النص المفهرس
صفحات 301-320
النَِّينَ وَإِمَامِ المُتَّقِينَ، مُحَمَّدٍ قَائِدِ الْخَيْرِ ، وَإِمَامِ الْخَيْرِ ، وَرَسُولِ الرَّحْمَةِ . أنّه خَتْمُ ( النَِّيَّيْنَ ) ؛ أي : جاء آخرَهم ، فلم يبقَ بعدَه نبيٌّ ولا معه . ( وَإِمَامِ المُتَّقِيْنَ ) ؛ أي : قدوتِهم. وأصلُ الإمام: المُتَّبَعُ والهادي لمَن اتَّبَعَه، والمُتَقدِّمُ بين يَدِىِ القَوم ، والشَّفيعُ لمن خَلفَه . والمثَّقين : جمعُ مُتَّقٍ ؛ وهو: المُمْتَئِلُ لأوامر الله تعالى المجتنِبُ لنواهِيه ، ثم يتّقي الشُّبْهَات، ثمَّ الشَهَواتِ والفَضَلاتِ، وكلَّ ما يُؤْجِب النَّصَ ؛ أو البُعْدَ عن الله ، ثمّ يتَّقي غيرَ الله أنْ يُساكِنَةُ باعتمادٍ ؛ أو مَيْلٍ ؛ أو استِناد . وهو صلّى الله عليه وسلم أَنْقَىْ الخَلقِ للهِ، وأَعرَفُهم به، وأَشْدُّهم له خَشْيَةً ، وأَكثَرُهم له طاعةً، وأَجَهَدُهم في عبادته، وتقواهُ لا تُدْرَكُ ؛ ولا يَبلُغُها التَّعبيرُ، ولا تُذْرَى نهايةُ ما إليه بها يُشيرُ، فهو المُتَقَدِّم عليهم وقدوتُهم وقائدُهم إلى الصّراط المستقيم . ( مُحَمَّدٍ قَائِدٍ ) ؛ اسم فاعل من قاده يَقُوده : جَذَبَه من أمامٍ ، بسببٍ حِسِّيٍ أو مَعْنَوِيٌّ لِيَتْبَعَهُ (الخَيْرِ) هو: كُلُّ أمرٍ محمودٍ لموافقته للغَرَض، والمُراد: أنّهَ وَّلـ قائدٌ إلى الصِّراط المستقيم ؛ الموصِلِ إلى الأَغراضِ ؛ الموافقةِ في الآخرة ، حيثُ النَّفَعُ الذي لا ضَرَرَ فيه، والحُسْنُ الّذي لا قُبْحَ معه، والمَخْبوبُ الّذي لا مَكْرُوهَ عنده ، فكأَنَّ الإضافةَ على معنى اللاّم ، أي قائد إلى الخير . ( وَإِمَامِ الخَيْرِ) الإضافة على معنى ((في)) أيْ: إمام في الخَير ، أو بمعنى: اللّم ؛ أي : إمام مُوصِل إلى الخير . ١٠﴾ [الأنبياء] (وَرَسُوْلِ الرَّحْمَةِ) قال الله تعالى ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَكَ إِلََّ رَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ [التوبة] وقال ◌َّهُ: ((إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ وقال تعالى ﴿بِلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ! مُهْدَاةٌ ))، وقال: ((إِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً، وَلَمْ أُبْعَثْ عَذَاباً)) فبعثَه الله تعالى رحمةً لأمَّته ؛ ورحمةً للعالمين ، حتى للكفّار بتأخير العَذابِ ، وللمنافقين بالأمان، فمَن ٣٠١ اللَّهُمَّ؛ قَرَّبْ زُلْفَتَهُ، وَعَظِّمْ بُرْهَانَهُ، وَكَرِّمْ مَقَامَهُ ، وَأَبْعَثْهُ مَقَاماً مَحْمُوداً اتّبعه رُحِم به في الدّنيا بنجاته فيها من العذاب؛ والخَسْف والقَذْف والمَسْخِ والقَتْل وذِلَّة الكُفْر والجِزْية ؛ ورَحِمَ قلبَه بالإِيمان بالله ، ونجا من صلاءِ نيرانِ القطيعة عن الله. وفي الآخرة بنجاته فيها من العذاب المُخلَّد ؛ والخِزي المؤبَّد، وبتعجيل الحساب ؛ وتضعيف الثّوابِ ، وحصوله على الخير الكثير والمُلْك الكبير . ( اللَّهُمَّ) يا الله؛ ( قَرَّبْ زُلْفَتَهُ)؛ أي: زِده قُرباً، (وَعَظُّمْ بُرْهَانَهُ) : أي حجّته ، أي : زِدها عُظْماً . وتقويةً وبُهوراً، ( وَكَرِّمْ مَقَامَهُ ) ؛ أي : زِدْه تكريماً ورِفعةً ، ( وَأَبْعَثْهُ) هو فِعلُ دعاءٍ ؛ من بَعَثَه يَبْعَثُه - مفتوحُ العين فيهما - بَعْئاً ، وهو : إثارة ساكِنٍ في حالةٍ أو وَصْفٍ أَوْ حُكْمٍ ؛ كنومٍ أو موتٍ أو أيّ حالةٍ ووصفٍ كان، وتحريكُه نحو حالةٍ ووصفٍ آخر ؛ كاليَقَظَةِ والحياةِ والقِيَام ونحوها ( مَقَاماً ) - بفتح الميم الأُولى -: اسم مَصْدَرِ القيام ، أو اسمُ مكانه . وعلى الأَوَّل : يكون منصوباً على المفعول المُطْلَقِ، لأنّ البَعثَ والإِثارةَ والإِقامةَ بمعنیّ واحدٍ . وعلى الثّاني ! فقيل : إنّه منصوبٌ على الظَّرفية بتقدير : ابعَثْهُ يومَ القيامة ؛ فَأَقِمْهُ. والقيام هنا بمعنى: الوقوف، أو بتَضْمين ((ابْعَثْه)) معنى: أَقِمْهُ . وعلى كليهما !! يصحُّ أن يكون منصوباً على أنّه مفعولٌ به ؛ على تضمين (( أبعَثْه )) معنى: أعطِه ، ويجوز أن يكونَ حالاً ، أي : ابْعَثْه ذا مقامٍ . . ( مَحْمُوْداً ) نعتٌ للمقام ، وهو من الإسناد المجازيّ ؛ أي: محموداً صاحِبُه ، أو القائِم فيه، وهو النَّبيُّ وَّ لاختصاصِ الوَصفِ بالحَمْد بذَوي العِلم، ولِمَا جاء في الحديث: أنّه وَّهِ يَحمَدُه في هذا المقام الأَوَّلُون والآخِرون . وذكَّر («مقاماً محموداً)) !! قال الطّيبي: لأنّه أفخَمُ وأَجزَلُ ، كأنّ قيل : مقاماً محموداً بكلِّ لسانٍ ، وهو مُطلَقٌ في كلّ ما يَجلُبُ الحمدَ من أنواع الكرامات . ٣٠٢ يَغْبِطُهُ بِهِ الأَوَّلُونَ وَأَلْآخِرُونَ ، وَأَنْفَعْنَا بِمَقَامِهِ الْمَحْمُودِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَآخْلُفْهُ فِنَا فِي الدُّنْيَا وقَيّدوه بأنّه : الشَّفاعةُ العُظْمى في فَصْلِ القَضاءِ ؛ أي : تعجيل الحساب ، يَحْمَده فيه الأَوَّلون والآخِرون، واذَّعَوا على ذلك الإجماعَ !! ويشهَدُ لذلك الأحاديثُ الصَّحيحةُ الصَّريحةُ ، والآثارُ عن الصَّحابة والتَّابعين . ( يَغْبِطُهُ ) وَلِّهِ؛ من غَبَطَه يَغْبِطُه: كَضَرَبَه يَضْرِبُه. وقال في ((القاموس)): كضَرَبَه وسَمِعَه . والاسم : الغِبْطة - بكسر الغَين -؛ وهو تمنِّي حصول مثلِ النِّعمة الحاصِلة للمُنْعَمِ عليه ؛ من غير زوالها عنه . وقد نَظَم بعضُهم هذا المعنى ؛ فقال : أَغْبِطُهُ - بِالكَسْرِ - فِيْ أَعْمَالِهِ وَقَدْ غَبَطْتُ المَرْءَ فِي أَحْوَالِهِ لَهُ، وَلاَ يُسْلَبُ تِلْكَ النَّعَمَا أَغْنِي : تَمَنَّيتُ لِنَفْسِي مِثْلَ مَا وقد يُراد بالغِبطة لازِمُها ؛ وهو المحبَّة والسُّرور بما رآه فَقَط. (بِهِ) أي : فيه ، أي: في هذا المَقام (الأَوَّلُوْنَ): جمع أَوّل ، ( وَالآخِرُوْنَ ) : جمع آخِرٍ ، يَعني : من الحاضرين في ذلك اليوم . والأَوّل : ما يَتَرتَّب عليه غيرُه، ويُسْتَعْمل في التَّقدُّمِ الزَّمانيّ ؛ والرِّياسيِّ؛ والوَضعيِّ ؛ والنَّسَبِيّ ؛ والنَّظم الصِّناعيّ. والآخِر : ما يترتَّب على غيره ، ويُستَعمل في جميع ذلك، لكن في التََّخّر. ( وَأَنْفَعْنَا بِمَقَامِهِ المَحْمُوْدِ ) ؛ بتخفيف الهَولِ والحِساب ، وتقصير مُدَّة المقام، وإدخال الجنَّة دار السّلام ( يَوْمَ القِيَامَةِ) معمولٌ لـ((انفعنا)). وسُمِّيَ ((يومَ القيامة))! لقيام السّاعة فيه، وقيام الخَلْق فيه من قبورهم ، وقيامِهم لربِّ العالمين ما شاءَ اللهَ، وقيامِهم للحسابِ وقيام الحُجَّة لهم وعليهم ، وله نحو مائة اسمٍ! انظُرْها - إنْ شِئْتَ - في (( البُدور السَّافرة)) و((الإِحياء)). وأَوّله من النَّفْخَة الثّانية إلى استقرار الخَلقِ في الدَّارين : الجنَّةِ والنَّارِ . ( وَأَخْلُفْهُ فِيْنَا ) بأحسن الخَلَف ؛ ( فِي الدُّنْيَا) بملازمة الطّاعة، والتَّمَشُّك ٣٠٣ وَأَلْآخِرَةِ ، وَبَلِّغْهُ الدَّرَجَةَ وَأَلْوَسِيلَةَ فِي الْجَنَّةِ . اللَّهُمَّ ؛ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ، بالشَّريعة، ( وَأَلْآخِرَةِ ) بأن تُقِرَّ عينَه بنا إِذ نُوافيه سالِمين من التَّغيير والتَّديل . (وَبَلِّغْهُ الدَّرَجَةَ)؛ أي : المَنْزِلة، وهي على حذف النَّعت ؛ أي: الرَّفيعة، وهي الرُّتبة الزّائدة على سائرِ الخلائِقِ : العاليةُ الشَّأْنِ ، السَّاميةُ المكانة والمكان . ( وَالوَسِيْلَةَ) هي : أعلى درجة في الجنّة . هكذا في الحديث ، وفي آخر - عند ابن عساكر - عن الحسن بن علي: ((فَإِنَّ وَسِيْلَتِي عِنْدَ رَبِّي شَفَاعَةٌ لَكُمْ )). وقيل : الوسيلةُ هي القُربة . ٠ وقال الشيخ أبو محمد عبد الجليل القصري في (( شُعَب الإيمان)): إنَّ وسيلتَهَ وَ ﴿ هو: أن يكون في الجنّة، في قربه من الله تعالى بمنزِلَةِ الوزير من المَلِك بغير تمثيلٍ ؛ لا يَصِلُ لأَحدٍ شيءٌ إلاّ بواسطَتِهِ . انتهى . وهو موافِقٌ لما تَقَدَّم من تفسيرها بالشَّفاعة لأُمّته ، ويُفَشَرِ العُلُوُّ ؛ في أنّها أعلىُ درجةٍ في الجنّة بالعُلوِّ المعنويّ . ومقتضى ما لابن كثير: أنّه فسَّره بالعُلوّ الحسِّيّ ؛ وهو قوله: الوسيلةُ عَلَمٌ على أَعْلى منزِلَةٍ في الجنّة، وهي منزِلةُ رسول الله وَِّ ودارُه في الجنّة ، وهي أقربُ أمكِنة الجنَّة إلى العَرْش. انتهى. وكلاهما صحيحٌ . والله أعلم ؛ قاله الفاسي. ( ◌ِي الجَنَّةِ ) هي دارُ الثَّواب في الآخِرة . (اللَّهُمَّ)؛ أي: يا الله (صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ)؛ أي : ارحَمْهُ رَحمةً مقرونةً بالتَّعظيم ، ( وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ) هم: بنو هاشم وبنو المطّلب عند الشَّافعي. ويَحتَمِل أنّه أراد بـ((آله)) كلَّ تَقيٍّ ، كما اختاره جماعةٌ من العلماء ، وقيل: إنّ آلَه جميعُ أمَّته . وفي إعادة كلمة ((على)) ردّ على الشِّيعة في قولهم ((إِنّ جمعَ الآلِ مع النَّبيّ ◌َِله في الصَّلاة بكلمة - على - لا يجوز، ويجب تَرك الفَصْل بينَه وبين آله)) ؟! وينقلون في ذلك حديثاً لا يصحُّ . ٣٠٤ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِیمَ ، ( وَبَارِكْ) أَي : أَفِضْ بَرَكاتِ الدِّين والدُّنيا ، أو أَدِمِ ما أَعطيتَ من التَّشريف ؛ والكرامةِ والبَرَكَةِ ، وكَثْرةِ الخير والكرامة ، ونماتُهما ، والزّيادة منهما . أو هي : الثَّباتُ على ذلك ، أو هي : التَّطهير والتَّزكية من المعائِب ، أَو هي : الزِّيادة في الدّين والذُّريّة (عَلَىْ مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ . كَمَا) - الكاف للتّشبيه، وقيل: للتعليل. و((ما)): مصدريَّة ؛ أو موصولة - ( صَلَّيْتَ ) جملة هي صلة الموصول ، فلا محلَّ لها . (وَبَارَكْتَ ) معطوف على ((صلّيت)) (عَلَى إِبْرَاهِيْمَ) الخليلِ عليه الصّلاة والسّلام بالتَّشبيه بإبراهيم عليه السلام . وهنا سؤالٌ يُورِدُه العلماء قديماً وحديثاً . وهي : أنَّ القاعدة أَنّ المُشَبَّه بالشَّيءٍ أَعلىْ رُتْبَةً أن يكون مثلَه ، وقد يكون أدنى ، وأما أعلى! فلا يكون . ومن المعلوم المقرَّر في القواعد : أنّ نبيّنا محمّداً ◌َِّ أفضَلُ من إِبراهيمَ عليه السلام ، فكيف يُخْرَج عن ظاهرِ هذه الصِّيغة الواردة في الحديث على القاعدة المقرَّرَة !؟ وقد أجابوا عن ذلك بأجوبةٍ كثيرةٍ ؛ نذكر منها ما رأيناه أقربَ . منها أنّه : إنّما قيل ذلك لتقدُّم الصَّلاة على إبراهيم عليه السلام ، وقولِ الملائكة [هود]، أي : كما في بيته: ﴿رَحْمَتُ اَللَّهِ وَبَرَّكَتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِّ إِنَّهُ حَمِيدٌ تَجِدٌ تقدَّمت منكَ الصَّلاةُ على إبراهيم عليه السلام ، فنسأل منكَ الصَّلاةَ على محمَّدٍ عليه الصلاة والسلام بطريق الأَوْلى، لأنّ الّذي ثَبتَ للفاضل ثَبَتَ للأَفضلِ ؛ بطريق الأَوْلىُ، ولذلك خَتَم بما ختَم الآية؛ وهو قولُه: ((إنّك حَميدٌ مَجيدٌ )). والتَّشبيه إنّما هو الأصلِ الصَّلاة بأصلِ الصَّلاة ؛ لا للقَدْر بالقَدْر . فهو كقوله تعالى ﴿﴿ إِنَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كُمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ [١٦٣ / النساء]، وقوله تعالى ﴿كُتِبَ ٣٠٥ عَلَيْكُمُ الصِيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [١٨٣/ البقرة]، وقوله تعالى ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ﴾ [٧٧ / القصص]. ومنها أنّه قال ذلك تواضُعاً وشِرْعةً لأُمَّتِهِ ؛ ليكتَسِبوا به الفضيلةَ والثَّوابَ . ومنها أنَّ الدُّعاءَ للاستقبال، فما كان من خير قد أُعطِيَه النَّبِيُّ وَّهِ قَبْلَ الدُّعاء لمْ يقَع في التَّشبيه ، وإنّما وَقَع في التَّشبيهِ الزائِدُ على ما كان عنده ، فطَلَب أن يكون له مِثْلُ ما كان لإبراهيمَ ؛ زيادةً على ما خصَّه الله تعالى به قبل السُّؤال . ومنها دَفْعُ المُقَدِّمةِ المذكورة أَوَّلاً؛ وهي: أَنَّ المُشبَّه به يكون أرفَعَ من المُشْبَّه ؛ بأنّ ذلك ليسٍ مُطَّرِداً ؟! بل قد يكون التَّشبيه بالمِثْل ؛ بل بالدُّون !! كما في قوله تعالى ﴿ مَثَلُ نُورِهِ، كَمِشْكَوْمٍ﴾ [٣٥/ النوراً، وأَين يَعُ نورُ المِشكاةِ من نورِه تعالى!؟ ولكن لمّا كان المُرادُ من المُشبَّه به أن يكون شيئاً ظاهراً واضحاً للسّامع ؛ حَسُنَ تشبيه النُّور بالمِشكاة ، وكذا هنا : لمّا كان تعظيمُ إبراهيمَ عليه السلام وآلِ إبراهيمَ بالصّلاة عليهم واضحاً مشهوراً عند جميع الطَّوائف؛ حَسُنَ أن يُطْلَب لمحمَّدٍ وآلِ محمَّدٍ . بالصّلاة عليهم مثْلُ ما حصل لإبراهيم عليه السلام وآل إبراهيم عليه السلام . . ويُؤَيِّدَ ذلك خَتْمِ الطَّلَب المذكور بقوله : في العالَمين ؛ كمّا جاء في رواية الصَّلاة الإبراهيميّة ، أي : كما أظهَرتَ الصّلاة علىُ إبراهيمَ ، وعلى آل إبراهيمَ في العالمين . فالتَّشبيه المذكورُ ليس من باب إِلْحاقِ النَّاقص بالكامل ، لكن من إلحاقٍ ما لم يشتَهِر بما اشتَهرَ . وقالوا أيضاً ؛ في خصوص التَّشبيه بإبراهيمَ دونَ غيره من الأنبياء - على جميعهم الصَّلاة والسّلام -: إِنّ ذلك لأُبُوَّتِه ، فكان أقرب إليه من غيره . ولأن التَّشبيه بالآباء والفضائِل مرغوبٌ فيه ، ولرِفعةِ شأنه في الرُّسل عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولِما هو معروفٌ لهم في هذه المِلَّة الشَّريفة ؛ ممّا لا يحتاجُ إلى تعريفٍ به ، ولا بيانٍ له ؛ الّذي منه موافَقَتُه في مُعالِم المِلَّة . وكأنَّ هذا يُلاحِظُ قولَه تعالى ﴿قِلَّةَ أَبِيَكُمْ إَِّهِيمٌ﴾ [٧٨/ الحج]. ٣٠٦ ء إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ . يَا أَيُّهَا النَّاسُ؛ إِنَّهُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّداً .. فَإِنَّ مُحَمَّداً قَدْ مَاتَ ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ . . فَإِنَّ اللّهَ حَيٌّ لَمْ يَمُتْ ، وَإِنَّ اللهَ قَدْ تَقَدَّمَ إِلَيْكُمْ فِي أَمْرِهِ فَلاَ تَدَعُوهُ ولَّه ◌َِّ أراد أنْ يَبْقَى ذلك كلُّه إلى يوم الدِّين، ويَجعَلَ له به لسانَ صِدْقٍ في الآخرين ، كما جعَلَهُ لإبراهيمَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ ؛ مقروناً بما وَهب الله تعالى له ﴿ ﴿ من ذلك، ولمشاركته له في التأذين بالحجِّ وإجابة لدعائه بقوله ﴿وَأَجْعَل ◌ِّى ﴾ [الشعراء]، ولأنه وَالله أمر بالاقتداء به . ٨٤ لِسَانَ صِدْقٍ فِ اَلْأَخِرِينَ وَمِمَّا يُعزى للشيخ أبي محمد المرجاني أنّه قال : سرُّ التشبيه بإِبراهيمَ ؛ دون موسى عليهما السَّلام !! لأنه كان التجلّ له بالجلالِ ؛ فخَرَّ موسىُ صَعِقاً ، والخليل إبراهيمُ كان التجلي له بالجمالِ ، لأنَّ المحبَّةَ والخُلَّةَ من آثار التجلِّي بالجمال ، فأمرهم وَ ل﴿ أن يصلُّوا عليه كما صلى على إبراهيم، ليسألوا له التجلّي بالجمال؛ لا التسوية فيه ، فيتجلَّى لكل منهما بحسب مقامه ورتبته عنده . ( إِنَّكَ حَمِيْدٌ ) ؛ فعيل بمعنى مفعول، لأنَّ حَمِدَ نفسه وَحَمِدَهُ عبادُهُ . أو بمعنى فاعل ، لأنه الحامد لنفسه ؛ ولأعمال الطَّاعاتِ من عباده . 1 1 : ۔۔ ( مَجِيْدٌ ) من المجد ؛ وهو الشرف والرفعة وكرم الذات والفعال التي منها كثرة الأفضال ، والمعنى إنّكَ أَهْلُ الحمدِ والفعلِ الجميلِ والكرم والإفضال ؛ فأعْطِنا سُؤْلَنَا ولا تُخَيِّبْ رجاءنا . ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ ؛ إِنَّهُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّداً ؛ فَإِنَّ مُحَمَّداً قَدْمَاتَ ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ؛ فَإِنَّ اللهَ حَيٌّ لَمْ يَمُتْ ، وَإِنَّ اللهَ تَقَدَّمَ إِلَيْكُمْ فِي أَمْرِهِ ) ، أي : قدّم لكم في كلامه إذ قال ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرِ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَّ﴾ [٣٤/ الأنبياء]، ( فَلا تَدَعُوْهُ) : تتركوا العمل به ٣٠٧ --- جَزَعاً ، فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدِ اخْتَارَ لِنِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا عِنْدَهُ عَلَى مَا عِنْدَكُمْ، وَقَبَضَهُ إِلَى ثَوَابِهِ ، وَخَلَّفَ فِيكُمْ كِتَابَهُ وَسُنَّةً نَبِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَنْ أَخَذَ بِهِمَا .. عَرَفَ، وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا .. أَنْكَرَ . يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: ١٣٥]. وَلا يَشْغَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ بِمَوْتِ نِّكُمْ ، وَلاَ يَفْتِنَّكُمْ عَنْ دِينِكُمْ ، وَعَاجِلُوا الشَّيْطَانَ بِالخَيْرِ تُعْجِزُوهُ، وَلاَ تَسْتَنْظِرُوهُ فَيَلْحَقَ بِكُمْ وَيَفْتِنكُمْ. ( جَزَعاً ) ؛ لأجْل الجزع ، أي : شدَّةِ الحزنِ الذي أصابكم بموته . ﴿فَإِنَّ اللّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدِ أَخْتَرَ لِنَبِِّ نَّهِ مَا عِنْدَهُ) مِن الكرامة في الآخرة ؛ ( عَلَى مَا عِنْدَكُمْ) من متاع الحياة الدنيا ، ( وقَبَضَهُ إِلَى ثَوَابِهِ ) وجَّه ؛ بعد أن ترككم على المحجَّة البيضاء . ( وَخَلَّفَ فِيَكُمْ كِتَابَهُ) القرآن، (وَسُنََّ نَبِِّ ◌ََّ) ؛ أي : جعلهما يَخْلُفانه في استفادة الأحكام الشرعية فتمسّكوا بهما ، ( فَمَنْ أَخَذَ ) ؛ أي : تمسَّك ( بِهِمَا) ؛ أي : الكتاب والسنَّةَ وعمل بما فيهما (عَرَفَ) ؛ أي : فعل أمراً معروفاً في الشرع وصار من العارفين. (وَمَنْ فَرَّقَ بَيْتَهُمَا أَنْكَرَ ) أي: أتى أمراً منكراً، لأن السنة بيانٌ للكتاب ، فهما متلازمان في تطبيق الأحكام الشرعية لا تناقض بينهما ولا تخالف . ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُوا قَوَِّمِينَ﴾ ) ؛ أي مديمين القيام (﴿يِاَلْقِسْطِ﴾ ) [١٣٥/ النساء]: بالعدل، فمن عدل مرة أو مرتين لا يكون قوَّاماً . ( وَلا يَشْغَلَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ بِمَوْتِ نَبِيِّكُمْ) عن الاستقامة على الحقِّ ، ( وَلاَ يَفْتِنَّكُمْ) الشيطان بالرجوع ( عَنْ دِيْنِكُمْ، وَعَاجِلُوْا الشَّيْطَانَ بِالخَيْرِ ) ؛ أي : تحصنوا منه بعمل الخير ( تُعْجِزُوْهُ) ؛ أي: يندفع عنكم، ( ولا تَسْتَنَّظِرُؤْهُ) : تُمْهِلوه حتى يتمكَّن منكم ( فَيَلْحَقَ بِكُمْ وَيَفْتِنَكُمْ ) . رواه بطوله سيف بن عمر التميمي في كتاب (( الفتوح )) له ؛ عن عمرو بن تمام ؛ عن أبيه ؛ عن القعقاع . ٣٠٨ وَقَالَ أَبْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا فَرَغَ أَبُو بَكْرٍ مِنْ خُطْبَتِهِ .. قَالَ : يَا عُمَرُ ؛ أَنْتَ الَّذِي بَلَغَنِي أَنَّكَ تَقُولُ: ( مَا مَاتَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟! ) أَمَا تَرَى أَنَّ نَبِيَّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَوْمَ كَذَا : كَذَا وَكَذَا ، وَيَوْمَ كَذَا : كَذَا وَكَذَا، وَقَالَ اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ : إِنَّكَ مَّيْتٌ وَإِنَّهُمْ قَبُِّونَ﴾ [الزمر: ٣٠]. فَقَالَ: وَاَللهِ؛ لَكَأَنِّي لَمْ أَسْمَعْ بِهَا فِي كِتَابِ اللهِ قَبْلَ أَلْآنَ لِمَا نَزَلَ بِنَا، أَشْهَدُ أَنَّ الْكِتَابَ كَمَا نَزَلَ ، وَأَنَّ الْحَدِيثَ كَمَا حَدَّثَ، وَأَنَّ اللّهَ حَيٌّ لاَ يَمُوتُ ، قال ابن أبي حاتم : سيف متروك . وأخرجه ابن السَّكّن من طريق إبراهيم بن سعد ؛ عن سيف بن عمر ؛ عن عمرو عن أبيه . وقال : سيف بن عمر ضعيف . قلت : هو من رجال الترمذي ! وهو ؛ وإن كان ضعيفاً في الحديث ؛ فهو عمدة في التاريخ مقبولُ النقل؛ قاله في (( شرح الإِحياء )). ( وَ) في ((الإحياء)) للغزالي: ( قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ) رضي الله تعالى عنهما (: لَمَّا فَرَغَ أَبُو بَكْرٍ مِنْ خُطْبَتِهِ؛ قَالَ: يَا عُمَرُ؛ أَنْتَ الَّذِي بَلَغَنِيْ) عنك ( أَنَّكَ تَقُوْلُ: مَا مَاتَ نَبِيُّ اَللهِ وَِّ !! أَمَا تَرَى [ أَنَّ ] نَبِيَّ اللهِنَّهِ قَالَ يَوْمَ كَذَا: كَذَا وَكَذَا ، وَيَوْمَ كَذَا : كَذَا وَكَذَا !! وَقَالَ اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ ﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم ◌َّيِّتُونَ [الزمر]) . فأخبر بأنه سيموت فكيف تنكره ؟ !!. ( فَقَالَ) أَي : عمر رضي الله عنه (: وَاللهِ؛ لَكَأَنِّيْ لَمْ أَسْمَعْ بِهَا !! ) ؛ أي: هذه الآية ( فِي كِتَبِ اللّهِ قَبْلَ الآنَ لِمَا نَزَلَ بِنَا) من الدَّهشة والحيرة بوفاة رسول الله الجو . ( أَشْهَدُ أَنَّ الِكِتَابَ كَمَا نَزَلَ ، وَأَنَّ الحَديْثَ كَمَا حَدَّثَ، وأَنَّ اللهَ حَيٌّ لا يَمُوْتُ ، ٣٠٩ إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَصَلَوَاتُ اللهِ عَلَى رَسُولِهِ، وَعِنْدَ اللهِ نَحْتَسِبُ رَسُولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ثُمَّ جَلَسَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ . إِنَّا للهِ ) ملكاً وعبيداً ؛ يفعل بنا ما يشاء. ( وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُوْنَ ) في الآخرة فيجازينا . (وَصَلَوَاتُ اللهِ) تعالى متابعةٌ (عَلَى رَسُوْلِهِ) وَّهِ، (وَعِنْدَ اللهِ نَحْتَسِبُ رَسُوْلَهُ وَ، ثُمَّ جَلَسَ إِلَىْ أَبِي بَكْرٍ ) الصديق . ثم رجع عمر عن مقالته التي قالها ؛ كما ذكره أبو نصر : عبد الله الوائلي ؛ في كتاب ((الإبانة))؛ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: (( أنه سمع عمر بن الخطاب حین بویع أبو بكرٍ في مسجد رسول الله ێ واستوى على منبره ؛ تشهَّد عمر ثم قال : أمّا بعد ؛ فَإِنِّي قُلْتُ لَكُمْ أَمْسٍ مَقَالَةً، وإِنَّهَا لَمْ تَكُنْ كَمَا قُلْتُ ، وَإِنِّي وَاللهِ ، مَا وَجَدْتُ المَقَالَةَ الَّتِي قُلْتُ لَكُمْ فِي كِتَابِ اللهِ؛ وَلاَ فِي عَهْدٍ عَهِدَ لِي رَسُولُ اللهِوَِّ؛ وَلَكِنِّي كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَعِيشَ رَسُولُ اللهِ وَِّ حَتَّى يُدْبِرَنا - أَيْ: يَكُونَ آخِرَنَا مَوْتاً - فَاخْتَارَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لِرَسُولِهِ الَّذِي عِنْدَهُ عَلَى الَّذِي عِنْدَكُمْ. وهذا الكتاب الَّذي هدى الله به رسوله؛ فخذوا به تهتدوا لما هُدِيَ له رسولُ الله وَّهِ . انتهى. وفي آخر هذا الخبر عند ابن إسحاق : فَبَايَعَ النَّاسُ أَبَا بَكْرِ البَيْعَةَ العَامَّةَ بَعْدَ بَيْعَةِ السّقِيفَةِ، ثُمَّ تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ)) ... الحديث؛ قال أبو نصر الوائلي : المقالة التي قالها عمر ثم رجع عنها هي قوله ((إنَّ النَّبِيَّ وَِّلَمْ يَمُتْ وَلَنْ يَمُوتَ حَتَّى يَقْطَعَ أَيْدِيَ وَأَرْجَلَ رِجَالٍ مِنَ المُنَافِقِينَ)) . وَكَانَ ذلك لعظيم ما ورد عليه ، وخشي الفتنة وظهور المنافقين . فلما شاهد عمر قوّة یقین الصدِّيق الأَكبر، وتفؤُّهه بقول الله عز وجل ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَابِقَةُ الْوَّتِ﴾ [١٨٥/ آل عمران]. وقوله : ﴿ إِنَّكَ مَيِّتُ وَإِنَّهُم ◌َّيِّتُونَ﴾ [٣٠/ الزمر]، وخرج الناس يتلونها في سكك المدينة المنوّرة ؛ كَأَنَّها لم تنزل قطُّ إلاَّ ذلك اليوم ؛ رجع عن تلك المقالة ، والله أعلم . ٣١٠ قال في ((المواهب)): ولما تحقَّق عمر بن الخطاب موته وق له بقول أبي بكر الصديق ، ورجع إلى قوله ؛ قال عمر وهو يبكي : بأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ ؛ لَقَدْ كَانَ لَكَ جِذْعٌ تَخْطُبُ النَّاسَ عَلَيْهِ ، فَلَمَّا كَثُرُوا وَاتَّخَذْتَ مِنْبَراً لِتُسْمِعَهُمْ فَحَنَّ الجِذْعُ لِفِرَاقِكَ ؛ حَتَّى جَعَلْتَ يَدَكَ عَلَيْهِ فَسَكَنَ ، فَأُمَّتُكَ أَوْلَى بِالحَنِينِ عَلَيْكَ حِينَ فَارَقْتَهُمْ . بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ ؛ لَقَدْ بَلَغَ مِنْ فَضِيلَتِكَ عِنْدَ رَبِّكَ أَنْ جَعَلَ طَاعَتَكَ طَاعَتَهُ، فَقَالَ ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهُ﴾ [٨٠/ النساء]. بِأَبِ أَنْتَ وَأَمّي يَا رَسُولَ اللهِ؛ لَقَدْ بَلَغَ مِنْ فَضِيلَتِكَ عِنْدَهُ أَنْ بَعَثَكَ آخِرَ الأَنْبِيَاءِ ، وَذَكَرَكَ فِي أَوْلِهِمْ؛ فَقَالَ تَعَالى ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّيْنَ مِثَقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُوِجَ ﴾ [٧ / الأحزاب] . بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ؛ لَقَدْ بَلَغَ مِنْ فَضِيلَتِكَ عِنْدَهُ أَنَّ أَهْلَ النَّارِ يَوَذُّونَ أَنْ يَكُونُوا أَطَاعُوكَ وَهُمْ بَيْنَ أَطْبَاقِهَا يُعَذَّبُونَ، يَقُولُونَ: يَا لَيْتَنَ أَطَعْنَاَ اللهَ وَأَطَعْنَاَ الرَّسُولَ . بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ ؛ لَئِنْ كَانَ مُوسىُ بْنُ عِمْرَانَ أَعْطَاهُ اللهِ حَجَراً تَنْفَجِرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ ، فَمَا ذَاكَ بِأَعْجَبَ مِن أَصَابِعِكَ حِيْنَ نَبَعَ مِنْهَا المَاءُ؛ صَلَّى اللهُ عَلَيْكَ . بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ ؛ لَئِنْ كَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ أَعْطَاهُ اللهُ رِيحاً غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ، فَمَا ذَاكَ بِأَعْجَبَ مِنَ الْبُرَاقِ حِينَ سَرَيْتَ عَلَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ ؛ ثُمَّ صَلَّيْتَ الصُّبْحَ مِنْ لَيْلَتِكَ بِالأَبْطَحِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْكَ. بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ؛ لَئِنْ كَانَ عِيْسَى بْنُ مَرْيَمَ أَعْطَاهُ اللهُ تعالىُ إِحْيَاءَ المَوْتَى، فَمَا ذَاكَ بِأَعْجَبَ مِنَ الشَّاةِ المَسْمُومَةِ حِينَ كَلَّمَتْكَ وَهِيَ مَسْمُومَةٌ ؛ فَقَالَتْ : لاَ تَأْكُلْنِ ؛ فَإِنِّي مَسْمُومَةٌ . بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ؛ لَقَدْ دَعَا نُوحٌ علىْ قَوْمِهِ ؛ فَقَالَ: رَبّ لاَ تَذَرْ عَلَىُ ٣١١ وَقَالَتْ عَائِشةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: لَمَّا أَجْتَمَعُوا لِغَسْلِهِ .. قَالُوا: وَاللهِ مَا نَذْرِي كَيْفَ نُغَسِّلُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ أَنْجَرِّدُهُ عَنْ ثِيَابِهِ كَمَا نَصْنَعُ بِمَوْتَانَا ، أَمْ نُغَسِّلُهُ فِي ثِيَابِهِ ؟ قَالَتْ: فَأَرْسَلَ اللهُ عَلَيْهِمُ النَّوْمَ حَتَّى مَا بَقِيَ مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلاَّ وَاضِعٌ لِحْيَتَهُ عَلَى صَدْرِهِ نَائِماً، ثُمَّ قَالَ قَائِلٌ لاَ يُدْرَىُ مَنْ هُوَ : غَسِّلُوا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ ؛ فَأَنْتُبَهُوا ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، الأَرْضِ مِنَ الكَافِرِينَ دَيَّاراً. وَلَوْ دَعَوْتَ مِثْلَهَا عَلَيْنَ لَهَلَكْنَا عَنْ آخِرِنَا، فَلَقَدْ وُطِىءَ ظَهْرُكَ، وَأُدْمِيَ وَجْهُكَ، وَكُسِرَتْ رَبَاعِيْتُّكَ؛ فَأَبَيْتَ أَنْ تَقُولَ إِلَّ خَيْراً، فَقُلْتَ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ . بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي ◌َا رَسُولَ اللهِ ؛ لَقَدْ اتَّبَعَكَ فِي أَحْدَاثِ سِنَّكَ وَقِصَرٍ عُمُرِكَ مَا لَمْ يَتَبَعْ نُوحاً فِي كِبَرِ سِنَّهِ وَطُولٍ عُمُرِهِ ، فَلَقَدْ آمَنَ بِكَ الكَثِيرُ؛ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّ قَلِيلٌ . بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ؛ لَوْ لَمْ تُجَالِسْ إِلاَّ كُفْواً لَكَ مَا جَالَسْتَنَا، وَلَوْ لَمْ تَنْكِحْ إِلَّ كُفْواً لَكَ مَا نَّكَحْتَ إِلَيْنَا، وَلَوْ لَمْ تُؤْاكِلْ إِلَّ كُفْواً مَا آكَلْتَنَا؛ وَلَبِسْتَ الصُّوفَ، وَرَكِبْتَ الحَمِيرَ، وَوَضَعْتَ طَعَامَكَ بِالأَرْضِ، وَلَعَقْتَ أَصَابِعَكَ ؛ تَوَاضُعاً مِنْكَ، صَلَّى اللهُ عَلَيْكَ. انتهى. الحديث بطوله وتتمته من (( المدخل )) لابن الحاج المالكي رحمه الله تعالى . ( وَقَالتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا) - فيما رواه البيهقي في (( دلائل النبوة)) -: (لَمَّا أَجْتَمَعُوا لِغَسْلِهِ) وَلِّ؛ (قَالُوْا: وَاللّهِ مَا نَذْرِيْ كَيْفَ نُغَسِّلُ رَسُوْلَ اللهِنَّهِ، أَنْجَرِّدُهُ عَنْ ثِيَابِهِ كَمَا نَصْنَعُ بِمَوْتَانَا، أَمْ نُفَسِّلُهُ فِي ثِيَابِهِ ؟ ! . قَالَتْ: فَأَرْسَلَ اللهُ)؛ أي : أَلقىُ (عَلَيْهِمُ النَّوْمَ حَتَّى مَا بَقِيَ مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلاَّ وَاضِعٌ لِحْيَهُ عَلَى صَدْرِهِ نَائِماً . ثُمَّ قَالَ قَائِلٌ ) أيْ : كلَّمهم مُكَلِّمٌ من ناحية البيت؛ ( لاَ يُذْرَى مَنْ هُوَ : غَسَلُوْا رَسُوْلَ اللهِنَّهِ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ ؛ فَأَنْتَبَهُوْا) من النوم ( فَفَعَلُوْا ذَلِكَ . ٣١٢ فَغُسِّلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَمِيصِهِ ؛ حَتَّى إِذَا فَرَغُوا مِنْ غَسْلِهِ .. كُفْنَ. وَقَالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ الهُ وَجْهَهُ: أَرَدْنَا خَلْعَ قَمِيصِهِ فَنُودِينَاَ: لاَ تَخْلَعُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثِيَابَهُ ، فَأَقْرَرْنَاهُ ، فَغَسَّلْنَهُ فِي قَمِيصِهِ كَمَا نُفَسِّلُ مَوْتَانَا مُسْتَلْقِياً، مَا نَشَاءُ أَنْ يُقْلَبَ لَنَا مِنْهُ عُضْوٌ لَمْ يُبَلَغْ فِيهِ .. إِلَّ قُلِبَ لَنَا حَتَّى نَفْرُغَ مِنْهُ ، وَإِنَّ مَعَنَا لَحَفِيفاً فِي أَلْبَيْتِ كَالرِّيحِ الرُّخَاءِ، وَيُصَوِّتُ بِنَاَ: أُرْفُقُوا بِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَإِنَّكُمْ سَتُكْفَوْنَ . فَغُسِّلَ رَسُولُ اللهِنَّهِفِي قَمِيْصِهِ)؛ يضعون الماء فوق القميص ويدلكونَه بالقميص، (حَتَّى إِذَا فَرَغُوْا مِنْ غَسْلِهِ كُفِّنَ ) ؛ أي: في ثلاثةِ أَثْوابٍ بيض سَحُولِيَّةٍ ، ليس فيها قميص ولا عمامة. قال البيهقي في (( الخلافيات)) : قال أبو عبد الله - يعني الحاكم -: تواترت الأخبار عن علي وابنٍ عبّاس وعائشة وابن عمر وجابر وعبد الله بن مغفل ؛ في تكفينِ النَّبي ◌َل# في ثلاثة أثواب ؛ ليس فيها قميص ولا عمامة . انتهى . ( وَ) في ((الإِحياء)): (قَالَ عَليَّ ((كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ))) - تقدم الكلام قريباً على الحكمة في تخصيص علي بن أبي طالب رضي الله عنه بقولهم (( كرم الله وجهه )) (: أَرَدْنَا خَلْعَ قَمِيْصِهِ ) حال الغسل ( فَنُوْدِيْنَا) من ناحية البيت : (لاَ تَخْلَعُوْا عَنْ رَسُوْلِ اللهِنَّهِ ثِيَابَهُ، فَأَقْرَرْنَاهُ) ، أي: لم نجرِّدْه عن القميص، (فَغَسَلْنَاهُ فِي قَمِيْصِهِ كَمَا نُفَسِّلُ مَوْتَانا مُسْتَلْقِياً، مَا نَشَاءُ أَنْ يُقْلَبَ لَنَا مِنْهُ عُضْوٌ لَمْ يُبَالَغْ فِيهِ ؛ إِلاَّ قُلِبَ لَنَا) بسهولة ( حَتَّى نَفْرُغَ مِنْهُ) . ثمَّ عند تكفينه نُزع منه ذلك القميصُ الذي غُسِّل فيه، ( وَإِنَّ مَعَنَا لَحَفِيْقَاً ) ؛ أَي : شيئاً خفيفاً ( فِي البَيْتِ كَالرِّبْحِ الرُّخَاءِ) - بضم الرَّاء -: الريح اللينة ؛ قاله في ((القاموس))، وفي ((الأساس)): هي طيبة الهُبُوب؛ (وَيُصَوَّتُ) ذلك الشيء الخفيف الشبيهُ بالريح الرُّخاء ( بِنَا ) ؛ أي: يكلِّمُنا بصوت مسموع قائلاً: ( أَرْفُقُوْا بِرَسُوْلِ اللهِوَِّ؛ فَإِنَّكُمْ سَتُكْفَوْنَ) قال في ((شرح الإِحياء)): وقد صح أنه غسل وَّل ٣١٣ فَهَكَذَا كَانَتْ وَفَاةُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَمْ يَتْرُكْ سَبَداً وَلاَ لَبَداً إِلاَّ دُفِنَ مَعَهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فُرِشَ لَحْدُهُ بِمِفْرَشِهِ وَقَطِيفَتِهِ ، وَفُرِشَتْ ثِيَابُهُ الَّتِي كَانَ يَلْبَسُ يَقْطَانَ عَلَى الْقَطِيفَةِ وَالْمِفْرَشِ، ثُمَّ وُضِعَ عَلَيْهَا فِي أَكْفَانِهِ . ثلاث غسلات: الأولى بالماء القراح، والثانية بالماء والسدر ، والثالثة بالماء والكافور؛ وغسله عليٍّ، والعبَّاسُ وابنُهُ الفَضْلُ يعينانه؛ وَقُثَمُ وأُسَامَةُ وشقران ((مَوْلاهِ)) يصبُّون الماء ؛ وأعينهم معصوبة من وراء السُّترِ، لحديث علي: ((لا يُغَسِّلُنِي إِلاَّ أَنْتَ ، فَإِنَّهُ لاَ يَرَى أَحَدٌ عَوْرَتِي إِلَّ طُمِسَتْ عَيْنَهُ)) . رواه البزار والبيهقي . ( فَهَكَذَا كَانَتْ وَفَاةُ رَسُوْلِ اللهِنَّهِ، وَلَمْ يَتْرُكْ سَبَداً) ؛ السَّبَدُ - بفتحتين -: القليل من الشَّعر ؛ (وَلاَ لَبَداً) اللَّبَدُ - بفتحتين -: الصوف، ومن ذلك قولهم (( فلان ما له سَبَدٌ وَلاَ لَبَدٌ))؛ محركان، أي: لا قليل ولا كثير ؛ وهذا قول الأَصْمَعِي ، وهو مجاز؛ أي لا شيء له، وفي « اللِّسان))، أي : ماله ذو وبر ولا صوف متلبِّد ، يُكَنَّى بهما عَنِ الإِبل والغنم . وكان مال العرب الخيلَ ، والإِبل ، والغنم ، والبقر ، فدخلت كلُّها في هذا المثل ؛ وقوله : ( إِلاَّ دُفِنَ مَعَهُ) . كذا في (( الإِحياء)) ، ولم يتكلَّم عليه شارحه بشيء !! ( قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ ) محمد الباقر بن علي ((زين العابدين)) بن الحسين (( السِّبط )) بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم (: فُرِشَ لَحْدُهُ بِمِفْرَشِهِ وَقَطِيفَتِهِ ) - بفتح القاف وكسر الطاء المهملة وسكون التَّحْتِيَّةِ ففاءُ ـ: كساءٌ له خمل ؛ أي: أَهداب: أطراف. فرشها شقران ((مولاه ◌َ ﴿))، وقال: ((وَاللهِ لاَ يَلْبَسُهَا أَحَدٌ بَعْدَكَ)) ؛ وهي النجرانيَّة الحمراءُ التي كان يتغطَّى بها ويجلس عليها . ( وَفُرِشَتْ ثِيَابُهُ الَّتِي كَانَ) وَهِ (يَلْبَسُ) وهو ( يَقْطَانُ ) ؛ أي : في حال حياته (عَلَىُ القَطِيْفَةِ وَالمِفْرَشِ ) أي: فوقهما، ( ثُمَّ وُضِعَ عَلَيْهَا) ؛ أي : على القطيفة والمِفرش والثياب ، وهو ملفوف ( فِي أَكْفَائِهِ ) . ٣١٤ لكن حديث عُرْوَةَ؛ عن عائشةَ رضي الله تعالىُ عنها قالت: ((كُفُّنَ بِّهِ فِي ثَلاَثَةِ أَثْوَابٍ سَحُولِيَّةٍ بِيْضٍ)) ... الذي أخرجه النَّسائي ؛ من رواية عبد الرزاق ؛ عن معمر ؛ عن الزهري ؛ عن عروة ؛ واتفق عليه الأئمة السِّتة من طريق : هشام بن عروة؛ عن أبيه ، عن عائشةَ بزيادة: ((مِنْ كُرْسُفٍ، لَيْسَ فيها قَمِيصٌ وَلاَ عِمَامَةٌ))، وليس قوله ((مِنْ كُرْسُفْ)) عند الترمذي، ولا ابن ماجه . زاد مسلم : أَمَّا الُلَّةُ! فَإِنَّمَا تُشْبِهُ عَلى النَّاسِ ؛ إِنَّها اشْتُرِبَتْ لَهُ لِيُكَفَّنَ فِيهَا، فَتُرِكَتِ الحُلَّةُ وَكُفِّنَ فِي ثَلاَثَةِ أَثْوَابٍ بِيْضٍ سَحُولِيَّةٍ ، فَأَخَذَهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الصِّديق؛ فَقَالَ: لأَحْبِسَنَّهَا حَتّى أُكَفِّنَ فِيهَا نَفْسِي، ثُمَّ قَالَ: لَوْ رَضِيَهَا اللهُ لِنَبِّهِ لَكَفَّنَهُ فِيهَا !! فَبَاعَهَا، فَتَصَدَّقَ بِثَمَنِهَا . هذا الحديث فيه دلالة ظاهرة على أنَّ القميص الذي غسل فيه النبي بَّ نزع عنه عند تكفينه ؛ قال النَّووي في (( شرح مسلم)): وهذا هو الصَّواب الذي لا يتَّجه غيره ، لأَنَّه لو أُبقي مع رطوبته ؛ لأَفسد الأكفان !! قال: وأمَّا الحديث الذي في ((سنن أبي داود))؛ عن ابن عباس: أَنَّ النَّبِيَّ وَل كُفِّنَ فِي ثَلاَثَةِ أَثْوابٍ وَقَمِيصِهِ الّذِي تُؤُفِّيَ فِيهِ !! فضعيفٌ؛ لا يصحُّ الاحتجاج به ، لأنَّ يزيد بن زياد - أحد رواته - مجمع على ضعفه ، لا سيما وقد خالف بروايته الثَّقات . انتهى . كما أنَّ حديث عائشة المذكور يدلُّ على نفي ما عدا الثَّلاثَةَ الأَثْوَابِ !! قال الترمذي: رُوي في كفن النبي ◌ِ ◌ّهِ رواياتٌ مختلفةٌ؛ وحديث عائشةَ أُصُ الأَحاديثِ في ذلك ، والعملُ عليهِ عِنْدَ أَكْثر أهل العلم من الصحابة وغيرهم . انتھی . ونقل الزَّين المراغي في ((تحقيق النصرة))؛ عن ابن عبد البر أنَّه قال: أُخْرِجَتْ ٣١٥ - يعني : القطيفة - من القبر لما فرغوا من وضع اللَِّنَاتِ التِّسْع؛ حكاه ابنَ زَبالَةٍ(١). قال العراقي في (( أَلفيَّة السيرة)): وَفُرِشَتْ فِي قَبْرِهِ قَطِيفَةُ وَقِيلَ: أُخْرِجَتْ. وهَذَا أَثْبَتُ وحفر أبو طلحةَ لحدَ رسول الله ◌َ ليل في موضع فراشه حيث قبض . وقد اخْتُلِفَ فيمن أَدْخَله قبره !! وأَصخُ ما رُوي أنه نزل في قبره عَمُّه العبّاس ، وعلي، وقثمُ بن العبّاس؛ وكان آخرَ الناس عهداً برسول الله وَّهِ قثمُ بن العَّاس؛ أي : أنّه تأخّر حتى خرجوا قبله ؛ وروي أنَّه وُضِعَ في قبره تِسعُ لَبِنات . قال رزين : وَرُشَّ قَبْرُهُ نَّهِ، رَشَّهُ بلال بن رباح بِقِرْبَة ؛ بدأ من قِبَلِ رأسه ؛ حكاه ابن عساكر ، وَجُعِلَ عليه من حَصْبَاءِ العَرَصَةِ حَمْرَاء ، وَبَيْضَاءِ ، وَرُفِعَ قبره عن الأرض قَدْرَ شِئْرٍ . ولما توفي عليه الصلاة والسلام قالت فاطمة : يَا أَبَتَاهُ ؛ أَجَابَ رَبَّا دَعَاهُ ؛ يَا أَبَتَاهُ؛ مَنْ جَنَّةُ الفِرْدَوْسِ مَأْوَاهُ، يَا أَبَتَاهُ ؛ مَنْ إِلَىْ جِبْرِيلَ نَنْعَاهُ . رواه البخاري؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه من أفراده . زاد الطبراني والإسماعيلي : يَا أَبَتَاهُ؛ مِنْ رَبِّهِ مَا أَدْنَاهُ . قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى : يؤخذ منه أنَّ تِلْكَ الألفاظ إذا كان الميت متَّصفاً أَنَّه لا يمنع ذكره بها بعد موته ، بخلاف ما إذا كانت فيه ظاهراً ؛ وهو في الباطن بخلافه ، أو لا يتحقَّق اتصافه بها ؛ فتدخل في المنع . انتهى . قال البخاريُّ ؛ في حديث أنس المذكور بعد ما سبق : فلمَّا دُفن قالت فاطمة : أَطَابَتْ نُفُوسُكُمْ أَنْ تَحْثُوا عَلَى رَسُولِ اللهِنَّهِ التُّرَابَ !! . (١) كذبوه، مات سنة ٢٠٠، قيل: كنيته أبو الحسن المدني، وهو مخزومي. ( هامش الأصل ) . قلت : وهو محمد بن الحسن ؛ إخباري مشهور . ٣١٦ فَلَمْ يَتْرُكْ بَعْدَ وَفَاتِهِ مَالاً ، وَلاَ بَنَى فِي حَيَاتِهِ لَبِنَّةً عَلَى لَبِنَةٍ ، وَلاَ وَضَعَ قَصَبَةً عَلَىْ قَصَبَةٍ ؛ قال الحافظ : هذا من رواية أنس عن فاطمة ؛ وأشارت بذلك إلى عتابهم على إِقدامهم على ذلك ، لأنه يدلُّ على خلاف ما عرفته منهم من رِقَّة قلوبهم عليه لشدَّة محبّتهم له ؛ وسكت أنس عن جوابها !! رعاية لها ؛ ولسان حاله يقول : لم تَطِبْ أَنْفُسُنَا بذلك ، إلاَّ أَنَّا قُهِرْنا على فعله ! امتثالاً لأمره . انتهى . وأخذتْ فاطمةُ رضي الله عنها من تراب القبر الشريف ، ووضعتها على عينيها وبكت ، ثم أنشأت تقول : أَنْ لاَ يَشَمَّ مَدى الذُّهُورِ غَوَالِیَا مَاذَا عَلَىْ مَنْ شَمَّ تُرْبَةَ أَحْمَدٍ صُبَّتْ عَلَى الأَيَّامِ عُدْنَ لَيَالِيَا صُبَّتْ عَلَيَّ مَصَائِبٌ لَوْ أَنَّهَا وروي أنَّها قالت : شَمْسُ النَّهَارِ وَأَظْلَمَ العَصْرَانِ ◌ِغْبَرَّ آفَاقُ السَّماءِ وَكُوِّرَتْ أَسَفاً عَلَيْهِ كَثِيرَةُ الرَّجَفَانِ وَالأَرْضُ مِنْ بَعْدِ النَّبِيِّ كَئِيبَةٌ وَلْيَبْكِهِ مُضَرٌ وَكُلُّ يَمَانِي فَلْيَيْكِهِ شَرْقُ البِلاَدِ وَغَرْبُهَا وقد عاشت فاطمة بعده و ﴿ ستة أشهر، فما ضحكت تلك المدة !! وحُقَّ لها ذلك . وَإِنْ كَانَ مِنْ لَيْلَى عَلى الهَجْرِ طَاوِيَا عَلىُ مِثْلٍ لَيْلِىُ يَقْتُلُ المَرْءُ نَفْسَهُ ﴿فَلَمْ يَتْرُكْ بَعْدَ وَفَاتِهِ ) وَ (مَالاً، وَلاَ بَنَى فِي حَيَاتِهِ لَبِنَةٌ عَلَىْ لَبِنَّةٍ ، وَلا وَضَعَ قَصَبَةٌ عَلَى قَصَبَةٍ ) . أخرج ابن حبان في ((الثقات))، وأبو نعيم في (( الحلية ))؛ عن الحسن مرسلاً: مَاتَ رَسُولُ اللهِوَهِ وَلَمْ يَضَعْ لَبِنَةً عَلَىْ لَبِنَةٍ ، وَلاَ قَصَبَةً عَلَى قَصَبَةٍ ؛ قاله الحافظ العراقي . ٣١٧ فَفِي وَفَاتِهِ عِبْرَةٌ تَامَّةٌ ، ( فَفِي وَفَاتِهِ عِبْرَةٌ تَامَّةٌ ) للناظرين ، وتبصرة للمستبصرين ؛ إِذ لم يكن أحد أكرمَ على الله منه، إِذ كان خليلَ الله وحبيبَهُ ونَجِيَّهُ ، وكان صفيَّهُ ورسولَهُ ونبيَّهُ ؛ فانظر ، هل أَمْهَلَهُ ساعةً عند انقضاء مدته!؟ وهل أخَّرِه لحظة بعد حضور منيّه !؟ لا؛ بل أَرسل إِليه الملائكة الكرامَ، الموكَّلين بقبض أرواحِ الأنام؛ فَجَدُّوا بروحه الزكية الكريمة لينقلوها ، وعالجوها ليرحلوا بها عن جسده الطاهر إلى رحمة ورضوان ، وخيراتٍ حسان ، بل إلىْ مَفْعَدٍ صِدْقٍ في جوار الرحمن ، فاشتدَّ مع ذلك في النزع كَرْبُهُ ؛ وظهر أنينُهُ، وترادف قلقه؛ وارتفع حنينه ، وتغيَّر لونه وعَرِق جبينُهُ ، واضطربت في الانقباض والانبساط شِماله ويَمينه ، حتى بكى لمصرعه مَن حضره ، وانتحب لشدَّة حاله مَن شاهد منظره ؛ فهل رأيت مَنْصِبَ النُُّوَّة دافعاً عنه مقدوراً !! وهل راقب الملَكُ فيه أهلاً وعشيراً! وهل سامحه إِذ كان للحق نصيراً ؛ وللخلق بشيراً ونذيراً !! ؟ هيهات ؛ بل امتثل ما كان به مأموراً ، واتَّبع ما وجده في اللوح مسطوراً ، فهذا كان حالُه وهو عند الله ذو المقام المحمود ، والحوض المورود ، وهو أوَّلُ مَن تنشقُ عنه الأَرض ، وهو صاحب الشفاعة يوم العرض ، فالعجب أنَّا لا نَعتبر به ، ولسنا على ثقة فيما نلقاه، بل نحن أُسَرَاءُ الشَّهواتِ، وقُرناءُ المعاصي والسَّيِّئَاتِ ، فما بالنا لا نتَّعظ بمصرع محمَّدٍ سِّيد المرسلين ، وإمام المتقين ، وحبيب رب العالمين !!. لعلنا نظنُّ أنَّنَا مخلَّدون! أو نتوهّم أنَّا مع سوء أفعالنا عند الله مُكَرَّمون !! هيهات هيهات ؛ بل نتيقَّن أنَّا جميعاً على النَّار واردون، ثم لا ينجو منها إلاَّ المتَّقون ، فنحن للورود مستيقنون ؛ وللصدور عنها متوهِّمون . لا ؛ بل ظلمنا أَنْفُسَنا أَنْ كُنَّا كذلك لغالب الظنِّ منتظرين ، فما نحن والله من المتقين، وقد قال الله ربُّ العالمين ﴿وَإِن ◌ِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا (٦َّثُمَّ ◌ُتَجِى الَّذِينَ أَتَّقَواْ وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا حِثِيًّا (٣)﴾ [مريم) . ٣١٨ وَلِلْمُسْلِمِينَ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) أَنْتُهَى. فلينظر كلُّ عبد إلى نفسه أنَّه إلى الظالمين أقربُ أم إلى المثَّقينَ !! فانظر إلى نفسك بعد أن تنظرَ إلى سيرة السّلف الصالحين ، فلقد كانوا مع ما وُفِّقوا له من الخائفينَ ، ثم انظر إلى سيِّد المرسلين ؛ فإنه كان مِن أمره على يقين ، إذ كان سيِّدَ النبيين ، وقائدَ المتقين . واعتبر كيف كان كربُه عند فراق الدنيا ، وكيف اشتدَّ أمره عند الانقلاب إلى جَنَّةٍ المأوى ؟ ! . ( وَ) اتَّبَعْ مِنَ القول أحسَنَه، وَتَأَسَّ برسول الله ◌َّهِ ففيه ( لِلْمُسْلِمِيْنَ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ. اِنْتَهَى) ؛ أي: كلام الإمام الغزالي في ((الإِحياء)). قال أبو الجوزاء : كان الرجل من أهل المدينةِ إذا أصابته مصيبة جاء أخوه فصافحه ؛ وقال : يا عبد الله ؛ اتق الله ، فإِن في رسول الله أسوةً حسنة . أخرج ابن ماجه في (( سننه))؛ أنّهُ نَّهِ قال في مرضه: ((أَيُّهَا النَّاسُ؛ إِنْ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ - أَوْ مِنَ المُؤْمِنِينَ - أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ فَلْيَتَعَزَّ بِمُصِيبَتِهِ بِيَ عَنْ المُصِيبَةِ الَّتِي تُصِيبُهُ بِغَيْرِي، فَإِنَّ أَحَداً مِنْ أُمَّتِي لَنْ يُصَابَ بِمُصِيبَةٍ بَعْدِي أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنْ مُصِيبَّي)). وروىُ بَقِيُّ بْنُ مَخْلَد ، والباوَرْدي ، وَابْنُ شاهين ، وابن قانع ، وأبو نعيم ؛ كلهم في (( المعرفة))؛ عن عبد الرحمن بن سابط عن أبيه رفعه: ((مَنْ أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ فَلْيَذْكُرْ مُصِيبَتَهُ بِي فَإِنَّهَا أَعْظَمُ المَصَائِبِ » . ولهِ درُّ القائل : وَاعْلَمْ بِأَنَّ المَرْءَ غَيْرٌ مُخَلَّدٍ إِصْبِرْ لِكُلِّ مُصِيبَةٍ وَتَجَلَّدٍ نُوَبٌّ تُنُوبُ اليَوْمَ تُكْشَفُ فِي غَدٍ واصْبِرْ كَمَا صَبَرَ الكِرَامُ فإِنَّها فَاذْكر مُصَابَكَ بِالنَِّيِّ مُحَمّدٍ وَإِذَا أَتَتْكَ مُصِيبَةٌ تُشْجَى بِهَا ويرحم الله تعالى القائل : تَذَكَّرْتُ لَمَّا فَرَّقَ الدَّهْرُ بَيْنَنَا فَعَزَّيْتُ نَفْسِي بِالنَّبِيِّ مُحمَّدٍ فَمَنْ لَمْ يَمُتْ فِي يَوْمِهِ مَات فِي غَدٍ وَقُلْتُ لَهَا : إِنَّ المَنَايَا سَبِيلُنَا ٣١٩ • · وقد رُوِيَ ﴿ بمراثٍ كثيرة ؛ منها : قول عمَّته صفيَّةَ بنتِ عبد المطَّلِب ، رضي الله تعالى عنها : وَكُنْتَ بِنَا بَرّاً وَلَمْ تَكُ جَافِيا أَلاَ يَا رَسُولَ اللهِ كُنْتَ رَجَاءَنَا لَِيْكِ عَلَيْكَ الْيَوْمَ مَنْ كَانَ بَاكِیًا وَكُنْتَ رَحِيماً هَادِياً وَمُعَلِّماً وَلكِنَّي أَخْشَىْ مِنَ الهَجْرِ آتِيا لَعَمْرُكَ مَا أَبْكِي النَّبِيَّ لِفَقْدِهِ وَمَا خِفْتُ مِنْ بَعْدِ النَّبِيِّ المَكَاوِيَا كَأَنَّ عَلى قَلْبِي لِذِكْرٍ مُحَمَّدٍ عَلىَ جَدَثٍ أَمْسَىْ بِيَشْرِبَ ثَاوِيَا وَعَمِّي وَخَالِي ، ثُمَّ نَفْسِي وَمَالِيَا سَعِدْنا، وَلْكِنْ أَمْرُهُ كَانَ مَاضِيًا أَفَاطِمُ؛ صَلَّى اللهُ رَبِّي بِحَمْدِهِ فِدَىّ لِرَسُولِ اللهِ أُمِّي وَخالَتِي فَلَوْ أَن رَبَّ النَّاسِ أَبْقَىْ نِيَّنَا عَلَيْكَ مِنَ اللهِ السَّلاَمِ تَحِيَّةٌ أَرىُ حَسَناً أَنْتَمْتَهُ وَتَرَكْتَهُ وأُدْخِلْتَ جِنَّاتٍ من العَدْنِ رَاضِيَا يُبَكِّي وَيَدْعُو جَدَّهُ اليَومَ نَائِيًا ورثاه ابن عمِّه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه فقال : وَلَيْلُ أَخِي المُصِيبَةِ فِيهِ طُوْلُ أُصِيْبَ المُسْلِمُونَ بِهِ قَلِيْلُ عَشِيَّةَ قِيْلَ : قَدْ قُبِضَ الرَّسُولُ تَكَادُ بِنَا جَوَانِبُهَا تَمِيْلُ يَرُوحُ بِهِ وَيَغْدُو جِبْرَئِيلُ نُفُوسُ النَّاسِ أَو كَادَتْ تَسِيلُ بِمَا يُوحَى إِليْهِ وَمَا يَقُولُ عَلَيْنَا؛ والرَّسُولُ لَنَا دَلِيلُ وَإِنْ لَمْ تَجْزَعِي ذاكَ السَّبِيلُ أَرَقْتُ ، فَبَاتَ لَيْلِي لا يَزُولُ وأَسَعَدَنِي الْبُكَاءُ ، وَذَاكَ فِيْمَا لَقَدْ عَظُمَتْ مُصِيبَتُنَا وَجَلَّتْ وأَضْحَتْ أَرْضُنَا مِمَا عَرَاهَا فَقَدْنَا الوَحْيَ وَالتَنْزِيلَ فِيْنَا وَذَاكَ أَحَُّ مَا سَالَتْ عَلَيْهِ نَبِيٌّ كَانَ يَجْلُو الشَّكَّ عَنَّا وَيَهْدِينَا، فَلاَ نَخْشَىْ ضَلاَلاً أَفَاطِمُ ؛ إِنْ جَزِعْتٍ فَذَاكَ عُذْرٌ فَقَبْرُ أَبِيكِ سَيِّدُ كُلِّ قَبْرٍ. وَفِيهِ سَيِّدُ النَّاسِ الرَّسُولُ ٣٢٠