النص المفهرس
صفحات 401-420
ومِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ ، وَمِنْ فِتْنَةِ النَّارِ وَعَذَابِ النَّارِ، ومِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْفَقْرِ ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ . وخسارة الدُّنيا كالخسارة في التّجارة والقرض مع عدم القدرة على الوفاء ؛ واستعاذته وَل﴿ تعليم لأُمَّتِهِ وإظهار العبوديّة والافتقار. ( وَمِنْ فِتْنَةِ القَبْرِ ) التَّحير في جواب منكر ونكير ( وَعَذَابِ القَبْرِ ) - عطف عام على خاص - فعذابه قد ينشأ عن الفِتْنَةِ بأنْ يتحيَّر فيعذّب لذلك ، وقد يكون لغير الفِتنة ؛ كأَنْ يجيب بالحقِّ ولا يتحيَّر ، ثمَّ يعذب على تفريطه في بعض المأمورات أو المنهيَّاتِ كإِهمال الَّنزُّه عن البول ونحو ذلك . فتنبَّه . ( وَمِنْ فِتْنَةِ النَّارِ ) هي سُؤالُ الخزنة على جهة التَّوبيخ ، وإليه الإشارة بقولِهِ تعالى ﴿كُلَّمَاْ أُلْفِىَ فِيهَا فَوْجٌ سَهُمْ خَُهَا أَلَمْ يَأْيِّكُمْنَذِيرٌ ﴾﴾ [الملك] ( وَعَذَابِ النَّارِ ) ؛ أي : إحراقها بعد فتنتها . ( وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الغِنَى) ؛ أي: البطر والطُّغيان والتَّفاخر به ، وصرف المال في المعاصي . ( وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الفَقْرِ ) : حسد الأغنياء ، والطّمع في مالهم ، والتَّذلّل لهم بما يدنِس العرض ويثلم الدّين ، وعدم الرِّضا بالمقسوم . وذكر لفظ ((شَرّ)» في الفقرة الأولى ؛ دون الثَّانية هو ما وقع في هذه الرِّواية ، وجاء في رواية إثباتها فيهما ، وفي رواية أخرى حذفها فيهما . ( وَمِنْ فِتْنَةِ المَسِيْحِ) - بفتح الميم، وخفَّة السِّين ، وبحاء مهملة -. سمِّ به !! لكون إحدى عينيه ممسوحةً ، أو لمسح الخير منه ؛ فعيل بمعنى مفعول ، أو لمسحه الأرض ، أو قطعها في أمد قليل ؛ فهو بمعنى فاعل ، أي : مصيبة أو اختبار المسيح . (الدَّجَّالِ ) ؛ وذكر الدَّجال بعد المسيح !! لثَلاَّ يتوهّم المسيح سيدنا عيسى عليه الصَّلاة والسَّلام ، وإنَّما استعاذ منه ؛ مع كونه لا يدركه !! نَشراً لخبره بين أمّته جيلاً ٤٠١ اللَّهُمَّ؛ اغْسِلْ عَنِّي خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ ، وَتَقِّ قَلْبِي مِنَ الْخَطَايَا كَمَا يُنَّقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ ، وَبَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ ؛ بعد جيلٍ ؛ لئلاً يلتبس كُفْرُهُ على مدركه . ( اللَّهُمَّ ؛ أَغْسِلْ ): أزل (عَنِّيْ خَطَايَايَ ) ؛ أي : ذنوبي، لو فرض أن لي ذنوباً ، أو ذكره للتَّشريع . ( بِالمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالبَرَدِ ) - بفتحتين -: حب الغمام، وجمع بينهما !! مبالغةً في التَّطهير ، أي : طَهِّرني منها بأنواع مغفرتك . وخصَّها !! لأَنَّها لبردها أسرعُ لإطفاءِ حَرِّ عذاب النَّار الَّتي هي غاية الحرّ ، وجعل الخطايا بمنزلة جهنّم ؛ لكونها سببها ، فعبَّر عن إِطفاء حرِّها بذلك ، وبالغ باستعمال المبرِّدات ؛ مترقّياً عن الماء إلى أبرد منهُ ، وهو الثلج ، ثمَّ إلى أبرد منه وهو البَرَد ، بدليل جموده ، ومصيره جليداً ، والثَّلج يذوبُ ؛ قاله المناوي . وفي (( حواشي الحفني)» : شَبَّه الخَطايا بالدَّنس الحسِّي الَّذي يتباعد عنه ، والغسل تَخْيِيلٌ ، والماء والثلج والبرد تَرْشِيحٌ باقٍ على معناه ، أو مُسْتَعار لعمل البِرِّ المطهر من الدَّنس ؛ بجامع إِزالة ما يكره . فالمراد من الغسل المذكور المغفرةُ ، وقال ابن دقيق العيد : عبَّر بذلك عن غاية المَحو ، فإِنّ الثَّوب الَّذي يتكرّر عليه ثلاثة أشياء منقية يكون في غاية النَّقاء . انتهى . ( وَتَقِّ ) - بفتح النُّون وشدِّ القاف ـ (قَلْبِي) الَّذي هو ملك الأعضاء ، واستقامتها باستقامته . ( مِنَ الخَطَايَا) تأكيد للسَّابق، ومَجَاز عن إزالة الذُّنوب ومحو أثرها ، ( كَمَا يُتَقَّىُ الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ) - بفتح الدَّال والنُّون - أي: الوسخ ، ولما كان الدَّنس في الثَّوب الأَبيض أَظهرَ من غيره من الألوان وقع التَّشبيه به . ( وَبَاعِذْ ) ؛ أي : أبعد . وعبَّر بالمُفَاعلة مبالغةً (بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ ) كرّر (بَيْنَ ) هنا دون ما بعده؛ لأنَّ العطف على الضَّمير المجرور يُعَادُ فيه الخَافِضُ . ٤٠٢ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ اٌلْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ» (ق، ت، ن، ٥. عَنْ عَائِشَةَ ) . ٥ - اَللَّهُمَّ ؛ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ التََّدِّي وَاَلْهَدْمِ ، وَالْغَرَقِ ( كَمَا بَاعَدْتَ ) ؛ أي : كتبعيدك ( بَيِّنَ المَشْرِقِ ) : موضع الشُّروقِ ، وهو مطلع الأنوار ، ( وَالمَغْرِبٍ ))) أي : محل الأفول . وهذا مجاز ؛ لأَنَّ حقيقة المباعدة ، إنَّما هي في الزَّمان والمكان ، أي : امح ما حَصَلَ من ذنوبي ، وحُلْ بيني وبين ما يخاف من وقوعها حتَّى لا يبقى لها اقتراب مني بالكلِّيّة ، فـ(( ما)) مصدريَّة ، والكاف للَّشبيه . وموقع التَّشبيهِ أنَّ التِقَاءَ المَشْرِقِ والمغرب مُحَال ، فشبَّه بُعد الذَّنب عنه ببعد ما بينهما ، والثَّلاثةُ إِشارةٌ لما يقع في الأزمنة الثَّلاثة ، فالمباعدة للمستقبل ، والتَّنقية للحال ، والغسل للماضي ؛ والنَّبي معصومٌ ، وإنَّما قصد تعليم الأمَّة وإظهار العبوديَّة . (ق)؛ أي: مثَّفق عليه ، أي: رواه البخاري ومسلم في ((الدعوات)). ( ت) ؛ أي : ورواه التِّرمذي بتقديم وتأخيرٍ . (ن، ٥) ؛ أي: ورواه النَّسائي وابن ماجه مختصراً : كلُّهم ؛ (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله تعالى عنها ، وخرّجه الحاكم بزيادة : ٥ - ( («اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ التَرَدِّي ) ؛ أي: السُّقوط من مكان عالٍ كشاهق جبلٍ ، أو الشُّقوط في بئرٍ ، والتَّردِّي : تَفْغُل ، من الرَّدى ، وهو الهلاك . ( وَالهَدْمِ) - بسكون الدَّال؛ أي : سقوط البناء ، ووقوعه على الإِنسان ، وروي بالفتح، وهو: اسم لما انهدم منه ، ( وَالغَرِقِ ) . قال المناوي : - بكسر الزَّاء ؛ كفرح -: الموت بالغرق، وقيل: بفتح الرَّاء ، قال العلقمي: بفتح الرَّاء مصدر ، وهو الَّذي غلبه الماء وقوي عليه فأشرف على ٤٠٣ وَالْحَرَقِ ، وأَعُوذُ بِكَ أَنْ يَتَخَبَّطَنِي الشَّيْطَانُ عِنْدَ الْمَوْتِ ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أَمُوتَ فِي سَبِيلِكَ مُدْبِراً ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أَمُوتَ لَدِيغاً ». (ن، ك ؛ عَنْ أَبِي أَلْيَسَرِ ) . الهلاك ؛ ولم يغرق ، فَإِذا غرق فهو غريق . ( وَالحَرَقِ ) - بفتح الحاء والرَّاء -: الالتهاب بالنَّار، وإنَّما استعاذ من الهلاك بهذه الأسباب ؛ مع ما فيه من نيل الشَّهادة !! لأنَّها مجهدة مقلقة ، لا يكاد الإنسان يصبرُ عليها ، ويثبت عندها ، فربَّما استزلَّه الشّيطان فحمله على ما يُخلُّ بدِينه . ( وَأَعُوْذُ بِكَ أَنْ يَتَخَبَّطَنِي الشَّيْطَانُ) التخبُّط : الصَّرِعُ، والمراد هنا : غلبة الشَّيطان، قال القاضي : تخبُّط الشَّيطان : مجاز عن إِضلاله وتسويله . انتهى . وقال المناوي : أي : يصرعني ويلعب بي ويفسد عليَّ ديني . ( عِنْدَ المَوْتِ ) ، بنزغاته الَّتي تزلُّ بها الأقدام ، وتصرع العقول والأحلام ، وقد يستولي على المرء عند فراق الدُّنيا فيضلُّه ، أو يمنعه الثَّوبة ، أو يعوقه عن الخروج عن مظلمة قِبَلَه ، أو يؤيِّسه من الرّحمة، أو يُكَرِّه له الرَّحمة فيختم له بسوء - والعياذ بالله _! وهذا تعليم للأمّة، فإِنَّ شيطانَهُ أسلم، ولا تَسلَّط له ؛ ولا لغيره عليه بحال من الأحوالِ ، بل سائر الأنبياء على هذا المنوال . ( وَأَعُوْذُ بِكَ أَنْ أَمُوْتَ فِي سَبِيْلِكَ مُذْبِراً) عن الحقِّ ، أوْ عن قتال الكُفَّار حيث حَرُم الفرار، وهذا وما أشبهه تعليم للأُمَّة، وإلاَّ! فرسول الله وَّ آمِنٌ من ذلك كله ، ولا يجوز له الفرار مطلقاً . (وَأَعُوْذُ بِكَ أَنْ أَمُوْتَ لَدِيْغاً))) فعيل : بمعنى مفعول ، واللَّدغ - بدال مهملة، وغين معجمة - يستعمل في ذوات السُّمِّ ؛ كحيَّة وعقرب ، و- بعين مهملة وذال معجمة - يستعمل في الإحراق بنارٍ كالكيِّ، والأول هو المراد هنا. (ن، ك) ؛ أي : أخرجه النَّسائي ، والحاكم ، وكذا أخرجه أبو داود في ((الصَّلاة)) كلّهم؛ (عَنْ أَبِي الْيَسَرِ) - بفتح المثنَّة التَّحتيّة والسِّين المهملة المفتوحة ٤٠٤ ٦ - ((اَللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ وَجَمِيعِ سَخَطِكَ)) . (م، د، ت؛ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ). وراء آخره - ، واسمه : كعب بن عمرو الأنصاري السَّلَمي - بفتحتين - مشهور باسمه وكنيته ، شَهِدَ العقبة وبدراً ، وله فيها آثار كثيرة . وهو الَّذي أَسَر العبَّاس يوم بدر ، وكان قصيراً دحداحاً ؛ عظيم البطن . ومات بالمدينة المنوَّرةِ سنة خمس وخمسين رضي الله تعالى عنه . ٦ - ((اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَعُوْذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ ) ؛ أي : ذهابها ، مفرد في معنى الجمع ، يعمُّ النِّعم الظّاهرة والباطنة؛ والنِّعمةُ: كلُّ ملائِم تُحمد عاقبتُهُ ، ومن ثَمَّ قالوا : لا نعمة لله على كافر ، بل ملاذُّه استدراجٌ . والاستعاذة من زوال النِّعم تتضمَّن الحفظ عن الوقوع في المعاصي ؛ لأنَّها تزيلها ، ألا تسمع قوله : فَإِنَّ المَعَاصِي تُزِيْلُ النِّعَمْ إِذَا كُنْتَ فِي نِعْمَةٍ فَارْعَهَا فَإِنَّ الإِلْهَ سَرِيْعُ النِّقَمْ وَحَافِظْ عَلَيْهَا بِشُكْرِ الإِلْهِ ( وَتَحَوُّلِ عَافِيَئِكَ ) ؛ أي : تبدُّلها . قال العلقمي : فإِنْ قلت: ما الفرق بين الزَّوال والتَّحول؟! قلت: الزَّوال يقال في كلِّ شيء كان ثابتاً في شيء ثمَّ فارقه . والتَّحوُّل: تَغَيُّرِ الشَّيْءٍ وانفصاله عن غيره ، فكأنَّه سأل دوام العافية ، وهي السَّلامة من الآلام والآثام . ( وَفُجَآءَةٍ) - بالضّمِّ والمدِّ، و[فَجْأَة] بالفتح والقصر -: بَغْتَة (نِقْمَتِكَ) - بكسر فسكون - أي : غضبك، ( وَجَمِيْعِ سَخَطِكَ))) - بالتحريك - أي : سائر الأسباب الموجبة لذلك ، وإذَا انتفت أسبابُها حصلت أضدادها ، وهو تعميمٌ بعد تخصيص . (م، د، ت) ؛ أي : أَخرجه مسلم، وأبو داود ، والتِّرمذي : كلُّهم ؛ ( عَنِ ابْنِ عُمَرَ ) بن الخطاب ، رضي الله تعالى عنهما . ٤٠٥ ٧ - ((اَللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ مُنْكَرَاتِ الأَخْلاَقِ وَالأَعْمَالِ وَاْلأَهْوَاءِ وَالأَدْوَاءِ )) . (ت، طب؛ ك ؛ عَنْ عَمِّ زِيَاد بْنِ عِلاَقَةَ [َرَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ] ) . ٨- ((اَللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ سَمْعِي، وَمِنْ شَرِّ بَصَرِي، وَمِنْ شَرِّلِسَانِي ، ٧ - ((اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَعُوْذُ بِكَ مِنْ مُنْكَرَاتِ الأَخْلاَقِ ) ؛ كحقد وبخل ، وحسدٍ وعُجب ، ولؤم وكبر ونحوها . ( والأَعْمَالِ ) ؛ أي : منكرات الأعمال ، وهي الكبائر ؛ كقتل وزنا ، وشرب مسكرٍ وسرقة ، ونحوها ؛ وهو من إضافة الصِّفةِ للموصوف ، أي : الأعمال المنكرات والأخلاق المنكرات ؛ وذكر ذلك مع عصمته تعليماً لأُمَّته ، ( وَ) منكرات (الأَهْوَاءِ)؛ وهي الزَّيغ والانهماك في الشَّهوات ، جمع هوى ، مقصور هوى النَّفس ، وهو ميلُها إلى المستلذَّات والمُسْتَحْسَنَاتِ عندها ، لأَنَّه يشغل عن الطّاعة، ويؤدِّي إلى الأَشَر والبَطَر ؛ قاله المناوي . ( وَالأَدْوَاءِ ))) - جمع داء - كجذام، وبرص، وسلِّ، واستسقاء ، وذات جنب ، ونحوها ، فهذه كلّها بوائق الذَّهر . (ت، طب، ك)؛ أي: أخرجه الترمذي، والطَّبراني في ((الكبير))، والحاكم ؛ كلُّهم ؛ (عَنْ عَمِّ زِبادِ بْنِ عِلاَقَةَ) - بكسر العين المهملة - هو : قطبة بن مالك ، قال التِّرمذي : حسن غريب . ٨ - («اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَعُوْذُ بِكَ مِنْ شَرِّ سَمْعِي) ؛ أنْ أسمع به ما لا يَحِلُّ سماعه ، ( وَمِنْ شَرِّ بَصَرِي)؛ أَنْ أنظر به إلى محرَّم، ( وَمِنْ شَرِّ لِسَانِي ) ؛ أي : نطقي ، فَإِنَّ أكثر الخطايا منه ، وهو الَّذي يورد المرءَ في المهالك . وخصَّ هذه الجوارح !! لما أنَّها مناط الشَّهوة ومثار اللَّذة . قال ابن رسلان : فيه الاستعاذة من شرور هذه الجوارح الَّتي هي مأمور ٤٠٦ وَمِنْ شَرِّ قَلْبِي، وَمِنْ شَرِّ مَنِّي)). (د، ك؛ عَنْ شَكَلٍ [َرَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ]) . ٩ - («اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ يَوْمِ السُّوءِ . ، [المؤمنون] . فالسَّمع بحفظِهَا، كما قال ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَنَتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَعُونَ أمانةٌ، والبَصرُ أَمانةٌ، واللِّسانُ أمانةٌ، وهو مسئول عنها، قال تعالى ﴿إِنَّ السَّمْعَ ﴾ [الإسراء] فمن لم يحفظها ، ويتعدّى فيها ٣٦ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا الحدودَ ؛ عَصى الله تعالى ، وخان الأمانة ، وظلم نفسهُ ، فكلُّ جارحة ذات شهوة لا يستطيع دفع شرِّها؛ إلاَّ بالالتجاء إلى الله تعالى، لكثرة شرِّها وآفاتها ، وللّسان آفاتٌ كثيرة ، غالبُها الكذب ، والغيبة ، والمماراة ، والمدح ، والمزاح . ( وَمِنْ شَرِّ قَلْيِي) ؛ يعني : نفسي ؛ والنَّفْسُ مَجْمع الشَّهوات والمفاسد بحبِّ الدُّنيا والرَّهبة من الخَلْقِ ، وخوف فوت الرِّزق ، والأمراض القلبيَّة ؛ من نحو حسدٍ وحقدٍ ، وطلب رفعةٍ ، وغير ذلك، ولا يستطيع الآدميُّ دفعَ شَرِّهَا إلَّ بالإِعانةِ والالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى . ( وَمِنْ شَرِّ مَنِّي») ؛ أي: شَهْوتي المحرِّكَةِ لِمَنِّي، أي: من شرِّ شدّة الغلمة، وسطوة الشَّبق إلى الجماع الَّذي إذا أفرط ربَّما أوقع في الزِّنا أو مقدِّماته ؛ لا محالة ، فهو حقيقٌ بالاستعاذة من شَرِّه . وخصَّ هذه الأشياء بالاستعاذة ؛ لأَنَّها أَصلُ كلِّ شرٍّ ، قاعدته ومنبعه . كما تقرَّر ؛ قاله المناوي . (د، ك)؛ أي : أخرجه أبو داود ، والحاكم ، وكذا أخرجه التِّرمذي : كلُّهم ؛ (عَن شَكَلٍ ) - بشين معجمة ، وكاف ، مفتوحتين - ابن حميد العبسي ، له صحبة ، ولم يرو عنه إلاَّ ابنه ؛ قال البغوي: ولا أعلم له غير هذا الحديث !. قال شَكَل : قلت يا رسول الله ؛ عَلِّمني تعوُّذاً أَتعوَّذُ به ، فأخذ بكفِّي ... فذكره ، قال التِّرمذي : حسن غريب . ٩ - ((اللَّهُمَّ؛ إِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ يَوْمِ السُّوْءِ )؛ أي : اليوم الَّذي يقع فيه منّي ٤٠٧ وَمِنْ لَيْلَةِ السُّوءِ، ومِنْ سَاعَةِ السُّوءِ ، ومِنْ صَاحِبِ السُّوءِ ، وَمِنْ جَارِ السُّوءِ فِي دَارِ الْمُقَامَةِ )) . (طب؛ عَنْ عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ [رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ] ) . ١٠ - («اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ ، سوء وفحش ، أو الذي يحصل لي فيه ضررٌ في بدني أو مالي ، أو الَّذي يحصل فيه غفلة بعد المعرفة ، ولا مانع من إرادة الكلِّ . ( وَمِنْ لَيْلَةِ الشُّوْءِ، ومِنْ سَاعَةِ الُّوْءِ) كذلك، (وَمِنْ صَاحِبِ السُّوْءِ ) ؛ أي : أصحاب السُّوء ؛ لأنَّ مفرد مضاف بأن لا يرى منهم إلاَّ الأذى ، وصاحب : فاعل، وجمعه: صحابةٌ - بفتح الصاد - ولم يُنْقَل جمعُ فاعل على ((فَعَالة)) إلاَّ هذا ، أي : فهو من الجموع الشَّاذَّة ، أو هو اسم جمع . ( وَمِنْ جَارِ السَّوءِ ) الَّذي إذا رأى خيراً كَتمه وإذا رأى شرًّا أذاعه ؛ (فِي دَارٍ المُقَامَةِ)))، فإنَّ الضَّرر فيها يدوم بخلافِ السَّفر. زاد في رواية: ((فَإِنَّ جَارَ البَادِيَةِ يَتَحَوَّلُ)). والمُقَامَةِ - بالضَّمِّ -: الإقامة، كما في ((الصِّحاح))؛ قال: وقد تكون بمعنى القيام ، لأَنَّك إذا جعلته من : قام يقوم ؛ فمفتوحٌ ، أو من : أقامَ يُقيمُ ؛ فمضموم . وقوله تعالى ﴿لاَ مَقَامَ لَكُمْ﴾(١)؛ أي: لا موضع لكم، وقُرِىءَ ﴿لَا هُقَامَ لَكُمْ﴾ - بالضمِّ -، أي : لا إِقامة لَكُمْ . انتهى ؛ ذكره المناوي. (طب) أي: أخرجه الطَّراني في (( الكبير))؛ (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ) ؛ قال الحافظ نور الدِّين الهيثمي : رجاله ثقاتٌ ، وأعاده في موضع آخر ؛ وقال : رجاله رجال الصَّحيح ؛ غير بشر بن ثابت ، وهو ثقة . ١٠ - ( اللَّهُمَّ، إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ ) ؛ أي : بما يرضيك عمَّا يُسخطك، فقد خرج العبد هنا عن حظّ نفسه بإقامة حُرْمة محبوبه ، فهذا لله ، ثمَّ الَّذي لنفسه من هذا الباب قوله : (١) قرأ حفص بضم الميم الأولى، وباقي القراء بفتحها. ٤٠٨ وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ لاَ أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيَّتَ عَلَى نَفْسِكَ » (وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوْبَتِكَ ) استعاذ بمعافاته بعد استعاذته برضاه !! لأَنَّه يحتمل أن يرضى عنه من جهة حقوقه ويعاقبه على حقوق غيره . ( وَأَعُوْذُ بِكَ مِنْكَ ) ؛ أي : برحمتك من عقوبتك ، فَإِنَّ ما يستعاذ منه صادر عن مشيئَتِهِ وخلقه بإذنه وقضائه ، فهو الَّذي سبَّب الأسباب التي يستعاذ منها خَلْقاً وكوناً ، وهو الَّذي يعيد منها ويدفع شرَّها خَلْقاً وكوناً، فمنه السّبب والمَسبَّب ، وهو الَّذِي حَرَّكُ الأَنفسَ والأَبدانَ ، وأعطاها قوى التّأثير ، وهو الَّذي أَوجدها وأعدَّها وأمدَّها ، وهو الَّذي يُمْسِكُها إذا شاء ، ويَحُول بينها وبين قواها وتأثيرها ، فتأمل ما تَحتَ قوله ((أَعُوذُ بِكَ مِنْكَ)) من محضر التوحيد وقطع الالتفات إلى غيره ، وتكميل التوُّل عليه ، وإفراده بالاستعانة وغيره !!. ( لا أُخْصِيْ ثَنَاءً عَلَيْكَ) في مقابلة نعمةٍ واحدةٍ من نعمك، ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَاً﴾ [١٨/ النحل]. والغرض منه الاعترافُ بتقصيره عن أداء ما أوجب عليه من حقِّ الثَّناء عليه تعالى . ( أَنْتَ كَمَا أَنْتَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ))) بقولك ﴿فَلَّهِ اَلْحَنْدُ رَبِّ السَّمَوَتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ اُلْعَلَمِينَ [الجاثية] . وغير ذلك مما حمدتَ به نفسك ، وهذا اعتراف بالعجز عن ٣٦ التَّفصيل ، وأنَّه غير مقدور ؛ فوكّله إليه سبحانه ، وكما أَنَّه لا نهاية لصفاته لا نهاية للثَّاء عليه ، إذ الثَّناء تابعٌ للمُثنى عليه ، فُل ثناء أثني عليه به ؛ وإن كَثُر وطال وبُولغ فيه فَقَدْرُ اللهِ أعظمُ ، وسلطانُه أعزّ ، وصفاتُه أَجَلُّ ؛ ذكره القاضي . والمعنى : إِن أردتُ أن أثني عليك في مقابلة نعمة لم أطق ، فحينئذ أنْتَ موصوفٌ بالثَّاءِ الَّذي مثلُ ثنائِكَ على نفسك . قال العلماء : ولو حلف (( أن يثني عليه تعالى أجلَّ الثَّناء)) بَرَّ بقوله: ((سُبْحَانَكَ ؛ لا أحصي ثناءً عليكَ، أنت كما أثنيت على نفسك))؛ لأَنَّ أحسن الثَّاء ٤٠٩ (م، ٤ ؛ عَنْ عَائِشَةَ) . ١١ - («اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ وأجلَّه ثناءُ الله تعالى على نفسه . وأمَّا مجامع الحمد وأجلُّه فهو قوله : الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافىءُ مزيده ، فلو حلف (( ليحمدن الله بمجامع الحمد أو: بأَجَلِّ التَّحاميد)) !! فطريقه : أن يقول ذلك . يقال: إنَّ جبريل عليه السَّلام قاله لآدم عليه الصَّلاة والسَّلام، وقال: قد علَّمتك ((مجامع الحمد )) . ومعنى قوله : يوافي نعمه ؛ أي : يلاقيها فتحصل معه ، ويكافئ مزيده ؛ أي : يساويه فيقوم بشكر ما زاد من النّعم . وقد تقدَّم الكلام على ذلك في شرح خطبة المصنّف . (م، ٤)؛ أي : أخرجه مسلم ، والأربعة : أبو داود ، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه ؛ (عَنْ عَائِشَةَ ) رضي الله تعالى عنها قالت : فقدت رسول الله وَ ل ليلة من الفراش فالتمسته ؛ فوقعت يدي على بطن قدميه ، وهو بالمسجد . وهما منصوبتان ، وهو يقول ذلك . ١١ - ((اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَعُوْذُ بِكَ)، استعاذته بَّر من هذه الأمور الّتي عصم منها إنَّما هو ليلتزم خوف الله تعالى وإعظامه ، والافتقار إليه ، ولتقتدي به الأمَّة ، وليبين لهم صفة الدُّعاء ؛ والمهم منه . و ((أعوذ)): لفظه لفظ الخبرِ؛ ومعناه الدُّعاء . قالوا : وفي ذلك تحقيقُ الطَّلب؛ كما قيل في ((غفر الله)) بلفظ الماضي، والباءُ للإلصاق المعنويِّ للتخصيص، كأَنَّه خصَّ الرَّبَّ بالاستعاذة، وقد جاء في الكتاب والسُّنَّةِ (( أعوذ بِالله )) ، ولم يسمع: بِاللهِ أَعُوذُ؛ لأنَّ تقديم المعمول تفتُّنٌ وانبساط ، والاستعاذة حالُ خوف وقبض ، بخلاف ((الحمد لله))، و((لله الحمد))؛ لأنَّه حال شكر، وتذکیر إحسان ونعم . ٤١٠ مِنْ شَرِّ مَا عَمِلْتُ؛ وَمِنْ شَرِّ مَا لَمْ أَعْمَلْ)). (م، د، ن، ٥؛ عَنْ عَائِشَةَ ) . ١٢ - ((اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفَقْرِ وَالْقِلَّةِ وَالذِّلَّةِ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أَظْلِمَ ، أَوْ أُظْلَمَ )) . (د، ن، ،، ك ؛ ( مِنْ شَرِّ مَا عَمِلْتُ ) ؛ أي : من شرِّ ما اكتسبته ممَّا يقتضي عقوبة في الدنيا ؛ أو نقصاً في الآخرة . ( وَمِنْ شَرِّ مَا لَمْ أَعْمَلْ)) ) ؛ أي: بأن تحفظني منه في المستقبل ؛ وهذا تعليم للأُمَّة ؛ أو المراد : شرّ عمل غيري، فإنّ عمل الشَّر من شخص ينزل وبالاً عليه وعلى غيره، فأعوذ بك من شرٍّ عموم وباله بالنَّاس، قال تعالى ﴿وَأَتَّقُواْ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَةٌ﴾ [٥٢/ الأنفال]. أو المراد : ما ينسب إليَّ افتراءً ؛ ولم أعمله . وتقديم الميم على اللاَّم فيهما هو ما في (( مسلم )) وغيره ، وعكسُه الواقعُ لحجة الإسلام في (( الإحياء )) متعقَّبٌ بالردِّ ، نعم ؛ جاء في خبر مرسل . (م، د، ن، ٥) أي: أخرجه مسلم ، وأبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه : كلهم ؛ ( عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله تعالى عنها ، ولم يخرِّجه البخاري !! . ١٢ - ((اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَعُؤْذُ بِكَ مِنَ الْفَقْرِ وَالْقِلَّةِ) - بكسر القاف - أي : قلَّة المال التي يخشى منها ، وقلَّة الصبر على الإِقلال ، وتسلُّطِ الشيطان عليه بوسوسته ؛ بذكر تنغُم الأغنياء وما هم فيه ، ( والذِّلَّةِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أَظْلِمَ ) - بفتح الهمزة وكسر اللام مبنيّاً للفاعل - أي: أظلم أحداً من المسلمين والمعاهدين . ويدخل فيه ظلم نفسه بمعصية الله تعالى . ( أَوْ أُظْلَمَ ) - بضم الهمزة وفتح اللام ؛ بالبناء للمفعول - أي : يظلمني أحد . وفي الحديث : ندب الاستعاذة من الظّلم والظَّلَمة، وأراد بهذه الأدعية تعليم أمته . (د، ن، ٥، ك)؛ أي : أخرجه أبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه ، ٤١١ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ] ). ١٣ - (( اللَّهُمَّ؛ رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ .. أَنَا شَهِيدٌ أَنَّكَ أَنْتَ الرَّبُّ وَحْدَكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ. اللَّهُمَّ ؛ رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْء .. أَنَا شَهِيدٌ أَنَّ مُحَمَّداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ . اللَّهُمَّ؛ رَبََّا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ .. أَنَا شَهِيدٌ أَنَّ الْعِبَادَ كُلَّهُمْ إِخْوَةٌ . اللَّهُمَّ ؛ رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ . . أَجْعَلْنِي مُخْلِصاً لَكَ وَأَهْلِي فِي كُلِّ سَاعَةٍ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ، والحاكم ؛ ( عَنْ أَبِيْ هُرَيْرَةَ ) رضي الله تعالى عنه ، وسكت عليه أبو داود ، ولم يعترضه المُنذِرِي !!. ١٣ - ((اللّهُمَّ؛ رَبَّنَا) يا ربنا (وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ أَنَا شَهِيْدٌ) ؛ أي : شاهد على ( أَنَّكَ أَنْتَ الرَّبُّ) ؛ أي : الإله الخالق المتفرِّدُ بالإيجاد والإمداد (وَحْدَكَ )؛ أي : منفرداً في ذاتك ( لاَ شَرِيْكَ لَكَ ) في صفاتك وأفعالك . ( اللَّهُمَّ؛ رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، أَنَا شَهِيْدٌ) على (أَنَّ مُحَمَّداً فِِّ عَبْدُكَ وَرَسُوْلُكَ ) إلى كافَّة الخلق . ( اللَّهُمَّ؛ رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، أَنَا شَهِيْدٌ) على ( أَنَّ الْعِبَادَ ) ؛ أَي : المؤمنين منهم ( كُلَّهُمْ إِخْوَةٌ ) ؛ أي : متَّصفون بصفة واحدة ؛ وهي الإيمان ، قال الله تعالى ﴿ إِنَّمَا أَلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [١٠/ الحجرات] . ( اللَّهُمَّ؛ رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، أَجْعَلْنِ مُخْلِصَاً لَكَ ) ؛ أي : مَّصفاً بصفة الإخلاص في أعمالي وعباداتي ، بأن أقصد بها التقرُّب إليك ؛ لا رياء ولا سمعة . ( وَأَهْلِيْ ): أتباعي، معطوف على ضمير المتكلم في ((اجعلني))، أي: اجعلني وإيّاهم مخلصين ( فِي كُلِّ سَاعَةٍ فِي) أمور ( الذُّنْيَا وَالآخِرَةِ ) ، بحيث لا توجد ساعة - سواء كانت تلك الساعة في أمر الدنيا أو العُقْبَى - إلا أن تكون في ٤١٢ يَا ذَا الْجَلَاَلِ وَالإِكْرَامِ )) . (ن، حب؛ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ [رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ]). ١٤ - ((اللَّهُمَّ؛ أَنْتَ رَبِّي لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ صرف طاعة مقرونة بالإِخلاص ( يَا ذَا الْجَلَاَلِ وَالإِكْرَام ))) معنى الجلال - كما دلَّ عليه كلام القشيري -: استحقاق أوصاف العُلُوِّ ، وهي الأوصاف الثُّبوتية والسلبية ، وعليه : فالإكرام المقابل له إِكرام العباد بالإِنعام عليهم ، وعلى هذا جرى الغزالي في ((المقصد الأسنى))، وفُسِّرَ بغير ذلك. (ن، حب)؛ أي: أخرجه النسائي، وابن حِبَّان؛ (عَنْ أَبِيْ أُمَامَةَ) الباهِلِيِّ : صُدَيِّ بْنِ عَجْلان ، وأخرجه أبو داود ؛ عن زيد بن أرقم ، وفي إِسناده داود الطفاوي !! قال يحيى بن معين : ليس بشيء . ١٤ - ((اللَّهُمَّ؛ أَنْتَ رَبِّيْ) ؛ أي : وربَّ كلِّ شيء ، فقد ربَّيت الوجود وأهله بالإيجاد ثم بالإمداد ، فوجب عليَّ وعلى سائر العباد العودُ إلى ساحتك العليّة بلسان الاعتذار ، والقيام في حال الذلِّ والانكسار . ( لاَ إِلَّهَ إِلاَّ أَنْتَ ) ؛ أي : فلا يُطلَبُ من غيرك شيء ؛ لأنه مقهور لا ينفع نفسه ؛ ولا يدفع الضُّرَّ عنها ، وما أحسن قول العارف الكبير أبي الحسن الشاذلي قدس سره : أَيَسْتُ من نفع نفسي لنفسي ؛ فكيف لا آيَسُ من نفع غيري لنفسي !! ورجوت الله لغيري ، فكيف لا أرجوه لنفسي !!. (خَلَقْتَنِيْ) شرحٌ لبيان التربية المدلول عليها بقوله: ((أنت ربي)) (وَأَنَا عَبْدُكَ ) ؛ أي ؛ مخلوقك ومملوكك - جملة حالية -، وكذا جملة ( وَأَنَا عَلَىْ عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ) ؛ قيل: عهدك، أي: ما عاهدتني بالإِيمان المأخوذ يوم ((أَلَسْتُ بِرَبَّكُمْ)) ، أي : أنا مقيم على ما عاهدتني في الأزل من الإقرار بربوبيَتك . وقيل: عهدك ، أي : على ما عاهدتني ، أي : أمرتني به في كتابك وبلسان نبيك من القيام بالتكاليف . ٤١٣ مَا أُسْتَطَعْتُ ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ ، وَأَبُوءُ بِذَنْيِي ؛ (وَوَعْدِكَ) ؛ أي: مستنجزٌ وعدك في المثوبة والأجر في العقبى على هذه العهود ، وأنا موقِنٌ بما وعدت به من البعث والنشور ؛ وأحوال القيامة ، فالمصدرُ مضافٌ لفاعله . وقيل : ما عاهدتُك عليه في الأزل من الإقرار بالوحدانية المأخوذ يوم ((أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ)) ، ووعدك ، أي : ما وعدتك به من الوفاء بذلك ، فالمصدر مضاف للمفعول . وسئل الإمام جلال الدين السيوطي عن ذلك ؛ فقال : العهد : ما أخذ عليهم وهم في عالم الذر يوم (( ألست بربكم))، والوعد : ما جاء على لسان النبي ◌َّ﴾: ((مَنْ مَاتَ لاَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً دَخَلَ الجَنَّةَ)). انتهى ذكره في ((الحاوي)). قيل: ولا يبعد أن يراد الجميع من الكلمة الجامعة لما ذكر ، وغير ذلك مما لا يخطر ببال . ( مَا أُسْتَطَعْتُ) ؛ أي : مدّة دوام استطاعتي ، ومعناه : الاعتراف بالعجز والقصور عن كُنْه الواجب في حقِّه تعالى . ( أَعُوْذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ) (( ما)): فيه مصدرية ؛ أو موصولة ، أي : أعوذ بك من صنعي ، أو مما لم أستطع على كفِّ نفسي عنه، من الأعمال التي تؤدِّي بصاحبها إلى الهلاك الأبديّ ، والعذاب السرمديّ . ( أَبُوْءُ) - بهمزة مفتوحة فموحدة مضمومة ، وبعد الواو همزة - أَيْ: أُقِرُ وأعترف ( لَكَ بِنِعْمَتِكَ ) التي أنعمت بها ( عَلَيَّ، وَأَبُوْءُ بِذَنْبِيْ ) معناه الإقرار بالذّنب والاعتراف به أيضا ، لكن فيه معنىً ليس في الأول ؛ لأن العرب تقول (( باء فلان بذنبه)) ؛ إذا احتمله كرها لا يستطيع دفعه عن نفسه . ولذا عبّر في الرواية الصحيحة التي هي رواية البخاري بقوله: (( أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ بِذَنْبِي))، بإثبات ((لك)) مع النّعمة ، وبحذفها في ذنبي ، وهو أدب حسن . قال الشيخ ابن حَجَر في (( شرح المِشْكَاةِ )) : وأبوء بذنبي ؛ أي : الذنب العظيم الموجب للقطيعة لولا واسعُ عفوك وهامع فضلك . انتهى . ٤١٤ فَأَغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ )) . (خ؛ عَنْ شدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ) . وتعقّبه في (( المِزْقاة)) بأنه ذهول وغفلة منه ، أَنّ هذا لفظ النبوّة وهو معصوم عن الزّلة. انتهى. ولك أن تقول: ليس في هذا إثبات وقوع الذنب منه وَّ حتى ينافي العصمة ؛ إنما المقصود أنه لكمال فضله وخضوعه لربِّه يرى ذلك ، وكلّما كَمُل الإنسان زاد اتهامه لنفسه . ومثاله في الشاهد : أن البريء من الذنب المقرَّب مثلاً، إذا قال للملك (( أنا مسيءٌ في حقّك)) ... ونحو ذلك، عُدَّ منه تواضعاً وسبباً لترقِيه عند ذلك الملك، وليس فيه إِثبات للذنب ، والله أعلم . وقال الطُِّيُّ : اعترف أولاً بأنه تعالى أنعم عليه، ولم يقيّده !! ليشمل كلَّ الإنعام ، ثم اعترف بالتقصير ، وأنه لم يَقُم بأداء شكرها، وعَدَّ [ذلك] ذنباً !! مبالغة في التقصير وهضم النفس. انتهى ؛ ذكره في (( شرح الأذكار)). ( فَأَغْفِرْ لِيْ ) ذنوبي، ( فَإِنَّه) ؛ أي : الشأن (لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوْبَ) ؛ أَيْ: جميعها ( إِلاَّ أَنْتَ))) وفائدة الإِقرار بالذنب : أنّ الاعتراف يمحو الاقتراف ، كما قيل : فَإِنَّ أَعْتِرَافَ المَرْءِ يَمْحُو أَقْتِرَافَهُ كَمَا أَنَّ إِنْكَارَ الذُّنُوبِ ذُنُوبُ (خ) ؛ أي : أخرجه البخاري في «صحيحه))؛ ( عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ) بْنِ ثَابِتِ الأَنْصَارِيِّ الْخَزْرَجِيٍّ (( ابن أخي حسان بن ثابت)). كنيته أبو يعلى ، قيل : هو بَدْرِيّ !! وغَلِط قائله . إنما البدري أبوه رضي الله تعالى عنهما . قال عُبادة بن الصَّامِت وأبو الدّزدَاء : كان شدّاد من أُولي العلم والحكمة . سكن بيت المقدس وأعقب بها ، وتوفي سنة ثمان وخمسين ، أو : إحدى وأربعين ، أو : أربع وستين ، وعمره خمس وسبعون سنة ، ودُفن بها ، وقبره بظاهر باب الرّحمة باقٍ إلى الآن . ٤١٥ ١٥ - «آللَّهُمَّ ؛ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي رُوي له خمسون حديثاً؛ انفرد مسلم منها بواحد، وهو حديث: ((إِنَّ اللهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ... )). وانفرد البخاريُّ بهذا الحديث ، الذي هو حديث سيّد الاستغفار ، أي : سيّد ألفاظه ، أي : أفضل أنواع الذكر التي تطلب بها المغفرة ، هذا الذكر الجامع لمعاني التوبة كلّها . قال ابن أبي جَمْرة : جمع الحديث من بديع المعاني وحسن الألفاظ ، ما يحقُّ له أن يسمَّى ((سيّد الاستغفار))، ففيه الإقرارُ لله وحده بالألوهية، ولنفسه بالعبوديّة ، والاعتراف بأنه الخالق ، والإقرارُ بالعهد الذي أخذه عليه ، والرّجاء بما وعده به ، والاستعاذةُ من شرِّ ما جَنَى على نفسه ، وإضافة النعم إلى موجدها ، وإضافة الذّنْبِ إلى نفسه ، ورغبته في المغفرة ، واعترافُه بأنّه لا يقدر على ذلك إلّ هو . وكلّ ذلك إشارةٌ إلى الجمع بين الحقيقة والشريعة ؛ لأن تكاليف الشريعة لا تحصل إلا إذا كان عون من الله . انتهى . والحديث أخرجه عن شدَّادٍ أيضاً الإمام أحمدُ ، والنَّسائي في ((السُّنَن))؛ و(( عمل اليوم والليلة)). وأخرجه الإمام أحمد ، وأبو داود ، والنَّسائي ، وابن ماجه ، وابن السُّنِّي ، والطبراني في كتاب ((الدعاء))، والبزَّار ؛ كلّهم من حديث بُرَيْدَةَ بْنِ الحُصَيْب ، رضي الله تعالى عنه . ١٥ - (( اللَّهُمَّ ؛ إِنِّيْ ظَلَمْتُ نَفْسِيْ) بملابسة ما يوجب العقوبة أو ينقص حَظَّي . وأصل الظلم : وضعُ الشيء في غير محلّه ، وهو على مراتب ؛ أعلاها الشرك . والنّفس تذكّر وتؤنّث . واختُلِفَ هل النفس هي الروح أم لا ؟! قال ابن المُلَقِّن : الظاهر أنَّ المراد بالنفس هنا الذات المشتملة على الروح . ٤١٦ ظُلْماً كَثِيراً وَلاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ .. أي : ظَلَمتُها بوضع المعاصي موضع الطاعات ، وجزم به البَرْماوِيّ ؛ قاله في (( شرح الأذكار » . ( ظُلْماً كَثِيْراً ) قال النووي: هكذا ضبطناه ((ظلماً كثيراً)) - بالثاء المثلثة - في معظم الروايات ، وفي بعض روايات مسلم ((كبيراً)) - بالباء الموحدة - وكلاهما حسن ، فينبغي أن يجمع بينهما فيقال : ظلماً كثيراً كبيراً . انتهى . وأكّد بالمصدر ؛ ووصفه !! تحقيقاً لدفع المجاز . وفي الحديث دليلٌ على تكذيب مقالة مَن زعم أنه لا يستحقُّ اسم الإِيمان إلا من كان لا خطيئة له ولا جُرْمَ ، وزعموا أنّ أهل الإِجرام غيرُ مؤمنين ، وأنّ سائر الذّنوب كبائر ، وذلك أنّ الصِّدِّيق أفضل الصِّدِّيقين من أهل الإِيمان ؛ وقد أمره الشارع أن يقول ((ظلمت نفسي ظلماً كثيراً )) !. وفيه دليل على أنّ الواجب على العبد أن يكون على حذر من ربِّه في كلِّ أحواله ، وإن كان من أهل الاجتهاد في عبادته في أقصى غاية ، إذ كان الصّدّيق مع موضعه في الدين ؛ لم يسلم مما يحتاج إلى استغفار ربِّه منه. انتهى (( شرح الأذكار)). ( وَلاَ يَغْفِرُ ) : من الغَفْرِ ؛ وهو الستر ( الذُّنُوْبَ ): جمع ذنب ؛ وهو : الجُرم مثل فَلْس وفلوس ، يقال أذنب يُذنب ، والذَّنْب : اسم مصدر ، والإِذناب : مصدر ؛ لكنه لا يستعمل ، والمعنى أنه سأل أن يجعل بينه وبين الذنب ساتراً . (إِلاَّ أَنْتَ ) فيه إقرارٌ بالوحدانيّة له تعالى، واستجلابُ المغفرة ، وهذا كقوله تعالى ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوْاْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [١٣٥/ آل عمران]. وفي الآية الحثُّ على الاستغفار ، قيل: كلُّ شيء أثنى الله على فاعله ؛ فهو أمْرٌ به ، وكلُّ شيءٍ ذمَّ فاعله ؛ فهو نهي عنه . انتهى (( شرح الأذكار)). ٤١٧ فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَأَرْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ )). ( فَأَغْفِرْ لِيْ ) قال بعضهم : هو أرجحُ في الاستغفار من قوله أستغفرك ؛ لأنه إذا قال ذلك ؛ ولم يكن متَّصِفاً به كان كاذِباً . وضُعِّفَ بأنَّ السين فيه للطلب ، فكأنه قال : أطلب مغفرتك ، وليس المرادُ الإِخبارَ ، بل الإِنشاء للطلب ، فكأنه قال : اغفر لي ؛ لا سيما وقد ورد في الشرع صيغةُ ((استغفر)) أمراً وفعلاً ، فيتلقى ما جاء عن الشارع بالقبول. انتهى ((شرح الأذكار)) . ( مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ) معناه: هَبْ لي المغفرة تفضُّلاً؛ وإن لم أكن أهلاً له بعملي ، كأنه قال : لا يفعل هذا إلا أنت ، فافعله لي أنت . قال الطُّنِيُّ: ودلَّ التنكير في قوله ((مغفرة )) على أن المطلوبَ غفرانٌ عظيم لا يدرى كنهه، ووصفه بكونه (( من عنده )» سبحانه !! لأن الذي يكون من عنده لا يحيط به وصف ، وتبعه الکِرْمَانِيُّ . وحاصله : أن طلب مغفرة خاصَّةٍ في غاية الجلالة والعظمة ترفَعُه إلى أعلى ما يليق به من مقامات القرب ، ومِن حضرة الحقِّ ، ولذا عقّبه بطلب الرحمة العامة الشاملة لكل ما يلائم النفس ، حيث قال : ( وَأَرْحَمْنِيْ) ؛ أي : رحمة من عندك، وحُذف !! اكتفاء بوصف قرينه به ( إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيْمُ ))) بكسر همزة ((إنّ)) على الاستئناف البياني المشعر بتعليل ما قبله، ويجوز الفتح. و ((أنت)) لتأكيد الكاف ، ويجوز أن يكون للفصل ، والاسمان وصفان للمبالغة ، وذُكِرًا !! ختماً للكلام على جهة المقابلة لما تقدَّم ، فالغفور لقوله ((اغفر لي)) والرحيم لقوله: ((ارحمني)). قال ابن حَجَر في (( شرح المشكاة)): يؤخذ منه أنَّ من أدب الدعاء أن يختم بما يناسبه من أسمائه تعالى ؛ لما فيه من التفاؤل بحصول المطلوب ، والتَّوسُّل بما يوجب تعجيل إجابته وحصول طَلبته . انتهى . ٤١٨ ( ق ، حم، ٤، عَنْ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ ) . ١٦ - ((اللَّهُمَّ؛ اغْفِرْ لِي ذَنْيِي كُلَّهُ، دِقَّهُ وَجِلَّهُ ، وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ ، وَعَلَاَنِيَتَهُ وَسِرَّهُ)) . وفي ((الحرز )): هذا الدُّعاء من الجوامع، لأنَّ فيه الاعترافَ بغاية التَّقصير ، وطلبَ غاية الإنعام . فالمغفرة : سترُ الذُّنوب ومحوها ، والرَّحمة : إيصال الخيرات ، ففي الأوَّل طلب الزَّحْزَحَة عن النَّار ، وفي الثَّاني طلب إدخال الجنَّة ، وهذا هو الفوز العظيم . ( ق، حم ، ٤) يعني أنَّ الحديث متَّفق عليه ، أي : رواه البخاريُّ، ومسلم ، ورواه الإمام أحمد، والأربعة أصحاب (( السنن)): أبو داود ، والتِّرمذيُّ ، والنسائيُّ ، وابن ماجه : كلهم ؛ ( عَنْ أَبِيْ بَكْرِ الصِّدِّيْقِ ) عبد الله بن عثمان ((أَبِي قُحَافَة )) بن عامر بن عمروٍ بن كعب بن سعد بن تيم بن مُرَّة بن كعب بن لؤي ، القرشيّ الَّيْميّ ؛ الصدِّيق الأكبر، خليفة رسول الله وَالدٍ وصهره(١) ، ورفيقه في الغار ، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنَّة ، رضي الله تعالى عنه . يقول الفقير : لكنِّي لم أجد الحديث في (( أبي داود)) !!. والله أعلم . ١٦ - ((اللَّهُمَّ؛ أَغْفِرْ لِيْ ذَنْبِيْ كُلُّهُ) توكيد للإحاطة والشمول ، أتى به !! لدفع توقُّم أَنّ المراد به ذنب مخصوص ، ولبيان أَنَّ العموم المفاد من إضافته مراد . ( دِقَّهُ) - بكسر الدال المهملة - أَيْ: صغيره، وقُدِّمَ !! سلوكاً للتَّرقي في السؤال ، الدالِّ على التدريج في ترجِّي الإِجابة ، أَو إِشارة إلى أنَّ الكبائر إنَّما تنشأ غالباً عن الصغائر ، أو الإصرار عليها وعدم المبالاة بها ؛ فهي وسيلة ، والوسيلة من حقِّها التقدُّم . ( وَجِلَّهُ) - بكسر الجيم - أي: كبيره ، ( وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، وَعَلانِيَتَهُ وَسِرَّهُ))) (١) في استعمالهم على عكس ما نستعمله اليوم . ( عبد الجليل ). ٤١٩ (م، د ؛ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ). ١٧ - ((اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَلْعِقَّةَ وَالْعَافِيَةَ فِي دُنْيَايَ وَدِينِي ، وَأَهْلِي وَمَالِي . (م، د) أَي: أخرجه مسلم، وأبو داود في (( باب ما يقال في الركوع والسجود)) ؛ ( عَنْ أَبِيْ هُرَيْرَةَ ) رضي الله تعالى عنه : ١٧ - (( اللَّهُمَّ ؛ إِنِّيْ أَسْأَلُكَ الْعِفَّةَ) - بالكسر -: العفاف عن كلِّ حرام ومكروه، ولذَّة وشهوة. (والْعَافِيَةَ)؛ أَي: السلامة من الآفات الدينيّة ، والنقائص الحسيّة والمعنويّة ، والحادثات الدنيويّة ، أي : عدم الابتلاء بها والصبر بقضائها . ولجمع العافية ذلك، كان الدعاء بها أجمعَ الأدعية، وكأنّه السبب في قوله وَله للعبّاس لما سأله أن يعلِّمَه دعاء: ((يا عَمِّ؛ سَلِ اللهَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ)). وفي (( بهجة المجالس)) ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها (( قلتُ : يا رَسُولَ اللهِ؛ مَا الْعَافِيَّةُ؟ قَالَ: ((الْعَافِيَةُ في الدُّنْيا: الْقُوْتُ، وَصِحَّةُ الْجِسْمِ ، وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ، والتَّوفِيْقُ لِلطَّاعَةِ، وَأَمَّا في الآخِرَةِ: فَالمَغْفِرَةُ، وَالنَّجَاةُ مِنَ النَّارِ ، وَالْفَوْزُ بِالْجَنَّةِ » . قال الإمام النّوويُّ في (( شرح مسلم)): العافية من الألفاظ العامَّة المتناولة لدفع جميع المكروهات ؛ في البدن والباطن ، في الدنيا والآخرة . انتهى . ولذا استعملها في قوله : ( فِيْ دُنْيَايَ ) ، إذ هو متعلّق بها وحدها ، وما بعده معطوف عليه ؛ فيكون كذلك . والعافية في الدنيا : سلامته من النَّكبات المكدِّرة ، والمعيشة المنغِّصة . ( وَ) في ( دِيْنِيْ) بدوام الثَّرقِّي في كمالات الدِّين ، والسَّلامة من نقص يَهْوِيْ بالعبد إلى دركاته . ( وَأَهْلِيْ وَمَالِيْ ) بأن لا يرى فيهما ما يسيء . ٤٢٠