه ابن عساكر : وهو عليُّ بن الحسن بن هِبَة الله،
ثقة الدين ، أبو القاسم ابن عساكر الدمشقي .
٤٩٧

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) .
٦٣ - «اللَّهُمَّ؛ زِدْنَا وَلاَ تَنْقُصْنَا، وَأَكْرِمْنَا وَلاَ تُهِنَّا، وَأَعْطِنَا وَلاَ
تَحْرِمْنَا، وَآئِرْنَا وَلاَ تُؤْثِرْ
المؤرِّخ ، الحافظ ، الرَّحالة ، كان محدِّث الديار الشاميَّة ، ورفيق السمعانيّ
- صاحب (( الأنساب)) - في رحلاته .
مولده سنة - ٤٩٩ - : تسع وتسعين وأربعمائة ، ووفاته سنة - ٥٧١ - : إحدى
وسبعين وخمسمائة في دمشق الشام ، وعُمُره اثنان وسبعون سنة تقريباً .
له كتاب: (( تاريخ دمشق الكبير))؛ يعرف بـ (( تاريخ ابن عساكر))، رحمه الله
تعالى . آمين .
( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله تعالى عنه ، ورواه أيضا باللَّفظ المذكور المستغفريُّ
في ( الدعوات ) . قال الحافظ العراقيُّ : وفيه ولهان بن جبير : ضعَّفه الأزدي ؛
قاله المناوي في (( فيض القدير)) . وقال نقلاً عن السيوطيّ : هذا الحديث متواتر .
وتعقَّبه السيِّد العلامة محمد بن جعفر الكتاني في (( نظم المتناثر))؛ فقال: لم أره في
((الأزهار))، ويتبادر إلى الذهن أنَّه سَبْقُ قلم، أو تحريف من الناسخ، إلاَّ أن يريد
أنَّ رجوع سيِّدنا محمد نَّه إلى الله تعالى في أحواله كلُّها؛ وسؤالَه التوفيق منه ؛
متواترٌ عنه معنىّ، فيصحُّ . والله أعلم .
٦٣ - ((اللَّهُمَّ؛ زِدْنَا) من خير الدارين ، أي: من العلوم والمعارف،
( وَلاَ تَنْقُصْنَا) شيئا من نعمائك، (وَأَكْرِمْنَا) بالتقوى، (وَلاَ تُهِنَّا) بفعل المعاصي
والمخالفات .
( وَأَعْطِنَا وَلاَ تُحْرِمْنَا) - بفتح أوَّله وضمه ــ قال العلقميُّ: عطف النواهي على
الأوامر !! للتأكيد .
( وَآئِرْنَا) - بالمد -: اخترنا بعنايتك وإكرامك. ( وَلاَ تُؤْثِرْ ) ؛ أي : لا تختر
٤٩٨

عَلَيْنَا، وَأَرْضِنَا وَأَرْضَ عَنَّا)). (ت، ك؛ عَنْ عُمَرَ ).
( عَلَيْنَا ) غيرنا ، فتعزَّه وتذلنا ، يعني : لا تغلب علينا أعداءنا .
( وَأَرْضِنَا ) بما قضيت لنا؛ أو علينا ؛ بإعطاء الصبر والتحمُّل ، والقنع بما
قسمت لنا من الرزق ، وذلك أنَّ الله سبحانه دبّر لعبده - قبل أن يخلقه - شأنَه من
الرزق ، والأحوال ، والآثار ، وكلّ ذلك مقدر مؤقّت ، بيرزه له في وقته كما
قدَّره ، والعبد ذو شهوات ، وقد اعتادها وتخلَّق بها ، ودبّر الله لعبده غير ما تخلَّق به
من الشهوات ، فمرَّة سَقَم ؛ ومرَّة صحَّة ، ومرَّة غنى ؛ ومرَّة فقر ، وعسر وذلٌّ ،
ومكروه ومحبوب ، فأحوال الدنيا تتداوله لا ينفك عن قضائه .
والعبد يريد ما وافقه واشتهاه ، وتدبيرُ الله فيه غيرُ ذلك ، فإذا رزق العبد الرضا
بالقضاء استقام قلبه ؛ فترك جميع إرادته لمشيئة الله تعالى ؛ ينتظر ما يبرز له من
تدبيره في جميع أحواله ، فيتلقَّاه بانشراح صدر وطيب نفس ؛ فيصير راضياً مرضيّاً ،
والمصطفى وَل﴿ أعظم مَن رُزق الرضا، وليس للشهوات ولا للشيطان عليه سبيل،
وإنَّما ذكر ذلك على طريق الإرشاد والتعليم للأمة .
( وَأَرْضَ عَنَّا))) بما نقيم من الطاعة القليلة التي هي جهدنا .
قال الراغب : منزلةُ الرضى أشرفُ المنازل بعد التُّوَّة ، فمن رضي عن الله فقد
رضي الله عنه، لقوله تعالى ﴿رَّضِىَ اَللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ [١١٩/ المائدة]. فجعل أحد
الرضاءين مقروناً بالآخر ، فمن بلغ هذه المنزلة فقد عرف خساسة الدنيا ، واطلع
على جنة المأوى ، وخطب مودّة الملأ الأعلى ، وحظي بتحيّتهم المعنيّة بقوله تعالى
وَمَكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَتِهِمِ مِن كُلِّ بَابٍ ﴿سَلَمُ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبْرٌ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ
(٢١)﴾ [الرعد] .
(ت، ك)؛ أي: أخرجه الترمذيُّ، والحاكم في ((الدعاء))؛
( عَنْ عُمَرَ ) بن الخطّاب ، أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه قال : كانَ
رسولُ اللهِّ﴿ إذا نزل عليه الوحيُّ سُمِعَ عند وجههِ كَدَوِيِّ النَّحل، فَمَكَثْنَا ساعة ،
فَسُرِّيَ عنه؛ فاستقبل القبلة ورفع يديه .... فذكره ، وصحّحه الحاكم .
٤٩٩

٦٤ ـ((اللَّهُمَّ؛ أَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنَا، وَأَلَّفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا، وَأَهْدِنَا سُبُلَ
السَّلاَمِ، وَنَجِّنَا مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وَجَنِّْنَا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ
مِنْهَا وَمَا بَطَنَ .
اللَّهُمَّ؛ بَارِكْ لَنَا فِي أَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُلُوبِنَا، وَأَزْواجِنَا
وَذُرِّيَّاتِنَا، وَتُبْ عَلَيْنَا؛ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ،
٦٤ - ((اللَّهُمَّ؛ أَصْلِحْ ذَتَ بَيّنِيَا ) ؛ أي : الحال التي يقع بها الاجتماع ،
( وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوْبِنَا) ؛ أي : اجعل بينها الإِيناس والمحبة والتراحم ؛ لتثبت على
الإِسلام ، وتقوى على مقاومة أعدائك ونصرة دينك .
( وَأَهْدِنَا سُبُلَ السَّلام ) ؛ أي: دلنًّا على طريق السَّلامة من الآفاتِ، أو على
طريق دار السَّلام ، الجنةَ، ( وَنَجِّنَا مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَىُ الثُّوْرِ ) ؛ أي : أنقذنا من
ظلمات الدُّنيا إلى نور الآخرة ، أو من ظلمات المعصية إلى نور الطاعة .
( وَجَنِبْنَا الْفَوَاحِشَ؛ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ) ؛ أي: بَعِّدْنا عن القبائح الظاهرة
والباطنة ، فإنَّا عاجزون عن التنقُّل منها ، ورفع الهمم عن مواقعها ؛ وإن اجتهدنا ،
بما جُبلنا عليه من الضَّعِفِ وتسلُّطِ الشيطان علينا ، فلا قوَّة لنا إلاَّ بك .
( اللَّهُمَّ؛ بَارِكْ لَنَا فِي أَسْمَاعِنَا، وَأَبْصَارِنَا، وَقُلُوْبِنَا، وَأَزْوَاجِنَا، وَذُرِّيَّاتِنَا ،
وَتُبْ عَلَيْنَا ) ؛ أي : اصرف قلوبنا إلى الطاعة .
فـ ((الثَّوَّابِ)) إذا وُصِفَ به المولى تعالى؛ كان معناه : الصارفَ لقلوب عباده
عن المعاصي إلى الطاعة . وإذا وُصِفَ به العبد ؛ كان معناه : كثيرَ الخروج من
الذنوب . فهو يختلف معناه باعتبار ما يوصف به ؛ قاله الحفني .
( إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ ) ؛ أي : الرجَّاع بعباده إلى مواطن النجاة ، بعد ما سَلَّط
عليهم عدوًّهم بغوايته ، ليعرفوا فضله عليهم وعظيم قدرته ، ثمَّ أتبعه وصفاً كالتعليل
له فقال : ( الرَّحِيْمُ ) : المبالغ في الرَّحمة لعبادك .
٥٠٠