النص المفهرس
صفحات 241-260
وَأَنَّ أَلْجَنَّةَ مُحَرَّمَةٌ عَلَى الْأُمَمِ، حَتَّى تَدْخُلَهَا أُمَتُهُ، فَقَالَ [صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ]: ((أَلَآَنَ قَرَّتْ عَيْنِي)) . وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نُغَسِّلَهُ بِسَبْعِ قِرَبٍ مِنْ سَبْعَةِ آبَارٍ ، وأخرج مسلم وأبو داود كلاهما ؛ عن أبي هُرَيرة رضي الله تعالى عنه ؛ عن النّبِيّ وَِّ أنّه قال: (( أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ، وأَوّلُ شَافِعٍ ، وَأَوَّلُ مُنَفَّعٍ » . (وَأَنَّ الجَنَّةَ مُحَرَّمَةٌ عَلَى الأُمَمِ، حَتَّى تَدخُلَهَا أُمَّتُهُ. فَقَالَ)؛ أي ◌َِّ (: ((الآنَ قَرَّتْ عَيْنِيْ)) ) ؛ أي : سُرِرْتُ بهذه البِشارة . ( وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا) فيما رواه الدَّارِمِيّ بهذا السِّياق في ((مسنَدَه)) - وفيه: إبراهيمُ بن المُختار؛ مختلَفٌ فيه - عن محمّد بن إسحاق - وهو مُدَّس ، وقد رواه بالعَنْعَنَةَ ؛ كما قاله العِراقيّ -. ( أَمَرَّنَا رَسُوْلُ اللهِ وَهِ أَنْ نُغَسَّلَهُ بِسَبْعِ قِرَبٍ مِنْ سَبْعَةِ آبَارٍ ) هذه زيادةٌ على رواية البخاري وغيره ، فيَحتَمل أنّها مُعَيَّنَةٌ، ويحتمل أنّها غيرُ معيَّنة، وإنّما يُراد تَفَرُّقُها خاصّةً . فعلى الأَوّل : في تلك الآبار المعيّنة خصوصيّةٌ ، ليست في غيرها . وعلىُ الثّاني: الخُصُوصِيَّةُ في تَفَرُّقها . والله أعلم . وقد ذكرَ العُلَماء الآبارَ الّتي كان رسولُ اللهِ وَيهِ يَتَوَضّأُ منها، ويَشْرَب من مائها ؛ ويَغْتَسل، وهي سبعة: ١ - بئر أريس؛ ويُقال لها (( بئر الخاتَم))، وَ ٢ - بَيْرُحاء، و ٣ - بِثْرُ رُؤْمَة، و٤ - بئر غَرسْ، و٥ - بثْر بُضَاعة، و٦ - بئر بُصَّة، و٧ - بئر السّقيا؛ أو ٧ - بئر جمل . السّابعة فيها تَرَدُّد !! . وقد أخرج ابن ماجه في ((السُّنَن))؛ من حديث عليّ بإسنادٍ جيّد: ((إِذَا أَنَا ٢٤١ فَفَعَلْنَا ذَلِكَ، فَوَجَدَ رَاحَةً ، فَخَرَجَ ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ، وَأَسْتَغْفَرَ لِأَهْلِ أُحُدٍ ، وَدَعَا لَهُمْ ، وَأَوْصَىْ بِالأَنْصَارِ، فَقَالَ: (( أَمَّا بَعْدُ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ؛ فَإِنَّكُمْ تَزِيدُونَ، وَأَصْبَحَتِ الأَنْصَارُ لاَ تَزِيْدُ عَلَى هَيْئَتِهَا الَّتِي هِيَ عَلَيْهَا الْيَوْمَ ، وَإِنَّ الأَنْصَارَ عَيْبَتِي أَلَّتِي أَوَيْتُ إِلَيْهَا ، متُّ، فَأَغْسِلُونِي بِسَبْعِ قِرَبٍ مِنْ بِثْرِي: بئرٍ غرس)). انتهى ((شرح الإحياء)). ( فَفَعَلْنَا ذَلِكَ؛ فَوَجَدَ رَاحَةً) ؛ أي : خِفَّة من المَرَض ( فَخَرَجَ ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ، وَاسْتَغْفَرَ لأَهْلِ أُحُدٍ، ودَعَا لَهُم) كالمُؤَدِّع الأحياء والأموات ، ( وَأَوْصَىُ بِالأَنْصَارِ ) أن يُقبَل من مُحسِنِهم ، ويُتَجَاوَزَ عن مُسيئهم . وفي البخاريّ ؛ قالتْ عائشةُ رضي الله تعالى عنها : لمّا دَخَل بيتي واشتَدَّ وجعُه؛ قال : ((أَهْرِيْقُوا عَلَيَّ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ ؛ لَمْ تُخْلَلْ أَوْكِيَتُهُنَّ، لَعَلِّي أَعْهَدُ إِلَى النَّاسِ!)). فَأَجلَسناهُ فِي مِخْضَبٍ لِحَفَصة ((زوج النّبِيّ وَّهِ)) ثمّ طَفِقْنا نَصُبُّ عليه من تلك القِرَب، حَتّىَ طَفِقِ يُشير إلينا بِيده: أنْ قد فَعَلْتُنَّ. قالت: ثمّ خَرَجَ إلى النّاس ؛ فصلّى بهم، وخَطَبَهم ؛ ( فَقَالَ : ( أَمَّا بَعْدُ؛ يَا مَعْشَرَ المُهَاجِرِيْنَ، فَإِنَّكُمْ تَزِيْدُوْنَ، وَأَصْبَحَتِ الأَنْصَارُ لاَ تَزِيْدُ عَلَىْ هَيْئَتِهَا الَّتِيْ هِيَ عَلَيْهَا اليَوْمَ) بَلْ يَنْقُصُونَ - كما في البُخاري - حَتَّى يَكُونُوا كَالمِلْحِ فِي الطَّعَامِ » . وقد وَقَع ذلك كما أَخَبَرَ نَّهِ، فإنّ الموجُودِين الآن ممّن يُنْسَب إلى عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه - ممّن يَتَحَقّق نِسبتُه إليه - أضعافُ من يُوجَد من قبيلَتَي الأوسِ والخَزْرَج ، ممّن يتَحقَّقُ نَسَبُه !! وقِسْ عَلى ذلك . ولا التِفَاتَ إِلىْ كَثْرَة من يدّعي أنّه منهم من غير بُرهانٍ؛ قاله في ((الفتح)) . ( وَإِنَّ الأَنْصَارَ عَيْبَتِيْ) - بعين مُهْمَلةٍ مفتوحةٍ، وتحتيّةٍ ساكنةٍ، ومُوَخَّدة مفتوحةٍ ، وتاءِ تأنيثٍ - وهي: ما يُحرِز فيها الرَّجل نفيسَ ما عنده ، يعني : أنّهم موضعُ سِرِّه ( الَّتِيْ أَوَيْتُ إِلَيْهَا) فإنّهم آوَوْه ونصرُوه ، وهذا أمرٌ قدِ انقَضَىُ زمانُه ؛ ٢٤٢ فَأَكْرِمُوا كَرِيمَهُمْ - يَعْنِي: مُحْسِنَهُمْ - وَتَجَاوَزُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ)). ثُمَّ قَالَ [صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ]: ((إِنَّ عَبْداً خُيِّرَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَ اللهِ .. فَأَخْتَارَ مَا عِنْدَ اللهِ)) ، فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ ، وَظَنَّ أَنَّهُ يُرِيدُ نَفْسَهُ . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((عَلَى رِسْلِكَ يَا أَبَا بَكْرٍ ، لا يلحَقُهم فيه اللّحقُ، ولا يُدرِك شَأْوَهُمُ السّابقُ (فَأَكْرِمُوْا كَرِيْمَهُمْ)) - يعني: مُحْسِنَهُمْ - وَتَجَاوَزُوا عَنْ مُسِيْئِهِمْ))) في غير الحدود . ( ثُمَّ قَالَ : ((إِنَّ عَبْداً خُيِّرَ) - من التّخيير - ( بَيْنَ الذُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَ اللهِ) في الآخرة ؛ (فَاخْتَارَ ) ذلك العبدُ ( مَا عِنْدَ اللهِ)). فَبَكَىْ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَظَنَّ) ؛ أي: فهم ( أَنَّهُ)؛ أي: النَّبِيّ ◌َّه، (يُرِيْدُ) بهذا الكلام (نَفْسَهُ) بِّه فقال أبو بكر الصِّدِّيق رضي الله تعالى عنه : فَدَيناك بآبائِنا وأُمَّهاتنا . قال الرّاوي : فعَجِبنا لبكائه! وقال النّاس: مُتَعَجِّبين: انظُروا إلى هذا الشَّيخ؛ يُخبِرُ رسول الله وَّر عن عبدٍ خيّره بين أن يؤتيه من زَهرة الدّنيا ؛ وبين ما عنده ، وهو يقول : فدَيناك بآبائِنا وأمّهاتنا !؟ . قال الرّاوي: فكان رسولُ اللهِ وَِّ هو المُخَيَّر، وكان أبو بكر أَعْلَمَنا به ؛ ذكره في البخاري . ( فَقَالَ النَِّيُّ وَّهِ: ((عَلَى رِسْلِكَ؛ يَا أَبَا بَكْرٍ ) تَسليةً له، إذ خَفِيَ المعنىُ على كثيرٍ ممّن سمِع كلامَه ، ولم يَفْهمِ المقصودَ غيرُ صاحبه الخِصِّيص به ؛ ثانيَ اثنَين إذ هما في الغار، وكان أعلَمَ الأُمَّة بمقاصد النّبيّ ◌َِّ، فلمّا فهِم المقصودَ من هذه الإِشارة بكى؛ وقال ((بل نَفَديك بأموالنا؛ وأنفسنا؛ وأولادنا)). فسكَّن الرسولُ وَّهِ جَزَعَهُ، وأخذَ في مَدْحه، والثّناء عليه علىُ المِنْبَر ، ليعلَم النَّاسُ كلُّهم فضلَه؛ فلا يقعَ عليه اختلافٌ في خلافته، فقال: ((إِنَّ مِنْ أَمَنِّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبَا بَكْرٍ ، وَلَو كُنْتُ مُتَّخِذَاً خَلِيْلاً لاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيْلاً ، وَلْكِنْ أُخُوَّةُ الإِسْلاَمِ )) . ٢٤٣ سُدُوا هَذِهِ الأَبْوَابَ الشَّوَارِعَ فِي الْمَسْجِدِ ، إِلَّ بَابَ أَبِي بَكْرٍ ؛ فَإِنِّي لَ أَعْلَمُ أمْرَأَ أَفْضَلَ عِنْدِي فِي الصُّحْبَةِ مِنْ أَبِي بَكْرٍ )) . ثم قال ◌َّهِ: ( ((سُدُّوْا هَذِهِ الأَبْوَابَ الشَّوَارِعَ فِي المَسْجِدِ ، إِلاَّ بَابَ أَبِيْ بَكْرٍ ) الصّدّيق ؛ إِكراماً له ، وتنويهاً بأنّ أبا بكر هو الخليفةُ والإمامُ بعدَه ، فإنّ الإمام يَحتاجُ إلى سُكْنى المسجد ، والاستِطْراق فيه ، بخلاف غيرِه ، وذلك من مصالح المسلمين المُصَلِّين ؛ فإبقاؤه مصلحةٌ عامَّةٌ . ثُمّ صَرّح بأفضليَّتِهِ على غيره ؛ حيثُ قال : ( فَإِنِّي لاَ أَعْلَمُ أَمْرَأْ أَفْضَلَ عِنْدِي فِي الصُّخْبَةِ مِنْ أَبِيْ بَكْرٍ )) ) الصّدّيق ، فهو أَفضلُ الأَصحاب على الإِطلاق . ثُمَّ أَكَّد هذا المعنى بأمره صريحاً : أنْ يُصَلِّي بالنّاس أبو بكر ، فرُؤْجِع في ذلك، وهو يقولُ: ((مُرُوا أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ)». فولآه إمامةَ الصَّلاة، ولذا قال الصَّحابة عند بيعة أبي بكر : رَضِيَه رسولُ اللهِ وَلِّ لِدِينِنا، أَفَلا نَرْضاه لدُنيانا؟! وفيه إِشارة قويّةٌ إلى استحقاقه الخِلافَة ، لا سيَّما وقد ثَبَت أنّ ذلك كان في الوَقت الّذِي أَمَرَهم فيه أَنْ لا يَؤُمَّهُم إلّ أبو بكر . نعم جاء في سَدّ الأبواب أحاديثُ ؛ يخالف ظاهرُها حديثَ الباب !! ؛ فروى الإمام أحمد ، والنَّسائيّ بإسنادٍ قويٍّ؛ عن سعد بن أبي وقّاص : أمر ◌ِ الهربسَدِّ الأَبوابِ الشّارعة في المسجد، وتَركِ باب عليٍّ زاد الطَّبَرانِيُّ في ((الأوسط)) برجالٍ ثِقاتٍ: فقالوا: يا رسولَ الله ؛ سَدَدْتَ أبوابنا؟! فقال: (( ما سَدَدْتُها !! ، وَلْكِنّ اللهَ سَنَّهَا!)). وروى الإمام أحمد ، والنَّسائيّ ، والحاكم برجالٍ ثِقاتٍ ؛ عن زيد بن أَرقم : كان لِنَفْرٍ من الصَّحابة أبوابٌ شارِعةٌ في المسجد ؛ فقالِنَّرَ: ((سُدُّوا هَذِهِ الأَبْوَابَ، إِلَّ بَابَ عَلِيٍّ)) رضي الله عنه، فتكلَّم ناسٌ في ذلك، فقال ◌َّ: ((إِنِّي وَاَللهِ مَا سَدَدْتُ شَيْئاً ، وَلاَ فَتَحْتُهُ! وَلَكِنْ أُمِرِتُ بِشَيءٍ ، فَأَتَّبَعْتُهُ ». وروى الإِمام أحمد ، والنَّسائيّ برجالٍ ثقاتٍ ؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى ٢٤٤ عنهما قال: أَمَرَ بِاللّهِ بأبوابِ المسجدِ فسُدَّت؛ غيرَ بابِ عليٍّ. فكان يَدْخُل المسجِدَ وهو جُنُبٌ ؛ ليس له طريقٌ غيره . وروى الطَّبَرَانيّ عن جابر بن سَمُرة قال: أَمَرَ بسَدُّ الأبواب كلّها ؛ غيرَ باب عليّ ، فرُبَّما مرَّ فيه وهو جُنُبٌ . وروى الإمام أحمد بإسنادٍ حَسَن ؛ عن ابن عمر قال : لقَد أُعطِي عليٍّ ثلاثَ خِصالٍ ؛ لأنْ تكونَ لي واحدةٌ مِنْهُنَّ أَحبُّ إليّ من حُمْرِ النَّعَم: زَوَّجَه النّبيّ ◌َِّ ابنتَه ؛ ووَلَدَتْ له، وسَدَّ الأبوابَ؛ إلّ بابَه في المسجد ، وأَعطاه الرّايةَ يومَ خيبر . وهذه أحاديث يُقَوِّي بعضُها بعضاً ، وكلّ طريقٍ منها صالحٌ للحُجَّة ؛ فضلاً عن مجموعها . وأوردها ابن الجوزي في ((الموضوعات))، وأَعَلَّها بما لا يَقدَح !! وبمخالفتها للأحاديث الصَّحيحة في باب أبي بكر !! وزَعَم أنّها من وَضْعِ الزَّنادقة ؛ قابلوا بها الحديثَ الصَّحيح !! فَأَخطأ في ذلك خَطَأَ شنيعاً فاحشاً، فإنّه سلَكَ يَرُدُّ الأحاديثَ الصَّحيحةَ بَتَوهُّمه المعارَضَةَ !! مع أنّ الجمعَ بين القَضِيَّتين ممكِن ؛ كما أشار إليه البَزَّار ، بما دلّ عليه حديثُ أبي سعيد ؛ عند الترمذيّ: أنّ النّبيّ وَّهِ قَالَ لعليٍّ: ((لاَيَحِلُّ لأَحَدٍ، أَنْ يَطْرُقَ هذَا المَسْجِدَ جُنُباً ، غَيْرِي وَغَيْرَك)). والمعنى : أنّ بابَ عليٍّ كان إلى جهة المسجد ؛ ولم يكن لبيته بابٌ غيره ، فلذا لم يُؤْمَر بِسَدّه . ويُؤَيِّدُه ما أَخرجه إسماعيل القاضي ؛ عن المُطَّلِب بن عبد الله بن حنطب : أنّ النّبِيّ وَِّ لم يأْذَنْ لأَحدٍ أَنْ يَمُرَّ في المسجد وهو جُنُبٌ ؛ إلّ لعليٍّ بن أبي طالب ، لأنّ بيتَه كان في المسجد . ومُحَصَّل الجَمع أنّه أَمرَ بسَدِّ الأبواب مَرّتين . ففي الأُولىُ : استَثْنى بابَ عليٌّ لِما ذُكِرٍ . ٢٤٥ قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: فَقُبِضَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيِِّي ، وَفِي يَوْمِي ، وَبَيْنَ سَخْرِي وَنَخْرِي ، وفي الأُخرى : بابَ أبي بكرٍ ، لكن إنّما يَتمُّ بحَملِ باب عليٍّ على الباب الحقيقي ، وبابِ أبي بكرٍ على الباب المَجازيّ ؛ أي الخَوخة - كما في بعض طُرُقه - وكأَنّهم لما أُمِروا بسَدّها سدُوها، وأَحدثوا خَوْخاً يَستَقرِبون الدُّخول إلى المسجد منها ؛ فأُمِروا بعد ذلك بسدِّها ، فهذا لا بأسَ به في الجمع . وبه جمع الطَّحاويُّ والكَلاباذِيُّ ، وصرَّح بأنّ بيتَ أبي بكرٍ كان له باب خارِجَ المسجدِ ؛ وخَوْخَةٌ إلى داخل المسجد ، وبيت عليٍّ لم يكن له بابٌ إلّ من داخل المسجد. انتهى. ملخّصاً من ((فتح الباري)) رحم الله مؤَلِّفه . آمين . ( قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا) - فيما ذكره في ((الإِحياء)). وقال العراقي: مثَّفَق عليه - (فَقُبِضَ وََّ فِيْ بَيِّتِيْ ، وفِي يَوْمِي ) الّذي كان يدور عليَّ فيه ( وَبَيْنَ سَخْرِيْ) - بفتح السّين، وسكون الحاء المهمَلتين -: هو الصَّدر، ( وَنَحْرِي) - بفتح النّون، وسكون الحاء المهمَلة - : موضِعُ القلادة من الصّدر ؛ كما في ((الصّحاح )) . وفي رواية عنها : مات بين حاقِنَتَي وذاقِنَتَي . والحاقِنَةُ - بالحاء المهملة ، والقافِ المكسورة ، والنُّون المفتوحة -: أَسفَلُ من الذَّقن. والذَّاقِنة: طَرَفُ الخُلْقُومِ . وقيل : غيرُ ذلك . والحاصل : أنّ ما بين الحاقِنة والذَّاقِنة ، هو : ما بين السّخر والنَّحر . والمرادُ أنّه وَهِ تُؤُنِّيَ ورأْسُه بين عُنُقُها وصَدْرها . وهذا الحديث الصّحيح لا يُعارِضه ما أخرجه الحاكم وابْن سعد ؛ من طُرُقٍ : أنّهِ وَلِ مات ورأْسُه في حِجر عليٍّ !! لأنّ طريقاً منها ؛ كما قال الحافظ ابن حجر : لا يخلُو عن مَقالٍ في إسناده ؛ من جهة ضَعفٍ رُوَاته ؛ فلا يُلتَفَتُ لمعارضَتِهِ الحديثَ الصّحيحَ . ٢٤٦ وَجَمَعَ اللهُ بَيْنَ رِيقِي وَرِيقِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ، فَدَخَلَ عَلَيَّ أَخِي عَبْدُ الرَّحْمنِ وَبِيَدِهِ سِوَاٌ ، فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ يُعْجِبُهُ ذَلِكَ ، فَقُلْتُ لَهَ: أَخُذُهُ لَكَ؟ فَأَوْمَأَ بِرَأْسِهِ - أَيْ: نَعَمْ - فَنَاوَلْتُّهُ إِيَّاهُ ، فَأَدْخَلَهُ فِي فِيهِ ، فَأَشْتَدَّ عَلَيْهِ ، فَقُلْتُ: أُلَيْتُ لَكَ؟ فَأَوْمَأَ بِرَأْسِهِ - أَيْ : نَعَمْ - فَلَُّهُ، وَكَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةُ مَاءٍ ، فَجَعَلَ يُدْخِلُ فِيهَا يَدَهُ وَيَقُولُ : ((لَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ، إِنَّ لِلْمَوْتِ لَسَكَرَاتٍ))، ثُمَّ نَصَبَ يَدَهُ يَقُولُ: (( الرَّفِيقَ الأَعْلَى. ( وَجَمَعَ اللهُ بَيْنَ رِيْقِي وَرِيْقِهِ عِنْدَ المَوْتِ ، فَدَخَلَ عَلَيَّ ) - بتشديد الياء - ( أَخِيْ عَبْدُ الرَّحْمُنِ) بن أبي بكرٍ ( وَبِيَدِهِ سِوَالٌ)؛ وأنا مُسنِدةٌ رسولَ اللهِوَّةِ، (فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ !! فَعَرَفْتُ أَنَّهُ يُعْجِبُهُ ذَلِكَ ؛ فَقُلْتُ لَهُ: آخُذُهُ لَك!؟ فَأَوْمَأَ بِرَأْسِهِ ؛ أَنْ : نَعَمْ ) . فيه العملُ بالإِشارة عند الحاجة ، وُقُوّةُ فِطنةِ عائشةَ رضيَ الله تعالى عنها ( فَنَاوَلْتُهُ إِيَّاهُ، فَأَدْخَلَهُ فِي فِيْهِ ؛ فَأَشْتَلَّ عَلَيْهِ ، فَقُلْتُ: أَلَيَّتُهُ لَكَ؟ فَأَوْمَأَ بِرَأْسِهِ ، أَيْ : نَعَمْ . فَلَيَّئْتُهُ) بالماء ، ( وَكَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ مَاءٍ ) - بفتح الرّاء ؛ من جلْد - (فَجَعَلَ يُدْخِلُ فِيْهَا يَدَهُ) وَيمسَحُ بها وجهَه، ( وَيَقُوْلُ: ((لاَ إِلَّهِ إِلَّ اللهُ، إِنَّ لِلْمَوْتِ لَسَكَرَاتٍ)).) جمع سَكْرة؛ وهي الشِّدَّة. ( ثُمَّ نَصَبَ يَدَهُ يَقُوْلُ: ((الرَّفِيْقَ الأَعْلَى) أي : أسأل الله الرَّفيقَ الأعلىُ . والرَّفيقُ الأعلى هو : جَماعةُ الأنبياء الّذين يسكُنُون أعلىْ عِلِّيِّين. والمُرادُ الأنبياءُ ؛ ومَن ذُكِر في الآية . والمُراد بمرافقتهم : المحلُّ الّذي يحصُل فيه مرافقتُهم في الجملة ؛ على اختلافٍ دَرَجاتهم، فلا يُقال: إنّ مَحَلّهِ وَِّ فوقَهم ؛ فكيف يسأل اللَّحاقَ بهم؟. وقيلَ : المرادُ بالرّفيق الأعلى: اللهُ، لأنّه من أسمائه تعالى - كما في مسلم ؛ ٢٤٧ الرَّفِيقَ الأَعْلَى ». فَقُلْتُ: إِذاً - وَاللهِ - لاَ يَخْتَارُنَا . وَرَوَىُ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ ، عَنْ أَبِهِ عن عائشة: ((إنّ الله رَفيقٌ؛ يحبُّ الرِّفقَ)) -. وقيل: المرادُ بالرّفيق الأعلى: حَظيرةُ القُدْس ، أي : الجنّة ، وقيلَ غيرُ ذلك . ( الرَّفِيْقَ الأَعْلَىْ))) ولا زالَ يُكَرِّر ذلك ◌َِّ حَتّى قُبِضَ، ومالتْ يدُه . وفي ((المواهب)): الحِكمةُ في اختتام كلامه ◌َِّ بهذه الكَلِمة كونُها تَتَضَمَّن التَّوحيد ، أي : لدَلالتها على قَطْع العلائِقِ ، عن غيره سبحانه وتعالى حيثُ قَصَر نظرَه علىُ طَلَبِ الرّفيق الأعلىُ على كلِّ تفسيراتِه . وتتضمَّنُ الذِّكر بالقلب ، فهو وإن لم يذكَرْ باللّسان ؛ فهو مُستَحضِرٌ بالقلب ، حتّى يستفادَ منها الرُّخصةُ لغيره ، أنّه لا يَشتَرط أن يكونَ الذِّكرُ باللّسان عند الموت ، لأنّ بعضَ النّاس قد يمنَعُه من النُّطْق مانعٌ؛ كعَقْلِ اللّسان عنه، فلا يَضُرُّه ذلك إذا كان قلبُه عامِراً بالذّكر . انتهى من الزّرقاني . ( فَقُلْتُ : إِذاً؛ وَاللهِ لاَ يَخْتَارُنَا) من الاختيار ، وفي رواية: لا يُجاوِرُنا . قَالت : فعرَفْتُ أنّه حديثُه الّذي كان يُحَدِّثُنا به ؛ وهو صحيحٌ حيثُ كان يقول: ((إِنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٍّ ، حَتَّى يَرَى مَقَعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ ، ثُمَّ يُخَيَّرُ)) . وما فهِمته عائشةُ رضي الله عنها من قوله عليه الصّلاة والسّلام: (( اللَّهُمَّ الرَّفيقَ الأعلىُ)) أنّه خُيِّر بين الدُّنيا، والارتحال إلى الآخرة ، نظيرُ فَهْم أبيها رضي الله عنه ؛ من قوله عليه الصّلاة والسّلام ((إنّ عبداً خَيَّره الله بين الدّنيا ، وبين ما عنده ، فاختارَ ما عنده )) أنَّ العبدَ المرادَ هو النّبيّ ◌ِ لِ- كما تَقَدَّم -. ( وَ) في كتاب ((إحياء علوم الدّين)) للإمام الغزالي رحمه الله تعالى: ( رَوَى سَعِيْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن ضِرَارِ (عَنْ أَبِيْهِ ) عبد الله بنِ ضرار بن الأَزْوَر ؛ تابعيٌّ روى عن ابن مسعود ، قال أبو حاتم فيه ، وفي ابنه سعيدٍ : ليس بالقوي . ٢٤٨ قَالَ: لَمَّا رَأَتِ الأَنْصَارُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَزْدَادُ ثِقَلاً .. أَطَافُوا بِالْمَسْجِدِ ، فَدَخَلَ الْعَبَّاسُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْلَمَهُ بِمَكَانِهِمْ وَإِشْفَاقِهِمْ . انتهى . وقالَ الذّهبيُّ : سعید بن عبد الله بن ضرار ؛ عن أبيه ؛ وغيره . قال يحيى: لا يُكْتَب حديثُه. انتهى من ((شرح الإِحياء)). وحديثه هذا قال فيه العِراقيُّ : مُرْسَلٌ ضعيفٌ ، وفيه نكارة ، ولم أَجِد له أصلاً !!. لكن قال في ((شرح الإِحياء)): أَسْنَدَه سيفُ بنُ عمر التّميمي - ويقال الضّبي - الكوفيّ في كتاب ((الفتوح)) هكذا . وسيفُ بن عمر ضعيفُ الحديث عمدةٌ في التّاريخِ ، أَفْحَشَ ابنُ حِبّان القولَ فيه ، مات زَمَنِ الرَّشيد ، روى له التُّرمِذِيُّ ؛ قاله الحافِظُ ابن حجر. نقله الزّرقانيُّ، وقال: ذكرَ هذا الحديثَ الفاكِهانيُّ في (( الفجر المنير)) ؛ من طريق سيف بن عمر التّميمي المذكور رحمه الله تعالى . ( قَالَ: لَمَّا رَأَتِ الأَنْصَارُ ) جمع ناصر ؛ كالأصحاب : جمع صاحب ، وسُمُّوا بذلِكَ !! لما فازوا به دونَ غيرهم؛ من نُصْرَته ◌ِّهِ وإيوائه، وإيواء مَن مَعَه، ومواساتهم بأنفسِهم وأموالهم . والأَنصار هم : قبيلتا الأوس والخَزْرَج ، وحلفاؤُهم أبناء حارثة بن ثعلبةً ، وهو اسم إسلاميّ ، واسم أُمّهم قَيلة - بالقاف المفتوحة ، والتَّحتية السّاكنة -. وفي البخاري ؛ عن غيلان بن جرير قال : قلتُ لأنسٍ : أَرأيت اسمَ الأنصار كنتُم تسَمَّون به ، أم سمّاكُم الله به ؟ قال : بلىُ سمّانا الله به . أي : كما في قوله تعالى ﴿ وَالسَِّقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَجِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [١٠٠/ التوبة] انتهى. من القُسْطُلأَّني)). ( أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ نَّهِ يَزْدَادُ ثِقَلاً) من مرضه ( أَطَافُوْا بِالمَسْجِدِ، فَدَخَلَ العَبَّاسُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ عَلَى النَِّيِّ وَِّ؛ فَأَعْلَمَهُ بِمَكَانِهِمْ وَإِشْفَاقِهِمْ ) : خوفهم عليه ٢٤٩ ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ الْفَضْلُ فَأَعْلَمَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ . ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ عَلِيِّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ فَأَعْلَمَهُ بِمِثْلِهِ ، فَمَدَّ يَدَهُ ، وَقَالَ: ((هَا )) فَتَنَاوَلُوهُ، فَقَالَ: ((مَا يَقُولُونَ؟ ))، قَالُوا: يَقُولُونَ: نَخْشَى أَنْ تَمُوتَ. وَتَصَايَحَ نِسَاؤُهُمْ لاجْتِمَاعِ رِجَالِهِمْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَثَارَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَخَرَجَ مُتَوَكِّئاً عَلَى عَليٍّ وَاَلْفَضْلِ، وأَلْعَبَّاسُ أَمَامَهُ، وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعْصُوبُ الرَّْسِ يَخُطُّ بِرِجْلَيْهِ ، حَتَّى جَلَسَ عَلَى أَسْفَلِ مِرْقَاةٍ مِنَ الْمِنْبَرِ، وَثَابَ النَّاسُ إِلَيْهِ، فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: ((أَيُّهَا النَّاسُ؛ إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تَخَافُونَ عَلَيَّ الْمَوْتَ، كَأَنَّهُ أَسْتِكَارٌ مِنْكُمْ لِلْمَوْتِ؟! وَمَا تُنْكِرُونَ مِنْ مَوْتِ نِّكُمْ؟ أَلَمْ أُنْعَ إِلَيْكُمْ، وَتُنْعَى إِلَيْكُمْ أَنْفُسُكُمْ؟! الفَقْدَ، ( ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ الفَضْلُ ) بن عبّاس [ رضي الله تعالى عنه ] (فَأَعْلَمَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ عَليٍّ ) بن أبي طالب ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ فَأَعْلَمَهُ بِمِثْلِهِ ) أي : ذَكَر له حالَ الأنصار . ( فَمَّ يَدَهُ ) وَّرِ ( وَقَالَ: ((هَا)))؛ أي: خُذُوا بيَدي لأنهَضَ، ( فَتَنَاوَلُوْهُ، فَقَالَ: (( مَا يَقُوْلُوْنَ؟ )) قَالُوا: يَقُوْلُوْنَ: نَخْشَىْ أَنْ تَمُوْتَ ) من مرضك هذا ( وَتَصْايَحَ نِسَاؤُهُمْ)؛ أي: رفَعْن أَصواتَهنَّ بالبُكاء (لاجْتِمَاعِ رِجَالِهِمْ إِلَى النَّبِيِّ ◌َّهِ، فَثَارَ رَسُوْلُ اللهِهِ ) من فراشه (فَخَرَجَ) حالَ كونه ( مُتَوَكِّاً عَلَى عليّ وَالفَضْلِ، وَالعَبَّاسُ أَمَامَهُ): قُدّامه، ( وَرَسُوْلُ اللهِنَّهِ مَعْصُوْبُ الرَّأْسِ) من الوَجَعِ ( يَخُطُّ ) - بضمّ الخاء - ( بِرِجْلَيْهِ حَتَّى جَلَسَ عَلَى أَسْفَلِ مِرْقَاةٍ): دَرَجة ( مِنَ المِنْبَرِ، وَثَابَ ) : اجتمع ( النَّاسُ إِلَيْهِ ) في المجلس ، ( فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ) بما هو أهله، ( وَقَالَ: ((أَيُّهَا النَّاسُ؛ إِنَّهُ بَلَغَنِيْ ) من الثّلاثة المذكورين ( أَنَّكُمْ تَخَافُوْنَ عَليَّ) - بتشديد الياء التحتيّة - ( المَوْتَ؟! كأَنَّهُ أُسْتِنْكَارٌ مِنْكُمْ لِلْمَوْتِ؟! ) أنْ ينزلَ .. بي، ( وَمَا تُنْكِرُوْنَ مِنْ مَوْتِ نَبِّكُمْ!؟ أَلَمْ أَنْعَ إِلَيْكُمْ؟ وَتُنْعَىْ إِلَيْكُمْ أَنْفُسُكُمْ؟! ) في ٢٥٠ هَلْ خُلِّدَ نَبِيِّ قَبْلِي فِيمَنْ بُعِثَ .. فَأُخَلَّدَ فِيكُمْ؟ أَلاَ وَإِنِّي لاَحِقٌ بِرَبِّي ، أَلَ وَإِنَّكُمْ لاَحِقُونَ بِهِ . وَإِنِّي أُوصِيكُمْ بِأَلْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ خَيْراً، وَأُوصِي أَلْمُهَاجِرِينَ فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِىِ خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [العصر: ١-٣] ... إِلَى آخِرِهَا. ﴾ [الزمر] ( هَلْ خُلِّدَ نَبِيٌّ قَبْلِي فِيْمَنْ بُعِثَ ) إليهم ٣٠ قوله تعالى ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ (فَأْخَلَّدَ ؟!) - بالنَّصب - (فِيْكُمْ !! ) وفيه تَسليةٌ لهم، وتذكيرٌ بقوله تعالى ﴿ وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرِ مِن قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [٣٤/ الأنبياء]، ﴿ وَمَا تُحَمَّدُّ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُّ﴾ [١٤٤/آل عمران]، ( أَلاَ) - بالفتح والتّخفيف - ( وَإِنِّي لاَحِقٌ بِرَبِّي، أَ وَإِنَّكُمْ لاَحِقُوْنَ بِهِ) ؛ أي: مَيْتُون لا مَحالة، (وَإِنِّي أُوْصِيْكُمْ بِالْمُهَاجِرِيْنَ الأَوَّلِيْنَ خَيْراً) بأن تَعرِفوا حقَّهم، وتُنزِلُوهم مَنزِلَتَهم ، ( وَأُوْصِيْ المُهَاجِرِيْنَ فِيْمَا بَيْتَهُمْ ) بالدّوام على التّقوى وعملِ الصّالحات، ( فَإِنَّ اللّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ (﴿وَالْعَصْرِ جَ) - الدّهر، أو: ما بعد الزّوال إلى الغروب، أو صلاة العصر - ( إِنَّ الْإِنسَانَ) - الجنس - (لَفِى خُسْرٍ ()؛ أي : خُسران، ومعناه: النُّقُصان، وذَهاب رأس المال، والتّنكيرُ في الخُسر ، يُفيد التَّعظيم، أي : إنّ الإِنسان لفي خُسرٍ عظيمٍ ، لا يعْلَم كُنْهَه إلّ الله، فقد جَعَل الإنسانَ مغموراً في الخُسر للمبالغة ، وأنّه أَحاط به من كلّ جانبٍ ، لأنّ كلَّ ساعةٍ تمرُّ بالإنسان ، فإن كانت مصروفةً إلى المعصية ؛ فلا شكّ في الخُسر ، وإنْ كانت مشغولةً بالمُباحات ؛ فالخُسران أيضاً حاصلٌ ، وإن كانت مشغولةً بالطّاعات ؛ فهي غيرُ متناهية ، وتركُ الأَعلى والاقتصار على الأدنى نوعُ خُسران . والألِف واللّم في ((الإِنْسَان)) للجنس، فيَشْمَل المؤمنَ والكافر ، بدليل الاستثناء في قوله - ﴿ إِلَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ - أي: فليسوا كذلك، وتلاها (إِلَىُ آخِرِهَا). أو أنّه قال: ((إِلَى آخِرِها». ٢٥١ وَإِنَّ الأُمُورَ تَجْرِي بِإِذْنِ اللهِ، فَلاَ يَحْمِلَنَّكُمُ أَسْتِبْطَاءُ أَمْرٍ عَلَى أُسْتِعْجَالِهِ، فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لاَ يَعْجَلُ لِعَجَلَةِ أَحَدٍ ، وَمَنْ غَالَبَ اللهَ .. غَلَبَهُ، وَمَنْ خَادَعَ اللهَ .. خَدَعَهُ ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِ الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُواْأَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢]. وَأُوصِيكُمْ بِالأَنْصَارِ خَيْراً، فَإِنَّهُمُ الَّذِينَ تَبَوَّقُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ ( وَإِنَّ الأُمُوْرَ تَجْرِيْ) ؛ أي : تقع ( بِإِذْنِ اللهِ) أي: بإرادته ، ( فَلاَ يَحْمِلَنَكُمُ اسْتِبْطَاءُ أَمْرٍ عَلَى اسْتِعْجَالِهِ؟!، فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لا يَعْجَلُ لِعَجَلَةِ ) ؛ أي : لأجل عَجَلَة ( أَحَدٍ ) ، فلا فائدةَ في الاستعجالِ ، بل فيه الهَمُّ والغمُّ والنَّكال ، ( وَمَنْ غَالَبَ اللّهَ غَلَبَهُ ) الله، (وَمَنْ خَادَعَ اللهَ خَدَعَهُ) . والمُفاعلة فيهما ليست مرادة ، بل هي نحو (( عافاك الله)). وإنّما عبّر بالمفاعلة !! تشبيهاً بفعلِ المغالِب والمخادع لمن هو مثله ، كما قال تعالى ﴿ يُحَدِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمْ﴾ [٩/ البقرة]؛ تشبيهاً لفعل المنافقين بفعلِ المُخادع . (﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ ) - فهل يُتَوَقَّعُ منكم - (إِن تَلَيْتُمْ ) - أمور النّاسِ، وتَمّرتُم عليهم ، أَو أَعرضتُمْ وتولّيتم عن الإسلام - (أَنْ تُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوْ أَرْحَامَكُمْ﴾) [٢٢/ محمد]؛ تشاجراً علىُ الدّنيا، وتجاذُباً لها، أو رُجوعاً إلى ما كنتم عليه في الجاهلية ، من التَّغَاوُر ومُقاتَلَة الأَقاربِ . والمعنى: أنّهم لضَعفهم في الدّين وحرصهم على الدّنيا ؛ أحِقَّاء بأن يَتَوَقَّع ذلك منهم مَن عرفَ حالَهم ، ويقول لهم : هل عَسَيتُم ؛ قاله البيضاوي . ولا يَخفى مناسبةُ تلاوته لهذه الآية في هذا المقام . ( وَأُوْصِيْكُمْ بِالأَنْصَارِ خَيْراً، فَإِنَّهُمُ الَّذِيْنَ تَبَوَّهُوا الدَّارَ ) ؛ أي : اتّخذوا المدينةَ وطناً ، سمّيت داراً !! لأنَّها دار الهجرة (وَالإِيْمَانَ ) ؛ أي : أَلِفِوه ، فنُصِب بعامِل ٢٥٢ مِنْ قَبِلِكُمْ؛ أَنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهِمْ، أَمْ يُشَاطِرُوكُمْ فِي الثَّمَارِ؟! أَلَمْ يُؤَسِّعُوا عَلَيْكُمْ فِي الدِّيَارِ ؟! أَلَمْ يُؤْثِرُوكُمْ عَلَىْ أَنْفُسِهِمْ وَبِهِمُ الْخَصَاصَةُ؟ ! . أَلاَ .. فَمَنْ وُلِّيَ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ .. فَلْيَقْبَلْ مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَلْيَتَجَاوَزْ عَنْ مُسِيئِهِمْ . أَلَاَ .. وَلاَ تَسْتَأْثِرُوا عَلَيْهِمْ . أَلَا .. وَإِنِّي فَرَطْ لَكُمْ ، وَأَنْتُمْ لاَحِقُونَ بِي . أَلاَ .. وَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْحَوْضُ، حَوْضِي أَعْرَضُ مِمَّا بَيْنَ بُصْرَى خاصٌّ، أو بتضمين ((تبوءوا)) معنى ((لَزِموا))، أو بجعلِ الإيمان منزِلاً مجازاً لتمكّنهم فيه ، فجمع في ((تبوءوا)) بين الحقيقة والمجاز. ( مِنْ قَبْلِكُمْ، أَنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهِمْ) بدل من « خيراً » . ثمّ بيَّن أنَّ أَمْرَهُ به لمُكافَأَتِهِم بقوله : ( أَلَمْ يُشَاطِرُؤْكُمْ فِي الثِّمَارِ ؟ ) بإعطائكم نِصِفَ ثمارهم. والاستفهام للتّقرير !! ( أَلَمْ يُوَسِّعُوْا لَكُمْ فِي الدِّيَارِ؟ أَلَمْ يُؤْثِرُؤْكُمْ) : يقدّموكم ( عَلَىْ أَنْفُسِهِمْ، وَبِهِمُ الخَصَاصَةُ ) : الحاجةُ إلى ما يُؤْثِرون به ، ( أَلاَ فَمَنْ وُلِّيَ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ ) منهم ؛ ( فَلْيَقْبَلْ مِنْ مُحْسِنِهِمْ ، وَلْيَتَجَاوَزْ عَنْ مُسِيِهِمْ ) في غير الحدودِ . وعبّر بالجمع !! إشارة إلى أنّ المُراد جنسُ رجلين، أو على أَنْ أَقل الجمع اثنان. ( أَلاَ ) - بالفتح مخفَّفاً - ( وَلاَ تَسْتَأْثِرُوْا عَلَيْهِمْ) بتقديم أنفسكم ، وتَمْيُرِكُم بالأمور الدنيوية دونهم ، ( أَلاَ؛ وَإِنِّيْ فَرَطٌ) - بفتحتين: سابقٌ - (لَكُمْ ) أُهَيِّءُ لكم حوائجكم ، ( وَأَنْتُمْ لاَحِقُوْنَ بِيَ ، أَلَ وَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الحَوْضُ ) في القيامة ، ( حَوْضِيْ أَعْرَضُ مِمَّا بَيْنَ بُصْرَى) ؛ كحُبْلى: بلد بالشَّام ، بين دمشقَ والمدينة ، أوّل بلاد الشّام فتوحاً سنة ثلاث عشرة، وحقّق شُرّاح ((الشّفاء)) أنّها حَوران ، أو قيساريّة . ٢٥٣ الشَّامِ وَصَنْعَاءِ الْيَمَنِ ، يَصُبُّ فِيهِ مِيزَابُ اَلْكَوْثَرِ مَاءَ ، أَشَدُّ بَيَاضاً مِنَ اللََّنَ ، وَأَلْيَنُ مِنَ الزَّبَدِ ، وَأَحْلَى مِنَ الشَّهْدِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ .. لَمْ يَظْمَأْ أَبَداً ، وإنما قال: ((بُصرى (الشَّام ))) بالإضافة !! احترازاً من بُصرى بغداد ؛ قريةٌ قربُ عُكْبر، ذكرها ياقوت في ((المعجم)) (١) (وَصَنْعَاءِ) - بالمدّ ، ويُقصَر للضّرورة -: بلدٌ باليمن ، قاعدة مَلكِها، ودارُ سلطنَتِها ، كثيرُ الأشجار والمياه ، حتّى قيل : إنّها تُشبِه دمشقَ الشَّام في المروج والأنهار ، ويقال : إنّ اسم مدينة صنعاء في الجاهلية : أزال . ويُروَى: أنّ صنعاءَ كانت امرأةٌ مَلِكةً، وبها سُمِّيت صنعاء ، وفي كتاب (( المعجم)) لأبي عبيد البكري : أنّ صنعاء كلمةٌ حبشيّةٌ ، ومعناها : وَثيقٌ حصينٌ . وإنّما قال ((صنعاء (اليَمَنِ))) !! بالإضافة ، احترازاً من صنعاء الشّام بباب دمشق. والمُراد أنّ مسافَة عَرضِهِ كالمسافة بين بُصرى وصَنْعَاء ، وهو مُرَبَّع ؛ لا يَزِيد طولُه ولا عَرْضُه . قال القاضي عياض : الحوض على ظاهره عند أهل السّنّة ، فيجب الإيمان به . وقال القُرطُبي : أَحاديث الحَوض مُتواتِرةٌ ، فقد رواه عن النّبِّ وَّ أكثرُ من ثلاثين، ورواه عنهم من التّابعين أمثالُهم، ثمّ لم تَزَل تلك الأحاديثُ تتوالى ؛ وتُشير الرُّواة إليها في جميع الأعصار إلى أنِ انتهى ذلك إلينا ، وقامت به حُجَّة الله علينا، فأجمع عليه السَّلَفُ والخَلَفُ . ( يَصُبُّ فِيْهِ مِيْزَابُ الكَوْثَرِ مَاءً) والكَوثَرُ : نهر في الجنّة ؛ حافَّتاه من الذّهب ، ومَجراه على الدُّرِّ واليَاقُوت، تُرْبَتُه أطيَبُ من المِسكِ، وماؤُهُ ( أَشَدَّ بيَاضاً مِنَ اللَّبَنِ ، وَأَلْيَنَ مِنَ الزَّبَدِ، وَأَحْلَى مِنَ الشَّهْدِ ) ؛ أي : العسل، وكِيزانُه عددُ نجومِ السّماء . ( مَنْ شَرِبَ مِنْهُ) شربة ( لَمْ يَظْمَأُ) بعدها ( أَبَداً) ؛ أي : لم يعطَشْ عطَشاً (١) أي: ((معجم البلدان)) . ٢٥٤ حَصْبَاؤُهُ اللُّؤْلُؤُ، وَبَطْحَاؤُهُ الْمِسْكُ، مَنْ حُرِمَهُ فِي الْمَوْقِفِ غَداً .. حُرِمَ الْخَيْرَ كُلَّهُ . أَلاَ .. فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرِدَهُ عَلَيَّ غَداً .. فَلْيَكْفُفْ لِسَانَهُ وَيَدَهُ إِلَّ مَّمَا يَنْبَغِي . فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا نَبِيَّ اللهِ ؛ أَوْصٍ بِقُرَيْشٍ . فَقَالَ: ((إِنَّمَا أُوصِي بِهَذَا الأَمْرِ قُرَيْشاً؛ وَالنَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ، يتأذى به ( حَصْبَاؤُهُ اللُّؤْلُؤُ، وَبَطْحَاؤُهُ) - أي: ترابه ــ ( المِسْكُ ) ، ورِيحهُ أطيَبُ من ريح المسك ، وخَصَّه !! لأَنّه أَطيبُ الطَّيْب . ( مَنْ حُرِمَهُ) ؛ أي : مُنع من الشُّرب منه ( فِي المَوْقِفِ غَداً ) أي : يوم القيامة ( حُرِمَ الخَيْرَ كُلَّهُ ، أَلاَ فَمَنْ أَحَبَّ أَنَ بَرِدَهُ عَلَيَّ) - بتشديد الياء - ( غَداً ) . عبَّر به !! لأنّ كلّ ما هو آتٍ قريبٌ، ( فَلْيَكْفُفْ لِسَانَهُ وَيَدَهُ إِلاّ فِيْمَا يَنْبَغِيْ))). وخصّهما !! لأنّهما أغلبُ ما يُحصِّل الفِعل ، وإلّ! فباقي الأعضاء كذلك . (فَقَالَ العَبَّاسُ) بن عبد المطّلب (: يَا نَبِيَّ اللهِ؛ أَوْصٍ بِقُرَيْشٍ ) ؛ بالصّرف - على الأصحّ - على إرادة الحَيِّ، ويجوز عدَمُه؛ على إرادة القَبيلة - وهم وَلَدُ النَّضر ابن كِنانة، وهو الصّحيح، أو وَلَّدُ فِهْر بن مالك بن النّضر، وهو قول الأكثر(١). وأوّل من نُسِب إلى قُريشٍ قُصَيُّ بن كِلاب ، وقيل : غير ذلك . وقيل : سُمُّوا باسم دابّةٍ في البَحر ؛ من أقوى دوابِّه !! لقوَّتهم ، والتَّصغير للتّعظيم . ( فَقَالَ) أي: النّبِيّ ◌َِّ: ((إِنَّمَا أُوْصِيْ بِهَذَا الأَمْرِ قُرَيْشاً، وَالنَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ ) - لفضلهم على غيرهم ، قيل : وهو خبرٌ بمعنى الأمر ، ويدلّ له قولُه في حديث آخر : ((قَدِّمُوا قُرَيْشاً، وَلاَ تَقَدَّمُوهَا)) . أخرجه عبد الرّزاق بإسنادٍ صحيحٍ ، (١) والصواب في هذه المسألة ما ذكره المؤلف في كتابه هذا (١٣١/١). ٢٥٥ بَرُّهُمْ لِبَرِّهِمْ، وَفَاجِرُهُمْ لِفَاجِرِهِمْ، فَأَسْتَوْصُوا - آَلَ قُرَيْشٍ - بِالنَّاسِ خَيْراً . يَا أَيُّهَا النَّاسُ ؛ إِنَّ الذُّنُوبَ تُغَيِّرُ النِّعَمَ وَتُبَدِّلُ الْقِسَمَ، فَإِذَا بَرَّ النَّاسُ .. بَرَّهُمْ أَئِمَّتُهُمْ، وَإِذَا فَجَرَ النَّاسُ .. عَقُّوهُمْ. ولكنّه مُرْسَلٌ ، وله شواهدُ ( بَرُهُمْ تَبَعٌ لِبَرِّهِمْ) - فلا يجوز الخروج عليهم - ( وَفَاجِرُهُمْ تَبَعٌ لِفَاجِرِهِمْ ) . وفي ((الصحيحين))؛ عن أبي هُرَيْرة: ((النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ، فِي هُذَا الشَّأْنِ ؛ مُسْلِمُهُمْ تَبَعٌ لِمُسْلِمِهِمْ، وَكَافِرُهُمْ تَبَعٌ لِكَافِرِهْم)) ... الحديث. قال الكرمانيُّ : هو إخبارٌ عن حالهم في مُتَقَدَّم الزّمان ، يعني : أنّهم لم يزالوا متبوعين في زمان الكُفر ، وكانت العَرَبُ تُقَدّم قريشاً وتُعظُّمهم . وزاد في ((فتح الباري)): لسُكْناها الحَرَمَ، فلما بُعِث النّبِيُّنَّهِ ودعا إلى الله تعالىُ توقّف غالب العَرب عن اتّباعه، فلمّا فُتِحَتَ مكّةُ ، وأسلمت قريشٌ تَبِعَتْهم العَرَبُ، ودخلوا في دين الله أفواجاً . انتهى. ذكره ((القُسْطُلأَّني)). (فَأَسْتَوْصُوْا) يا ( آلَ قُرَيْشٍ بِالنَّاسِ خَيْراً) بأن تحكُموا فيهم بالعَدل ، وَتَجْتَنبوا الجَورَ والظُّلمَ . ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ؛ إِنَّ الذُّنُوْبَ تُغَيِّرُ النَّعَمَ ) كما قال تعالى ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِرُ مَا بِقَوْمٍ حَّى يُغَيِّرُواْ مَا يَأَنْفُسِمْ﴾ [١١/ الرعد] ( وَتُبَدِّلُ الْقِسَمَ، فَإِذَا بَّ النَّاسُ؛ بَرَّهُمْ أَئِمَّتُهُمْ) وأمراؤهم ، ( وَإِذَا فَجَرُوْا) ؛ بأن عصَوا الله ولم يراقبوه (عَقُّوهُمْ ) ؛ أي : عقّهم أئِمَّتُهم وأُمراؤهم ؛ بمخالفة مطلوبهم وقطعِ الإحسان إليهم ، وغير ذلك . ٢٥٦ ٠ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِ بَعْضَ الظَِّينَ بَعْضًَا بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾)) [الأنعام: ١٢٩]. وَرَوَىْ أَبْنُ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ : ( قَالَ اللهُ تَعَالَى) في سورة الأنعام ( ﴿وَكَذَلِكَ ) - كما متّعنا عُصاةَ الإنس والجنّ ؛ بعضَهم ببعضٍ - ( نُوَلِّ) - من الولاية ؛ أي الإمارة ، أي: نُؤَمِّر ونسلِّطُ - (بَعْضَ النَّلِينَ بَعْضًا) - أي: على بعض - (بِمَا) - أي: لسبب ما - (كَانُواْ) - أي : البعض الثّاني - (يَكْسِبُونَ﴾))) من المعاصي. قال ابن عبّاس رضيَ الله تعالى عنهما في تفسير هذه الآية : هو أنّ الله تعالى إذا أَراد بقومٍ خيراً وَلَّى عليهم خيارَهم، وإذا أراد بقومٍ شرّاً وَلَّى عليهم شِرارَهم ، فعلى هذا القول إنّ الرَّعيَّةَ متى كانوا ظالمين؛ سلّط الله عزّ وجلّ عليهم ظالماً مثلَهم. فمَن أراد أن يَخلُّص من ظُلم ذلك الظّالم فليَتَرُكِ الظُّلم . انتهى. وفي الحديث: ((كَمَا تَكُونُوا يُولَّى عَلَيْكُمْ))؛ ذكره في (( الجامع الصغير)) مرمُوزاً له برمز الدّيلميّ في (( مُسنَدِ الفِردوس))؛ عن أبي بكرة ، وبرمز البَيْهَقيّ في (( سُنَتَه))؛ عن أبي إسحاق السَّبِيْعِي مُرسَلاً؛ أي: فإنِ اتَّقيتُم اللهَ وخِفتُم عقابَه ؛ وَلَّى عليكم مَن يخافُه فيكم ، وعكسُه ؛ حكمُه كحكم عكسِه ، ولهذا الحديث ؛ لمَّا سَمِعِ إِنسانٌ آخَرَ يَسبُّ الحَجَّاج ؛ قال له : لا تفعلُ !. وذكر الحديث ، بل يَنبغي الدُّعاءُ، بنحو ((اللّهمّ لا تُسلِّط عَلينا بذنوبنا من لاَ يَخافُكَ؛ ولاَ يرحَمُنا))، كما كان يفعلِ وَّ﴿ فإذا تَولَّى عليكم ظالمٌ فارجعُوا لأنفُسِكم، ولومُوها، فإنّه بسببٍ ظُلمِكم لبعضكم . والله أعلم . ( وَ) في ((الإِحياء )): (رَوَى ابْنُ مَسْعُوْدٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ ). قال العِراقيُّ: رواهُ ابن سعد في ((الطَبقات))، عن محمّد بن عمر (هو الواقديّ ) ؛ بإسنادٍ ضعيفٍ ؛ إلى ابن عون ؛ عن ابن مسعود ، وهو مُرسَلٌ ضعيفٌ - كما تقدّم ـ . انتهى. ٢٥٧ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لأَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ : ((سَلْ يَا أَبَا بَكْرٍ)). فَقَالَ: يَا رَسُولَ الهِ؛ دَنَا الأَجَلُ؟ فَقَالَ: ((قَدْ دَنَا اُلأَجَلُ، وَتَدَلَّى ». فَقَالَ: لِيَهْنَكَ يَا نَبِيَّ اللهِ مَا عِنْدَ اللهِ ، فَلَيْتَ شِعْرِي عَنْ مُنْقَلَبِنَ؟ فَقَالَ: ((إِلَى اللهِ، وَإِلَىْ سِدْرَةِ الْمُنْتُهَىْ، ثُمَّ إِلَى جَنَّةِ الْمَأْوَىُ ، وَالْفِرْدَوْسِ الأَعْلَىْ، وَأَلْكَأْسِ الأَوْفَى، وَالرَّفِيقِ الأَعْلَى، وَالْحَظّ وَأَلْعَيْشِ أَلْمُهَنََّ)) . فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ؛ مَنْ يَلِي غُسْلَكَ؟ قَالَ : (( رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ بَيِّتِي ؛ الأَذْنَى فَاَلأَذْنَى )). وكذا رواه الطَّبَرانيّ في ((الدُّعاء))، والواحديُّ في ((التّفسير)) بسنَدٍ واهٍ جدّاً ، إلى ابن مسعود ؛ مع مخالفةٍ في اللّفظ بالزّيادة والنَّقَص؛ كما في (( شرح الإحياء)) وغيره . ( أَنَّ النَِّيَّ ◌َ قَالَ لأَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: (( سَلْ يَا أَبَا بَكْرٍ)) . فَقَالَ : يَا رَسُوْلَ اللهِ دَنَا )؛ أي: قَرُب (الأَجَلُ؟! فَقَالَ)؛ أي المصطفىُ وَِّ (: ((قَدْ دَنَا الأَجَلُ، وَتَدَلَّى !))) وهو عبارةٌ عن غايَةِ القُرب . ( فَقَالَ : لِيَهْنِكَ يَا نَبِيَّ اللّهِ؛ مَا عِنْدَ اللهِ ) من النّعيم المُقيم بمجاورة الكريم ، ( فَلَيْتَ شِعْرِيْ عَنْ مُنْقَلَبِنَا !! )؛ أي: رجوعنا. ( فَقَالَ: ((إِلَى اللهِ) فَيُكْرِمِ مَثوانا ، ( وَإِلَىْ سِدْرَةِ المُنْتَهَىْ، ثُمَّ إِلَىْ جَنَّةِ المَأْوَى): الإقامة الدائمة (وَالفِرْدَوْسِ الأَعْلَىْ ) : صفةٌ كاشِفةٌ، لأنّ الفِردوس هو أعلى الجنّةُ وأوْسَطُها، (وَالكَأْسِ الأَوْفَىْ، وَالرَّفِيْقِ الأَعْلَىْ، وَالحَظِّ وَالعَيْشِ ): الحياة الدّائمة (المُهَنَّى))) الّذي لا يُنْغِّصُه شيءٌ . ( فَقَالَ : يَا نَبِيَّ اللهِ ؛ مَنْ يَلِيْ غُسْلَكَ؟ ) بعد موتك (قَالَ) يلي غسلي (: ((رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ بَيَّتِيْ، الأَنْنَى فَالأَذْنَى): الأقرب فالأقرب، وقد غسَّله ٢٥٨ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ فِيمَ نُكَفِّئُكَ؟ قَالَ: ((فِي ثِيَابِي هَذِهِ ، وَفِي حُلَّةٍ يَمَانِيَةٍ ، وَفِي بَيَاضٍٍ مِصْرَ )). عليّ بنُ أبي طالب رضي الله عنه، لحديث عليٍّ: أوصاني النبيُّ وَّهِ: ((لاَ يُغَسِّلُني إِلَّ أَنْتَ، فَإِنَّهُ لاَ يَرَىْ أَحَدٌ عَوْرَتِي، إلّ طُمِسَتْ عَيْنَاهُ)) . رواه البَزَّار والبَيْهَقي. وأخرج البَيْهَقيُّ؛ عن الشّعبي، قال: غَسَّلَ عليّ النَّبيَّ نَّهِ فكان يقول وهو يُغَسّله : بأبي أنت وأُمّي ؛ طِبتَ حيّاً وميّاً . وأخرج أبو داود، وصحّحه الحاكمُ؛ عن عليٍّ قال: غَسَّلتهِوَ﴿ فذهبتُ أَنظر ما يكون من الميِّت - أي: من الفَضَلات - فلم أَرَ شيئاً، وكان طَيِّباً حَيّاً ومَيّتاً . وكان العبّاس وابنُه الفَضْلُ يُعينانه في تَقليبِ جِسمِه الشّريف ، وقُثَم وأسامة بنُ زيد وشقران ((مولاه ديه)) يصبُّون الماءَ، وأَعْيُنُهم جميعاً معصوبةٌ؛ من وراء السِّتر . وغُسِّلِنَّهِ ثلاثَ غَسَلَاتٍ: الأُوْلىُ بالماء القُراح، والثّانية : بالماء والسِّدر ، والثّالثة : بالماء والكافور . وجعل عليٍّ على يدهِ خِرقةً، وأَدَخَلَها تحت القميص ، ثمّ اعتَصَر قميصَهِ ، وحَنّطوا مساجِدَه ومَفاصِلَه ، ووضَّؤْوا منه ذراعيه ووجهَه وكفّيه وقدَمَيه ، وجمَّروه عوداً ونداً . وذكر ابن الجوزي أنّه رُوِي عن جعفر الصّادق ؛ قال : كان الماء يَستنْقعُ في جُفون النّبِيّ ◌َّهِ؛ فكان عليٍّ يحسُوه. ( قُلْنَا: يا رَسُوْلَ اللهِ: فِيْمَ نُكَفِّنْكَ؟ قَالَ : ((فِي ثِيَابِيْ هَذِهِ ) الّتي عليّ، ( وَ) إن شِئْتُم (فِي حُلَّةٍ ) - بضمّ الحاء المهمَلة ، وشدّ اللّم -: ضَرْبٌ من بُرُود اليَمن، وهي إزارٌ ورِداءٌ، ولا تسمّى ((حُلّةً))، حتّى تكون ثَوبَيَن ( يَمَانِيَةٍ ) - بالألف وخِفَّة الياء ؛ على الأفصَحِ - لأنّ الألِفَ بدَلٌ من ياء النَّسَب، فلا يجتمعان. انتهى. ((زرقاني)). ( وَفِي) ثياب ( بَيَاضٍ مِصْرَ))) أي: في الثّياب البيض الّتي جاءتْه من مصر . ٢٥٩ فَقَالَ: كَيْفَ الصَّلاَةُ عَلَيْكَ مِنَّ؟ وَيَكَيْنَاَ، وَبَكَى ... ثُمَّ قَالَ : ((مَهْلاً غَفَرَ اللهُ لَكُمْ ، وَجَزَاكُمْ عَنْ نَبِّكُمْ خَيْراً . إِذَا غَسَّلْتُمُونِي روى ابن عبد الحكَم أنْ المُقَوْقِسَ أَهدَى له عليه الصّلاة والسّلام عشرين ثوباً من قَباطي مصر ، وأنّها بقيَت حتّى كُفِّن في بعضها . وفي حديث عروة ؛ عن عائشة رضي الله عنها قالت: كُفِّن رسولُ اللهِ وَّهِ فِي ثلاثةِ أَثواب بيضٍ سَحُوليّة . أخرجه النَّسائي من رواية عبد الرزّاق ؛ عن مَعْمَر ؛ عن الزُّهريّ ؛ عن عُروة ؛ عنها . واتّفَقَ عليه الأَئِمَّة السّنَّةُ ؛ من طريق هشام بن عروة ؛ عن أبيه ؛ عن عائشة ، بزيادة : من كُرْسُف ؛ ليس فيها قميصٌ ولا عِمامةٌ . وليس قوله(١): ((من كُرْسُف)) عند الترمذيّ ، ولا ابن ماجه، وزاد مسلم في روايةٍ عن عائشة: أما الحُلَّة! فإنما شُبّه على النّاس فيها، أَنَّها اشتُريَتْ له ليُكَفَّن فيها ؛ فتُركت الخُلَّة وكُفِّن في ثلاثة أثوابٍ بيضٍ سَحُوليّة ، فأخذها عبد الله بنُ أبي بكر الصّدّيق ، فقال: لأَحبِسَنّها حتّى أُكَفِّنَ فيها نفسي. ثمّ قال: لو رَضيَها الله لنبيّه ؛ لكفّنه فيها !! فباعها وتصدّق بثمنها . وهذا من عائشة يدلّ على أن قولَها ((ثلاثة أثواب)) عن علمٍ وإيقانٍ ؛ لا عن تَخمينٍ وحُسبان . وجاء في ((طَبَقات ابن سَعْد)) عن الشَّعبيّ: بيانُ الثّلاثة الأَثواب؛ بأنّها إزارٌ ورداءٌ ولُقافة. وقال التّرمذيّ: رُوِي فِي كَفَن النّبيّ وَّ﴿روايات مختلفة، وحديث عائشة أَصُ الأحاديث في ذلك ، والعَمَلُ عليه عند أكثر أهل العلم ؛ من الصّحابة ، وغيرهم . ( فَقَالَ: كَيْفَ الصَّلاَةُ عَلَيْكَ مِنَّا؟ وبَكَيْنَا) ؛ حزناً على فراقه (وَبَكَىْ) لبكائنا ، ( ثُمَّ قَالَ: ((مَهْلاً غَفَرَ اللهُ لَكُمْ، وجَزَاكُمْ عَنْ نَبِّكُمْ خَيْراً ، إِذَا غَسَلْتُمُونِيْ (١) الأحسن ((قولها)) عائد على عائشة. وإن ذكَّر الضمير على إرادة ((الراوي)) فلا بأس به. ٢٦٠