النص المفهرس

صفحات 201-220

عَلَى رَأْسِ الرَّجُلِ الَّذِي تُصِيبُهُ الْعَيْنُ مِنْ خَلْفِهِ صَبَّةً وَاحِدَةً .
القَدَحِ ( عَلَىْ رَأْسِ الرَّجُلِ الَّذِيْ تُصِيْبُهُ العَيْنُ مِنْ خَلْفِهِ صَبَةً وَاحِدَةً) يجري على
جسده ، ويكون غَسْل الأطرافِ المذكورة كلّها ؛ وداخلةُ الإزار في القَدَح . هكذا
رُوِيَ عن الزُّهري ، وقال : إنّه من العلم .
قال ابن عبد البَرِّ : وهو أحسنُ ما فُسّر به الحديث، لأنّ الزُّهْرِيّ راويه . قال
القاضي عياض : إنّ الزُّهري أخبر أنه أدرك العُلَماءِ يَصِفُونه واسْتَحْسَنه علماؤنا ،
ومضى به العمل . انتهى .
قال مُقَيِّدُه غفر الله ذنوبه : هذه الكَيْفيّة الّتي ذكرها غيرُ متعيّنة، بل يحصُل النَّفْع
بالاستِغْسال الآتي في حديث سهل بن حنيف ، وبأيّ كيفيّة كانت ؛ إذا غسَل
أطرافه ، وصبّ غُسالته على المَعيُون ؛ حصل النّفع بإذن الله تعالى ، ولذلك لم يبيّن
النّبِيّ وَ﴿ كيفيّة الاستِغْسَال، بل أطلق؛ إشارةً إلى ذلك. والله أعلم.
قال الزّرقاني: وهذا الغَسْلِ ينفَعُ بعد استحِكام النّظرة . أمّا عند الإصابة ؛ وقبل
الاستِحكام ؛ فقد أَرشد ◌َِّ إلى ما يَدفعه، بقوله: ((ألاَ بَرّكْتَ عَلَيْهِ)) !!. قال
أبو عمر : أيْ : قلتَ : تبارك الله أحسن الخالقين ، اللّهم بارك فيه . فيجب على
كلّ من أعجبه شَيءٌ أن يُبارِكَ، فإذا دعا بالبَرَكَة ، صُرِف المحذورُ لا محالة .
وللنَّسَائِيّ وابن ماجه ؛ عن أبي أمامة ، وابن السّنيّ ؛ عن عامر بن رَبيعة ،
كلاهما مرفوعاً: ((إِذَا رَأَىْ أَحَدُكُمْ مِنْ أَخِيْهِ مَا يُعْجِبُهُ ؛ فَلْيَدْعُ بِالبَرَكَةِ » .
وروى ابن السّنّي ؛ عن سعيد بن حكيم؛ قال: كان ◌َّ إذا خاف أن يصيب
شيئاً بعينه، قال: ((اللَّهُمَّ؛ بَارِكْ فِيْهِ وَلاَ تَضُرَّهُ)) . انتهى .
قال المازري : وهذا المعنى - يعني الاغتسال بالصّفة المذكورة - لا يمكن
تعليلُه ، ومعرفةُ وَجهه من جهة العقل ، وليس في قوّة العَقْلِ الاطّلاعُ على أسرار
جميع المعلومات !! فلا يُرَدُّ لكونه لا يُعقَل معناه ! .
وقال ابن القَيِّم: هذه الكَيفيّةُ لا ينتفع بها مَنْ أنكرها ، ولا من سَخِر منها ،
٢٠١

.
ولا مَنْ شكّ فيها ، أو فعلها مُجَرِّباً غير معتقدٍ ، وإذا كان في الطّبيعة خواصُ
لا يعرِف الأَطبّاء عِلَلَها ؛ بل هي عندهم خارجةٌ عن القياس وإنما تفعل بالخاصيّة ؛
فما الّذي يُنكِرِه جهَلَتُّهم من الخواصّ الشرعيّة ؟ هذا مع أنّ في المُعالجة بالاغتسال
مناسبةً لا تأباها العقولُ الصّحيحةُ ، فهذا تِرِياقُ سُمِّ الحيّة يُؤْخَذُ من لَحمها ! وهذا
علاج النّفس الغَضَبيّة ، بوضع اليد على بدَن الغَضبان ، فيسكُن ! فكان أثر تلك
العين ، كشُعلةِ نارٍ ، وقعَت على جسدٍ ففي الاغتسال إطفاءٌ لتلك الشُّعلة .
ثمّ لمّا كانت هذه الكيفيّة الخبيثةُ تظهَر في المواضع الرّقيقة من الجسد لشدَّة
النُّفُوذ فيها ولا شيءَ أَرُّ من المَغابن ؛ فكان في غسلها إبطالٌ لعملها .
ولا سيَّما أن للأرواح الشَّيطانيّة في تلك المواضع اختصاصاً .
وفيه أمر آخر : وهو وصول أثر الغَسل إلى القَلب ، من أرق المواضع وأسرعها
نفاذاً ، فتُطفأ تلك النّار التي أثارتها العين بهذا الماء ؛ فيشفَى المَعين . انتهى .
وقال ابن القَيّم أيضاً : والغَرض العلاج النّبويّ الواردُ في الأحاديث ؛ من الرُّقِىّ
بالأدعية ، ونحوها لعلّة الإصابة بالعين .
فمن التَّعوُّذات والرُّقى الإكثارُ من قراءة المعوّذتين ، لحديث عائشة السّابق:
كان إذا اشتكى، يقرأُ على نفسه بالمعوِّذات وينفُثُ. ولحديثها أيضاً: كان وَلِّ إذا
أوى إلى فراشه كلّ ليلة جمع كفّيه؛ ثمّ نفَث فيها، ثمّ يقرأ: ((قُلْ هُوَ اللهُ أَحد))،
و((قُل أَعوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ ))، و((قُل أعوذُ بِرَبّ النّاسِ))، ثمّ مسحَ بهما ما استطاع من
جسده ؛ يفعَل ذلك ثلاثَ مرات . رواه البخاري .
ومنها الإِكثارُ من قراءة ((الفاتحة))؛ لحديث (( الصحيحين )) في الّذي رقى
اللّدِيغَ بالفاتحة؛ فقالِ: (( وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ)» ؟.
وروى البيْهَقيُّ في ((الشُّعَب))؛ عن جابر رفعه: ((أَلاَ أُخْبِرُكَ بِخَيْرِ سُؤْرَةٍ نَزَلَتْ
فِي القُرآنِ؟)) قلت: بلى. قال: ((فَاتِحَةُ أُلْكِتَابِ)). قال راويه: وأَحسبه قال
((فِيْهَا شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ )) .
٢٠٢

وللبَيَهَقيِّ ولسعيد بن منصور ؛ عن أبي سعيد مرفوعاً («فَاتِحَةُ الكِتَابِ شِفَاءٌ مِنَ
السُّمِّ )» .
ومنها قراءةُ آية الكرسي . روى الدّيلَميّ ؛ عن أبي أُمامة : سمِعت علياً يقول:
ما أرى رجلاً أدرك عقله في الإسلام؛ يَبيتُ حتّى يقرأ هذه الآية ﴿اَللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلََّّ هُوَّ
﴾ [البقرة] فلو تعلمون ما هي
٢٥٥
الْحَىُّ الْقَيُّومُ﴾ [٢٥٥/ البقرة]، إلى قوله ﴿ وَهُوَ اَلْعَلِىُّ اَلْعَظِيمُ
أو ما فيها؛ لما تركتُموها على حالٍ !! إِنّ رسول الله وَ ﴿ قال: ((أُعْطِيْتُ آيَّةَ الْكُرْسيِّ
مِنْ كَتْزِ تَحْتَ العَرْشِ، وَلَمْ يُؤْتَهَا نَبِيِّ قَبْلِي ».
قال عليٍّ: فما بِتُّ ليلةً منذ سمعتُه من رسول الله ،وَ له حتّى أقرأها.
قال أبو أُمامةُ : وما تركتُها منذ سمعتُها من عليّ، ثمّ سلْسَله الباقون .
((الدّيلَميّ)).
وفي خبر : ((سَيِّدُ البَقَرةِ آيَةُ الْكُرْسِيّ ، أَمَا إِنْ فِيْهَا خَمْسَ آيَاتٍ، فِي كُلِّ كَلِمَةٍ
خَمْسُونَ بَرَكَةً )) .
ومنها التَّعَوُّذات النّبويّة؛ نحو : ((أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ اٌلْتَّامَّة، مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ
وَهَامَّةٍ . وَمِنْ كُلِّ عَيْنِ لاَمَّةٍ )). ونحو ((أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ اٌلَّامَّاتِ ، أَّتِي
لاَ يُجَاوِزُهُنَّ بَرٍّ وَلاَ فَاجِرٌ، مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَبَرَأَ وَذَرَأَ، وَمِنْ شَرِّ مَا يَنْزِلُ مِنَ
السَّمَاءِ ، وَمِنْ شَرِّ مَا يَعْرُجُ فِيْهَا، وَمِنْ شَرِّ مَا ذَرَأَ فِي الأَرْضِ، وَمِنْ شَرِّ مَا يَخْرُجُ
مِنْهَا، وَمِنْ شَرِّ فِتَنِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَمِنْ شَرِّ طَوَارِقِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، إِلَّ طَارِقاً يَطْرُقُ
بِخَيْرِ يَا رَحْمُنُ )) .
وإذا كان الشَّخص يخشى ضررَ عِينِهِ ؛ وإصابتها للمَعين ! فليدفع شرّها بقوله
((اللّهم بارِك عليه))، كما قال ◌َّجُ لعامر بن ربيعة: لمّا عان سهلَ بن حُنَيَف: ((أَلاَ
بَرَّكْتَ عَلَيْهِ))؛ أي: قلتَ ( بارَكَ الله فيك). انتهى من (( المواهب))
و(( شرحها)).
٢٠٣

وحديث سهل بن حُنيف الّذي أشار إليه هو ما أخرجه الإمام أحمد ،
والنَّسَائي ، وصححه ابنُ حِبّان ؛ من طريق الزُّهري ؛ عن أبي أمامة بنِ سهل بن
حنيف: أنّ أباه سهل بن حنيف حدّثه أنّ النَّبيَّ ◌َ﴿ خرج وساروا معه نحو ماء ، حتّى
إذا كان بشِعب الخزَّار من الجُحفة ؛ اغتَسل سهلُ بنُ حنيف .
وفي رواية مالكٍ ؛ عن محمّد بن أبي أمامة ؛ عن أبيه : فنزَع سهلٌ جُبّةً كانت
عليه ؛ وكان أبيض حسن الجسم والجلد فنظر إليه عامر بن ربيعة ، فقال : ما رأيت
كاليوم ، ولا جِلْدَ مُخَبَّأة !! ؟ وفي رواية: مالك المذكورة: ولا جِلْد عذراء، فلُبِطَ
سهلٌ - أي: صُرِعَ وسقَط إلى الأرض ..
وفي رواية مالك : فوُعِكَ سهلٌ مكانَه واشتَدّ وعكُه ، زاد في رواية : حتّى
ما يعقِل لشِدّة الوَجَع !! فأتى رسولَ الله ◌َّ ر - زاد مالك ؛ عن ابن شهاب ؛ عن
أبي أُمامةَ - فقيل له : يا رسول الله: هَلْ لَكَ فِي سَهْل بن حُنَيف؟ والله ما يَرْفَع
رأسَه؟! فقال: ((هَلْ تَّهِمُونَ مِنْ أَحَدٍ!)). قالوا: عامر بن ربيعة.
وفي رواية ((مالك))؛ عن محمّد بن أبي أُمامة؛ عن أبيه: فأُتي رسولُ الله وَّ
فأُخبِرِ أنّ سَهْلاً وُعِكَ ، وأنّه غيرُ رَائِح معك، فأتاه ◌َليزر ، فأخبره سَهْلٌ بالذي كان من
شأن عامر بن ربيعة، فدعا عامراً؛ فتغيّظ عليه، فقال: (( عَلَاَمَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ
أَخَاهُ!؟)) - زاد في رواية : - (( وَهُوَ غَنِيٌّ عَنْ قَتْلِهِ؟؟ هَلَأَّ إِذَا رَأَيْتَ مَا يُعْجِبُكَ
بَرَّكْتَ؟!)). ثمّ قال: ((إِغْتَسِلْ لَهُ ».
ولمالك؛ عن محمّد : ((تَوَضَّأْ لَهُ)) . فغسَل عامِرٌ وجهَه ويديه - وفي رواية -
وظاهر كفّيه ومِرفَقيه . زاد في رواية : وغسل صدرَه ورُكبتَيه ، وأطراف رجليه ،
وداخِلَةَ إِزاره في قَدَح . زاد في رواية: قال: وحسِبتُه قال: وأَمَرَهُ فحَسا منه
حَسَوات ، ثمّ صبّ ذلك الماءَ عليه رجلٌ من خلفه على رأسه ؛ وظهره ؛ ثمّ كَفَأَ
القَدَح ، ففعل ذلك ؛ فراح سَهْلٌ مع النّاس ؛ ليس به بأس . انتهى .
٢٠٤

وَمِمَّا يَدْفَعُ إِصَابَةَ الْعَيْنِ :
- قَوْلُ : ( اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَيْهِ ) .
- وَقَوْلُ: ( مَا شَاءَ اللهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ ) .
( وَمِمَّا يَدْفَعُ إِصَابَةَ العَيْنِ قَوْلُ: اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَيْهِ ) ، فإنّ ذلك يُبطِلِ ما يُخاف
من العين ، ويُذهِب تأثيرَه . ذكره الباجيّ .
( وَ) ممّا يَدفعُها أيضاً (قَوْلُ: مَا شَاءَ اللهُ، لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ) كما قال تعالى
﴿وَلَوْلَا إِذْدَ خَلْتَ جَنَّنَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ اَللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّ بِاللَّهِ﴾ [٣٩/ الكهف] .
وقال ◌َله: ((مَنْ رَأَىُ شَيْئاً. فَأَعْجَبَهُ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللهُ، لاَ قُوّةَ إِلاَّ بِاللهِ ،
لَمْ يَضُرَّهُ ». رواه البزار ؛ وابن السُّنِّي ؛ عن أنس .
ففيهما استحباب هذا الذّكر عند رؤية ما يُعجب .
واستَدلَّ مالك بالآية على استحبابه لكلّ مَن دخل منزله ؛ كما قاله ابن العربي .
وأخرج ابن أبي حاتم ؛ عن مطرّف قال : كان مالكٌ إذا دخل بيتَه قال :
(( ما شاء الله، لا قُوّة إلّ بالله )). قلتُ له: لِمَ تقول هذا؟ قال: ألا تَسمَعُ الله تعالى
يقول ... وتلا الآية . وأخرج عن الزُّهري مثله .
وممّا يدفَع إصابة العين أيضاً رُقِيَّةُ جِبْرِيل النّبيَّ نَ ◌ِّ، كما رواه مسلم في
((الطّبّ)) عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أنّ جِبْرِيل أتى النّبيّ وَّه فقال:
يا محمّد: أشتَكَيتَ؟ قال: ((نَعَمْ )). قال: باسم الله أَرْقِيْكَ، مِنْ كُلّ شيءٍ
يُؤذيك، من شرّ كلِّ ذي نَفْس ، أو عين حاسدٍ ، اللهُ يَشفيك ، باسم الله أَرْقيك )).
وعند مسلم أيضاً في (( الطّبّ))؛ من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها :
كان جبريلُ يَرقي النَّبِيَّ وَ لِهِ إذا اشتكى قال: باسم الله يُبريك، ومن كلّ داءٍ
يَشفيك ، ومن شرّ حاسدٍ إذا حسد ، ومن شرّ كلّ ذي عينٍ . انتهى . والله سبحانه
وتعالى أعلم .
٢٠٥

الْفَضْلُ الثَّانِي
فِي ◌ِنِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَفَاتِهِ
عَنِ آَبْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: مَكَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ ثَّلاَثَ عَشْرَةَ سَنَّةٌ يُوحَى إِلَيْهِ ،
( الفَصْلُ الثَّانِيْ )
من البابِ الثّامن ؛
( فِيْ ) ما جاء في ( سِنِّهِ وَلَِّ )
أي : مقدار عُمُرُه الشّريف، والسّنُّ بهذا المعنىُ مُؤَنَّثَةٌ، لأنّها بمعنى المُدّة .
( وَ) في ما جاء في ( وَفَاتِهِ )
أي: تمام أجله الشّريف، فإنّ الوَفاة - بفَتْح الواو -: مصدر وَفَى يفي
- بالتخفيف - أي : تمّ أَجلُه .
وهذا الفَصْلِ مضْمُونُهُ يُسكب المدامعَ من الأجفان ، ويَجلُب الفجائِعِ لإِثارة
الأحزان ، ويُلهِب نيرانَ المَوْجِدة على أكباد ذوي الإِيمان .
أخرج البخاريّ في (( الهجرة ، والمغازي، وفضائل القرآن))، ومسلم في
((الفضائل))، والتِّرْمِذِيّ في ((الجامع))؛ في (( كتاب المناقب))، وأخرجه في
((الشّمائل))؛
( عَنِ أَبْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ : مَكَثَ) - بفتح الكاف وضمّها -
أي: لَبِثِ (النَّبِيُّ ◌ََّ) بعد البِعِثَة (بِمَكَّةَ) الّتي هي أفضل الأرض عند الشّافعي ؛
حتى على المدينة المنوّرة ، وعكس مالكٌ الإمامُ .
وسُمّت مكةً : لأنّها تَمُكُّ الذُّنوب ؛ أي : تُذْهِبُها ، ولها أسماء كثيرة .
( ثَلاَثَ عَشْرَةَ سَنَةً) هذا هو الأصخُ ، وغيره! محمول عليه ( يُؤْحَى إِلَيْهِ ) ؛
٢٠٦

وَبِالْمَدِينَةِ عَشْراً ، وَتُؤُفِّيَ وَهُوَ أَبْنُ ثَلاَثٍ وَسِّينَ .
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُوُفِّيَ وَهُوَ أَبْنُ
خَمْسٍ وَسِتِّينَ .
أي : باعتبار مجموعها ، لأنّ مُدّةَ فترةِ الوَحي ثلاثُ سنينَ ، من جُملتها ، ورُوِي :
عشرَ سنين ، وهو محمول على ما عدا مُدّة فترةِ الوحي ، ورُوِي أيضاً خَمسَ عشرة
سنةً؛ في سبعةٍ منها يَرى نوراً ويسمعُ صوتاً ؛ ولم يرَ مَلَكاً . وفي ثمانيةٍ منها يُوحى
إليه .
وهذه الرّواية مخالفةٌ للأُولى مِن وجهين :
الأَوّل في مُدّة الإقامة بمكّة بعد البِعْثَة ؛ هل هي ثلاثةَ عشر ؟ أو خمسةَ عشر .
والثّاني : في زَمَن الوَحي : هل هو ثلاثَ عشرةَ ؛ أو ثمانية .
( وَبِالمَدِيْنَةِ عَشْراً)؛ أي: عشرَ سنين باتفاقٍ، فإنّهم اتّفقوا على أنّه وَّ أقام
بالمدينة بعد الهجرة عشرَ سنينَ ، كما اتّفقوا على أنّه أقام بمكّة قبل البعثة أربعينَ
سنةٌ، وإنّما الخلافُ في قدر إقامته بمكّة بعد البعثة !! والصّحيحُ أنه ثلاثَ عشرةَ سنة.
( وَتُوُفِّيَ ) - بالبناء للمجهول - أيّ: تَوَفّاه اللهُ تعالى؛ أَي: مات ( وَهُوَ أَبْنُ
ثَلاَثٍ وَسِتِينَ ) سنةً، واتّفق العُلَماء على أنّ هذه الرّواية أَصحُ الرّوايات الثّلاثِ
الواردة في قَدْرِ عُمرهِمَّر، وقد رواها مسلم؛ من رواية عائشة ، وأنس ؛ وابن
عبّاس رضي الله تعالى عنهم .
والثّانية : أنّه تُؤُفِّي وهو ابن ستّين سنةً ، وهي محمولةٌ على أنّ راويَها اقتصر
على العُقود وألغى الكسر .
والثالثة : أنّه تُوُفّي وهو ابن خمس وستين سنةً ، وهي محمولةٌ على إدخال سنةٍ
الولادةِ وسنةِ الوَفاةِ ، أو حصل فيها اشتباه . والله أعلم .
( وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ)؛ أي: ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما (أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ وَلـ
تُؤُنِّيَ وَهُوَ أَبْنُ خَمْسٍ وَسِتِّيَّنَ ) سنةً، أي : بحُسبان سنتَي الولادة والوفاة كما تقدّم
٢٠٧

وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَفَّاهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى رَأْسِ سِتِينَ سَنَةً .
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
مَاتَ وَهُوَ ابْنُ ثَلاَثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً .
وَعَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمِ الأَسَدِيِّ، عَنْ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ:
أَنَّهُ سَمِعَهُ يَخْطُبُ ، قَالَ :
التّنبيه عليه آنفاً ؛ على أنّه قد أَنكر عُروةُ بن الزّبير على ابن عبّاس قولَه : خمس وستّين ،
ونَسَبَهُ إلى الغَلَط، وأنّه لم يُدرِك أوّل النُّبوّة، ولا كَثْرةَ صُحبته ، بخلاف الباقين .
( وَ) أَخرج الثِّرمِذيّ في ((الشّمائِل))؛ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ
أَنَّ رَسُوْلَ اللهِنَّهِ تَوَفَّاهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى رَأْسِ سِتِيِّنَ سَنَةً ) ؛ أي : بإلغاء الكسر ، فلا
ينافي روايةَ أنّه تَوَفّاه الله تعالى وهو ابن ثلاث وستين سنة ، الّتي هي أصحُ الرِّوايات ؛
وأشهرُها رواها البُخاري من رواية ابن عبّاس ؛ ومعاويةً ، ومسلم من رواية عائشة ؛
وابن عبّاس ؛ ومعاويةً أيضا رضي الله تعالى عنهم .
( وَ) أخرج مسلم، والتِّرمِذِي في ((الشّمائِل))؛ (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى
عَنْهَا أَنَّ الشَِّيَّ نَّهِ مَاتَ وَهُوَ أَبْنُ ثَلاَثٍ وَسِتَيْنَ سَنَةً) قد علمتَ أنْ هذه الرّواية أَصُ
الرّوايات وأشهرُها .
( وَ) أخرج البُخاريّ، ومُسلم، والتِّرمِذِي في ((الشّمائِل))؛
(عَنْ جَرِيْرِ بْنِ حَازِمِ الأَسَدِيِّ ) حضر جَنَازة أبي الطُّفَيل بمكّة، وسمِع رجاءً
العُطارديّ ، والحسن . وعنه ابنه ، وابن مَهدي . ثقةٌ؛ لكنّه اخَتَلط ، فحجَبَه
أولادُه ؛ مات سنةَ : سبعين ومائة .
( عَنْ مُعَاوِيَّةَ ) بنِ أبي سُفيان بن حرب بن أمّيّة ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ)
( أَنَّهُ) ؛ أي : جرير ( سَمِعَهُ) ؛ أي معاوية ( يَخْطُبُ ) ؛ أي : حالَ كونه
خطيباً ( قَالَ :
٢٠٨

مَاتَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ أَبْنُ ثَلاَثٍ وَسِتِينَ ، وَأَبُو بَكْرٍ
وَعُمَرُ . وَأَنَا أَبْنُ ثَلاَثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً .
قَوْلُهُ: ( أَنَا أَبْنُ ثَلاَثٍ وَسِتِّينَ ) الْمُرَادُ: أَنَّهُ كَانَ كَذَلِكَ وَقْتَ تَحْدِيثِهِ
بِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَلَمْ يَمُتْ فِيهِ ، بَلْ عَاشَ حَتَّى بَلَغَ نَحْوَ ثَمَانِينَ سَنَّةً .
مَاتَ رَسُوْلُ اللهِّهِ وَهُوَ أَبْنُ ثَلاَثٍ وَسِتِينَ ) ؛ أي : والحالُ أنّه ابن ثلاث وستين
سنةً .
( وَأَبُوْ بَكْرٍ وَعُمَرُ ) مرفوعان بالابتداء ، والخبر محذوفٌ تقديره : كذلك.
أمّا أبو بكر ! فمتفَّقٌ عليه أنّه مات وعمره ثلاث وستّون .
وأما عمر ؛ فعلى الأصحّ أنّه عمره ثلاث وستّون .
ولم يَذْكُر عثمان رضي الله تعالى عنه! لأنّه قُتِل وله من العمر ثِنْتان وثمانون
سنةً ، وقيل : ثمان وثمانون .
ولم يذكر علياً رضي الله تعالى عنه وكرّم الله وجهه! مع أنّ الأصحّ أنّه قُتِل وله
من العمر ثلاث وستّون . وقيل : خمس وستّون ، وقيل : سبعون ، وقيل : ثمان
وخمسون !! للاختلاف الواقع فيه ، أو لعدم معرفته بعمره ، بسبب تعدّد الرّوايات .
والله أعلم .
ثم استأنَفَ معاوية رضي الله تعالى عنه ؛ فقال : ( وَأَنَا أَبْنُ ثَلاَثٍ وَسِتِيْنَ سنةً )
أي : أنا متوقعٌ أن أموت في هذا السّن ؛ موافقةً لهم ، لكنّه لم ينَ مطلوبَه
ومتَوقَّعَه ، بل مات وهو قريبٌ من ثمانين ، كما سيأتي للمصنّفَ .
( قَوْلُهُ) ؛ أي : معاوية ( أَنَا أَبْنُ ثَلاَثٍ وَسِتَّيْنَ: المُرَادُ) بهذا الكلام ( أَنَّهُ) ؛
أي معاوية ( كَانَ كَذَلِكَ ) ؛ أي : كان عُمره ثلاثاً وستّين سنةً (وَقْتَ تَحْدِيْثِهِ بِهَذَا
الحَدِيْثِ، وَلَمْ يَمُتْ فِيْهِ ) ؛ أي: في هذا السّن، ( بَلْ عَاشَ) ؛ أي: طَال عُمره
(حَتَّى بَلَغَ نَحْوَ ثَمَانِيْنَ سَنَةً) قيل : بلغ ثمانياً وسبعين ، وقيل : سّاً وثمانين ،
وقيل : ثمانين سنةً .
٢٠٩

وَأَمَّا وَفَاةُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَـ
وأحسن العُمر: ثلاثٌ وستُّون، كعمرهِنَّهِ وصاحبيه، ولهذا لمّا بلغ بعضُ
العارفين هذا السّنّ ، هيّأَ له أسبابَ مماته ؛ إيماءً إلى أنّه لم يبقَ لذَّةٌ في بقيّة حياته .
والله أعلم .
(وَأَمَّا وَفَاةُ رَسُوْلِ اللهِنَّهِ فَ) -هي مصيبة الأوّلين والآخرين من المسلمين،
ولمّا كان الموت مكروهاً بالطبّع ، لما فيه من الشّدة والمشقة العظيمة ؛ لم يمُت نبيٌّ
من الأنبياء حتّى يُخَيَّر .
وأولُ ما أُعلِمِ النَُّّ وَّهِ من انقضاء عُمرِه باقتراب أجله؛ بنزول سورة ﴿إِذَا جَآءَ
نَصْرُ اللَّهِ وَاَلْفَتْحُ ﴾﴾ [النصر] فإنّ المُرادَ من هذه السُّورة نَعِيُّ رسول الله وَلّ؛ أي:
إنّك يا محمّد إذا فَتَح الله عليكَ البِلادَ ، ودخل النّاسُ في دينك ، الّذي دعَوتَهم إليه
أفواجاً؛ فقد اقترب أَجلُك، فتهيَّأْ للقائِنا بالتحميد والاستغفار ، فإنّه قد حصَل منك
مقصودُ ما أُمِرتَ به ؛ من أداء الرِّسالة والتَّبليغ ، وما عندنا خيرٌ لك من الدّنيا ،
فاستَعِدَّ للنّقْلة إلينا .
وكان عليه الصّلاة والسّلام يَعرِض القرآن كلّ عامٍ على جبريلَ مرّةً ، فعرضَه ذلك
العامَ مرّتين في رمضان؛ كما في ((الصّحيحَين)) من حديث عائشة رضي الله تعالى
عنها .
وكان عليه الصّلاة والسّلامِ يعتَكِف العشرَ الأَواخرَ من رمضانَ كلّ عام ؛
فاعتكف في ذلك العام عشرين ، وأكثرَ معهن الذكر والاستغفار .
وروى الشيخان ؛ من حديث عُقبة بن عامر الجُهَني ؛ قال :
صلى رسول اللّه ◌َله على قَتْلى أُحُدٍ؛ صلاتَه على المَيْت بعد ثمانٍ سنين ،
كالمُوَدّعِ لِلأَحياء والأموات ، ثمّ طلَع المنبر ؛ فقال :
((إِنِّي بَيْنَ أَيْدِنْكُمْ فَرَطْ، وَأَنَا عَلَيْكُمْ شَهِيْدٌ، وَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْحَوْضُ ، وَإِنِّي
لَنْظُرُ إِلَيْهِ وَأَنَا فِي مَقَامِي هُذَا، وَإِنّي قَدْ أُعْطِيْتُ مَفَاتِيْحَ خَزَائِنِ الأَرْضِ ، وَإِنِّي لَسْتُ
٢١٠

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ : آخِرُ نَظْرَةٍ نَظَرْتُهَا إِلَى
رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَشَفَ السَِّارَةَ يَوْمَ الإِثْنَيَّنِ ،
أَخْشَى عَلَيْكُمْ أنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي !! ، وَلُكِنِّي أَخْشَىْ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا أَنْ تَنَفَسُوا
فيها !! )) .
وما زال ◌َ﴿ يُعرِّض باقتراب أَجَله في آخر عمره، فإنه لما خطَب في حِجّة
الوداع؛ قال للنّاس: ((خُذُوا عَنِي مَنَسِكَكُمْ، فَلَعَلِّيْ لاَ أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا! ».
وطفِقِ يودِّع النّاس، فقالوا: هذه (( حجةُ الوداع ».
واختُلِف في مُدّةٍ مَرَضه ، والأكثر أنّها ثلاثَة عشرَ يوما ، وهو المشهورُ .
وكان ابتداءُ مرَضه في بيت ميمونة ؛ كما ثبت في « الصحيحين ))، واشتدادُ
مرضه في بيت عائشة رضي الله تعالى عنها . وابتدأ به المرضُ يومَ الاثنين ، وقيل :
يومَ السَّبت ، وقيل : يومَ الأربعاء .
وشدّة مَرضه الّتي انقطع بها عن الخروج في بيت عائشة كانت سبعةً أيّام ،
وما زاد عليها ؛ فهو قبل اشتداده الّذي انقطع به .
وفي البُخاريّ ومسلم: قالت عائشةُ رضي الله تعالى عنها: لمّا ثَقُل برسول الله
وَّه واشتدَّ وجعُه استأذن أزواجه أن يُمرَّض في بيتي، فأَذِنَّ له ... الحديث.
وأخرج ابن ماجه، والتِّرمذي في ((الشّمائِل))؛ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ رَضِيَ اللهُ
تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: آخِرُ نَظْرَةٍ نَظَرْتُهَا إِلَى رَسُوْلِ اللهِنَّهِ كَشَفَ) أي: رفع ( السَِّارَةَ)
المعلّقة على باب بيته الشّريف ، أي: أمر برفعها. وهي - بكسر السّين المهملة - :
مَا يُستَر به، فقولُه ((آخر نظرة)) مبتدأٌ، وخبرُه ما دلّ عليه ((كشف))، وجملةُ
((كَشَفَ السّتارة )» في محلّ نصب على الحال ، بتقدير ((قد))؛ أي: آخر نَظَري إلى
وجهه حال كونه قد كشف السِّتارة ( يَوْمَ الاثْنَيْنِ ) - منصوب على الظَّرفية - . وقيل :
إنّه مرفوع على أنه خبرٌ ، مع تقدير مضافٍ قبل المبتدأ ، والتّقدير : زمنُ آخرِ نظرةٍ
نظرتُها إلى رسول الله وَّرِ هو يومُ الاثنين.
٢١١

فَنَظَرْتُ إِلَى وَجْهِهِ كَأَنَّهُ وَرَقَهُ مُصْحَفٍ ، وَاَلنَّاسُ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ ،
فَكَادَ النَّاسُ أَنْ يَضْطَرِبُوا، فَأَشَارَ إِلَى النَّاسِ: أَنِ أَثْبُتُوا وَأَبُو بَكْرٍ
يَؤُمُّهُمْ، وَأَلْقَىْ الشَّجْفَ، وَتُؤُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ
آخِرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ .
( فَنَظَرْتُ إِلَى وَجْهِهِ ) الشّريف (كَأَنَّهُ وَرَقَةُ) - بفتح الرّاء - ( مُصْحَفٍ ) - مثلث
الميم ، والأشهر ضمُّها -، وهو كِناية عن الجَمال البارع وحسنِ البَشَرة ، وصَفاء
الوَجه ، واستنارته ؛ قاله الزّرقاني.
( وَالنَّاسُ خَلْفَ أَبِيْ بَكْرٍ ) الصّدّيق رضي الله تعالى عنه ؛ قد اقتدَوا به في صلاة
الصُّبح بأمرِهِوَّه، (فَكَادَ النَّاسُ أَنْ يَضْطَرِبُوْا) في صلاتهم بأن يَخرجُوا منها فرحاً
برسول الله وَله، لاعتقادهم خُرِوجَهُ وَ لِ ليُصَلِّي بهم، (فَأَشَارَ) رسول الله وَِّ (إِلَى
النَّاسِ: أَنِ أَثْبُوْا ) مكانكم في صَلاتكم. و((أنْ)) تفسيريةٌ لمعنى الإشارة ؛ لِمَا في
الإِشارة من معنى القَول، فهو نظير قوله ﴿فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنِ أَصْنَعِ اَلْفُلْكَ﴾ [٢٧/ المؤمنون].
( وَأَبُو بَكْرٍ يَؤْقُّهُمْ) ؛ أي : يصلّي بهم إماماً في صلاة الصبّح بأمره ، حيث
قال: ((مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ » .
( وَأَلْقَىْ)؛ أي: أرخى ( السَّجْفَ) - بكسر السّين وفتحها - أي: السِّتر،
وهو الّذِي عَبّر عنه أولاً بالسّتارة .
( وَتُؤُنِّيَ) - بصيغة المجهول - (رَسُوْلُ اللهِ لَّ مِنْ آخِرِ ذَلِكَ اليَوْمِ ) ؛ وهو يومُ
الاثنين، وكان ابتداءُ مَرَضِهِ وَّهِ من صُداعٍ عَرَض له، ثُمّ اشتدّ به؛ حتّى صار
يقول: ((أَيْنَ أَنَا غَداً .. أَيْنَ أَنَا غَداً ؟ )) ثمَّ اُستَأذَنَ أزواجه أن يُمَرّض في بيت عائشة
لمحبّته لها ؛ معَ عِلمه بأنّ بيتَها مَدْفَنُه، فَأَذِنَّ له أن يُمرَّض عندها، وامتدَّ به
المَرَض ، حتّى مات في اليَومِ الثّاني عشرَ من ربيعِ الأَوّل، وكان يومَ الاثنين .
وكونه تُوُنّي آخر ذلك اليَوم لا يُنافِي جَزْمَ أَهل السِّيَر بأنّه مات حين اشتدّ
الضُّحى !! بل حكى صاحبُ ((جامع الأصول)»: الاتِّفاق عليه، لأنّ المرادَ بقولهم
٢١٢

(( تُؤُفّي ضُحىَ)): أنّه فارَقَ الدُّنيا، وخرجَت نفسُه الشَّريفةُ في وقت الضُّحى،
والمُراد بكونه تُؤُفّي في آخر اليوم أنّه تحقّق وفاتُه عند النّاس في آخر اليوم .
وذلك أنّه بعد ما تُؤُنّي حصل اضطراب واختلافٌ بين الصّحابة في موته ، فَأَنْكَر
كثيرٌ منهم موتَه ؛ حتّى قال عمر: مَنْ قال (( إنّ محمّداً قد مات ؛ قتلتُه بسيفي
هذا))؟! فما تحقّقوا وفاتَه إلّ في آخر النّهار ، حتّى جاء الصّدّيق رضي الله تعالى عنه
وأعلَمَهُم كما سيأتي .
وفي الحديث أنّ الصّدّيق استمرّ خليفةً على الصّلاة ؛ حتّى مات
المُصطفى ◌َ﴿، لا كما زعمتِ الشِّيعة أنّه عزَلَه بخروجه !! والله أعلم.
وقد روى البُخاريُّ هذا الحديث أيضاً ؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه ، لكن
بلفظ : إنّ المسلمين بينما هم في صلاة الفجر يوم الاثنين ؛ وأبو بكر يصلّي بهم لم
يَفجأهم إلّ رسول الله ◌َالتل قد كشف سِجْف حُجرة عائشة رضي الله تعالى عنها، فنظر
إليهم وهم صُفوف في الصّلاة ثمّ تبسّم يضحَكُ، فنكَص أبو بكر على عقبيه ليُصَلِّ
بالصّف ، فظنّ أنّ رسول الله وَله يريد أن يَخرج إلى الصّلاة .
قال أنس: وهمَّ المسلمون أن يُفْتَتَنُوا في صلاتهم؛ فَرَحاً برسول الله وَله .
فأشار إليهم بيده : أن أتِقُوا صلاتكم ، ثمّ دخل الخُجرة ، وأرخى السِّتر . وفي
رواية له : فُؤُنّي في يومه .
وفي رواية أُخرى للبخَاريّ ومُسلم ؛ عن أنس أيضاً: لم يخرج إلينا ثلاثاً ،
فذهب أبو بكر يتقدّم ، فرفع رسولُ الله ◌َل# الحجاب ، فلمّا وضحَ لنا وجهُه ما نظرنا
منظَراً قَطُّ كان أعجَبَ إلينا منه ، حين وَضح لنا؛ فأومأ إلى أبي بكر أن يتقدّم وأرخى
الحجاب ... الحديث .
ولفظ مسلم ؛ عن أنس أيضاً : إنّ أبا بكر كان يصلّي بهم ، حتّى إذا كانوا يوم
الاثنين وهم صُفوفٌ في الصّلاة؛ كشَف ◌َلِّ سِتْر الحُجرة، فنظرنا إليه؛ وهو قائمٌ
كأن وجهَه ورقةُ مُصحف ، ثمّ تبسّم ضاحكاً ... الحديث .
٢١٣

وَ( السِّجْفُ ) : السِّتَارَةُ .
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: كُنْتُ مُسْنِدَةً النَّبِيَّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى صَدْرِي - أَوْ قَالَتْ : إِلَى حَجْرِي - فَدَعَا
بِطَسْتٍ ؛ لِيَبُولَ فِيهِ ، ثُمَّ بَالَ ، فَمَاتَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
( وَالسَّجْفُ) - بكسر السّين المهمَلة -: (السََّارَةُ) الّتي على الحُجرة
الشّريفة .
( وَ) أخرج التِّرمِذِيّ في ((الشّمائِل))؛ (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْهَا
قَالَتْ: كُنْتُ مُسْنِدَةً) - بصيغة اسم الفاعل ؛ من الإسناد - (النَّبِيَّنَّهِ إِلَى صَدْرِيْ -
أَوْ قَالَتْ : إِلى حِجْرِي ۔) - بفتح الحاء المهملةِ و کسرها ۔ : حِضني ؛ وهو - بكسر
الحاء - : ما دون الإبط إلى الكَشْح .
( فَدَهَا بِطَسْتٍ) - بفتح أوّله - أصلُهُ ((طَسّ)). فأبدِل أحد المضعّفَين تاءً لثِقَل
اجتماع المِثْلَين، ويُقال: طَسّ على الأصل - بغير تاء - ، وهي كلمةٌ أعجمية مُعَرّبةٌ
مؤَنَّئَةٌ ؛ عند الأكثر ، وحُكِي تذكيرُها ، ولذلك قال :
( لِيَبُوْلَ فِيْهِ ) - بتذكير الضّمير ، لكنّ التّأنيث أكثرُ في كلام العرب ؛ كما قال
الزّجاج - ( ثُمَّبَالَ، فَمَاتَ بَّهِ) وَلَحِق بالرّفيق الأعلى.
وظاهره أنّه مات في حِجرها ، ويوافقه ما رواه البخاريُّ عنها : تُؤُنّي في بيتي ،
وفي يومي ، وبين سَحري ونَحري ، وفي رواية : بين حاقِنَتَّي وذاقِتَي ؛ أي : كان
رأسه بین حنکھا وصدرها .
ولا يُعارضه ما رواه الحاكم وابنُ سعد ؛ من طرقٍ : أنّ رأسه كان في حِجر علي
رضي الله عنه ؟ لأنّ كلّ طريق منها ، لا يخلو من شيءٍ ؛ كما ذكره الحافظ ابن
حجر .
وعلى تقدير صِحّتها ! يُحمَل على أنّه كان في حِجره قبل الوفاة .
٢١٤

وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا أَيْضاً أَنَّهَا قَالَتْ: رَأَيْتُ
رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِأَلْمَوْتِ، وَعِنْدَهُ قَدَحٌ فِيهِ مَاءٌ ،
وَهُوَ يُدْخِلُ يَدَهُ فِي الْقَدَحِ، ثُمَّ يَمْسَحُ وَجْهَهُ بِأَلْمَاءِ ، ثُمَّ يَقُولُ :
((اللَّهُمَّ؛ أَعِنِّي عَلَى سَكَرَاتِ الْمَوْتِ )).
وفي الحديث حِلُّ الاستِناد للزّوجة ، والبَولُ في الطَّسْت بحضرتها .
( وَ) أخرج الإمام أحمد، والتّرمِذِي في ((الجامع))؛ و(( الشمائل)) - وقال في
((الجامع)) : حديث حسن غريب - وأخرجه ابن ماجه : كلّهم ؛
(عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْهَا أَيْضاً أَنَّهَا قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُوْلَ اللهِنَّهِ وَهُوَ
بِالْمَوْتِ ) - أي: مشغول به، ومُتَلَيِّس به - ( وَعِنْدَهُ قَدَحٌ فِيْهِ مَاءٌ؛ وَهُوَ يُدْخِلُ يَدَهُ
فِي القَدَحِ، ثُمَّ يَمْسَحُ وَجْهَهُ بِالماءِ ) ، لأنّه كان يُغمَى عليه من شِدَّة المَرَض ثم
يُفیق .
قال ((المناوي )): وفيه أنه يُسَنُّ فعلُ ذلك لمن حضره الموتُ، لأنّ فيه نوعَ
تخفيفٍ ؛ فإنْ لم يفْعَله فُعِل به . أي : ما لم يُظهِر كراهَتَه .
( ثُمَّ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ أَعِنِّيْ عَلَىْ سَكَرَاتِ المَوتِ))): شدائِدهُ .
قال بعض العُلَماء : فيه أنّ ذلك من شِدّة الآلام والأوجاع ؛ لرِفعة منزلته ، وقد
قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: لا أكره شِدّة الموت لأحدٍ بعد النّبيّ ◌َيرِ .
وقال الشّيخ أبو محمد المرجاني : تلك السَّكَراتُ سَكَرات الطَّرَب ، ألا تَرى
إلى قول بلال لمّا قال له أهلُه - وهو في السّياق - : وَاكرباه !! ففتح عينيه ؛ وقال :
وَاطَرباه !! غداً ألقى الأحِبّة ؛ محمداً وحزبه .
فإذا كان هذا طَرَبَه وهو في حال السّياق بلقاء محبوبه؛ وهو النّبيّ نَّهِ وحزبه ،
فما بالك بلقاء النّبيّ لربّه تعالى !! ﴿ فَلَ تَعْلَمُ نَفْسُ مَّ أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةٍ أَعْيُنٍ ﴾
[١٧/السجدة] .
٢١٥

وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا أَيْضاً قَالَتْ: لاَ أَغْبِطُ أَحَداً بِهَوْنٍ
مَوْتٍ بَعْدَ الَّذِي رَأَيْتُ مِنْ شِدَّةِ مَوْتِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
( وَ) أخرج الإمام أحمد، والتّرمِذِي في ((الجامع)) و((الشَّمائِل))؛
(عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا أَيْضاً قَالَتْ: لاَ أَغْبِطُ) - بكسر الموحّدة - من
الغِبطة وهي : أن يتمنّى أن يكون له مثلُ ما للغير ؛ من غير أن تزول عنه .
وفي رواية : ما أغبِط ( أَحَداً بِهَوْنِ مَوْتٍ ) ؛ أي : بسهولته ( بَعْدَ الَّذِيْ رَأَيْتُ
مِنْ شِدَّةِ مَوْتِ رَسُوْلِ اللهِ وَ ﴿) ومرادها بذلك إزالة ما تقرّر في النُّفُوس من تَمنّي
سهولة الموت، لأنّها لما رأت شدّة موته ،وَ ل﴿ علمت أنّها ليست علامةً رديئةً؛ بل
مَرَضيَّةً ، فليست شدّةُ الموت علامةً على سوء حال الميْت ، كما قد يُتَوهَّم ، وليست
سهولته علامةً على حُسن حاله ؛ كما قد يتوهم أيضاً .
والحاصل : أنّ الشّدّة ليست أَمارةً على سوء ؛ ولا ضدّه ، والسّهولة ليست
أَمارة على خير ؛ ولا ضدّه .
وقد جاء عن النّبيّ نَّهِ بيانُ الشّدّة الحاصلة بالموت، فقد روى الإمام أحمد
بإسناد حسن ؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه؛ عن النّبيّ وَّهِ أنّه قال: «لَمْ يَلْقَ أَبْنُ
آدَمَ شَيْئاً قَطُّ مُنْذُ خَلَقَهُ اللهُ أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ، ثُمَّ إِنَّ المَوْتَ لَأَهْوَنُ مِمَّا بَعْدَهُ)).
وأخرج الخطيب البغداديُّ في ((تاريخ بغداد))؛ عن أنس: ((لَمُعَالَجَةُ مَلَكِ
المَوْتِ أَشَدُ مِنْ أَلْفِ ضَرْبَةٍ بِالسَّيْفِ )) انتهى .
اللّهمّ ؛ خفّف عنّا سَكَرات الموت ، والطُف بنا عند نزع أرواحنا ، وارحمنا إذا
صِرنا من أصحاب القبور ؛ يا عزيز يا غفور .
( وَ) أخرج التِّرمِذِيّ في ((الجامع)) و ((الشمائِل))، وقال في ((الجامع)): إنّه
حديث غريب ، وعبد الرّحمن بن أبي بكر المليكي يُضَعَّفُ من قبل حفظه ؛
٢١٦

وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْهَا أَيْضاً قَالَتْ: لَمَّا قُبِضَ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. اخْتَلَفُوا فِي دَفْنِهِ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ :
سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئاً مَا نَسِيتُهُ؛ قَالَ: (( مَا
قَبَضَ اللهُ نَبِيّاً إِلاَّ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُدْفَنَ فِيهِ ، إِدْفِنُوهُ فِي
مَوْضِعٍ فِرَاشِهِ » .
( عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا أَيْضاً قَالَتْ: لَمَّا قُبِضَ رَسُوْلُ اللهِوَِّ أَخْتَلَفُوْا
فِي دَفْنِهِ ؟ ) ؛ أي في أصل دفنه ، هل يدفن أَو لا؟ وفي محلٌّ دفنه : هل يُدفَن في
مسجده ؟ أو البقيع عند أصحابه ؟ أو في الشّام ؛ عند أبيه إبراهيم الخليل ؟ أو في
بلده مكّة المكرمة ؟
فالاختلاف من وجهين: أصل الدّفن، ومحلّ الدّفْن؟ كذا في ((الباجوري)).
قال بعضهم : هذا أوّل اختلافٍ وقع بين الصّحابة بعد موته ، حتى أَخبرهم
أبو بكر وعليّ بما عندهما من العلم - كما سيأتي - ؛ ذكره المناوي .
( فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ) جواباً عن كلّ من السّؤالَين :
( سَمِعْتُ مِنْ رَسُوْلِ اللهِنَّهِ شَيْئاً مَا نَسِيْتُهُ) ؛ إِشارة إلى كمال استحضاره
وحفظه . ( قَالَ: ((مَا قَبَضَ اللهُ نَبِيّاً ؛ إلاّ فِي المَوْضِعِ الَّذِيْ يُحِبُّ ) الله؛ أو النّبيّ
( أَنْ يُذْفَنَ ) - بصيغة المجهول - (فِيْهِ))) .
ولا ينافيه نقلُ موسى ليوسفَ عليهما الصّلاة والسّلام من مصر إلى آبائه
بفلسطين !؟ لاحتمال أن محبّة دفنه بمصر مؤَقَّتَةٌ بفقد من ينقله ، على أن الظّاهر أن
موسى إنّما فعله بوحيٍ .
وورد أن عيسى يُدفَن بجَنبه وَله؛ في السّهوة الخالية بينه وَّه وبين الشّيخَين.
وأَخَذ منه بعضُهم أنّ عيسى يُقبَض هناك في ذلك المحلّ المُكَرّم .
( أَذْفِنُوْهُ) - بكسر الفاء - ( فِي مَوْضِعٍ فِراشِهِ ) ؛ أي : في المحلّ الّذي هو تحت
فراشه ، الّذي مات فيه من حجرة عائشة رضي الله تعالى عنها .
٢١٧

وَعَنْ عَائِشَةَ أَيْضاً وَأَبْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَبَّلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ بَعْدَ مَا مَاتَ .
وَعَنْ عَائِشَةَ أَيْضاً رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا : أَنَّ أَبَا بَكْرٍ دَخَلَ عَلَى
النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ وَفَاتِهِ ، فَوَضَعَ فَمَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ، وَوَضَعَ
يَدَیْهِ عَلَى سَاعِدَيْهِ ،
( وَ) أخرج البخاري؛ عن عائشة، والتِّرْ مِذِيُّ في ((الجامع)) و((الشّمائِل))،
وابن ماجه؛ (عَنْ عَائِشَةَ أَيْضاً وَأَبْنِ عَبَّاسٍ ) رضي الله تعالى عنهم قال التُّرمِذِيّ في
((الجامع )) : وفي الباب عن ابن عباس ؛ وجابر ؛ وعائشة ، قالوا :
( إِنَّ أَبَا بَكْرٍ ) الصّدّيق رضي الله تعالى عنه ( قَبَّلَ الشَِّيَّ وَّ) بين عينَيَه تَبَرُّكاً
واقتداءَ بِهِ وَّ؛ حيث قَبَّلَ عثمانَ بنَ مظعون (بَعْدَمَا مَاتَ ).
فتقبيل الميْت سُنَّة اقتداءً بالنّبِيّ وَّه وبالصّدّيق رضي الله تعالى عنه .
قال المحقّقُ ابن حَجَر المكّيّ في (( فتح الإله شرح المِشكاه ) :
إذا كان الميت صالِحاً سُنَّ لكلِّ أحد تقبيلُ وجهه ؛ التماساً لبركته ، واتّباعاً
لفعله ◌َ﴾ في عثمانَ بنِ مظعون - كما سيأتي -.
وإن كان غيرَ صالح؟ جاز ذلك بلا كراهة ، لنحوِ أهلِه وأصدقائه ، لأنّه ربّما
كان مُخَفِّفاً لما وجدَه من ألم فقدِه . ومع الكراهة لغير أهل الميت ، إذ قد لا يرضى
به لو كان حيّاً من غير قريبه وصديقه .
ومحلُّ ذلك كلّه ما لم يَحمِل التَّقبيلُ فاعلَه علىْ جَزَع أو سُخْطٍ ؛ كما هو الغالِبُ
من أحوال النّساء، وإلاَّ حَرُمَ أو كُرِهِ . انتهى كلام (( ابن حجر)) ؛ نقله ابن علاّن في
(( شرح الأذكار » .
( وَ) أخرج التِّرْمِذِيّ في ((الشمائِل))؛ (عَنْ عَائِشَةَ أَيْضاً رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا
أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ) الصّدّيق ( دَخَلَ عَلَى النَِّيِّ نَّ بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَوَضَعَ ذَمَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ) وقبَّله ،
(وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى سَاعِدَيْهِ) - الأقربُ ما في ((المواهب)): على صُدْغَيه . لأنّه هو
٢١٨

وَقَالَ : وَانَبِيَّاهْ، وَاصَفِيَّاهْ، وَاخَلِيلاَهْ.
وَعَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا كَانَ أَلْيَوْمُ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ
رَسُولُ الهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ .. أَضَاءَ مِنْهَا كُلُّ شَيْءٍ ، فَلَمَّا
كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ .. أَظْلَمَ مِنْهَا كُلُّ شَيْءٍ،
المناسِب للعادة - ( وَقَالَ ) من غير انزعاجِ وقَلَقٍ وجَزَع وفَزَعٍ ، بل بِخَفْضٍ صوت
(: وَانَبِيَّه؛ وَاصَفِيّاهْ؛ وَاخَلِيْلاه) بهاء سكتٍ في الثّلاثة، تُزاد ساكنةً لإظهار الأَلفِ
الّتي أتى بها ليمتدّ الصوتُ به .
وهذا يدلُّ على جواز عَدِّ أوصاف الميْت بلا نَوْح ، بل ينبغي أن يُنْدَب ، لأنّه من
سُنّة الخلفاء الراشدين ، والأئِمّة المهديين .
وقد صار ذلك عادةً في رِثاء العلماء ، بحضور المحافل العظيمة ، والمجالِس
الفخيمة .
قال في (( جمع الوسائل)) : وفي رواية أحمد أَنّ أبا بكر أتاه من قِبَل رأسه فَحَدَر
فاه ؛ فقبّل جَبهَته ، ثُمّ قال : وانَبيّاه . ثمّ رفع رأسه وحدَر فاهُ ؛ وقبّل جبهَتَه ، ثمّ
قال : واصَفيّاه. ثمّ رفع رأسه وحدر فاه؛ وقبّل جبهته، وقال: واخَليلاه .
وفي رواية ابن أبي شَيْبة : فوضع فمَه على جبينه ؛ فجعل يُقَبِّله ويبكي ،
ويقول : بأبي أنت وأمّي ؛ طِبْتَ حيّاً وميتاً . انتهى .
( وَ) أخرج ابن ماجه، والتِّرْمِذِيّ في ((الشمائِل))؛ (عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى
عَنْهُ قَالَ :
لَمَّا كَانَ اليَوْمُ الَّذِيْ دَخَلَ فِيْهِ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ المَدِيْنَةَ) الشّريفة ( أَضَاءَ) أي :
استَنار ( مِنْهَا)؛ أي: المدينة الشّريفة ( كُلُّ شَيْءٍ) نوراً حِسّيّاً ومعنوياً، لأنّه وَهل
نورُ الأنوار ، والسِّراجُ الوهَّاج ، ونور الهداية العامّة ، ورفْعُ الظُلمة الطَّامة .
( فَلَمَّا كَانَ اليَوْمُ الَّذِيْ مَاتَ فِيْهِ) ◌ِ ( أَظْلَمَ مِنْهَا كُلُّ شَيْءٍ ) لفَقْد النّور ،
٢١٩

وَمَا نَفَضْنَا أَيْدِيَنَا مِنَ الثُّرَابِ ، وَإِنَّا لَفِي دَفْنِهِ حَتَّى أَنْكَرْنَا قُلُوبَنَاً .
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: تُؤُفِّيَ رَسُولُ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الإِثْنَنِ .
وَعَنْ مُحَمَّدِ الْبَاقِرِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَهُوَ مِنَ التَّابِعِينَ - قَالَ :
قُبِضَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الإِثْنَيَّنِ، فَمَكَثَ ذَلِكَ
أَلْيَوْمَ، وَلَيْلَةَ الثُّلاَثَاءِ ، وَدُفِنَ مِنَ اللّيْلِ
والسِّراج منها ؛ فذهب ذلك النّور بموته . ( وَ - مَا -) نافية ( نَفَضْنَا أَيْدِيَنَا مِنَ
التُّرَابِ ) ؛ أي : تراب قبره الشّريف، ونَفْضُ الشَّيء: تحريكُه ليزولَ عنه الغُبار
(وَإِنَّا) - بالكسر، أَي : والحال إِنَّا - ( لَفِيْ) معالجة ( دَفْنِهِ حَتَّى أَنْكَرْنَا) بصيغة
الماضي ( قُلُوْبَنَا) أي: تغيّرت حالها بوفاة النّبيّ نَّهِ عمّا كانت عليه من الرِّقَّة
والصَّفاء؛ لانقطاع ما كان يحصُل لهم منه وَلِّ من التعليم، وبَرَكة الصُّحبة ، وليس
المُراد أنّهم لم يجدوا قلوبَهم على ما كانت عليه من التَّصديق !! ، لأنّ إِيمانهم لم
ينقُص بوفاته اله .
( وَ) أخرج الإمام أحمد، والبُخاريّ؛ والتِّرْمِذِي في ((الشّمائِل)) كلّهم؛
(عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْهَا) أنّها ( قَالَتْ: تُؤُفِّيَ رَسُوْلُ الهِ يَّر) ؛ أي:
تَوَفَّه الله تعالى بقبض روحه ( يَوْمَ الاثْنَيْنِ ) كما هو متفق عليه بين أرباب النّقْل .
( وَ) أخرج التِّرْمِذِي في ((الشَّمائِل)) قال: حدّثنا محمّد بنُ أبي عمر ؛ قال :
حدّثنا سُفيان بن عُيَيْنَةَ ؛ (عَنْ ) جعفر الصّادق ؛ عن أبيه ( مُحَمَّدِ البَاقِرِ ) بن عليّ
زين العابدين ابن سيدنا الحسين السّبط (رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ) وعنهم أجمعين ؛
( وَهُوَ ) أي : محمّد الباقر (مِنَ التَّابِعِيْنَ) فالحديث مُرْسَل ؛ (قَالَ :
قُبِضَ رَسُوْلُ اللهِ وَلَّهِ يَوْمَ الاثْنَيْنِ، فَمَكُثَ ) - بضمّ الكاف ؛ وفتحها ، أي :
لَبِثَ بلا دَفْن - ( ذَلِكَ اليَوْمَ) الذي هو يومُ الاثنين (وَلَيْلَةَ الُّلاَثَاءِ ) بالمدّ ( وَدُفِنَ مِنَ
اللَّيْلِ ) ؛ أي في ليلة الأربعاء وسَطَ اللّيل، وقيل: دُفِنَ ليلةَ الثلاثاء ، وقيل : يومَ
٢٢٠