النص المفهرس

صفحات 461-480

وَالثّقَى، وَأَلْعَفَافَ وَالْغِنَى)) . (م، ت، ٥؛ عَنِ أَبْنِ مَسْعُودٍ ).
٤٥ - («اللَّهُمَّ؛ أَجْعَلْ حُبَّكَ أَحَبَّ الأَشْيَاءِ إِلَيَّ، وَأَجْعَلْ خَشْيَكَ
أَخْوَفَ الأَشْيَاءِ عِنْدِي، وَأَقْطَعْ عَنِّي حَاجَاتِ الدُّنْيَا بِالشَّوْقِ إِلَىْ لِقَائِكَ،
صراط الذين أنعمت عليهم . ( وَالثُّقَى ) : الخَوْفَ من الله ، والحذر من مخالفته .
قال الطَّنِي : أطلق الهدى والتُّقى !! ليتناول كلّ ما ينبغي أن يهدى إليه من أمر
المعاش والمعاد ومكارم الأخلاق ، وكلّما يجب أن يتّقى منه من شرك ومعصية
وخلق ديني. انتهى. ( وَالْعَفَافَ) : الصيانة عن مطامع الدنيا، ( وَالْغِنَى ) ؛ أي :
غنى النفس والاستغناء عن الناس وعمّا في أيديهم .
(م، ت، ٥)؛ أي: أخرجه مسلم، والترمذيُّ، وابن ماجه .. كلّهم في
((الدعوات))؛ (عَنِ أَبْنِ مَسْعُوْدٍ) رضي الله تعالى عنه ، ولم يخرِّجه البخاريّ.
٤٥ - ((اللَّهُمَّ؛ أَجْعَلْ حُبَّكَ)؛ أي: حبِّي إيّاك ( أَحَبَّ الأَشْيَاءِ إِلَيَّ )،
وذلك يستلزم الترقّي في مدارج معرفة الحق ، ومطالعة كمال جماله ، فكلّما ازدادت
المعرفة تضاعفت الأحبيَّة .
( وَأَجْعَلْ خَشْيَتَكَ ) ؛ أي: خوفي منك المقترن بكمال التعظيم (أَخْوَفَ
الأَشْيَاءِ عِنْدِيْ ) ؛ بأن تكشف لي من صفات الجلال ما يستلزم كمال الخوف منك ؛
مع حصول الرجاء والطمع في رحمتك .
( وَأَقْطَعْ عَنِّيْ حَاجَاتِ الدُّنْيَا ) ؛ أي: امنعها وادفعها ( بِالشَّوْقِ إِلَى لِقَائِكَ ) ؛
أي : بسبب حصول الشوق إلى النظر إلى وجهك الكريم الذي هو أرفع درجات
النعيم ، وغاية الأماني لكل قلب سليم .
ومن مُنح الشوق انقطعت عنه حاجات الدنيا والآخرة ، وأولاهم بالله أشدُّهم له
شوقاً . وقد كان المصطفى * طويل الفكر، دائم الأحزان ، فهل كان كذلك إِلاَّ من
٤٦١

وَإِذا أَقْرَرْتَ أَعْيُنَ أَهْلِ الدُّنْيًا مِنْ دُنْيَّاهُمْ .. فَأَقْرِرْ عَيْنِي مِنْ عِبَادَتِكَ)).
( حل ؛ عَنِ الْهَيْئَمِ بْنِ مَالِكِ الطَّائِيِّ [رَحِمَهُ الهُ]) .
شدّة شوقه إلى منزله!؟ وأقربهم قرباً ، وأعلمهُم به أشدُّهم حُرْقَةً في القلوب شوقاً .
قال حُجَّة الإسلام : لو خلق فيك الشوق إلى لقائه ، والشهوة إلى معرفة
جلاله ؛ لعلمت أنَّها أصدق وأقوى من شهوة الأكل والشُّرب ، وكذلك كلّ شيء ،
بل وآثرت جنّة المعرفة ورياضتها على الجنّة التي فيها قضاء الشهوات المحسوسة ،
وهذه الشهوة خلقت للعارفين ؛ ولم تخلق لك ، كما خلق لك شهوة الجاه ؛ ولم
تخلق للصبيان ؛ وإنما لهم شهوة اللعب ! وأنت تعجب من عكوفهم عليه وخلوِّهم
عن لذّة العلم والرياسة !! والعارف يعجب منك ومن عكوفك على لذّة العلم
والرياسة ، فإنّ الدنيا بحذافيرها عنده لهو ولعب ، فلمّا خلق للكُمَّل معرفة الشوق
كان الْتذاذهم بالمعرفة بقدر شهوتهم ، ويتفاوتون في ذلك ، ولذلك سأل
المصطفى ◌َ﴿ المزيد من ذلك، ولا نسبة لتلك اللّذة إِلى لذَّة الشهوات الحسيّة !!
ولذلك كان العارف إبراهيم بن أدهم يقول : لو علم الملوك ما نحن فيه من النعيم
لقاتلونا عليه بالسيوف. انتهى ((مناوي)).
( وَإِذا أَقْرَرْتَ أَعْيُنَ أَهْلِ الذُّنْيَا مِنْ دُنْيَاهُمْ ) ؛ أي : فرّحتهم بما آتيتهم منها ،
( فَأَقْرِزْ عَيْنِيْ مِنْ عِبَادَتِكَ))) ؛ أي: فرِّحني بها، وذلك لأنّ المستبشر إذا بكى من
كثرة السرور يخرج من عينه ماء بارد ، كما قال :
طَفَحَ الشُّرُوْرُ عَلَيَّ حَتَّى أَنَّهُ مِنْ فَرْطِ مَا قَدْ سَرِّنِي أَبْكَانِي
والباکي جزعاً يخرج من عينيه ماء سخن .
(حل)؛ أي: أخرجه أبو نعيم في «الحلية )) ؛ (عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ مَالِكِ
الطَّائِيّ)؛ ذكره في (( الإصابة )) في القسم الرابع ، وقال : هو تابعيّ من أهل
الشام ، أرسل حديثا فظنّه بعضهم صحابياً ، وذكره البخاريّ ، وابن أبي حاتم في
التابعين . والله أعلم . انتهى ملخصاً .
٤٦٢

٤٦ - (« اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَسْأَلُكَ الصِّحَةَ، وَأَلْعِقَّةَ، وَاْلأَّمَانَةَ، وَحُسْنَ
اُلْخُلُقِ، وَالرِّضَا بِالْقَدَرِ )) . (طب؛ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو ◌َرَضِيَ اللهُ تَعَالَى
عَنْهُمَا] ) .
٤٧ - ((آللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَسْأَلُكَ التَّوْفِيقَ لِمَحَابِّكَ
٤٦ - ((اللَّهُمَّ؛ إِنِّيْ أَسْأَلُكَ الصِّحَّةَ) ؛ أي : العافية من الأمراضٍ والعاهات .
( والْعِفَّةَ) عن المحرَّمات والمكروهات وما يخلُّ بكمال المروءة ؛ قاله المناوي .
( وَالأَمَانَةً) ؛ أي : حفظ ما ائتُمِنْتُ عليه من حقوق الله تعالى وحقوق عباده .
(وَحُسْنَ الْخُلُقِ ) - بضم اللّم - ؛ أي: مع الخَلْقِ، بالصبر على أذاهم ، وكفّ الأذى
عنهم، والتلطُّف بهم، ( وَالرِّضَا بِالْقَدَرِ)))؛ أي: بما قدّرته عليّ في الأَزل .
وهذا تعليم لأمَّته ، وتمرينٌ للنفس على الرضا بالقضاء ، وذلك لأمرين :
الأول : أن يتفرّغ العبد للعبادة ، لأنّه إذا لم يرضَ بالقضاء يكون مهموماً مشغولَ
القلب أبداً ؛ بأنه لم كان كذا !! ، ولماذا لا يكون كذا !! ، فإذا اشتغل القلب بشيء
من هذه الهموم كيف يتفرّغ للعبادة ؟! إذ ليس له إلاّ قلب واحد ؛ وقد امتلأ من
الهموم ، وما كان وما يكون ، فأيّ محل فيه لذكر العبادة وفكر الآخرة ؟! ولقد
صدق شقيقٌ في قوله (( حسرة الأمور الماضية ؛ وتدبير الآتية ذهبت ببركة
الساعات )) .
الثاني : خطر ما في السخط من مقت الله وغضبه ؛ مع أنّه لا فائدة لذلك ، إِذ
القضاء نافذ ؛ ولا بدّ منه ، رضي العبد؛ أم سخط. انتهى ((مناوي)).
( طب)؛ أي: أخرجه الطبراني في ((الكبير))، وأخرجه البزّار أيضاً ،
كلاهما ؛ (عَنِ أَبْنِ عَمْرٍو ) بن العاصي . قال الحافظ الهيثمي : فيه عبد الرحمن بن
زياد بن أنعم : وهو ضعيف الحديث ، وبقيّة رجال أحد الإسنادين رجال الصحيح .
قاله المناوي .
٤٧ - ((اللَّهُمَّ ؛ إِنِّيْ أَسْأَلُكَ التَّوْفِيْقَ) الذي هو خلق قدرة الطاعة ( لِمَحَابُّكَ )
٤٦٣

مِنَ الأَعْمَالِ، وَصِدْقَ التَّوَكُلِ عَلَيْكَ، وَحُسْنَ الظَّنُّ بِكَ)). ( حل ؛
عَنِ الأَوْزَاعِيِّ والْحَكِيمُ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) .
- بالتشديد - أي : ما تحبّه وترضاه ( مِنَ الأَعْمَالِ ) الصالحة ، لأترقّى في الأفضل
فالأفضلِ منها . ( وَصِدْقَ التَّوَكُّلِ عَلَيْكَ، وَحُسْنَ الظَّنِّ بِكَ)))؛ أي : يقيناً جازماً
يكون سببا لحسن الظنِّ بك، لقوله: (( أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي)» .
وانظر إلى هذه الثلاث المسؤولة كيف يشبه بعضها بعضاً ؟! فكأنّه نظام واحد ! .
١ - سأله التوفيق لمحابّه !! ومحابُّه في الغيب لا تُدرى، فربّما كان محابُّه في
شيء هو في الظاهر دون غيره ؛ فإذا استقبل النفس به واحتاج إلى إيثاره على ما هو
في الظاهر أعلى ، تردّد في النفس سؤاله .
٢ - وسأله صدق التوكل !! والتوكُّل: هو التفويض إليه؛ واتّخاذه وكيلاً في
سائر أموره ، فسأله صدق ذلك ، وصدقُه : أنَّه إذا استقبلك أمر هو عندكِ أَدْوَنُ
فوفقك لهذا الأذون ، وهو مختاره : أن لا تتردّد فيه وتمرّ به مسرعاً .
٣ - ثم قال: أسألك حسن الظنِّ بك، فإنَّ النفس إذا دخلت في الأدونِ دخل
سوء الظنِّ من قِبَلها ، تقول : لعلِّي مخذول فيها !! فسأله حسن الظن حتى لا تأخذه
الحَيْرة من ربِّه فيخافَ الخذلان .
(حل)؛ أي: أخرجه أبو نُعَيْم في ((الحلية)) ؛ عن محمّد بن نصر الحارثي ؛
من حديث حسين الجعفي ؛ عن يحيى بن عمر ؛ ( عَنِ الأَوْزَاعِيِّ ) :
عبد الرحمن بن عمرو ، تابعيّ ، ثقة جليل ؛ فهو مرسل .
ثم قال أبو نُعَيْم : لم يَرْوِهِ عن الأوزاعيِّ - فيما أعلم - إلاّ محمّد بن نصر
الحارثي ، ولاعنه إلاّ يحيى ، تفرّد به الحسين .
( الْحَكِيمُ) ؛ أي : وأخرجه الحكيم التِّرْمِذِيّ؛ (عَنْ أَبِيْ هُرَيْرَةَ) رضي الله
تعالى عنه قال - أعني الحكيم - : وهذا باب غامض يخفى على الصادقين ، وإنّما
ينكشف للصِّدِّيقين. انتهى. وفيه عُمر بن عَمرو : فيه كلام . انتهى . ذكره المناوي .
٤٦٤

٤٨ - ((اَللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَسْأَلُكَ صِحَّةً فِي إِيمَانٍ ، وَإِيمَاناً فِي حُسْنٍ
خُلُقٍ، وَنَجَاحاً يَتْبَعُهُ فَلَاحٌ، وَرَحْمَةً مِنْكَ وَعَافِيَةً، وَمَغْفِرَةً مِنْكَ
وَرِضْوَاناً)) . (طس، ك؛ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ] ).
٤٩- (( اَللَّهُمَّ؛ أَلْطُفْ بِيَ فِي تَيْسِيرِ كُلِّ عَسِيرٍ، فَإِنَّ تَيْسِيرَ كُلِّ
عَسِيرٍ عَلَيْكَ يَسِيرٌ ،
٤٨ - ((اللَّهُمَّ؛ إِنِّيْ أَسْأَلُكَ صِحَّةً فِي إِيْمَانٍ) ((في)) بمعنى ((مع))؛ على حدٍّ
﴿آَدْ خُلُواْ فِىَ أُمَرٍ﴾ [٣٨/ الأعراف]؛ أي: صِحَّة في بدني مع تمكّن التصديق من قلبي.
( وَإِيْمَاناً فِي حُسْنِ خُلُقٍ ) - بالضم - ؛ أي : وأسألك إيمانا يصحبه حسن
خلق ، فـ ((في)) بمعنى ((مع)).
( وَنَجَاحاً ) ؛ أي : حصولاً للمطلوب ( يَتْبَعُهُ فَلاَحٌ ) ؛ أي : فوز ببغية الدنيا
والآخرة ، ( وَرَحْمَةً )؛ أي : وأسألك رحمة (مِنْكَ وَعافِيَةً ) ؛ أي : سلامة من
البلايا والمصائب ، ( وَمَغْفِرَةً مِنْكَ ) ؛ أي: ستراً للعيوب، ( وَرِضْوَاناً) - بكسر
الراء وضمّها - : اسم مبالغة في معنى الرضا ، أي : وأسألك رضوانا منك لأفوز
بخير الدارين .
( طس، ك)؛ أي: أخرجه الطبرانيّ في ((الأوسط))، والحاكم في
((المستدرك)) كلاهما؛ (عَنْ أَبِيْ هُرَيْرَةَ) قال: أَوْصَىْ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ سَلْمَانَ
الْخَيْرِ؛ فَقَالَ: ((إِنَّ رَسُوْلَ اللهِوَهِ يُرِيدُ أَنْ يَمْنَحَكَ كَلِمَاتٍ تَسْأَلُهُنَّ الرّحمُنَ؛ تَرْغَبُ
إِلَيْهِ فِيْهِنَّ، وَتَدْعُوْ بِهِنَّ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ ، قُلْ: اللَّهُمَّ ... )) إلى آخره . قال الحافظ
الهيثميّ : رجاله ثقات . انتهى .
٤٩ - ((اللَّهُمَّ؛ أَلْطُفْ): ارفق ( بِيْ فِي تَيْسِيْرِ كُلِّ عَسِيْرٍ) ؛ أي : تسهيل كلِّ
صعب شديد ، ( فَإِنَّ تَيْسِيْرَ كُلِّ عَسِيْرٍ عَلَيْكَ يَسِيْرٌ ) ؛ أي : لا يعسر عليك شيء ،
لأنَّك خالق الكلِّ ، ومقدِّر الجميع .
٤٦٥

وَأَسْأَلُكَ الْيُسْرَ وَالْمُعَافَةَ فِي الدُّنْيَا وَأَلْآخِرَةِ)). (طس ؛ عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ) .
٥٠- ((اَللَّهُمَّ؛ أَعْفُ عَنِّي ، فَإِنَّكَ عَفُؤَّ كَرِيمٌ)) . ( طس ؛ عَنْ أَبِي
سَعِيدٍ ) .
٥١ - ((آللَّهُمَّ؛ إِنِّي عَبْدُكَ، وَأَبْنُ عَبْدِكَ، وَأَبْنُ أَمَتِكَ ، فِي
قَبْضَتِكَ ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ ،
(وَأَسْأَلُكَ الْيُسْرَ ) ؛ أي : سهولة الأمور وحسن انقيادها، (وَالْمُعَافَاةَ فِي الدُّنْيَا
وَالآخِرَةِ ) ؛ بأن تصرف أذى الناس عنِّي ، وتصرف أذايَ عنهم .
(طس) ؛ أي: أخرجه الطبرانيّ في ((الأوسط))؛ (عَنْ أَبِيْ هُرَيْرَةَ) رضي الله
تعالى عنه قال: لَمَّا وَجَّهَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ جَعْفَرَ بْنَ أَبِيْ طَالِبٍ إِلَى الْحَبَشَةِ شَيَّعَهُ،
وَزَوَّدَهُ هُذِهِ الْكَلِمَاتِ . قال الحافظ الهيثميّ : فيه من لم أعرفهم . انتهى .
وأورده في (( الميزان)) في ترجمة عبد الله بن عبد الرحمن ، وقال: إِسناده
مظلم .
٥٠ - ((اللَّهُمَّ ؛ اعْفُ عَنِّيْ)؛ أي: امح ذنوبي، ( فَإِنَّكَ عَفُوٌّ كَرِيْمٌ)))؛
أي : فَإِنَّك كثير الفضل والكرم ، تحبُّ الإفضال والإنعام .
(طس)؛ أي: أخرجه الطبراني في ((الأوسط))؛ (عَنْ أَبِيْ سَعِيْدٍ ) الخدري
رضي الله تعالى عنه قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَىْ رَسُوْلِ اللهِنَّهِ؛ فَقَالَ: عَلِّمْنِيْ دُعاءَ أُصِيْبُ
بِهِ خَيْراً. فَقالَ: ((أُدْنُ))، فَدَنا حتَّى كادَتْ رُكْبُتُهُ تَمَسُّ رُكْبَتَهُ؛ فَقَالَ :
((اللَّهُمَّ ... )) إلى آخره. قال الحافظ الهيثميّ: فيه يحيى بن ميمون التمّار : وهو
متروك ؛ قاله المناوي . وفي العزيزيّ : هو حديث ضعيف .
٥١ - ((اللَّهُمَّ؛ إِنِّيْ عَبْدُكَ، وَأَبْنُ عَبْدِكَ، وَأَبْنُ أَمَتِكَ ) ؛ أي : ابن جاريتك
ومملوكتك ، ( فِي قَبْضَتِكَ، ناصِيَتَيْ بِيَدِكَ ) . الناصية : مقدّم الرأس ، وهي - هنا
٤٦٦

مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ أَسْمٍ هُوَ لَكَ
سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ ،
أَوِ اسْتَأْتَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ نُورَ
صَدْرِي ، وَربيعَ قلبي
كناية - عن كمال قدرته ، وإشارة إلى أنّ إحاطته على وفق إرادته .
( مَاضٍ) : نافذ (فِيَّ) - بتشديد الياء - ؛ أي: في حقِّي (حُكْمُكَ ) ، إذ
لا مانع لما قضيت. وقال القاري في ((الحرز)): المعنى: سابق في شأني حكمُك
الأزليُّ الذي لا يبدّل ولا يحوّل .
( عَذْلُ فِيَّ) - بتشديد الياء - ( قَضَاؤُكَ ) ؛ أي : ما قضيت به عليّ ، فهو عدل
لا جَوْر فيه ؛ ولا ظلم .
( أَسْأَلُكَ بِكُلِّ أَسْمِ هُوَ لَكَ) ؛ أي : ثابت لك ( سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ ) ، هو أعمّ
من قوله ( أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ ) ؛ أي : القرآن وسائر كتبك المنزلة .
(أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ ) ؛ من الأنبياء والمرسلين ، والملائكة المقرّبين ،
والأولياء والعارفين .
( أَو أَسْتَأَنَزْتَ بِهِ ) ؛ أي : اخترته واصطفيته ( فِي عِلْمِ الْغَيْبِ ) الذي لا يعلمه
إلاَّ أنت، و (عِنْدَكَ ) : عنديّة مكان . قال الشوكانيّ: وفيه دليل أنَّ الله تعالى أسماءً
غير التسعة والتسعين الاسم .
( أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ الْعَظِيْمَ) - كذا عند بعض الرواة بزيادة: ((العظيم)).
و((أَنْ)) ومدخولُها: ثاني مفعول ((أسأل)»، والمفعول الثاني لـ«جعل)» هو قوله:
( نُوْرَ صَدْرِيْ) ؛ أي : تشرق في قلبي نوره فأميِّرَ الحقّ من غيره. ( وَرَبِيْعَ
قَلْيِيْ ) ؛ أي : متنزّهه ، ومكان رعيه وانتفاعه بأنواره وأزهاره وأشجاره وثماره
المشبّه بها أنواع العلوم والمعارف ، وإضاءة الحكم والأحكام واللطائف .
٤٦٧

وَجِلاَءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي )) . (إِبْنُ السُّنِّيِّ؛
( وَجِلاَءَ حُزْنِيْ) - بكسر الجيم والمدّ ـ أي: إزالة حُزْني وكشفه، من :
جَلَوْتُ السيف جِلاءً - بالكسر -، أي : صقلتُه ، ويقال : جلوت همّي عني ؛ أي :
أذهبته . ووقع في بعض نسخ (( الحصن )) - بفتح الجيم -.
قال في ((الحرز)): فهو جَلاء القوم عن الموضع، ومنه ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ
عَلَيْهِمُ الْجَلَآءَ﴾ [٣/ الحشر]. والمعنى : اجعله سبب تفرقة حزني، وجمعيّة خاطري.
انتهى .
( وَذَهَابَ هَمِّيْ ))) ؛ أي : الهمّ الذي لا ينفعني ويفرِّقني لا يجمعني .
رواه ( أَبْنُ السُّنِّيِّ ) - بضم السين المهملة وتشديد النون بعدها ياء النِّسبة -:
وهو الإمام الجليل الحافظ : أبو بكر أحمد بن محمّد بن إسحاق بن إبراهيم بن
أسباط بن بُدَيْح - بصيغة التصغير - - البُدَيْحِيّ - بالموحدة ؛ فالدال المهملة فالمثنّة
التحتيّة فالحاء المهملة - منسوب إلى جدِّه (( بُدَيح)) القرشيّ ، الهاشميّ
((مولاهم))، الدينوري، المعروف بـ «ابن السُّنِّيِّ)). وبديح جَدُّهُ: مولى
عبد الله بن جعفر بن أبي طالب .
يكنى (( أبا بكر )) ، أحد الحفّاظ المشهورين ، الثقات المأمونين ، ولي قضاء
القضاة بالرِّي ، ثمّ انفصل وتركه ، ونفذ حكمه إلى العراق والحجاز ومصر .
وفي شيوخه كثرةٌ ، منهم : أبو يعلى الموصلي البغوي ، وأبو الحسين بن
جوصا ، وأبو عبد الرحمن النسائي ، وأبو عرفة الكراني ، وجماعة .
روى عنه : القاضي أحمد بن عبيد الله بن شاذان ، وأبو نصر أحمد بن
الحسين بن الكسار ، الدينوريان ، وجماعة غيرهما .
توفي سنة - ٣٦٤ - : أربع وستين وثلثمائة ، ومات عن بضع وثمانين سنة .
رحمه الله تعالى . آمين .
٤٦٨

عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ) .
( عَنْ أَبِيْ مُؤْسَىُ الأَشْعَرِيِّ ) : عبد الله بن قيس رضي الله تعالى عنه قال : قَالَ
رَسُوْلُ اللهِ: (( مَنْ أَصَابَهُ هَمَّ أَوْ حُزْنٌ؛ فَلْيَدْعُ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ ... )) الخ.
وقال في آخره : فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْم : يا رَسُولَ اللهِ ؛ إِنَّ الْمَغْبُونَ لَمَنْ غُبِنَ
هُؤْلاءِ الْكَلِماتِ !؟ فَقالَ: ((أَجَلْ؛ فَقُوْلُؤَهُنَّ وَعَلِّمُوهُنَّ، فَإِنَّهُ مَنْ قَالَهُنَّ الْتِمَاسَ
مَا فِيْهِنَّ أَذْهَبَ اللهُ تعالى حُزْنَهُ، وَأَطَالَ فَرَحَهُ )) .
قال في (( مجمع الزوائد)) : وأخرجه الطبرانيُّ؛ عن أبي موسى أيضاً ، وفيه من
لم أعرفه . انتهى . وأخرجه الإمام أحمد ، وابن حبان ، والحاكم ، وأبو يعلى ،
والبزَّار ، والطبرانيّ ، وابن أبي شيبة : كلُّهم ؛ عن ابن مسعود ، وصحّحه ابن
حبّان ، والحاكم . وقال الحافظ ابن حجر : حديث ابن مسعود أثبتُ سنداً وأشهر
رجالاً ، وهو حديث حسن ، وقد صحّحه بعض الأئمة .
وقال الحافظ الهيثميّ في «مجمع الزوائد » : ورجالُ أحمدَ ؛ وأبي يعلى رجالٌ
الصحيح ، غير أبي سلمة الجهني ! وقد وثَّقه ابن حبّان . انتهى . لكن قال الذهبيُّ:
إنّ أبا سلمة الجهني ما روى عنه إلاَّ فضيل بن مرزوق ، ولا يُعرف اسمُه
ولا حاله !!. قال الحافظ ابن حجر : لكنّه لم ينفرد به ، وذكره مع ذلك ابن حبّان
في الثقات . انتهى .
وفي رواية ابن مسعود رضي الله عنه: عَنِ النَّبِّ بَِّقَالَ: ((مَا أَصابَ عَبْداً هَمٌّ
وَلاَ حُزْنٌ ؛ فَقَالَ: اللَّهُمَّ ... الخ إلاَّ أَذْهَبَ اللهُ حُزْنَهُ وَهَمَّهُ، وَأَبْدَلَ مَكَانَهُ
فَرَحاً ».
قال في ((المواهب)): وإنّما كان هذا الدعاء بهذه المنزلة !! لاشتماله على
الاعتراف بعبوديّة الداعي وعبوديّة آبائه وأمّهاته ، وأنّ ناصيته بيده يصرِّفُها كيف
يشاء !! وإثباتِ القَدَر ، وأن أحكام الربِّ تعالى نافذة في عبده ؛ ماضية فيه ،
لا انفكاك له عنها ، ولا حيلة له في دفعها ، والله سبحانه وتعالى عَدْل في هذه
الأحكام غيرُ ظالم لعبده .
٤٦٩

٥٢ - («اللَّهُمَّ؛ أَحْرُسْنِي بِعَيْتِكَ الَّتِي لاَ تَنَامُ ، وَأَكْتُفْنِي بِكَنَفِكَ الَّذِي
لاَ يُرَامُ ، وَأَرْحَمْنِي بِقُدْرَتِكَ عَلَيَّ ؛ فَلاَ أَهْلِكُ وَأَنْتَ رَجَائِي ، فَكَمْ مِنْ
نِعْمَةٍ أَنْعَمْتَ بِهَا عَلَيَّ قَلَّ لَكَ بِهَا شُكْرِي ، وَكَمْ مِنْ بَلِيّةٍ أَبْتَيْتِي قَلَّ لَكَ
بِهَا صَبْرِي ، فَيَا مَنْ قَلَّ عِنْدَ نِعْمَتِهِ شُكْرِي ؛ فَلَمْ يَحْرِمْنِي ،
ثم توسُّلِه بأسماء الربِّ تعالى الذي سمَّى بها نفسه ، ما عَلِمَ العباد منها وما لم
يَعلموا، ومنها ما استأثر به في علم الغيب عنده ؛ فلم يُطْلِعْ عليه مَلَكاً مقرَّباً ،
ولا نبيَّاً مرسلاً، وهذه الوسيلة أعظم الوسائل، وأحبُّها إلى الله تعالى، وأقربها
تحصيلاً للمطلوب .
ثم سؤالِه أن يجعل القرآن العظيم لقلبه ربيعاً ؛ كالربيع الذي يرتع فيه الحيوان ،
وأن يجعله لصدره كالنور الذي هو مادَّة الحياة وبه يتمُّ معاش العباد ، وأن يجعله
شفاء همّه وغمّه ، فيكون بمنزلة الدواء الذي يستأصل الداء ؛ ويعيد البدن إلى صحته
واعتداله ، وأن يجعله لحزنه كالجلاء الذي يجلو الطبوع والأصدية وغيرها ، فإذا
صدق العليل في استعمال هذا الدواء أعقبَه شفاء تاماً . انتهى .
قال الزرقاني : وصدقه باليقين التام ، وصدق النيّة ، وخلوص الطويّة ، وأن
لا يقصد به التجربة ، لأنّ قاصد ذلك عنده شكّ . انتهى .
٥٢ - ((اللَّهُمَّ؛ أَخْرُسْنِيْ) - بضم الراء - : احفظني ( بِعَيْنِكَ الَّتِيْ لاَ تَنَامُ،
وَأَكْتُفْنِيْ ) ؛ أي : استرني ( بِكَنَفِكَ ) ، هذه رواية ابن أبي الدنيا ، ورواية الذَّيْلَمي
((بِرُكْنِكَ)) ( الَّذِيْ لاَ يُرَامُ) ؛ أي: لا يقدر على طلبه ( وَأَرْحَمْنِيْ بِقُدْرَتِكَ عَلَيَّ ) ،
لأنّ ذلك شأن الكرام ، أي : الرحمة مع القدرة ، ( فَلا أَهْلِكُ وَأَنْتَ رَجَائِيْ ) ؛
أي : مرجويّ في جميع أموري .
( فَكَمْ مِنْ نِعْمَةٍ أَنْعَمْتَ بِهَا عَلَيَّ قَلَّ لَكَ بِهَا شُكْرِيْ ) ؛ أي : قيامي بواجبها من
الطاعات !! ( وَكَمْ مِنْ بَلِيَّةٍ أَبْتَلَيْتَنِيْ قَلَّ لَكَ بِهَا صَبْرِئْ !!
فَيَا مَنْ قَلَّ عِنْدَ نِعْمَتِهِ شُكْرِيْ ؛ فَلَمْ يَخرِمْنِي ) - بفتح أوّله وضمه وکسر الراء - ؛
٤٧٠

وَيَا مَنْ قَلَّ عِنْدَ بَلاَئِهِ صَبْرِي ؛ فَلَمْ يَخْذُلْنِي ، وَيَا مَنْ رَآنِي عَلى
اُلْخَطَايَا؛ فَلَمْ يَفْضَحْنِي .
يَا ذَا الْمَعْرُوفِ الَّذِي لاَ يَنْقَضِي أَبَداً ، وَيَا ذَا النِّعْمَةِ الَّتِي لاَ تُخْصَىُ
عَدَداً .. أَسْألُكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَبَكَ أَدْرَأُ فِى
نُخُورِ الأَعْدَاءِ وَالْجَبَّرِينَ.
اَللَّهُمَّ؛ أَعِنِّي عَلَىْ دِينِي بِالدُّنْيَا، وَعَلَى آخِرَتِي بِالتَّقْوَى ،
وَأَحْفَظْنِي فِيمَا غِبْتُ
أي: يمنعني من نعمه، من «حَرَمَ كضرب))، و((أحرم كأكرم)). (وَيَا مَنْ قَلَّ عِنْدَ
بَلِيَِّهِ صَبْرِيْ ؛ فَلَمْ يَخْذُلْنِيْ ) - بضم الذال ـ : يترك نصرتي .
( وَيَا مَنْ رَآنِيْ عَلَى الْخَطَايَا؛ فَلَمْ يَفْضَخْنِيْ) - بفتح الياء والضاد - : يكشف
مساوئي، فأُفتَضَح، وهذا من مزيد تواضعه وَّهِ، واستغراقه في شهود الجلال ،
وإلّ فمن يشكر ومَن يصبر إذا لم يشكر ولم يصبر هو ، وأيّ خطيئة له ، فضلاً عن
خطايا ، وهو أيضا من باب التعليم لأمّته .
( يَا ذَا الْمَعْرُوفِ الَّذِيْ لاَ يَنْقَضِيْ أَبَداً) ؛ بل هو دائم، ( وَيَا ذَا النَّعْمَةِ الَّتِيْ
لاَ تُخْصَى عَدَداً)، وفي رواية: ((النَّعْماءِ))، والأُوْلى أنسب ، لأنَّها التي يتعلق بها
العدّ، وأمّا النّعماء! فصفة له تعالى بمعنى الإنعام ، لا يتعلَّق بها العدّ، لأنَّ الصفة
لا تَعَدُّدَ فیھا ؛ ولا تكثر .
( أَسْأَلُكَ؛ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ . وَبِكَ أَدْرَأُ) - بفتح الهمزة
وسكون الدال وبالراء -: أدفع (فِي نُحُوْرِ الأَعْدَاءِ وَالْجَبَّارِيْنَ) : العتاة
المتكبِّرین .
( اللَّهُمَّ ؛ أَعِنِّيْ عَلَىْ دِيْنِيْ بِالدُّنْيَا، وَعَلَىْ آخِرَتِيْ بِالتَّقْوَى، وَأَحْفَظْنِيْ فِيْمَا غِبْتُ
٤٧١

عَنْهُ ، وَلاَ تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي فِيمَا حَضَرْتُهُ .
يَا مَنْ لاَ تَضُرُّهُ الذُّنُوبُ، وَلاَ يَنْقُصُهُ الْعَفْوُ .. هَبْ لِي مَا لاَ
يَنْقُصُكَ ، وَأَغْفِرْ لِي مَا لاَ يَضُرُّكَ ، إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ .
أَسْأَلُكَ فَرَجاً قَرِيباً، وَصَبْراً جَمِيلاً، وَرِزْقاً وَاسِعاً ، وَأَلْعافِيَّةَ مِنَ
الْبَلاَيَا، وَأَسْأَلُكَ تَمَامَ الْعَافِيَةِ، وَأَسْأَلُكَ دَوَامَ الْعَافِيَةِ، وَأَسْأَلُكَ
الشُّكْرَ عَلَى الْعَافِيَةِ ،
عنْهُ) من الأفعال التي لا أستحضرها ، أو من الأهل والمال ، ( وَلاَ تَكِلْنِيْ إِلَى نَفْسِيْ
فِيْمَا حَضَرْتُهُ): من الحضور: ضدّ الغَيبة، وكذلك في ((فهرس الكاملي)) ،
و((الشراباتي))، و(( ابن عابدين))، وغيرهم من أرباب الفهارس ، ومثله في رواية
ابن أبي الدنيا .
وفي ((المنح)): أَمّا ((المواهب)) !! ففي روايته من طريق الدَّيْلَمي: ((فِيْمَا
حَظَرْتَهُ عَلَيَّ)) - بالظاء المشالة - ؛ من الحظر : وهو المنع ، ومعناه - كما قال
الزرقاني على ((المواهب)) -: ((لا تكِلْنِيْ إِلَى نَفْسِيْ فِيْمَا مَنَعْتَهُ عَلَيَّ، بَلْ إِلى
تَوْفِيْقِكَ ؛ لِئَلأَّ أَفَعَ فِيْمَا حَظَرْتَهُ » .
( يَا مَنْ لاَ تَضُرُّهُ الذُّنُوْبُ، وَلاَ يَنْقُصُهُ الْعَفْوُ؛ هَبْ لِيْ مَا لاَ يَنْقُصُكَ ) وصوله
إِلَيَّ وهو عفوك ، (وَأَغْفِرْ لِيْ مَا لاَ يَضُرُّكَ ) وهو الذنوب .
( إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ) : كثير النعم دائم العطاء ، صيغة مبالغة من الهبة ؛ وهي
العطيّة بلا سبب سابق ولا استحقاق ، ولا مقابلة ولا جزاء .
( أَسْأَلُكَ فَرَجاً قَرِيْباً؛ وَصَبْراً جَمِيْلاً) لا جَزَعَ فيه، ( وَرِزْقاً وَاسِعاً ، وَالْعَافِيَةَ
مِنَ الْبَلايَا، وَأَسْأَلُكَ تَمَامَ الْعَانِيَةِ، وَأَسْأَلُكَ دَوَامَ الْعَافِيَةِ ) ؛ أي : السلامة من
الأسقام، (وَأَسْأَلُكَ الشُّكْرَ عَلَى الْعَافِيَةِ )، أعادها مُظْهَرة !! لأنّ مقام الدعاء يطلب
فيه البسط ، لأَنّه مقام خطاب وخضوع .
٤٧٢

وَأَسْأَلُكَ الْغِنَى عَنِ النَّاسِ، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ الْعَلِيِّ
اُلْعَظِيمِ)) . ( الدَّئِلَمِيُّ؛ عَنْ جَعْفَرِ الصَّادِقِ؛ عَنْ أَبِهِ ؛ عَنْ جَدِّهِ
[عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ]) .
( وَأَسْأَلُكَ الْغِنَىُ) - بكسر الغين المعجمة والقصر - (عَنِ النَّاسِ، وَلاَ حَوْلَ
وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيْم))) ختم بها الدعاء لما فيه من التوحيد الخفيّ ؛ قاله
الزرقاني .
(الذَّيْلَمِيُّ ) ؛ أي : أخرجه أبو منصور شهردار بن شِيْرَويه الديلمي ،
الهَمَذاني ، المتوفى سنة - ٥٥٨ -: ثمان وخمسين وخمسمائة ، يتصل نسبه
بالضَّخَّاكِ بن فيروز الديلمي الصحابي .
وقد أخرجه الديلمي في كتاب (( مسند الفردوس))؛ ( عَنْ جَعْفَرِ الصَادِقِ ) ،
لصدقه في مقاله ؛ من سادات أهل البيت .
(عَنْ أَبِيْهِ ) محمد الباقر ؛ (عَنْ جَدِّهِ) عليٍّ زَيْنِ العابِدِيْنَ بن الحسين بن
عليّ بن أبي طالب؛ مرسلاً، لأَنّ جدّه تابعيّ: أنَّ النَّبِيِّ ◌َ﴿ كَانَ إذا حَزَبَهُ أَمْرٌ دَعا
بِهذا الدُّعاءِ: ((اللَّهُمَّ اخْرُسْنِيْ ... الخ.
وذكره المصنّفّ في (( رياض الجنة))؛ وقال : أخرجه ابن عساكر ؛ عن
جعفر بن محمد ؛ عن أبيه ؛ عن جدّه : عليّ زين العابدين ؛ عن أبيه الحسين ؛ عن
أبيه عليّ رضي الله تعالى عنهم: أن النبي ◌ِّهِ إِذا حَزَبَهُ أَمْرٌ دعا بِهذا الدُّعاءِ:
((اللَّهُمَّ؛ احْرُسْنِيْ - إلى قوله - العَظِيم)). وكان يقول: إنّه دعاء الفرج .
وهو حزب عظيم ، مشهور بالبركة ، مجرَّب لدفع الشدائد ، مسلسلٌ بقول كلّ
راو: ((كتبته وها هو في جيبي)). وقد بسطتُّ الكلام عليه في كتابي: (( سعادة
الدارَيْن في الصلاة على سيِّد الكونينِ وَّر)). انتهى.
وقال المصنّفُ في ((سعادة الدارين)): رأيت في بعض المجاميع ما نصُه :
٤٧٣

أخبرنا الشيخ أبو العباس : أحمد بن محمد بن حسن اللواتي ؛ قال : أخبرنا
أبو الحسين: يحيى بن محمد عرف بـ(( ابن الصائغ))؛ قال : أخبرنا أبو القاسم بن
خلف بن عبد الملك بن مسعود بن بَشْكَوال ؛ قال : أخبرنا أبو الحسن : محمّد بن
عبد الرحمن ((صاحبنا)) بقراءتي عليه ؛ قال : أخبرنا أبو القاسم بن صواب
سماعاً ؛ قال : أخبرنا أبو مروان : عبد الملك بن زيادة الله الطبني ؛ قال : حدثنا
أبو القاسم بن بندار ، قال : حدثني محمد بن علي بن محمد بن صخر الأزدي ،
أبو الحسن ، قال : حدّثنا أبو عياض: أحمد بن محمد بن يعقوب الهَرَوِيُّ
الشافعي ؛ قال : أنبأنا أحمد بن منصور الحافظ ؛ قال : أنبأنا أبو الحسن : علي بن
الحسين بن أحمد القَطَّان البلخي ((المحتسب بمدينة رسول الله صلار ؛ وكان
صدوقاً ))؛ قال : أنبأنا محمد بن هارون الهاشمي ؛ قال : حدثنا محمد بن یحیی
المازنيّ ؛ قال : أنبأنا موسى بن سهل عن الربيع ؛ قال : لمّا استولى على الخلافة
أبو جعفر المنصور ؛ قال لي : يا ربيع ؛ ابعث إلى جعفر بن محمّد . قال : فقمت
بين يديه ؛ فقلت : أيَّ بليّة يريد أن يفعل ، وأوهمتُه أَنِّي أفعل ، ثم أتيته بعد ساعة ؛
فقال : ألم أقل لك ؛ ابعث إلى جعفر بن محمّد !؟ فوالله ؛ لتأتِيَنِّي به ، أو لأقتلنَّك
شرَّ قتلة ، قال : فذهبت إليه ؛ فقلت : أبا عبد الله ؛ أجب أمير المؤمنين !! فقام
معي ، فلمّا دنونا من الباب قام فحرّك شفتيه ثمّ دخل ، فسلّم فلم يَرُدَّ عليه السلام ،
ووقف فلم يُجْلِسه ، ثم رفع رأسه ؛ فقال : يا جعفر ؛ أنت الذي ألَّبْتَ وكثَّرت ؛
وقد حدّثني أبي؛ عن أبيه، عن جدّه: أنّ النبي ◌َِّ قال: ((يُنْصَبُ لِلْغَادِرِ لِوَاءٌ يَوْمَ
الْقِيامَةِ يُعْرَفُ بِهِ )) !؟
قال جعفر: حدّثني أبي؛ عن أبيه؛ عن جدِّه: أَنَّ النبي ◌َّ قَالَ: « يُنَادِيْ مُنادٍ
يَوْمَ الْقِيامَةِ مِن بُطْنَانِ الْعَرْشِ: ألاَ فَلْيَقُمْ مَنْ كانَ أَجْرُهُ علىَ اللهِ !! فَلاَ يَقُوْمُ مِنْ عِبادِ
اللهِ إِلّ الْمُتَفَضِّلُوْنَ ».
فلم يزل يقول حتّى سكن ما به ولان له ، فقال : اجلس أبا عبد الله ؛ ارتفعْ
٤٧٤

أبا عبد الله ، ثم دعا بمَذْهن غالية ، فجعل يغلِّفُه بيده والغالية تقطر من بين يدي أمير
المؤمنين ، ثم قال : انصرِفْ أبا عبد الله ؛ في حفظ الله . وقال لي : يا ربيع ؛ اتبع
أبا عبد الله وأعطه جائزته وأضعفها له . قال : فخرجت ؛ فقلت : يا أبا عبد الله ؛
تعلم محبّي لك !! قال: أنت منّا، حدّثني أبي؛ عن أبيه، عن جدِّه: أنّ النبي ◌َّ
قال : مَوْلىُ الْقَوْمِ مِنْهُمْ)) . قلتُ: يا أبا عبد اللهِ ؛ شهدتُ ما لم تشهدْ، وسمعتُ
ما لم تسمعْ ، وقد دخلتَ ورأيتُك تحرِّك شفتيك عند دخولك إليه ؟! قال : نعم ؛
دعاءٌ كنتُ أدعو به . قال : دعاء حفظتَه عند دخولك إليه ؛ أم شيء تَأْثُره عن آبائك
الطاهرين؟ قال: لا، بل حَدَّثني أبي عن جدِّه: ((أَنّ رسول الله وَّهِ كان إذا حَزَّبَهُ
أمر دعا بهذا الدعاء، وكان يقول: ((دعاء الفرج)). وهو هذا: ((اللَّهُمَّ ... إِلى
قوله العَظِيْمِ » .
قال الربيع : فكتبته من جعفر بن محمد ؛ فها هو في جيبي . قال موسى بن
سهل : فكتبته من الربيع ؛ فها هو في جيبي . قال محمد بن يحيى : فكتبته من
موسی ؛ فها هو في جيبي . قال : محمد بن هارون ، فکتبته من محمّد بن یحیی ؛
فها هو في جيبي . قال أبو الحسن عليّ بن الحسين : فكتبته من محمد بن هارون ؛
فها هو في جيبي . قال أحمد بن منصور : فكتبته من عليّ بن الحسين ؛ فها هو في
جيبي . قال أبو عياض أحمد بن محمد الهروي : فكتبته من أحمد بن منصور ؛
فها هو في جيبي ، قال : محمد بن عليّ بن صخر : فكتبته عن أبي عياض ؛
وجعلت نسخته في جيبي . قال أبو القاسم ابن بندار : هو عندي بخطّ القاضي ابن
صخر أبي الحسن . قال أبو مروان الطبني : فكتبته عن ابن بندار أبي القاسم ؛ وهو
عندي . قال أبو القاسم بن صواب : فكتبته عن أبي مروان عبد الملك الطبني ؛ وهو
عندي . قال أبو الحسن محمد بن عبد الرحمن : كتبته عن أبي القاسم بن صواب ؛
فها هو عندي . قال أبو القاسم ابن بَشْكَوال : فكتبته عن أبي الحسن محمد بن
عبد الرحمن ؛ فها هو عندي . قال الشيخ أبو الحسين بن الصائغ : فكتبته عن
أبي القاسم بن بشكوال ؛ فها هو عندي . وأراناه .
٤٧٥

قال شيخنا أبو العبَّاس - أيَّده الله ـ : كتبته عن أبي الحسين ، وها هو عندي،
وأراناه . وصلى الله على سيدنا محمّد وآله وصحبه وسلم .
وبخط اللّواتي المذكور قرأ جميع هذا الدعاء وسلسله ؛ كما فيه عليُّ بن
إبراهيم بن سوار البوصيري ، وقرأه ابن النُّعمان المزالي على اللّواتي المذكور
وسلسله ، واتصّل سندنا بشيخنا شيخ الإسلام ؛ بركة الأنام ؛ محمّد البهائي (( خادم
السنّة بثغر دِمْياط)) بإجازته من الشيخ إبراهيم الكوراني المدني ؛ عن الشيخ أحمد
العشاشي المدنيّ ؛ عن الشمس محمّد الرَّملي ؛ عن شيخ الإسلام زكريا الأنصاري ؛
عن الحافظ أبي الفضل أحمد بن عليّ بن حجر العسقلاني عمّن لقي من أصحاب ابن
التُّعمان . والحمد لله على ذلك ، وصلى الله على سيدنا محمد ، وعلى آله وصحبه
وسلم . انتهى .
ثمّ رأيته في ثبت العلامة الشيخ محمد عابد بن أحمد علي الأنصاري الخزرجي
السنديّ ثم المدنّي ؛ المسمّى: (( حصر الشارد من أسانید محمد عابد )) بسند آخر
يجتمع مع السند المتقدم في أبي الحسن محمد بن علي الأزدي .
قال الشيخ محمد عابد المذكور :
المسلسل بقول كل راوٍ من الرواة (( كتبته ؛ فها هو في جيبي)) :
أرويه عن السيد عبد الرحمن بن سليمان بن يحيى بن عمر مقبول الأهدل ، عن
أبيه ؛ عن السيِّد أحمد بن محمد شريف مقبول الأهدل ، عن السيِّد يحيى بن مقبول
الأهدل ، عن السيّد أبي بكر بن علي البطاح الأهدل ، عن السيِّد يوسف بن محمَّد
البطاح الأهدل ، عن السيد الطاهر بن حسين الأهدل ، عن الحافظ عبد الرحمن بن
عليّ الديبع ، عن الشمس محمّد بن عبد الرحمن السخاوي قال : أنبأنا الشيخان ؛
أبو إسحاق إبراهيم بن عليّ البيضاوي ، والكاتبة مريم بنت علي بن عبد الرحمن ؛
قالت الثانية : أنبأنا المحبُّ محمد بن أحمد الطبري - سماعاً - وعبد الله بن سليمان
المكي إذناً ؛ إن لم يكن سماعاً . وقال الأوّل : أنبأنا أبو السادة عبد الله بن أسعد
٤٧٦

اليافعي قال : هو والمكيّ : أنبأنا الرضي أبو إسحاق الطبري ؛ قال : أنبأنا المحبُّ
أحمد بن عبد الله الطبري ؛ قال : أنبأنا التقيُّ أبو الحسن : عليّ بن أبي بكر الطبري
قال : أنبأنا التقيّ أبو عبد الله محمّد بن إسماعيل بن أبي الصيف اليمني الفقيه ،
قال : أنبأنا الحافظ أبو الحسن عليّ بن الفضل المقدسي .
قال السخاوي : قال شيخي الأول - وهو أعلى - : أنبأنا الإمام المجد
أبو الطاهر الفيروزآبادي ، وكتب إليّ أيضاً عالياً : عبد الرحمن قالا : أنبأنا
محمّد بن أبي القاسم الفارقي ؛ قال : أنبأنا عليّ بن أحمد العراقي ؛ قال : أنبأنا
جعفر بن عليّ قال : أنبأنا الشريف أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الديباجي ؛
قال : حدّثنا أبو عبد الله محمد بن الحسين بن صدقة بن سليمان الإسكندري ؛
قال : حدّثنا أبو الفتح نصر بن الحسين بن القاسم الشاشي ، قدم علينا إسكندرية ،
قال ؛ حدّثنا عليّ بن الحسين بن إبراهيم العاقولي؛ قال : حدثنا القاضي أبو الحسن
محمد بن علي بن صخر الأزدي ... إلى آخر السند المتقدِّم !!. وقال كلٌّ من الرواة
((كتبته من فلان؛ وها هو في جيبي)) إلى أن قال محمّد عابد ((صاحب الثبت))
المذكور : فكتبته عن شيخنا السيِّد عبد الرحمن بن سليمان ؛ وأجازني به . قال :
وقد أخرج الديلمي هذا الحديث في ((الفردوس)) بلفظ «يَا عَلِيٍّ؛ إِذا حَزَبَكَ
أَمْرٌ ؛ فَقُلِ : اللَّهُمَّ أَحْرُ سْنِيْ بِعَيْنِكَ الَّتِيْ لا تَنَامُ ... الخ)).
وقد أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب (( الفرج بعد الشدّة)) أيضا . انتهى ما في
((سعادة الدارين)).
قلت : والذي أخرجه ابن أبي الدنيا فيه بعْض مخالفةٍ لما هنا ، ومن طريق ابن
أبي الدنيا أورده السيوطيُّ في ((الأرج في الفرج))، وفي الدعاء بعض مخالفة ،
وليس فيه إسناد الدعاء إلى النبي ◌َّلير !!.
وأورد القُطلآني في ((المواهب)) روايةَ الديلمي - كما في المصنف - ، وهو
حديث جليل ، حسن غريب ، أخرجه ابن الطيلسان ، وأبو عليّ بن أبي الأَخْوَص ،
٤٧٧

٥٣ - (( اللَّهُمَّ؛ طَهِّرْ قَلْبِي مِنَ النِّفَاقِ، وَعَمَلِي مِنَ الرِّيَاءِ،
وَلِسَانِي مِنَ الْكَذِبِ، وَعَيْنِي مِنَ اُلْخِيَانَةِ، فَإِنَّكَ تَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ
وَمَا تَخْفِي الصُّدُورُ )).
وغيرهما من أرباب المسلسلات . قال ابن الطيلسان : قد جرّبت بركته في غير
ما شيءٍ من الشدائد النازلة ، وجرَّبه غير واحد ممّن كتبه عنّي ؛ فوجدنا نفعه ،
والحمد لله .
وفي (( ثبت الكاملي)) الذي جمعه المنلا إلياس الكوراني : هو حديث ،
ودعاء ، وتميمة ، وقد وجد فيه ما يرغب في الاعتناء به ، وفيه ما يدلّ على أنَّه
مشتمل على اسم الله الأعظم .
انتهى كلام المصنّف في ((سعادة الدارين)). رحمه الله تعالى آمين.
٥٣ - (( اللَّهُمَّ ؛ طَهِّرْ قَلِْيْ مِنَ النِّفَاقِ ) ؛ أي: من إظهار خلاف ما في
الباطن ، وهذا قاله تعليماً لغيره کیف يدعو . .
( وَعَمَلِيْ مِنَ الرِّيَاءِ) - بمثنَّاة تحتيّة - أي: حبّ اطّلاع الناس على عملي.
( وَلِسَانِيْ مِنَ الْكَذِبِ ) ؛ أي: ونحوه من الغيبة والنميمة.
(وَعَبْنِيَّ) - بالتثنية والإفراد - ( مِنَ الْخِيَانَةِ ) ؛ أي : النظر إلى ما لا يجوز .
١
( فَإِنَّكَ تَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ ) ؛ أي : الرمز بها ، أو مسارقة النظر ، أو هو من
إضافة الصفة إلى الموصوف ، أي : الأعين الخائنة ، ( وَمَا تُخْفِيْ ) القلوب الحالّة
في ( الصُّدُورِ ))) من الوسوسة وإضمار الخيانة .
وهذا قاله المصطفى وَله ـــ مع أنّ ذاته الشريفةَ جُبلت على الطهارة ابتداءً،
ونزعت من قلبه عَلَقة الشيطان ، وأُعين على شيطانه فأسلم - تشريعاً ؛ من قبيل قوله
[المدثر]. وكانت ثيابُه طاهرة على كلّ تأويل ، لكن هذا مقتضى
٤
وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ
الحكمة في تكليف البشريّة ، وهو عليه الصلاة والسلام المشرِّع المربِّي ، فعمل على
ما تقتضيه البشريّة ؛ قاله المناوي رحمه الله تعالى .
٤٧٨

( الْحَكِيمُ ، خط؛ عَنْ أُمّ مَعْبَدٍ الْخُزَاعِيّةِ [رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا]) .
٥٤ - ((ربِّ؛ أَعِنِّي وَلاَ تُعِنْ عَلَيَّ، وَأَنْصُرْنِي وَلاَ تَنْصُرْ عَلَيَّ،
وَآمْگُزْلِي
( الْحَكِيمُ ) ؛ أي : أخرجه الحكيم الترمذيّ في (( نوادر الأصول)).
( خط ) ؛ أي : وأخرجه الخطيب : كلاهما ؛
(عَنْ أُمِّ مَعْبَدٍ) بنت خالد ( الخُزَاعِيَّةِ ) الكعبيّة : عاتِكة التي نزل عليها
المصطفى 3 18 في طريق الهجرة . قال العراقيّ : سنده ضعيف.
٥٤ - ((رَبِّ؛ أَعِنِّيْ)؛ أي: ((عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ))؛ كما
في حديث آخر . ( وَلاَتُعِنْ عَلَيَّ ) من يمنعني عن ذلك . ويحتمل أن يكون المراد:
أعنّي على أعدائك الذين يريدون قطعي عنك ، ولا تعن أحداً منهم عليّ .
وعلى هذا التقرير فيكون قوله : ( وَأَنْصُرْنِيْ وَلاَ تَنْصُرْ عَلَيَّ ) تأكيداً لما قبله ، أو
من عطف الخاصّ على العامّ ، لأنّ الأوّل في الأعداء المقاتلين وغيرهم ، والثاني في
المقاتلين، وعلى التقرير الأوّل؛ فقوله: ((وانصُرْنِي))، أي: على نفسي
وشيطاني وسائر أعدائي ، و((لا تنصر عليّ)) أي : أحداً من خلقك ؛ من عطف
العام على الخاص .
( وَأَمْكُرْ لِيْ ) هذا مما استعمل في حقه تعالى والمراد غايته ، كما هو القاعدة في
كلّ ما استحالت حقيقته على الله تعالى ، إذ المكر : الخداعُ؛ وهو إبطال الحيلة
للغير حتى ينفذ فيه ما يريده به من الشرّ، وهذا محالٌ على الله عزَّ وجلَّ ، إذ لا يفعل
ذلك إلاَّ عاجز عن الأخذ مُقَاهرة ، ولكن غايته إيقاعُ البلاء بالعدوّ من حيث
لا يشعر ، أو استدراجه بالطاعة حتى يظنّ أنه على شيء ، ومن ثمّ قال بعض
﴾ [الأعراف] -: نظهر لهم
العارفين - في قوله تعالى ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ
الكرامات حتى يظنو أنّهم من الأولياء ، ثمّ نأخذهم على غرّة. فقوله: ((امكُر
لي )) ؛ أي : أوقع البلاء بالأعداء من حيث لا يشعرون .
٤٧٩

وَلا تَمْكُرْ عَلَيَّ، وَأَهْدِي ، وَيَسِّرِّ الْهُدَىْ لِي ، وَأَنْصُرْنِي عَلَىْ مَنْ بَغَى
عَلَيَّ .
رَبِّ؛ اجْعَلْنِي لَكَ شَاكِراً، لَكَ ذَاكِراً، لَكَ رَاهِباً، لَكَ
مِطْوَاعاً ، لَكَ مُخْبِتاً ،
( وَلاَ تَمْكُرْ عَلَيَّ) بالاستدراج بالطاعة وتوهُم أنّها مقبولة ؛ وهي مردودة .
( وَأَهْدِنِيْ) ؛ أي : دلّني على عيوب نفسي، وأوصلني إلى المقامات
الكريمة ، ( وَيَسِّرِ الْهُدَىْ لِيْ) ؛ أي: سهّل أسبابه لي، (وَأَنْصُرْنِيْ عَلَى مَنْ بَغَىُ
عَلَيَّ)؛ أي: ظلم وتعدّى وطغى. وهذا تأكيد لقوله: ((أعنّي ... الخ)).
( رَبِّ؛ أَجْعَلْنِيْ لَكَ ) ؛ أي : وحدك ، كما أفادة تقديم المعمول ، وكذا في
الباقي ، فتقديم الصلات لذلك والاهتمام .
( شَاكِراً ) بلساني وجناني وأركاني ؛ بأن أصرف ذلك كلّه إلى ما خلقتَه لأجله ؛
من دوام الذكر ، وشهود الجلال ، والقيام بوظائف الخدمة والعبوديّة .
( لَكَ ذَاكِراً) ؛ أي : باللسان والجنان بذكر أسمائك، وجلائل نعمك
ودقائقها، فهو كالتأكيد لما عُلِم - ممّا تقرَّر في الشكر أنّه يشمله - وكذا يقال فيما
بعده . ( لَكَ رَاهِباً) ؛ أي : منقطعاً عن الخلق ، متجرِّداً عنهم، متوجِّها إِلى
الحضور مع الحقّ . ( لَكَ مِطْوَاعاً ) - بكسر أوّله وسكون ثانيه المهمل ـ أي : كثير
الطّوع : وهو الطاعة ؛ ذكره الطِّيبي .
( لَكَ مُخْبِتَاً)، قيل: الأصل: إليك؛ كما في ﴿ وَأَخْبَتُوَاْ إِلَى رَبِّهِمْ﴾ [٢٣/ هود]
وعدل منه إلى اللّم !! تأكيداً لمعنى الاختصاص المتبادر من التقديم .
والمُخْبِتُ : قال ابن الجزري : الخاشع ؛ من الإخبات : الخشوع والتواضع .
وقال ابن حجر الهيتميّ : مخبتاً ؛ أي : وَجِلَ القلب عند ذكرك ، صابراً على
ما أصابني ، مقيماً للصلاة على ما ينبغي ، منفقاً ممّا رزقتني .
٤٨٠