النص المفهرس

صفحات 441-460

وَتَجْمَعُ بِهَا أَمْرِي ، وَتَلُمُّ بِهَا شَعَتِي ، وَتُصْلِحُ بِهَا غَائِي ، وَتَرْفَعُ بِهَا
شَاهِدِي، وَتُزَكِّي بِهَا عَمَلِي ، وَتُلْهِمُّنِي بِهَا رُشْدِي، وَتَرُدُ بِهَا أُلْفَتِي ،
( وَتَجْمَعُ بِهَا أَمْرِيْ ) ؛ أي : تضمُّه بحيث لا أحتاج إلى أحد غيرك .
( وَتَلُمُّ بِهَا شَعْنِيْ ) ؛ أي : تجمع بها ما تفرَّق من أمري ، فهو معنى ما قبله ،
لكنه غير مَعِيْب ، لكون الدعاء مقام خضوع وتذلّل ؛ فينبغي فيه الإِطناب .
( وَتُصْلِحُ بِهَا غَائِيْ ) ؛ أي : باطني بكمال الإِيمان والأخلاق الحسان .
( وَتَرْفَعُ بِهَا شَاهِدِيْ ) ؛ أي : ظاهري بالأعمال الصالحة . فالمراد تعميمُ
الباطن وإصلاح الظاهر . وفيه حسنُ مقابلة بين الغائب والمشاهد .
( وَتُزَكِّيْ بِهَا عَمَلِيْ) ؛ أي : تزيده: وتنمِّيه، وتطهِّره من أدناس الرياء
والسمعة . ( وَتُلْهِمُنِيْ بِهَا رُشْدِيْ) ؛ أي : تهديني بها إلى ما يرضيك ويقرّبني إليك
زُلْفی .
والإِلهام : أن يُلقيَ الله في النفس أمراً يبعثه على فعل أو ترك ، وهو نوع من
الوحي ، يختصُّ الله به من يشاء من عباده . قال الراغب : رشد الله تعالى للعبد :
تسديده ونصرته يكون بما يخوِّله من الفهم الثاقب ، والسمع الواعي ، والقلب
المراعي ، وتقبيض المعلّم الناصح ، والرفيق الموافق ، وإمداده
١ - من المال بما لا يقعد به عن مغزاةٍ قلبُه ، ولا يشتغل عنه كثرته .
و٢ - من العشيرة والعزِّ بما يصونه عن سفاهة الشُّفهاء وعن الغَضِّ منه.
و٣ - من جهة الأغنياء أن يخوِّله من كبر الهمة وقوَّة العزيمة ؛ ما يحفظه من
التسبُّب بالأسباب الدَّنِيْئَة ، والتأخّر عن بلوغ كلِّ منزلة سنيّة .
( وَتَرُّدُ بِهَا أُلْفَتِيْ) - بضم الهمزة وكسرها - : مصدر بمعنى اسم المفعول ،
أي : مألوفي ، أي : تردّ عليّ كل ما فارقني من مألوفاتي التي فيها رضاك ، لاسيّما
٤٤١

وَتَعْصِمُنِي بِهَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ .
اللَّهُمَّ؛ أَعْطِنِي إِيمَاناً وَيَقِيناً لَيْسَ بَعْدَهُ كُفْرٌ، وَرَحْمَةً أَنَالُ بِهَا
شَرَفَ كَرَامَتِكَ فِي الدُّنْيَا وَآلآَخِرَةِ .
اللَّهُمَّ ؛ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْفَوْزَ فِي الْقَضَاءِ ، وَنُوْلَ الشُّهَدَاءِ ، وَعَيْشَ
السُّعَدَاءِ ، وَالنَّصْرَ عَلَى الأَعْدَاءِ.
الأعمال الصالحة ؛ إذا حصل لي عنها فتور أسألك أن تردّها عليّ .
( وَتَعْصِمُنِيْ) ؛ أي : تمنعني وتحفظني (بِهَا مِنْ كُلِّ سُؤْءٍ ) ؛ بأن تصرفني عنه
وتصرفه عنِّي. وطلب ذلك وَّهِ مع أنّه ثابت له بالنصِّ !! إظهاراً للعبودية الدالّة على
افتقار العبد للطلب من مولاه .
( اللَّهُمَّ ؛ أَعْطِيْ إِيْماناً وَيَقِيْنَاً لَيْسَ بَعْدَهُ كُفْرٌ) ؛ أي : جَحْدٌ لدينك ، فإنّ
القلب إذا تمكّن منه نور اليقين انزاحت عنه ظلمات الشكوك ، واضمحلّت منه غيوم
الريب . ( وَرَحْمَةً)؛ أي : عظيمة جدّاً بحيث ( أَنَالُ بِهَا شَرَفَ كَرَامَتِكَ ) ؛ أي :
إِكرامك لي ( فِي الدُّنْيَا) ؛ بأن أقوم بحقوقك وحقوق العباد . ( وَالآخِرَةِ ) ؛ بأن
أنال النعيم الدائم . والمراد علوّ القدْرِ في الدارين ، ورفع الدرجات فيهما .
( اللَّهُمَّ؛ إِنِّيْ أَسْأَلُكَ الْفَوْزَ) بالُّطْف (فِي الْقَضَاءِ، وَنُزُلَ) - بضم النون
والزاي - ( الشُّهَدَاءِ ) ؛ أي : منزلتهم في الجنة ، أو درجتهم في القرب منك ؛ لأنّه
محل المنعَم عليهم . وهو وإن كان أعظمهم منزلة وأعلى منهم مرتبة ؛ لكنه ذكر
للتشريع لأمّته .
( وَعَيْشَ)؛ أي: حياة (السُّعَدَاءِ) في الآخرة، ( وَالنَّصْرَ عَلَى الأَعْدَاءِ ) في
الدين ؛ بالظفر بهم وقمعهم ليزول ظلمهم عن العباد .
قال المناوي : النصر من الله معونةُ الأنبياء والأولياء وصالحي العباد بما يؤدِّي
إلى صلاحهم ؛ عاجلاً وآجلاً ، وذلك يكون ؛ تارة ١ - من خارجٍ بمن يقيضه الله
٤٤٢

اَللَّهُمَّ؛ إِنِّي أُنْزِلَ بِكَ حَاجَتِي، فَإِنْ قَصَّرَ رَأْيِي، وَضَعُفَ
عَمَلِي . . أُفْتَقَرْتُ إِلَى رَحْمَتِكَ ، فَأَسْأَلُكَ يَا قَاضِيَ الأُمُورِ ، وَيَا شَافِيَ
الصُّدُورِ ؛ كَمَا تُجِيرُ بَيْنَ اَلْبُحُورِ .. أَنْ تُجِيرَنِي مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ ،
وَمِنْ دَعْوَةِ الْثُبُورِ ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْقُبُورِ .
فيعينه ، وتارة ٢ - من داخل بأن يقوِّي قلب الأنبياء ؛ أو الأولياء ، أو يلقي الرُّعب
في قلوب الأعداء ، وعليه قوله تعالى ﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا
وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ
﴾ [غافر]. انتهى .
(اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أُنْزِلُ بِكَ) ؛ أي : بساحة فضلك ، أي : أسألك قضاء (حَاجَتِيْ)؛
أي : جميع ما أحتاج إليه من أمور الدنيا والآخرة ، لأنّه مفرد مضاف فيعمُّ .
( فَإِن قَصَّرَ ) - بتشديد الصاد - ( رَأْيِيْ) ؛ أي: عَجَز عن إدراك ما هو الأنجحُ
الأصلح، أو [قَصُرآ بتخفيف الصّاد المضمومة . ضُبِطَ بالضّبطين ، ولعلّهما
روايتان . والمراد بالرأي : ما ثلج في الصدر مما يريده الإِنسان .
(وَضَعُفَ عَمَلِيْ)، أي: عبادتي عن بلوغ مراتب الكمال (أُنْتَقَرْتُ)؛ أي: احتجت
في بلوغ ذلك (إِلَى رَحْمَتِكَ)؛ أي: إلى شمولي برحمتك التي وسعت كلَّ شيء.
( فَأَسْأَلُكَ ) ؛ أي : فبسبب ضعفي وافتقاري أطلبُ منك ( يَا قَاضِيَ الأُمُّوْرِ )؛
أي: حاكمها ومُحكِمَها. وفيه جواز إطلاق ((القاضي)) على الله تعالى.
( وَيَا شَافِيَ) ؛ أي : مداوي ( الصُّدُورِ ) يعني : القلوب التي في الصدور من
أمراضها التي إن توالت عليها أهلكَتْها هلاك الأبد .
( كَمَا تُجِيْرُ) ؛ أي: تفصل وتحجُز ( بَيِّنَ البُحُوْرِ ) ، وتمنع أحدهما من
الاختلاط بالآخر مع الاتصال ( أَنْ تُجِيْرَنِيْ ) : تمنعني ( مِنْ عَذَابِ السَّعِيْرِ ) ؛ بأن
تحجزه عنِّي وتمنعه منِّي .
( وَمِنْ دَعْوَةِ النُُّوْرِ ) ، أي : النداء بالهلاك، (وَمِنْ فِتْنَةِ القُبُوْرِ ) فتنةِ سؤال مُنْكَر
وَنَكِيْر ؛ بأن ترزقني الثبات عند السؤال .
٤٤٣

اَللَّهُمَّ؛ مَا قَصَرَ عَنْهُ رَأْيِي ، وَلَمْ تَبْلُغْهُ نِيَِّي ، وَلَمْ تَبْلُغْهُ مَسْأَلَتِي
مِنْ خَيْرٍ وَعَدْتَهُ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ خَيْرٍ أَنْتَ مُعْطِيهِ أَحَداً مِنْ
عِبَادِكَ . . فَإِنِّي أَرْغَبُ إِلَيْكَ فِيهِ ، وَأَسْأَلْكَهُ بِرَحْمَتِكَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ .
اللَّهُمَّ؛ يَاذَا الْحَبْلِ الشَّدِيدِ، وَالأَمْرِ الرَّشِيدِ .. أَسْأَلُكَ الأَمْنَ يَوْمَ
الْوَعِيدِ ، وَأَلْجَنَّةَ يَوْمَ الْخُلُودِ ، مَعَ الْمُقَرَّبِينَ الشُّهُودِ ،
( اللَّهُمَّ ؛ مَا قَصَرَ عَنْهُ رَأْيِيْ ) ؛ أي : اجتهادي في تدبيري ، ( وَلَمْ تَبْلُغْهُ نِيَِّيْ ؛
وَلَمْ تَبْلُغْهُ مَسْأَلَتِيْ ) إيّاك، ( مِنْ ) كلِّ ( خَيْرٍ وَعَدْتَهُ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ ) أن يفعله مع
أحد من مخلوقاتك ؛ من إنس وجنّ ومَلَك ، ( أَوْ خَيْرٍ أَنْتَ مُعْطِيْهِ أَحَداً مِنْ عِبَادِكَ )
من غير سابقةِ وعدٍ لَهُ بخصوصه . فلا يعدّ مع ما قبله تكراراً .
( فَإِنِّيْ أَرْغَبُ إِلَيْكَ فِيْهِ ) ؛ أي : أطلبه منك بجدٍّ واجتهاد ، وأجتهد في حصوله
منك لي ، ( وَأَسْأَلُكَهُ بِرَحْمَتِكَ) التي لا نهاية لسَعَتها؛ ( يَا رَبَّ الْعَالَمِيْنَ ) : الخلقِ
كلهم . وذكره تتميماً لكمال الاستعطاف والابتهال .
(اللَّهُمَّ؛ يَا ذَا الْحَبْلِ) - بموحدة - ( الشَّدِيْدِ ) ، والمراد القرآن أو الدِّين .
ووصفه بالشدَّة !! لأنها من صفات الحبال . والشدَّة في الدين : الثبات
والاستقامة .
(وَالأَمْرِ الرَّشِيْدِ ) السديد الموافق لغاية الصواب .
( أَسْأَلُكَ الأَمْنَ ) من الفزع والأهوال ( يَوْمَ الْوَعِيْدِ ) ، أي : يوم التهديد وهو
يوم القيامة . ( وَالْجَنَّةَ) ؛ أي: وأسألك الفوز بها ( يَوْمَ الْخُلُوْدِ) ؛ أي يوم:
إدخال عبادك دار الخلود ، أي : خلود أهل الجنة في الجنة ، وخلودٍ أهل النار في
النار ، وذلك بعد فصل القضاء وانقضاء الأمر .
( مَعَ الْمُقَرَّبِيْنَ ) إلى الحضرات القدسيّة ( الشُّهُوْدِ ) ؛ أي : الناظرين إلى
٤٤٤

وَاُلُّكَّعِ السُّجُودِ ، الْمُوفِينَ بِالْعُهُودِ ، إِنَّكَ رَحِيمٌ وَدُودٌ ، وَإِنَّكَ تَفْعَلُ
مَا تُرِيدٌ .
اللَّهُمَّ؛ أَجْعَلْنَا هَادِينَ مُهْتَدِينَ، غَيْرَ ضَالِّينَ وَلاَ مُضِلِّينَ ، سِلْماً
لِأَوْلِيَائِكَ وَعَدُوّاً لِأَعْدَائِكَ، نُحِبُّ بِحُبِّكَ مَنْ أَحَبَّكَ، وَنُعَادِي
بِعَدَاوَتِكَ مَنْ خَالَفَكَ .
ربِّهم ، المشاهدين لكمال جماله، ( وَالرُّكَّعِ السُّجُوْدِ ) ، أي: المكثرين للصلاة
ذات الركوع والسجود في الدنيا ( المُؤْفِيْنَ ) - بالتخفيف - ( بِالْعُهُوْدِ ) بما عاهدوا الله
عليه ، ( إِنَّكَ رَحِيْمٌ) موصوف بكمال الإِحسان بدقائق النعم ، ( وَدُوْدٌ) شديد
الحبِّ لمن والاك .
( وَإِنَّكَ تَفْعَلُ مَا تُرِيْدُ) فتعطي من تشاء سؤله ؛ وإن عظم ، لا مانع لما
أعطيت .
(اللَّهُمَّ ؛ أَجْعَلْنَا هَادِيْنَ ) : دالِّين الخلق على ما يوصلهم إلى الحقّ،
( مُهْتَدِيْنَ ) : واصلين إلى إِصابة الصواب ؛ قولاً وعملاً .
ومعلوم أنّ الشخص لا يتّصف بكونه هادياً إلاَّ بعد اتّصافه بكونه مهتدياً ، ولم
يوجد هنا ترتیبٌ !! فحينئذ المعنى : اجعلنا هادین بسبب كوننا مهتدين .
( غَيْرَ ضَالِّيْنَ ) عن الحقّ ، وهو لازم لما قبله . (وَلاَ مُضِلَّيْنَ) أحداً من
الخلق ، ( سِلْماً) - بكسر السين المهملة فسكون اللام - أي: صُلحاً (لأَوْلِيَائِكَ )
الذين هم حزبك المفلحون، ( وَعَدُوّاً) - لفظ رواية البيهقي: (( حَرْباً)) بدل
((عَدُوّاً)) - (لأَعْدَائِكَ)؛ ممّن اتّخذ لك شريكاً ؛ أو ندّاً، أو فعل معك ما لا يليق
بكمالك .
( نُحِبُّ بِحُبَّكَ ) ؛ أي : بسبب حبِّنا لك ( مَنْ أَحَبَّكَ) حبّاً خالصاً، فـ(( من))
مفعول (( نحب)) ( وَنُعَادِيْ بِعَدَاوَتِكَ ) - أي: بسبب عداوتك - ( مَنْ خَالَفَكَ ) ؛
٤٤٥

اللَّهُمَّ؛ هَذَا الدُّعَاءُ وَعَلَيْكَ الإِجَابَةُ، وَهَذَا الْجُهْدُ وَعَلَيْكَ
اُلتُكْلاَنُ .
اللَّهُمَّ .. أَجْعَلْ لِي نُوراً فِي قَلْبِي ، وَنُوراً فِي قَبْرِي، وَنُوراً بَيْنَ
يَدَّيَّ ، وَنُوراً مِنْ خَلْفِي، وَنُوراً عَنْ يَمِينِي ، وَنُوراً عَنْ شِمَالِي ،
وَنُوراً مِنْ فَوْقِي، وَنُوراً مِنْ تَحْتِي ، وَنُوراً فِي سَمْعِي ، وَنُوراً فِي
بَصَرِي، وَنُوراً فِي شَعَرِي ، وَنُوراً فِي بَشَرِي ، وَنُوراً فِي لَحْمِي ،
وَنُوراً فِي دَمِي ، وَنُوراً فِي عِظَامِي .
أي: خالف أمرك، وهو مفعول ((نعادي))، وهذا ناظر إلى أنّ من كمال الإيمان
الحبّ في الله والبغض في الله .
( اللَّهُمَّ ؛ هَذَا الدُّعَاءُ ) ، أي : ما أمكننا من الدعاء قد أتينا به .
( وَعَلَيْكَ الإِجَابَةُ)؛ فضلاً منك لا وجوباً، (وَهَذَا الْجُهْدُ) - بالضم -: الوسع
والطاقة ، (وَعَلَيْكَ التُّكْلاَنُ) - بضم المثنّاة الفوقيّة - أي : الاعتماد.
( اللَّهُمَّ؛ أَجْعَلْ لِيْ نُوراً فِي قَلْبِيْ ) ؛ أي : نوراً عظيماً ، فالتنوين للتعظيم .
وقدّم القلب !! لأنّه مقرّ التفكّر في آلاء الله ومصنوعاته ، والنور : ما يتبيّن به
الشيء .
( وَنُوراً فِي قَبْرِيْ ) أستضيءُ به في ظلمة اللّحد، ( وَنُوراً بَيْنَ يَدَيَّ ) ؛ أي :
يسعىُ أمامي، ( وَنُوْراً مِنْ خَلْفِيْ) ؛ أي: من ورائي، ( وَنُوْراً عَنْ يَمِيْنِيْ ، وَنُوْراً
عَنْ شِمَالِيْ ، وَنُوْراً مِنْ فَوْقِيْ ، وَنُوْراً مِنْ تَحْتِيْ ) يعني : اجعل النُّور يحفّني من
الجهات الستّ . ( وَنُوْراً فِي سَمْعِيْ، وَنُوْراً فِي بَصَرِيْ ) ، لأنّ السمع محلُّ السماع
لآياتك ، والبصر محلُّ النظر إلى مصنوعاتك ، فبزيادة ذلك تزداد المعارف .
( وَنُوْراً فِي شَعْرِيْ ، وَنُوْراً فِي بَشَرِيْ ) ؛ أي : ظاهر جلدي .
( وَنُوْراً فِي لَحْمِيْ ) الظاهر والباطن، ( وَنُوْراً فِي دَمِيْ ، وَنُوْراً في عِظَامِيْ )
٤٤٦

اَللَّهُمَّ؛ أَعْظِمْ لِي نُوراً ، وَأَعْطِنِي نُوراً ، وَأَجْعَلْ لِي نُوراً .
يضيء على المذكورات كلّها ، لأنّ إبليس يأتي الإِنسان من هذه الأعضاء فيوسوس ،
فدعا بإثبات النور فيها ليدفع ظلمته .
وفي المناوي : معنى طلب النور للأعضاء : أن تتحلّى بأنوار المعرفة والطاعة ،
وتعرى عن ظُلَمِ الجهالة والمعاصي ، وأن يكون جميعُ ما يتصدّى له سبباً لمزيد علمه
وظهور أمره ، وأن يحيط به يوم القيامة ؛ فيسعى خلال النّور ، كما قال تعالى في
حق المؤمنين ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِهِمْ وَبِآيَمَنِهِمْ﴾ [٨/ التحريم] . انتهى .
وقال القرطبيّ : هذه الأنوار التي دعا بها رسول الله وَل يمكن حملها على
ظاهرها ، فيكون سأل اللهُ تعالى أن يجعل له في كلِّ عضو من أعضائه نوراً يستضيء
به يوم القيامة في تلك الظُّلَم ، هو ومَن تَبِعَه ، أو من شاء الله منهم . قال : والأَولى
أن يقال : هي مستعارة للعلم والهداية ، كما قال تعالى ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَِِّّّ﴾
[٢٢/ الزمر]، وقوله تعالى ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ، فِ النَّاسِ﴾ [١٢٢ / الأنعام]. ثم قال:
والتحقيق في معناه : أنّ النور مظهر لما ينسب إليه ، وهو يختلف بحسبه ، فنور
السمع مظهر للمسموعات ، ونور البصر كاشف للمبصرات ، ونور القلب كاشف
عن المعلومات ، ونور الجوارح ما يبدو عليها من أعمال الطاعات .
وقال النوويّ : قال العلماء : طلب النور في أعضائه وجسمه وتصرُّفاته وتقلُباته
وحالاته، وجملته في جهاته الستّ حتى لا يزيغ شيء منها عنه. انتهى ((عزيزي)).
( اللَّهُمَّ؛ أَعْظِمْ لِي نُوْراً، وَأَعْطِيْ نُوْراً، وَأَجْعَلْ لِي نُوْراً) - عطف عامّ على
خاصّ -، أي : اجعل لي نوراً شاملاً للأنوار السابقة وغيرها . وهذا دعاء بدوام
ذلك، لأنّه حاصل له، وهو تعليم لأمّته. وفي رواية: بدل (( اجْعَلْ لِيْ نُوراً)):
((اجْعَلْنِيْ نُوراً» .
قال في (( الحِكَم العطائيّة)) : النور جند القلب ، كما أنّ الظُّلْمة جند النفس ،
فإذا أراد الله أن يَنْصُرَ عبداً أمدَّه بجنود الأنوار ، وقطع عنه مدد الظُّلَم والأغيار.
٤٤٧

سُبْحَانَ الَّذِي تَعَطَّفَ بِأَلْعِزِّ وَقَالَ بِهِ، سُبْحَانَ أَلَّذِي لَبِسَ الْمَجْدَ
وَتَكَرَّمَ بِهِ ، سُبْحَانَ الَّذِي لاَ يَنْبُفِي الْتَّسْبِيحُ إِلَّ لَهُ، سُبْحانَ ذِي الْفَضْلِ
وَالنِّعَمِ، سُبْحَانَ ذِي الْمَجْدِ وَالْكَرَمِ، سُبْحَانَ ذِي الْجَلاَلِ
وَأَلْإِكْرَامِ)) .
فَهِيَ جُنْدُ النَّفْسِ ذَاتِ التُّهْمَهْ
النُّورُ جُنْدُ اٌلْقَلْبِ أَمَّا الظُّلْمَة
يَوْماً أَمَدَّ قَلْبَهُ بِجُنْدِهِ
إِذَا أَرَادَ اللهُ نَصْرَ عَبْدِهِ
وَإِنْ يُرِدْ خِذْلانَهُ بِالْعَكْسِ
وَبَتَّ قَطْعاً عَنْهُ جُنْدَ النَّفْسِ
( سُبْحَانَ الّذِيْ تَعَطَّفَ بِالعِزّ) ، أي: تردّى به ، بمعنى أنَّه اتّصف بأنّه يغلب كلّ
شيء ؛ ولا يغالبه شيء ، لأنّ العزّة الغلبةُ على كليّة الظاهر والباطن .
( وَقَالَ بِهِ ) ؛ أي: غلبَ به كلَّ عزيز ، وملكَ عليه أَمْرَهُ من القَيْل : وهو الْمَلِكُ
الذي ينفذ قوله فيما يريد . انتهى ؛ ذكره الزمخشريّ .
وفي ((الروض الأنف)»: قد صرَّفوا من القَيْلِ فعلاً ؛ فقالوا : قال علينا فلان،
أي: ملك، والقيال: الإمارة، ومنه قول النّبي ◌َّ في تسبيحه الذي رواه عنه
الترمذيُّ: (( سُبْحَانَ الّذِيْ لَبِسَ الْعِزَّ وَقَالَ بِهِ))؛ أي: مَلَكَ به وقهر. هكذا فسّره
الهَرَوِي في ((الغريبين )). انتهى بنصِّه.
وبه يعرف أنّ تفسير صاحب (( النهاية)) ومن على قدمه: قال به: بـ (( أحبَّه
واختصَّ به )) غير جيّد ؛ قاله المناوي .
( سُبْحَانَ الَّذِيْ لَبِسَ المَجْدَ ) ؛ أي : ارتدى بالعظمة والكبرياء.
( وَتَكَّرَّمَ بِهِ)؛ أي: تفضّل وأنعم به على عباده . ( سُبْحَانَ الَّذِيْ لاَ يَنْبَغِيْ
التَّسِْيْحُ إِلَّ لَهُ) ؛ أي : لا ينبغي التنزيه المطلق إلاّ لجلاله المقدّس. ( سُبْحَانَ ذِيْ
الْفَضْلِ وَالنِّعَمِ ) - جمع نعمة - وهي: كلّ ملائم تحمَدُ عاقبته . والمراد : الإِنعام .
( سُبْحَانَ ذِيْ المَجْدِ وَالْكَرَمِ، سُبْحَانَ ذِيْ الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ))) ؛ أي : الذي
٤٤٨

( ت ، طب ، هق ؛ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ) .
٣٢ - « اللَّهُمَّ؛ لاَ تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ ، وَلاَ تَنْزِعْ مِنِّي
صَالِحَ مَا أُعْطَيْتَنِي ))
يجلّه الموحِّدُون عن التشبيه بخلقه وعن أفعالهم، والذي يقال له: ما أجلّك وأكرمك.
(ت، طب، هق)؛ أي: أخرجه الترمذيُّ في ((كتاب الصلاة))، والطبرانيُّ
في ((الكبير))، والبيهقيُّ في ((سننه)) في (( كتاب الدعوات))؛ كلّهم من حديث
داود بن عليّ بن عبد الله بن عباس ؛ عن أبيه ( عَنْ ) جدِّه عبد الله ( أَبْنِ عَبَّاسٍ )
رضي الله تعالى عنهما ، لكن بزيادة ونقص : قَالَ :
٤٠
بَعَثَنِيْ الْعَبَّاسُ إِلَى رَسُولِ اللهِنَّهِ، فَأَتَيْتُهُ مُمْسِياً وَهُوَ فِي بَيْتِ خَالَتِيْ مَيْمُوْنَةَ ،
فَقَامَ فَصَلَّى مِنَ اللَّيْلِ ، فَلَمّا صَلّىُ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ ... ))
إلى آخره .
وداود هذا عمّ المنصور ، وَلِيَ المدينة والكوفة للسّفّاح .
حَدّث عنه الكبار ؛ كالثوريّ ، والأوزاعيّ ، ووثقه ابن حِبّان وغيره ، وقال ابن
مَعِيْن : أرجو أنّه لا يكذب ، إنّما يحدث بحديث واحد ، وكذا روى عثمان بن
سعيد عنه .
وقد أورده ابن عديّ في ((الكامل))، وساق له بضعة عشر حديثاً ، ثمّ قال :
وعندي لا بأس بروايته عن أبيه عن جدّه ؛ احتجّ به مسلم ، وخرّج له الأربعة .
انتهى ؛ قاله المناوي رحمه الله تعالى .
وقال العزيزي : في أسانيدها مقال ، لكنّها تعاضدت . انتهى ....
٣٢ - (( اللَّهُمَّ ؛ لاَ تَكِلْنِيْ)، أي: لا تصرف أمري (إِلَى نَفْسِيْ)، أي :
لا تسلمني إِليها وتتركني هَمَلاً (طَرْفَةَ عَيْنٍ ) ، أي : مقدار تحرّك جفن العين ، وهو
كناية عن قلّة الزمن . (وَلاَ تَنْزِعْ مِنِّيْ صَالِحَ مَا أَعْطَيْتَنِيْ))) من الإِيمان والتوفيق ،
لأنّ ذلك إذا نُزِعَ خَلَفَهُ ضدُّه .
٤٤٩

( الْبَزَّارُ؛ عَنْ أَبْنِ عُمَرَ ) .
٣٣ - « اللَّهُمَّ؛ اجْعَلْنِي شَكُوراً، وَأَجْعَلْنِي صَبُوراً ، وَأَجْعَلْنِي فِي
عَيْنِي صَغِيراً، وَفِي أَعْيُنِ النَّاسِ كَبِيراً)) . (الْبَزَّارُ؛ عَنْ بُرَيْدَةَ
[رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ]).
وقد علم ◌َ﴿ أنّ ذلك لا يكون ، ولكنّه أراد أن يحرِّك همم أمّته إلى الدعاء بذلك. قال
الحليمي : وهذا تعليمٌ منه لأمّته ؛ أنّه ينبغي كونهم مشفقين من أن يُسلَبوا الإيمان أو التوفيق
للعمل ، فإنّ من سُلب التوفيق لم يملك نفسه ، ولم يأمن أن يُضَيِّع الطاعات ويَّبع
الشهوات ، فينبغي لكلِّ مؤمن أن يكون هذا الخوف من همّه . انتهى .
( البَزَّارُ) ؛ أي: أخرجه البَزَّارُ في ((مسنده))؛ (عَنِ أَبْنِ عُمَرَ ) بنِ الخطّاب
رضي الله تعالى عنه . قال الحافظ الهيثميّ : فيه إبراهيم بن يزيد الحوذي ، وهو
متروك . ذكره المناوي . وقال العزيزيّ : هو ضعيف لضعف إبراهيم بن يزيد .
٣٣ - (( اللَّهُمَّ؛ أَجْعَلْنِيْ شَكُوْراً ) ؛ أي : كثير الشكر ، بأن أصرف جميع
ما أنعمت به عليّ إلى ما خلقتني لأجله ، (وَأَجْعَلْنِيْ صَبُوْراً) : كثير الصبر ، بحيث
إذا ظُلِمْتُ لا أنتقم ، وكذا إذا ضَيَّقتَ عليّ في الرزق أو بمرض لا يكون عندي ضَجَرٌ
العلمي بأنّ الكلّ منك .
( وَأَجْعَلْنِيْ ) أرى نفسي ( فِي عَيْنِيْ صَغِيْراً) : حقيراً ، بحيث أَعتقد احتقار
نفسي ، وأرى غيري خيراً مني في الصلاح والعلم . ( وَأَجْعَلْنِيْ فِي أَعْيُنِ النَّاسِ
كَبِيْراً))): معظَّماً مهاباً ليمتثل أمري ، واستوهب ذلك لما ينشأ عنه من العدل
والامتثال بشرط التواضع .
( البَزَّارُ)؛ أي: أخرجه البزَّار في ((مسنده))؛ (عَنْ بُرَيْدَةَ) - بضم الموحدة
وفتح الراء - ابن الحُصَيب - بضمِّ المهملة وفتح المهملة الثانية ، ثم تحتّية ثم موحّدة
آخره -. قال الهيثمي: فيه عُقبة بن عبد الله الأصمّ، وهو ضعيف، لكن حسّن البزَّار
حديثه ؛ قاله المناوي .
٤٥٠

٣٤- ((اَللَّهُمَّ؛ احْفَظْنِي بِالإِسْلاَمِ قَائِماً، وَأَحْفَظْنِي بِالإِسْلاَم
قَاعِداً، وَأَحْفَظْنِي بِالإِسْلاَمِ رَاقِداً، وَلاَ تُشْمِتْ بِي عَدُوّاً، وَلاَ
حَاسِداً .
اَللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ خَزَائِنُهُ بِيَدِكَ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ كُلِّ
شَرِّ خَزَائِتُهُ بِيَدِكَ )) . (ك؛ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ) .
٣٤ - (( اللَّهُمَّ ؛ أَحْفَظْنِيْ بِالإِسْلاَم قَائِماً) : حال كوني قائماً ، وكذا يقال فيما
بعده ( وَأَحْفَظْنِيْ بِالإِسْلاَمِ قَاعِداً، وَأَحْفَظْنِيْ بِالإِسْلاَمِ رَاقِداً) ، يعني في جميع
الحالات . ( وَلاَ تُشْمِتْ) - بالتخفيف - ( بِيْ عَدُوّاً؛ وَلَا حَاسِداً) ؛ أي : لا تنزل
بي بليّة يفرح بها عدويّ وحاسدي .
( اللَّهُمَّ ؛ إِنِّيْ أَسْأَلُكَ مِنْ كُلِّ خَيْرِ خَزَائِتُهُ) ؛ مبتدأ، وخبره قولُه ( بِيَدِكَ،
وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ كُلِّ شَرِّ خَزَائِتُهُ) جمع خِزانة - بكسر الخاء ؛ ككِتابة -: مكان الخزن ،
أي: الموضع الذي يُخزن فيه الشيء، ولا تفتح الخاء من (( خزانة)) . ومن
اللطائف قولهم : لا تكسر القصعة ولا تفتح الخزانة .
( بِيَدِكَ))). وفي رواية: ((بيَدَيْكَ)) في الموضعين، واليد : مجاز عن القدرة
المتصرِّفة، وتثنيتها باعتبار التصرُّف في العالمين؛ عالم الشهادة المسمّى بـ (( عالم
المُلْك))، وعالم الغيب المسمّى بـ ((عالم الملكوت)).
(ك)؛ أي: أخرجه الحاكم في ((المستدرك))؛ ( عَنِ أَبْنِ مَسْعُوْدٍ ) رضي الله
تعالى عنه قال: كَانَ رَسُولُ اللهِنَّهِ يَدْعُوْ؛ فَيُقُوْلُ: اللَّهُمَّ ... )) الخ.
وزاد البيهقيّ في ((الدعوات))؛ من طريق هاشم بن عبد الله بن الزبير : أَنَّ
عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَصَابَتْهُ مُصِيْنَةٌ، فَتَى رَسُولَ اللهِ وَلِ؛ فَشَكَا إِلَيْهِ، وَسَأَلَهُ أَنْ يَأْمُرَ لَهُ
بِوَسْقِ تَمْرٍ، فَقَالَ: ((إِنْ شِئْتَ أَمَرْتُ لَكَ، وَإِنْ شِئْتَ عَلَّمْتُكَ كَلِماتٍ خَيْراً لَكَ
مِنْهُ)) !! فَقَالَ: عَلِّمْنِيهِنَّ وَمُرْ لِيْ بِوَسْقِ تَمْرٍ، فَإِنِّيْ ذُوْ حَاجَةٍ إِلَيْهِ، قَالَ :
((أَفْعَلُ))، وَقَالَ: ((قُلِ: اللَّهُمَّ احْفَظْنِيْ ... )) الخ .
٤٥١

٣٥ - (( اَللَّهُمَّ؛ أَنْفَعْنِي بِمَا عَلَّمْتَنِي، وَعَلِّمْنِي مَا يَنْفَعُنِي، وَزِدْنِي
عِلْماً .
الْحَمْدُ للهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ،
٣٥ - ((اللَّهُمَّ ؛ انْفَعْنِيْ بِمَا عَلَّمْتَنِيْ) بالعمل بمقتضاه خالصاً لوجهك .
( وَعَلِّمْنِيْ مَا يَنْفَعُنِيْ) لأرتقيَ منه إلى عمل زائد على ذلك .
( وَزِدْنِيْ عِلْماً) مضافاً إلى ما عَلَّمْتَنِيْهِ، وهذا إشارة إلى طلب المزيد في السير
والسلوك إلى أنْ يوصله إلى مَخْدَع الوصال ، وبه ظهر أنّ العلم وسيلة للعمل ، وهما
متلازمان، ومن ثمّ قالوا: مَا أَمَرَ اللهُ رسولَه بطلب الزيادة في شيء إلاّ من العلم (١).
( الْحَمْدُ للهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ) من أحوال السّرّاء والضّرّاء ، وكم يترتَّب على الضّرّاء
من عواقبَ حميدةٍ ومواهب كريمة ، يستحقّ الحمد عليها. ﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًا
وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [٢١٦/ البقرة].
قال في (( الحِكَم العطائية)): مَن ظنّ انفكاك لطفه عن قَدَرِهِ ؛ فذاك لقصور
نظره . قال في نظمها :
مَنْ ظَنَّ أَنَّ لُطْفَهُ عَنْ قَدَرِهُ
يَنْفَكُ فَهُوَ قَاصِرٌ فِيْ نَظَرِهْ
وقال الغزاليّ : لا شدّة إلّ وفي جنبها نِعَمٌ لله ، فليلزم الحمد والشكر على تلك
النعم المقترنة بها .
وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه : ما ابتليتُ ببليّة إلّ كان لله عليَّ فيها
أربعُ نعم: ١ - إذ لم تكن في ديني، و٢ - إذا لم أحرم الرضا، و٣ - إذ لم تكن
أعظم ، و٤ - إذ رجوت الثواب عليها .
وقال إمام الحرمين : شدائد الدنيا مما يلزم العبدَ الشكرُ عليها ؛ لأنّها نِعَمُ
(١) بل جعل كلَّ تكاثرٍ غيرَه لهواً. ( عبد الجليل ) .
٤٥٢

وَأَعُوذُ بِاللهِ مِنْ حَالِ أَهْلِ النَّارِ )). (ت، ٥، [ك]؛ عَنْ أَبي
هُرَيْرَةَ ) .
٣٦- (( يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ؛ برَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ )). (ت؛ عَنْ
أَنَسٍ ) .
بالحقيقة ، بدليل أنّها تُعَرِّضُ العبد لمنافعَ عظيمةٍ ، ومثوباتٍ جزيلة ، وأغراض
كريمة ؛ تتلاشى في جنبها شدائد الدنيا .
حَتَّى لَقَدْ أَبْطَنَهَا فِي الأَلَمِ
نَحْمَدُهُ عَلَىْ شُمُولِ النُّعَمِ
( وَأَعُؤْذُ بِاللّهِ مِنْ حَالِ أَهْلِ النَّارِ ))) في النار وغيرها : وهذا يلزم منه الاستعاذة
من دخولها ؛ لأنّ مَن دخلها لا بدّ أن يتّصف بوصف من أوصاف أهلها من العذاب .
(ت، .، [٥])؛ أي: أخرجه الترمذيُّ في ((الدعوات))، وابن ماجه في
(( السُّنَّة والدعاء))، والحاكم في (الأدعية)؛ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله تعالى
عنه .
وقال الترمذي : غريب ، وفي سنده موسى بن عبيدة عن محمد بن ثابت عن
الزهري . وموسى المذكور : ضعَّفه النسائيّ وغيره ، ومحمد بن ثابت : لم يروه
عنه غير موسى . وقال الذهبي : مجهول .
٣٦ - ((يا حَيُّ يا قَيُّوْمُ؛ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ)). ت ) أخرجه الترمذيّ ؛ (عَنْ
أَنَسِ ) رضي اللهُ تعالى عنه؛ عن النبي ◌َِّ: أنَّهُ كانَ إِذا كَرَبَهُ أَمْرٌ قَالَ: يا حَيُّ
يَا قَيُّومُ ؛ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيْتُ » .
قال ابن القيّم : في تأثير هذا الدعاء في دفع الهمّ والغمّ مناسبةٌ بديعة ، فإنّ صفة
الحياة مُتَضَمِّنَةٌ لجميع صفات الكمال ؛ مستلزمة لها ، وصفة القيّوميّة متضمّنةٌ لجميع
صفات الأفعال . ولهذا قيل : إنَّ اسمه الأعظم هو : الحي القيوم .
والحياة التامَّة تضادُّ جميع الآلام والأسقام ، ولهذا : لَمَّا كملت حياة أهل الجنّة
٤٥٣

٣٧ - («اللَّهُمَّ؛ أفْتَحْ مَسَامِعَ قَلْبِي لِذِكْرِكَ ، وَأَرْزُقْنِي طَاعَتَكَ ،
وَطَاعَةَ رَسُولِكَ، وَعَمَلاً بِكِتَابِكَ)). ( طس؛ عَنْ عَلِيٍّ [رَضِيَ اللهُ
تَعَالَى عَنْهُ] ) .
لم يلحقهم همّ ولا غمّ ولا حَزَنٌ ، ولا شيء من الآفات . فالتوسُّل بصفة الحياة
والقيوميّة له تأثير في إزالة ما يضاد الحياة ويضر بالأفعال ، فاستبان أنّ لاسم الحيّ
القيّوم تأثيراً خاصّاً في كشف الكُرَبِ وإجابة الربّ . انتهى .
٣٧ - (( اللَّهُمَّ ؛ أَفْتَحْ مَسَامِعَ قَلْبِيْ) ؛ أي : آذان قلبي. جمع مِسْمَع ؛
كمِنْبَر: الأذن - كما في ((الصحاح)) - ( لِذِكْرِكَ) ؛ أي : أزل عن قلبي الحجب
المانعة من لذّة الذكر ، فإنّه عقاب كبير ، لأنّ كلّ قلب لم يدرك لذّة الذكر ؛ فهو
کالميت .
كان رجل في بني إسرائيل ؛ أقبل على الله ثم أعرض عنه ، فقال : يا رب ؛ كم
أعصيك ولا تعاقبني ! فأوحى الله إلى نبيّ ذلك الزمان : قل لفلان : كم عاقبتك ولم
تشعر !! ألم أسلبك حَلاوة ذكري ولذّة مناجاتي ؟ ! .
( وَأَرْزُقْنِيْ طَاعَتَكَ )؛ أي: كمال لزوم أوامرك، ( وَطَاعَةَ رَسُوْلِكَ ) النبيّ
الأميّ ، الذي أوجبت علينا طاعته، وأَلزمتنا متابعته . ( وَعَمَلاً بِكِتَابِكَ))):
القرآن ، أي : العمل بما فيه من الأحكام ، فإنَّ من وُفِّقَ لفهم أسراره وصَرَف إليه
عنايتَه اكتفى به عن غيره ، ودلَّه على كل خير ، وحذّره من كلِّ شرٌّ، وهو الكفيل
بذلك على أتمّ الوجوه، وفيه أسباب الخير والشرّ مفصّلة مبيّنة، ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِىِ الْكِتَسِ
مِن شَىْءٍ﴾ [٣٨/ الأنعام] .
(طس)؛ أي: أخرجه الطبرانيّ في ((الأوسط))؛ من حديث الحارث
الأعور؛ (عَنْ عَلِيٍّ) أمير المؤمنين. قال الحارث: دَخَلْتُ عَلىُ عَلِيِّ بَعْدَ الْعِشَاءِ،
فَقَالَ : مَا جَاءَ بِكَ السَّاعَةَ؟! قُلْتُ : إِنِّيْ أُحِبُّكَ، قَال : آللهِ ؟ اللهِ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ ؛
وَاللهِ ، فَقَالَ: أَلا أُعَلِّمُكَ دُعَاءً عَلَّمَنِيْهِ رَسُولُ اللهِنَِّ!؟ قُل: ((اللَّهُمَّ افْتَحْ ... ))
إلى آخر ، قال الحافظ الهيثمي : الحارث ضعيف . انتهى .
٤٥٤

٣٨ - «اللَّهُمَّ؛ أَجْعَلْنِي أَخْشَاكَ حَتَّى كَأَنِّي أَرَاكَ ، وَأَسْعِدْنِي
بِتَقوَاكَ ، وَلاَ تُشْقِي بِمَعْصِيَتِكَ، وَخِرْ لِي فِي قَضَائِكَ، وَبَارِكْ لِي فِي
قَدَرِكَ ، حَتَّى لاَ أُحِبَّ تَعْجِيلَ مَا أَخَّرْتَ ؛ وَلاَ تَأْخِيرَ مَا عَبَّلْتَ .
٣٨ - ((اللَّهُمَّ؛ أَجْعَلْنِيْ أَخْشَاكَ حَتَّى كَأَنِّيْ أَرَاكَ، وَأَسْعِدْنِيْ بِتَقْوَاكَ ) ؛ فإِنَّها
سبب كُلِّ خير ، وسعادة في الدارين . وقد أثنى الله في التنزيل على المتقين بقوله
﴾ [آل عمران]. ووعدهم بالحفظ
﴿﴿وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ
والحراسة من الأعداء بقوله ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًاً﴾
[١٢٠/ آل عمران]. وبالنصر والتأييد بقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ أَتَّقَواْ وَالَّذِينَ هُم
تُحْسِنُونَ
(١٢٣) ﴾ [التوبة] . ولا سعادة
﴾ [النحل]. وقوله ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُنَّقِينَ
١٢٨
أعظم مِنْ هُذِه المعيّة .
( وَلاَ تُشْقِنِيْ بِمَعْصِيَتِكَ ) ، فإنَّ المعاصي بريد الكفر ، لأنَّه كلّما فعل الشخص
معصية أَسْوَدّ جزء من قلبه ، وانطفأ بعضُ نور إِيمانه ؛ فربَّما غلب عليه وطفىء
جميعه .
( وَخِرْ لِيْ)؛ أي: اختر لي (فِي قَضَائِكَ ) ؛ أي : مقضيّك ، أي : اختر لي
خير الأمرين من مقضيِّك ، فإِنّك لا تفعل بي إلّ ما هو الأوفقُ والأصلح لي .
( وَبَارِكْ لِيْ فِي قَدَرِكَ ) ؛ بأن تُرَضِّيني به ( حَتَّى لا أُحِبَّ تَعْجِيْلَ مَا أَخَّرْتَ ؛
وَلاَ تَأْخِيْرَ مَا عَجَّلْتَ ) ، لأنَّ الخير كلَّه في الرضا والتسليم .
قَال العارف بالله سيدي أبوالحسن الشاذليّ رحمه الله تعالى :
تردّدت ؛ هل ألزم القفار للطاعة والأذكار ، أو أرجع إلى الديار لصحبة
الأَخيار ؟ !! فَوُصِفَ لي شيخ برأس جبل ، فوصلت لغاره ليلاً ؛ فبتُّ ببابه ، فسمعته
يقول : اللَّهُمَّ؛ إِنّ قوماً سألوك أن تسخِّر لهم خلقك ففعلت ، فرضوا ، وأنا أسألك
اعوجاج الخَلْقِ عنِّي ، حتّى لا يكون لي ملجأ إِلاّ أنت .
٤٥٥

وَأَجْعَلْ غِنَيَ فِي نَفْسِي ، وَأَمْتِعْنِي بِسَمْعِي وَبَصَرِي ، وَأَجْعَلْهُمَا
اُلْوَارِثَ مِنِّي ،
فقلتُ : يا نفس ؛ انظري من أيٍّ بحر يغترف هذا الشيخ !! فأصبحتُ ، فدخلت
عليه ، فأُرْهِبْتُ من هيبته ، فقلت : كيف حالكم ؟
فقال : إِنِّي أشكو إلى الله من برد الرضا والتسليم ؛ كما تشكو من حَرّ التدبير
والاختيار !!
فقلت : أمّا شكواي من حرِّهما ؛ فذقته ، وأما شكواك من بردهما ؛ فلماذا ؟!
قال : أخاف أن تشغلني حلاوتُهما عن الله تعالى .
قلت : سمعتك اللّيلة تقول ... كذا؟! فتبسَّم وقال: عِوَضَ ما تقول (( سخّر
لي خلقك))، قل: ((كن لي))؛ تَرَه إذا كان لك لا يفوتك شيء؛ فما هذه
الجناية!؟! فحصل للشيخ أبي الحسن من هذا المجلس معارف وأنوار عظيمة .
( وَأَجْعَلْ غِنَايَ فِي نَفْسِيْ) ، لأنّ غنى النفس هو الغنى بالحقيقة ، وهو
المحمود النافع ، بخلاف غنى المال ؛ فإنّ النفس المنهمكة لا تغتني ، بل كلّما
حدث لها شيء من المال حَدَث لها طبع آخر ، فإذا طلبتْ مائة دينار مثلاً وَحَصَّلَتها
توجّهت إلى جهات مصارف أخرى ، كبنيان بيت وشراء أرقاء فتطلب ألف دينار ،
فإذا حصلتها ، توجهت إلى مصارف أخرى وهكذا ... ولا يملأ جوف ابن آدم إِلاَّ
التراب .
( وَأَمْتِعْنِيْ بِسَمْعِيْ وَبَصَرِيْ ) : الجارحتين المعروفتين ، بأن تديم سلامتهما من
الصمم والعمى، (وَأَجْعَلْهُمَا الْوَارِثَ مِنِّيْ) ؛ أي: اجعلهما آخر ما يُسلَب منه
الانتفاع من البدن .
وفي ((الأذكار)) للإمام النووي رحمه الله تعالى : قال العلماء : معنى
((اجعلهما الوارث مني))؛ أي : أبقهما صحيحين سليمين إلى أن أموت . وقيل :
المراد بقاؤهما وقوّتهما عند الكبر وضعف الأعضاء وباقي الحواس ، أي : اجعلهما
٤٥٦

وَأَنْصُرْنِي عَلَى مَنْ ظَلَمَنِي، وَأَرِي فِيهِ ثَأْرِي ، وَأَفِرَّ بِذَلِكَ عَيْنِي )).
(طس ؛ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) .
٣٩ - « اللَّهُمَّ؛ أَكْفِي بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ ، وَأَغْنِي بِفَضْلِكَ
عَمَّنْ سِوَاكَ )). (ت ؛ عَنْ عَلِيٍّ) .
وارثِي قوَّةَ باقي الأعضاء ، والباقيين بعدها. وروي: ((واجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنِّيْ)) ،
فردَ الهاء إلى الإمتاع ؛ فوخَّده . انتهى .
(وأَنْصُرْنِيْ عَلَى مَنْ ظَلَمَنِيْ) : تعدّى وبغى عليَّ، ( وَأَرِيْ فِيْهِ ثَأَرِيْ، وَأَقِرَّ
بِذَلِكَ عَيْنِيْ ))) ؛ أي : فرحتي بالظفر عليه .
(طس )؛ أي: أخرجه الطبراني في ((الأوسط))؛ (عَنْ أَبِيْ هُرَيْرَةَ) رضي الله
تعالى عنه قال: كانَ النَّبِيُّ وَّهِ يُكْثِرُ أَنْ يَدْعُوَ بِهُذا الدُّعاء . قال الحافظ الهيثمي :
وفيه إبراهيم بن خيثم بن عراك: وهو متروك . انتهى (( مناوي)) . وفي العزيزي :
أنّه حديث ضعيف .
٣٩ - ((اللَّهُمَّ ؛ أَكْفِنِيْ) - بهمزة وصل وكسر الفاء -: من كفى كفاية ، وكفاك
الشيء يكفيك ، ( بِحَلَاَلِكَ عَنْ حَرَامِكَ ، وَأَغْنِيْ بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ ») .
( ت) ؛ أَيْ : أخرجه الترمذيُّ؛ (عَنْ عَلِيٍّ ) أمير المؤمنين رضي الله تعالى
عنه: أَنَّ مُكاتَباً جَاءَهُ فَقَالَ : إِنِّي عَجَزْتُ عَنْ كِتَابَتِيْ فَأَعِنِّيْ !! قَالَ: أَلَا أُعَلِّمُكَ
كَلِمَاتٍ عَلَّمَنِيْهِنَّ رَسُولُ اللهِنَّهِ؛ لَوْ كَانَ عَلَيْكَ مِثْلُ جَبَلٍ دَيْناً أُدَّاهُ عَنْكَ ، قُلِ :
اللَّهُمَّ ... )) الخ .
ورواه الحاكم في (( المستدرك)) ؛ عن عليّ أيضاً ، وقال الترمذيّ : حديث
حسن غريب. قال في ((شرح الأذكار)): وفي رواية: ((يَقُولُ بَعْدَ صَلاةِ الْجُمُعَةِ
سَبْعِيْنَ مَرَّةً: اللَّهُمَّ اكْفِيْ بِحَلالِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وبِطَاعَتِكَ عَنْ مَعْصِيَتِكَ ، وَبِفَضْلِكَ
عَمَّنْ سِوَاكَ )) . انتهى .
٤٥٧

٤٠ - (« اللَّهُمَّ؛ أَجْعَلْ أَوْسَعَ رِزْقِكَ عَلَيَّ عِنْدَ كِبَرِ سِنِّي وَأَنْقِطَاعِ
عُمْرِي )) . (ك؛ عَنْ عَائِشَةَ) .
٤١ - ((اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَسْأَلُكَ إِيمَاناً يُبَاشِرُ قَلْبِي حَتَّى أَعْلَمَ أَنَّهُ لاَ
يُصِيبُِّي إِلَّ مَا كَتَبْتَ لِي، وَأَرْضِنِي مِنَ الْمَعِيشَةِ بِمَا قَسَمْتَ لِي)).
٤٠ - ((اللَّهُمَّ؛ أَجْعَلْ أَوْسَعَ رِزْقِكَ ) ؛ أي : أحد قسمي الرزق : وهو
ما يحصل به غذاء الأبدان ؛ دون ما يحصل به غذاء الأرواح ، لأنّ الرزق نوعان :
١ - ظاهرٌ للأبدان كالقوت ، وهو المراد هنا .
و٢ - باطنٌ للقلوب والنفوس ؛ كالمعارف .
ويُرَجِّح الأوَّلَ قولُهُ ( عَلَيَّ عِنْدَ كِبَرِ سِنِّيْ وَأَنْقِطَاعٍ عُمْرِيْ))) . أي : إِشرافه على
الانقطاع والرحيل من هذه الدار ، فإنّ الإنسان عند الشيخوخة قليلُ القوَّة ، ضعيف
الكدّ ؛ عاجز عن السعي ، فإن أوسع الله علیه رزقه حین ذلك كان عوناً له على
العبادة .
( ك) ؛ أي : أخرجه الحاكم ؛ عن سَعْدُوْيَه ؛ عن عيسى بن ميمون ؛ عن
القاسم بن محمد ؛ (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله تعالى عنها قالت: كَانَ رَسُولُ اللهِ إِليه
يُكْثِرُ هُذا الدُّعاءَ: اللَّهُمَّ ... )). إلى آخره. قال الحاكم: حسن غريب. وردّه
الذهبي ؛ بأن عيسىُ متَّهم بالوضع ، ومن ثَمَّ حكم ابن الجوزي بوضعه . نعم ؛ رواه
الطبرانيّ بسند ، قال فيه الحافظ الهيثميّ: إِنَّه حسن ، وبه تزول التُّهمة . انتهى .
ذكره المناوي .
٤١ - ((اللَّهُمَّ؛ إِنِّيْ أَسْأَلُكَ إِيْمَانَاً يُباشِرُ قَلْبِيْ) ، أي : يلابسه ويخالطه ، فإنّ
الإيمان إذا تعلّق بظاهر القلب أحبّ الدنيا والآخرة ، وإذا بطن الإِيمان في سويداء
القلب وباشره أبغض الدنيا فلم ينظر إليها ؛ ذكره حجّة الإِسلام .
( حَتَّى أَعْلَمَ ) : أجزم وأتيقن ( أَنَّهُ لاَ يُصِيْبُبِيْ إِلَّ مَا كَتَبَتَ لِيْ ) ، أي: قدّرته
عليّ في العلم القديم الأزلي، ( وَأَرْضِنِيْ مِنَ الْمَعِيْشَةِ بِمَا قَسَمْتَ لِيْ))) ، أي :
٤٥٨

(الْبَزَّارُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ [رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا] ).
٤٢ - (« اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِيشَةً نَفِيَةً، وَمِينَةً سَوِيَّةً، وَمَرَدّاً غَيْرَ
مُخْزِيٍّ وَلاَ فَاضِحٍ )) . (طب، ك ، الْبَزَّارُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ).
وأعطني الرِّضا بما قسمت لي من الرزق؛ فلا أسخطه ولا أستقلُّه.
قال الشاذليّ : من أجلِّ مواهب الله الرِّضا بمواقع القضاء ، والصبرُ عند نزول البلاء ،
والتوكّلُ على الله عند الشدائد ، والرجوعُ إلى الله عند النوائب ، فمن خرجت له هذه الأربع
من خزائن الأعمال على بساط المجاهدة ، فقد صحَّت ولايته لله ورسوله والمؤمنين .
﴿وَمَنْ يَتَوَّلَ اللَّهُ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اَللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (@)) [المائدة].
( البَزَّارُ) ؛ أي: أخرجه البزّار في ((مسنده))؛ (عَنِ أَبْنِ عُمَرَ ) بنِ الخطاب.
قال الحافظ الهيثميّ : وفيه أبو مهدي : سعيد بن سنان ؛ وهو ضعيف
الحديث .
٤٢ - ((اللَّهُمَّ؛ إِنِّيْ أَسْأَلُكَ عِيْشَةً) - بكسر العين المهملة - أي : حياة
( نَقِيَّةً) ، أي : طاهرة مرضيّة ، (وَمِيْتَةً) - بكسر الميم وسكون التحتيّة - أي: هيئة
موت ( سَوِيَّةً ) - بفتح فكسر فتشديد - أي : مستوية ؛ أي : معتدلة ؛ بأن لا ينالني
مشقّة شديدة ، ( وَمَرَدّاً) ؛ أي : مرجعاً إلى الآخرة (غَيْرَ مُخْزِيٍّ) - بضم الميم
وبالزاي وإثبات الياء المشدّدة - أي: غير مُذلِّ ولا موقعٍ في بلاء ، ( وَلاَ فَاضِحٍ))) ؛
أي : كاشف للمساوىء والعيوب .
( طب، ك، البَزَّارُ)؛ أي: أخرجه الطبراني في (( الكبير))، والحاكم في
((المستدرك))، والبزَّارُ في ((مسنده)) - واللّفظ له -؛ من حديث خلاّد بن يزيد
الجعفي ؛ عن شريك ؛ عن الأعمش ؛ عن مجاهد ؛ ( عَنِ ابْنِ عُمَرَ ) بن الخطاب
رضي الله تعالى عنهما قال: كانَ النَِّيُّ ◌َلِ يَذْعُوْ بِهِ .
قال الحاكم: على شرط مسلم ، وتعقّبه الذهبيّ ؛ فقال : خلاّد ثقة ، لكن
شريك ليس بحجّة . انتهى . قال الحافظ الهيثمي : إسناد الطبرانيّ جيّد . انتهى
٤٥٩

٤٣ - (( اَللَّهُمَّ؛ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي ، وَأَصْلِحْ
لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي، وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي أَلَّتِي فِيها مَعَادِي ،
وَأَجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ ، وَأَجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ
شَرِّ)). (م؛ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ).
٤٤ - (( اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى
((مناوي)) . قال : وهذا الدعاء قطعةٌ من دعائه يومي العيد ، كما رواه الطبراني ؛
عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه . انتهى .
٤٣ - ((اللَّهُمَّ؛ أَصْلِحْ لِيْ دِيْنِيْ الَّذِيْ هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِيْ ) - مفرد مضافٌ فیعمُّ -؛
أي : الذي هو حافظ لجميع أموري ، فإنّ من فسد دينه فسدت جميع أموره ،
وخاب وخسر في الدنيا والآخرة .
( وَأَصْلِحْ لِيْ دُنْيَايَ الَّتِيْ فِيْهَا مَعَاشِيْ ) ؛ أي : أصلحها بإعطاء الكفاف فيما
يحتاج إليه ، وكونه حلالاً معيناً على الطاعة . ( وَأَصْلِحْ لِيْ آخِرَتِيْ ) ؛ بأن توفِّقني
للأعمال الصالحة التي تنفعني في الآخرة ( الَّتِيْ فِيْهَا مَعَادِيْ ) ؛ أي : ما أعود إليه
يوم القيامة . وقد جمع في هذه الثلاث صلاحَ الدنيا والدين والمعاد ، وهي أصول
مكارم الأخلاق التي بعث لإتمامها .
( وَأَجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِيْ فِي كُلِّ خَيْرٍ ) ؛ أي : اجعل عمري مصروفاً فيما تحبُّ
وترضى ، وجنِّني عمّا تكره، (وَأَجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لِيْ مِنْ كُلِّ شَرِّ))) أي : اجعل
موتي سبب خلاصي من مشقَّة الدنيا والتخلّص من غمومها وهمومها . قال الطُّنْيِيُّ :
وهذا الدعاء من جوامع الكلم .
(م)؛ أي: أخرجه مسلم في ((الدعوات))؛ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله
تعالى عنه ، ولم يُخَرِّجْهُ البخاريّ .
٤٤ - ((اللَّهُمَّ ؛ إِنِّيْ أَسْأَلُكَ الْهُدَى) ؛ أي : الهداية إلى الصراط المستقيم ؛
٤٦٠