النص المفهرس

صفحات 181-200

فَاحْتَجِمُوا عَلَى أَسْمِ اللهِ، وَلاَ تَحْتَجِمُوا يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَأَلْجُمُعَةِ،
وَالسَّبْتِ ، وَأَلأَحَدِ . وَأَحْتَجِمُوا يَوْمَ الإِثْنَيْنِ، وَمَا كَانَ مِنْ جُذَامٍ وَلاَ
بَرَصٍ إِلَّ نَزَلَ يَوْمَ الأَرْبِعَاءِ » .
وَقَدْ رَوَىْ أَبُو دَاوُودَ فِي (( سُنَتِهِ)): مِنْ حَدِيثٍ أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللهُ
تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ الْحِجَامَةَ يَوْمَ الثُّلاَثَاءِ . وَقَالَ : إِنَّ
رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((يَوْمُ الثُّلاَثَاءِ .. يَوْمُ الدَّمِ ،
فَاحْتَجِمُوْا ) معتَمدين (عَلَى أَسْمِ اللهِ، وَلاَ تَحْتَجِمُوا يَوْمَ الخَمِيْسِ، وَالجُمُعَةِ ؛
وَالسَّبْتِ ؛ وَالأَحَدِ ؛ وَأَحْتَجِمُوا يَوْمَ الإِثْنَيْنِ ، وَمَا كَانَ مِنْ جُذَامٍ ، وَلَ بَرَصٍ إِلَّ نَزَلَ
يَوْمَ الأَرْبِعَاءِ » ) .
قال الدَّارَقُطْني : تفرّد بهذا الحديث زياد بن يحيى ، وقد رواه أيوب عن نافع ،
وقال فيه : (( وَأَحْتَجِمُوا يَوْمَ الاثْنَيَنِ وَالثُّلاثَاءِ، وَلاَ تَحْتَجِمُوا يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ)). ذكره
ابن القيّم قال :
( وَقَدْ رَوَىْ أَبُوْ دَاوُدَ فِي ((سُنَتِهِ)) )؛ كتاب ((الطّبّ)) بسنَدَ فيه بكّار بن
عبد العزيز بن أبي بَكْرة ، قال ابن مَعيْن : ليس بشيء ، وابن عدي : هو من جُملة
الضّعَفاء الذين يُكتَب حديثهم . وقال الذّهبيّ : إسناده لَيّن ، وأمّا زَعم ابن الجوزيّ
وضعه ؟ فلم يوافقوه عليه . انتهى (( مناوي)) .
( مِنْ حَدِيْثٍ أَبِي بَكْرَةَ) - بفتح الموحدة - : واسمهُ نُفَيع بن الحارث بن كَلْدة
( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّهُ) ؛ أي : أبا بَكْرة ( كَانَ يَكْرَهُ الحِجَامَةَ يَوْمَ الثُّلاثَاءِ )
- لفظ أبي داود : كان يَنْهى أَهله عن الحِجامة يومَ الثلاثاء - ( وَقَالَ: إِنَّ رَسُوْلَ
اللهِو ◌َلِ قَالَ: ((يَوْمُ الثَّلاَثَاءِ) - بالمدّ - ( يَوْمُ الذَّمِ) برفع (( يومُ )) وإضافته إلى الدّم ،
أي : يومُ غَلَبة الدّم وهيجَانه ، أي: يَفُور فيه الدَّم ، فيُحْذَر من إخراجه فيه بفَصْد أو
غيره ؛ لئلاّ يُصادِف وقتَ فَوَران الدّم ، فلا ينقطِع فيموتُ .
ويَحْتمل أن يكون المراد (( يوم الدّم)): أي: أوّل يوم أرِيقَ فيه الدّم بغير حقِّ،
١٨١

وَفِيهِ سَاعَةٌ لاَ يَرْقَأُ » .
فإنّه اليَومِ الذّي قتَل فيه قابيلُ أخاه هابيل .
( وَفِيْهِ) ؛ أي : يوم الثلاثاء (سَاعَةٌ) ؛ أي : لحظة ( لاَ يَرْقَأُ) - بهَمز آخره -
أي : لا ينقطع فيها دمُ من احتجم أو افتصَد ، وربما هلك الإنسان فيها بسبب عدم
انقطاع الدّم . قال ابن جرير : قال زهير : مات عندنا ثَلاثةٌ ممّن احتجم .
وأخْفِيَت هذه السّاعة !! لتُتْرِكَ الحِجامةُ فيه كلِّه ؛ خوفاً من مصادفتها ، كما
أُخِفِيَت ليلةُ القَدْر في أوتَار العَشْرِ الأَواخر .
وأخرج الذَّيلَمي؛ عن أنس مرفوعاً: ((الحِجَامَةُ عَلَىْ الرِّيْقِ دَوَاءٌ، وَعَلَىْ الشِّبَعِ
دَاءٌ، وَفِيْ سَبْعَةَ عَشَرَ مِنَ الشَّهْرِ شِفَاءٌ ، وَيَوْمَ الثّلاثَاءِ صِحَّةٌ لِلْبَدَنِ » .
وأخرج ابن سَعد، والبيهقيُّ - وضعّفه - عن مَعِقِل بن يسار ؛ قال : قال
رسول الله ◌َ: ((الحِجَامَةُ يَوْمَ الثُّلاَثَاءِ لِسَبْعَ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنَ الشَّهْرِ دَوَاءٌ لِدَاءِ
سَنَةٍ )) .
ويُجمع بين هذا الاختلاف بحمل طلب الحجامة في الثُّلاثاء ؛ على ما إذا كان
موافِقاً السّابعَ عشرَ من الشّهر . وبحمل التّحذير منها فيه ؛ على ما إذا لم يُوافق
السّابِعَ عشرَ من الشّهر . والله أعلم .
روى أبو يَعلى؛ من حديث الحسين بن علي مرفوعاً: ((فِي الجُمُعَةِ سَاعَةٌ
لاَ يُوَافِقُهَا رَجُلٌ يَحْتَجِمُ فِيْهَا إِلَّ مَاتَ)).
قال المناوي : يَحتمِل أنّ المراد به يومُ الجُمُعَة ، فيكون كيوم الثلاثاء في ذلك ،
ويَحتمِلِ أنّ المُراد الجُمُعَة كلّها يعني : الأسبوع . وأنّ الحديث المشروحَ عيّن تلكَ
السّاعة ، في يوم الثلاثاء ، والأَوّل أَقرب ، ولم أرَ من تعرّض له . انتهى.
وفي ((فتاوي ابن حجر الفقهيّة)) قبيل باب (( المسابقة والمُناضلة)) ما نصّه :
وسُئِل رحمه الله تعالى: هلْ ورَد النَّهيُ عن الحِجامة في بعض الأيّام ؛ والأمرُ
بها في البعض ؟ فأجاب بقوله : نعم ، ورَد - بل صحّ - النّهي عنها يومَ الجُمُعَةِ ؛
١٨٢

وَرَوَىُ التِّرْمِذِيُّ فِي ((جَامِعِهِ)) وَأَبْنُ مَاجَهْ فِي (( سُنَتِهِ)»: عَنْ
أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ
والسّبت؛ والأَحد ؛ والأربعاء، !! وفي روايات أُخَر: ((إِنَّ يَوْمَ الثَّلاَثَاءِ يَوْمُ
الدَّمِ، وَإِنَّ فِيْهِ سَاعَةٌ لاَ يَنْقَطِعُ فِيْهَا الدَّمُ، وَإِنَّهُ يُخْشَىْ مِنْهَا يَوْمَ الأَزْبِعَاءِ وَالسَّبْتِ
البَرَصُ ، وَأَنَّ فِي يَوْمِ الجُمُعَةِ سَاعَةً لاَ يَحْتَجِمُ فِيْهَا أَحَدٌ إِلَّ مَاتَ)) . وصح الأَمر بها
يومَ الخميس والإثنين . والله سبحانه أعلم . انتهى .
قال الباجوري ؛ على ((الشّمائل التُّرمذيّة)): وأفضل الأيّام لها : يومُ الإثنين ،
وأفضل السّاعات لها : السّاعة الثانيةُ والثالثة من النّهار . وينبغي أن لا تقع عقِب
استفراغ ؛ أو حمّام ؛ أَو جماعٍ ، ولا عقب شِبَعٍ ؛ ولا جوع ، ومحلُّ اختيار
الأوقات المتقدّمة عند عدم هيجانَ الدّم . وإِلّ وجَبَ استعمالُها وقتَ الحاجة إليها .
انتهى .
(وَرَوَىُ التِّزْمِذِيُّ فِي ((جَامِعِهِ)) ) وقال : غريب، ( وَأَبْنُ مَاجَه فِي ((سُنَّنِهِ))) ،
والإمام أحمد، والحاكم. وقال الذّهبي: صحيح. كلّهم في ((الطّبّ))؛
( عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ ) - بعين مهملةٍ مضمومةٍ ، ثمّ ميمٍ مفتوحة مخفّفة ، ثمّ
ياء مثنّة من تحت ساكنة ، ثمّ سين مُهمَلة آخره مصغراً الخَثْعَميَّة -.
کانت تحت جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالی عنه وهاجرت معه إلى أرض
الحَبَشة ، ثمّ قُتْل عنها يوم مُؤْتَة ، وَوَلَدَت له عبد الله ؛ ومحمّداً؛ وعوناً .
ثم تزوّجها أبو بكر الصّديق رضي الله تعالى عنه فمات عنها ، ووَلَدت له محمّد
ابن أبي بكر . ثمّ تزوجها عليّ رضي الله عنه ووَلدَت له یحیی .
روى عنها من الصّحابة : عمر بن الخطّاب ، وأبو موسى الأشعريّ ،
وعبد الله بنُ عبّاس ، وابنها عبد الله بن جعفر . ومن غير الصَّحابة : عُروةُ بن
الزّبير ؛ وعبد الله بن شدّاد .
وأسماء المذكورة أختُ مَيمونة بنت الحارث ((زوج النبي ◌َّر))، وأخت
١٨٣

رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
((بِمَاذَا كُنْتِ تَسْتَمْشِينَ؟))، قَالَتْ: بِأَلْشُّبْرُم، قَالَ: ((حَارٌّ ..
حَارٌ ))، ثُمَّ قَالَتْ : أَسْتَمْشَيْتُ بِالسَّنَّى
أمّ الفَضل امرأة العبّاس وأختُ أخواتِها لأمّهنّ، وكُنّ عشرَ أخوات لأمّ ، وقيل :
تسع .
وكانت أسماء المذكورة أكرمَ النّاس أصهاراً، فمن أصهارها: رسول الله وَّل
وحمزة ، والعبّاس وغيرهم .
أسلمت أسماء قديماً، قال ابن سعد: أسلمت قبل دخول رسول الله وَالآ دار
الأرقم بن أبي الأرقم بمكة، وبايعت رسول الله مصير، وكانت وفاتها بعد عليّ بن
أبي طالب ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا) وعنهم أجمعين .
( قَالَتْ) ؛ أي: أسماء (: قَالَ) لي (رَسُوْلُ اللهِوَّهِ: ((بِمَاذَا) ؛ أي : بأَتِيّ
دواء ( كُنْتِ تَسْتَمْشِيْنَ؟!))) - أي: تَطْلُبينَ مَشيَ بطنِك - أي: إخراج ما فيه .
( قَالَت: بِالشُّبْرُمِ ) - بضمّ الشّين المُعجمة والرّاء بينَهما مُوَحّدة ساكنة وآخره
ميمٌ ، وقد يُفتَح أوّله ـ ( قَالَ: ((حَارٌّ حَارٌّ)) ) ؛ أي : شديد الحرارة ، فالثّاني تأكيدٌ
لَفظي، ويَحتمِل أن الثّاني بجيم، وشدُّ الرّاء إِتْباعٌ لـ ((حارٌ)) بمهمَلَتين؛ كما في
((النّهاية))، يقال: حارِ جارٍ، ويُقال: حارِ يارِ - بمثنّة تَحتيّة - على الإتباع أيضاً.
( ثُمَّ قَالَتْ ) ؛ أي : أسماء (: إِسْتَمْشَيْتُ بِالسَّنَى) - بفتح السّين والنّون،
والقصْر وقد يُمَّدّ ـ : نَبَّتْ مَعروفٌ أجوَدُه ما يكون بمكّةً .
وشُرب مائه مطبوخاً أصلح من شرب(١) مَذْقوقاً، ومقدار الشَّربة منه إلى ثلاثة
دراهم ، ومن مائِهِ إلى خمسة دراهم . وله منافع كثيرة ؛
منها أنه إذا طُبِخَ في زيتٍ ، وشُرِب نفَع من أوجاع الظّهر والوَرِكَيْن .
(١) لعلها : شربه.
١٨٤

فَقَالَ: ((لَوْ كَانَ شَيْءٌ يَشْفِي مِنَ الْمَوْتِ .. كَانَ السَّنَى)).
وَ( الشُّبْرُمُ ) : قِشْرُ عِرْقٍ شَجَرَةٍ .
(فَقَالَ)؛ أي: النّبيّ نَ (: ((لَوْ كَانَ شَيْءٌ يَشْفِي مِنَ المَوْتِ؛ كَانَ
السَّنَى )) ) مبالغةً في كثرة منافعه .
وذكر المحاسِبيّ في كتابه المسمّى بـ((المقصِد والرّجوع إلى الله)): أَنّ النّي وَلِه
شَرِب السّنا بالتّمر ، أي : وضعهما في الماء ، وشربه ، أي : ليُيْس الطّبيعة ،
وبوَضعهما في الماء ، يندفع اجتماع حارّين ، المنهيّ عنه عند الأطبّاء لضرره ؛ ذكره
الزرقاني مع ((المواهب)).
وذكر في ((المواهب)) أيضاً: أن الحُمَيْدِيَّ ذكر في كتاب (( الطّبّ النّبويّ)) له :
أَنَّه قال: ((إيّاكُمْ والشُّبْرُمَ !! فَإِنَّهُ حَارٌّ حَارٌّ، وَعَلَيْكُمْ بِالسَّنَى، فَتَدَاوَوا بِهِ ، فَلَوْ
دَفَعَ المَوْتَ شَيْءٌ، لَدَفَعَهُ السَّنَى)) !! انتهى.
قال العلماء : (وَالشُّبْرُمُ) - بالشّين المعجمة المضمومة ، والموحّدة السّاكنة ،
والرّاء المُهملة المضمومة، وآخره ميم ؛ كقُنْفُد - هو: ( قِشْرُ عِرْقٍ شَجَرَةٍ ) . وفي
(( النّهاية)): حبٌّ يُشبه الحِمَّص؛ يُطبخ ويُشرب ماؤُه للتّداوي . وقال أبو حنيفة:
الشّبْرُم شجرةٌ حارّة تسمو على ساق ؛ كَقَعْدة الصّبيّ أو أَعظم ، لها ورقٌ طُوالٌ رِقاقٌ ،
وهي شديدة الخُضرة ، وزَعم بعضُ الأَعراب : أن لها حبّاً صِغاراً كجماجم الحُمُر !!
وقيل : الشُّرمُ : نبات آخر سهليّ ، له ورق طُوال كورق الحَرْمَل ، وله حَبّ
كالعَدَس، أو شبه الحِمَّص، وله أَصلٌ غليظٌ ملآن لَيناً ، والكلّ مُسهِل . واستعمال
لبنه خطِرِ جدًّا، وإنّما يُستَعمل أَصله مُصلَحاً ؛ بأن يُنقَع في الحليب يوماً وليلةً،
ويُجدّد اللّن ثلاثَ مراتٍ، ثمّ يُجَفَّفُ وينقع في عصير الهندباء والرازيانج ، ويترك
ثلاثة أيام، ثمَّ يجفَّف، وتُعمَل منه أقراصٌ مع شيءٍ من التُّزبدِ ؛ والهَليلَج ؛
والصَّبِرِ، فإنّه دواءٌ فائِقٌ. انتهى. ((شرح القاموس))(١).
(١) بل هو بتمامه في ((القاموس)). ( عبد الجليل ).
١٨٥

وَفِي (( سُنَنِ أَبْنِ مَاجَهْ)): عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُمِّ حِرَامٍ [َرَضِيَ اللهُ
تَعَالَى عَنْهُ] - وَكَانَ مِمَّنْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
الْقِبْلَتَيْنِ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :
((عَلَيْكُمْ بِالسَّنَى وَالسَّنُّوتِ، فَإِنَّ فِيهِمَا شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ ، إِلاَّ
السَّامَ))، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ وَمَا السَّامُ؟ قَالَ: ((أَلْمَوْتُ)).
قال في ((المواهب)): وهو من الأدوية الّتي منع الأطبّاء من استعمالها،
لخطرها وفَرْط ◌ِسهالها، وإنّما أجازوه بالتّدبير الّذي رأَيتَ عن «القاموس)».
( وَفِي ((سُنَنِ أَبْنِ مَاجَه) و((مستدرَك الحاكم)) كلاهما في ((الطّبّ))؛ من
حديث عمرو بن بكر السَّكسكي ؛ قال : حدّثَنا إبراهيم بن أبي عَبْلة .
( عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُمِّ حَرَامٍ ) وهو عبد الله بن عمرو ، وقيل : بن كعب
الأنصاريّ . نزل بيتَ المَقْدِس ، وهو آخر من مات من الصّحابة بها ، وزعم ابن
حبّان : أن اسمه سمعون ، له هذا الحديث ، قال الحاكم : إنّه حديث صحيح ،
وردّه الذّهبيّ بأنّ عمرو بن بكر السّكسكي المذكور اتّهمه ابنُ حِبّان ! وقال ابنُ
عَديّ : له مناکیر ! انتهى .
( وَكَانَ)؛ أي: عبد الله ابن أمّ حَرام (مِمَّنْ صَلَّى مَعَ رَسُوْلِ اللهِ وَل
القِبْلَتَيَّنِ ) ؛ أَيْ : إليها ، أي : الكعبة ، وبيت المَقدِس ( قَالَ :
سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِهِ يَقُوْلُ: ((عَلَيْكُمْ بِالسَّنَى) قال ابن الأثير : يُروى بِضمّ
السّين ؛ والفتحُ أفصحُ ، أَيْ : وبالقصر : نبتٌ معروف .
( وَالسَّنَّوْتِ) - بوزن الثَّنُّور والسَّنُّور، وسيأتي مَعْناه - (فَإِنَّ فِيْهِمَا شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ
دَاءٍ ، إِلاَّ السَّامَّ) - بمهملة من غير همز -.
( قِيلَ يَا رَسُوْلَ الله: وَمَا السَّامُّ؟ قَالَ: ((المَوْتُ))) فيه أنّ الموت داءٌ من
جُملة الأدواء ، قال الشّاعر :
كذاك الموتُ ليس له دواء
١٨٦

وَ( السَّنَى ) : نَبَتْ حِجَازِيٌّ، أَفْضَلُهُ الْمَكِّيُّ. وَأَخْتُلِفَ فِي مَعْنَى
( اُلسَّنُوتِ) عَلَىْ أَقْوَالٍ، وَأَقْرَبُهَا إِلَى الصَّوَابِ: أَنَّهُ
(وَالسَّنَا) - بفتح السّين والقصر، وبعضهم يرويه بالمدّ -: (نَبْتُ) ذوْ وَرَقٍ
رقيق، واحدتُهُ سَناة ، ومنه ( حِجَازِيٌّ ) ؛ أيْ : نَبَت في الحجاز . ومنه ما يأتي من
نواحي صعيد مصر، و ( أَفْضَلُهُ المَكِّيُّ ) ؛ أَيْ : الّذي يأتي من مكّةَ .
وهو دواء شريف ، مأمون الغَائِلة ، قريب الاعتدال ، يُسهِّل الصّفراء ؛
والسّوداء ؛ والبلغَم ؛ والدّم ؛ كيف استُعمل فهو موافِق للأخلاط الأَربعة ، بعضُها
بالطَّبع ، وبعضُها بالخاصّة على زَعم الأطبّاء ، وما طُبِخ منه أجودُ ممّا لم يُطبخ ،
فيُشْرَب من مائة خمسةُ دراهمَ إلى سبعة دراهمَ ، ولا يُزاد عليها ! .
قال في (( الهَذْي)): شُرب مائه مطبوخاً أَصلَح من شُربه مدْقوقاً ، ومقدار
الشّرب منه إلى ثلاثة دراهم ، ومن مائه إلى خمسة دراهم ، وإذا أُغْلِي بالزّيت نَفَع
لِوَجِعِ الظهر والوَرِكِين، وينفَع للحكّة والجَرَب .
( وَأَخْتُلِفَ فِي مَعْنَى السَّئُّوْتِ ) - بالفتح ؛ كتّور على المشهور ، ويُروى بضمّ
السّين، فلا عِبرة بمن أنكره ، وفيه لغةٌ على مِثال سِنَّور وأفصحُها الفتح - ( عَلَى
أَقْوَالٍ ). فقيل: هو الزُّبْد (١)، وقيل: هو الجُبْن المعروفان وقيل: هو الرُّب(٢)
- بضمّ الرّاء - أي: رُبّ عُكّة السَّمْن يخرج خطوطاً سوداً على السَّمن ، فتلك
الخطوط هي السُّّوت . وقيل : حَبِّ يُشْبِهُ الكَمُون ؛ وليس به . وقيل : هو الكَمُون
الكِرْماني . وقيل إنّ الرَّازِيانج ، وهو الشّمار بلغة اليمن ، أو الشَّمر بلغة مصر ،
وقيل : ضَرْبٌ من الثَّمر .
( وَأَقْرَبُهَا إِلَى الصَّوَابِ ) في تفسير قوله ((عَلَيْكُمْ بِالسَّنَى والسَّنُّوتِ )) ( أَنَّهُ) ؛
(١) الزُّبْد: ما يستخرج في اللبن بالمَخْضِ. القطعة منه: زُبْدة. ( عبد الجليل ).
الرُّبُّ: هو الطلاء الخائر .. وزنجبيل. اهـ مختار . الرُّبُّ : عُصارة التمر المطبوخة
(٢)
وما يطبخ في التمر والعنب . ( عبد الجليل ) .
١٨٧

الْعَسَلُ الَّذِي يَكُونُ فِي زِقَاقِ السَّمْنِ.
وَرَوَىُ التِّرْمِذِيُّ: عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ : أَنَّ النَّبِيَّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((تَدَاوَوْا مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ بِالْقُسْطِ الْبَخْرِيِّ
وَأَلَزَّيْتِ )).
أي: السُّّت : ( العَسَلُ ) النّحل ( الَّذِيْ یَكُوْنُ فِي ◌ِقَاقِ السَّمْنِ ) - بكسر الزّاي - ،
أي : السّقاء الّذي يُجعَل فيه، أيْ: يُخلَط السَّنَى حالَ كونه مدقوقاً بالعسَل المخالِط
للسّمن، ثمّ يُلْعَق؛ فيكون أَصلَح من استعماله مفْرَداً، لما في العسَل والسَّمن من
إصلاح السَّنَى ، وإعانته على الإسهال ، لأنّ رطوبتهما تقاوم اليَيَس الّذي في
السَّنَى ؛ فتُصلحه .
( وَرَوَىْ) الإمام أحمد، و( التِّزْمِذِيُّ)، وابن ماجه، والحاكم - وصحّحه ـ
كلّهم؛ ( عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ النَّبِيِّنَلِ قَالَ: ((تَدَاوَوْا مِنْ ذَاتٍ
الجَنْبٍ ) المرادُ بها هنا : رياحٌ غليظةٌ تحتقِنُ تحت الجلد الّتي في الصدر
والأَضلاع ؛ فتُحدِثُ وجَعاً . وليس المراد ذاتَ الجنْب الحقيقيّ الّذي تكلّم عليه
الأطبّاء !! لأنّه من الأمراض المَخوفَة - كما سيأتي -.
( بِالقُسْطِ ) - بضمّ القاف - وفي لغةٍ : بالكاف بدلَ القاف ( البَحْرِيِّ ) قال
المازَري : القُسط صنفان : بحريّ وهنديّ ، والبحريّ هو القُسط الأبيض ، ويُؤْتَى
به من بلاد المغرب ، وهو أفضل من الهنديّ . وأقلّ حرارةً منه .
وقيل : هما حارّان يابسان ، والهنديُّ أشدُّ حرّاً .
وتعقّبه القُرطبيّ: بأنّ البحريّ الأَبيض أحدُ نوعَي العُود الهِندي ، فكيف يُؤْتَی به
من بلاد المغرب . والفرض أنّه هندي ؟! إلا أن يَعني بالمغرب : المَغربَ من بلاد
الهند . انتهى .
وبذلك يُعلَم أنّ المُراد بالبحري أحدُ نوعَي الهنديّ ، وهو الأَبيض البحريّ .
لكن في ((شرح القُسْطُلآني)): أنّ البَحريّ يُجلَب من اليمن، ومنه ما يُجلَب من المَغرِب.
( وَالزَّيْتِ ) المُسخَّنِ بأن يُدَقّا ناعماً ويُخلَط به، ويُدَلكَ به محلُّه، أو يُلْعَق ،
١٨٨

وَ(ذَاتُ الْجَنْبِ ) : وَرَمْ حَارِّ يَحْدُثُ فِي الْغِشَاءِ الْمُسْتَبْطِنِ
لِلْأَضْلاَعِ ، وَأَلَمٌ يُشْبِهُهُ يَعْرِضُ فِي نَوَاحِي الْجَنْبِ .
فإنّه نافعٌ له، مُحَلِّلٌ لماذَّته ، مُقَوِّ للأعضاء الباطنة ؛ يفتح للسُّدَد ، وغير ذلك .
قال بعض العلماء : على المريض والطّبيب أن يعمل على أنّ الله أنزل الدّاء
والدّواء ، وأنّ المرض ليس بالتخليط ؛ وإن كان معه ، وأنّ الشِّفاء ليس بالدّواء ؛
وإن كان عنده ، وإنّما المرض بتأديب الله ، والبُرْء برحمته ، حتى لا يكونَ كافراً
بالله؛ مؤمناً بالدّواء ، كالمُنَجّم إذا قال: (( مُطِرنا بنَوء كذا)) ، ومَن شهِد الحِكمةَ في
الأشياء ، ولم يشهَد مُجريَها ، صار بما علِمٍ منها أجهلَ من جاهلها ؛ قاله الزّرقاني.
(وَذَاتُ الجَنْبِ : وَرَمٌ حَارِّ يَحْدُثُ فِي الِشَاءِ المُسْتَبَطِنِ ) ؛ أيّ : الدّاخل
( لِلأَضْلاَعِ ) ؛ أيْ : فيها بحيث جُعِل كالبِطانة ، وهذا هو ذاتُ الجَنْب الحقيقيّ
الّذي تكلّم عليه الأطبّاء .
ويحدُث بسببه خمسة أمراض : الحُمّى ؛ والسُّعَال ؛ والنَّخْس ؛ وضِيْق
النَّفَس ؛ والنَّبْض المِنْشَاري، أي : أنّ العُروق تُحَرَّكُ تَحَركاً شديداً لأعلى
ولأسفل ، حركةً تُشْبِه حركة المِنْشَار ؛ وهو من الأمراض المَخوْفَة . وهو من سَيِّءِ
الأسقام، ولذا قال ◌َّ﴿ل ـ لمّا لدُّوه في مرضه؛ ظنّاً منهم أنّ به ذاتَ الجَنْبِ -:
(( مَا كَانَ اللهُ لِيُسَلِّطَهَا عَلَيَّ)). أيْ: ما كان الله مُريداً لأنْ يُسلّطها عليّ رحمةً بي،
ورأفةً عليّ .
( وَ) قد تُطْلَق ((ذاتُ الجَنْب)) على ما ذَكَرَه بقوله: (أَلَمٌ يُشْبِهُهُ) ؛ أيْ : يُشبِهِ
الورَم الحارَّ ، الّذي هو ذاتُ الجَنْب الحقيقيّ (يَعْرِضُ) ذلك الأَلم ( فِي نَوَاحِيَ
الجَنْبِ) من رياحٍ غليظةٍ؛ مؤذية، تحتَقِن بين الصِّفاقات(١) والعَضل(٢) الّتي في
(١) الصفاقات - بكسر الصاد وتخفيف الفاء -: الجلد الأسفل الذي تحت الجلد الذي عليه
الشعر. انتهى ((زرقاني)). ( هامش الأصل ) .
(٢) العضل ؛ جمع عضلة - بفتح المهملة والمعجمة -: كل عصبة معها لحم غليظ. انتهى
((زرقاني)). ( هامش الأصل ) .
١٨٩

وَ( الْقُسْطُ الْبَحْرِيُّ ) هُوَ : أَلْعُودُ الْهِنْدِيُّ .
وَفِي ((الصَّحِيحَيْنِ)): أَنَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( خَيْرُ
مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ : الْحِجَامَةُ، وَأَلْقُسْطُ الْبَحْرِيُّ،
الصَّذْر والأَضلاع ، يداوي به الرّيح الغليظة .
وقد تُطْلق ((ذاتُ الجَنب)) على وجع الخاصِرة (وَالقُسْطُ ) - بضمّ القاف -
( البَحْرِيُّ هُوَ : العُوْدُ الهِنْدِيُّ ) الّذي يَُخَّر به .
وقال اللّيث : عودٌ يُجاء به من الهند ؛ يُجعَل في البخور والدّواء .
وقال بعضهم : العُود خشَبٌ يَأتي من قمار من الهند ، ومن مواضع أُخر ،
وأجودُه القماريُّ الرّزين؛ الأَسود اللّون؛ الذّكي الرّائحة، الذّائب إذا أُلقي على
النّار، الرّاسب في الماء، ومزاجه حارٌ يابِس. انتهى ((شرح القاموس)).
( وَفِي ((الصَّحِيْحَيْنِ))) - كذا في النُسخ الّتي بأيدينا؛ وهو كذلك في ((زاد
المَعاد ))، ولم أجِدْه في ((مسلم)) بهذا اللّفظ !! وأمّا البخاري فلفظه: ((إِنَّ أَمْثَلَ
مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ: الحِجَامَةُ والقُسْطُ البَحْرِيُّ، وَلاَ تُعَذِّبُوا صِبْيَانَكُمْ بِالغَمْزِ مِنَ العُذْرَةِ،
وَعَلَيْكُمْ بِالْقُسْطِ )). والحديثُ باللّفظ الّذي أورده المصنّفَ مذكورٌ في (( الجامع
الصّغير)) قال العزيزي : حديث صحيح ، ورمز له في (( الجامع الصّغير)) برمز الإمام
أحمد والنّسائي ؛ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال :
( ((إِنَّ النَّبِيِّنَ قَالَ: ((خَيْرُ مَا تَدَاوَيَتُمْ بِهِ: الحِجَامَةُ) لاسيّما في البلاد
الحارّة، (وَالقُشْطُ ) - بضمّ القاف ـ ( البَحْرِيُّ) وهو الأَبيض .
قال العَلْقمي : القُسط ضربان : أحدهما الأَبيض الّذي يُقال له البحريّ ، والآخر
الهنديّ؛ وهو أَشدّهما حرًّا، والأَبيض ألينُهُما ومنافعهما كثيرةٌ جداً ، وهما حارّان
يابسان ينَشّفان البلغم، ويقطعان الزُّكَام. وإذا شُربا نفعا من ضَعْف الكَبِد والمعدة ،
ومن بردها ، ومن حُمّى الرّبع والورد ، وقطَعا وجَع الجَنْب ، ونفَعا من الشُّموم.
انتهى .
١٩٠

وَلاَ تُعَذِّبُوا صِبْيَانَكُمْ بِالْغَمْزِ مِنَ الْعُذْرَةِ)).
وَفِي (( السُّنَنِ وَأَلْمُسْنَدِ )) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: دَخَلَ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا -
وَعِنْدَهَا صَبِيٌّ يَسِيلُ مِنْخِرَاهُ دَماً - فَقَالَ: ((مَا هَذَا؟))، قَالُوا: بِهِ
الْعُذْرَةُ ، أَوْ : وَجَعٌ فِي رَأْسِهِ ،
وقال القُرطبّي : البحريّ الأَبيض أحد نوعَي العُود الهِندي - كما تقدّم -.
(وَلاَ تُعَذِّبُوْا صِبْيَانَكُمْ) ؛ أي: أطفالكم ( بِالْغَمْزِ) - بالغين المعجَمة، والزّاي
آخره - بأن يدخِل أحدُكُم نحو الإصبع في حَلْق الطّفل ، ويغمِزِ محلّ الوجَع ؛ فينفجر
منه دمِّ أسود ( مِنَ العُذْرَةِ) - بضمّ المُهملة، وسكون المعجَمة - : وجَع في الحَلْق
يعتري الأطفال غالباً. وقيل : قُرحة تخرج بين الأُذُن والحَلْق ، سمّيت به !! لأنها
تخرُج عند طلوع العذراء ؛ كوكب تحت الشّعراء ، وطلوعها يكون في الحرّ .
والمراد عالجوا العُذْرة بالقُسط ، بأن يُسحَق ويُجعَل في زيتٍ، ويُسخَّن يسيراً
على النّار، ويُسقى الطّفل، ولا تُعَذِّبوهم بالغَمْزِ، لأنّ مادّة العُذْرة دم يغلب عليه
بلْغَم. وفي القُسط تخفيف للرّطوبة، فنهاهم ◌َّ عن الغَمْز وأرشدهم إلى ما هو
أنفع للأطفال . وأسهل عليهم .
( وَفِي ((الُّنَنِ والمُسْنَدِ )) ) للإمام أحمد ؛ ( عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ) بن عمرو بن
حَرام الأنصاريّ رضي الله تعالى عنهما ( قَالَ :
دَخَلَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ عَلَىْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا - وَعِنْدَهَا صَبِيٌّ) صغير
( يَسِيْلُ مِنْخِرَاهُ ) ؛ تثنيةَ مِنْخِرٍ ، وفيه خمس لغات نظمها بعضهم ؛ فقال :
وَأَكْسِرْهُمَا، وَضُمَّ أَيْضاً مُعْلِنَا
اِفْتَحْ لِمِيْمٍ مِنْخَرٍ وَخَائِهِ
وَزِدْ كَمَجْلِسٍ وَعُصْفُورٍ وَقُلْ
خَمْسٌ بِـ ((قَامُوسٍ )) أَتَتْ فَأَتْقِنَا
( دَماً ، فَقَالَ :
(( مَا هَذَا؟))) الّذي بهذا الصّبيّ. (قَالُوْا: بِهِ العُذْرَةُ، أَوْ وَجَعٌ فِي رَأْسِهِ.
١٩١

فَقَالَ: ((وَيْلَكُنَّ؛ لاَ تَقْتُلْنَ أَوْلاَدَكُنَّ، أَيُّمَا أَمْرَأَةٍ أَصَابَ وَلَدَهَا عُذْرَةٌ،
أَوْ وَجَعٌ فِي رَأْسِهِ .. فَلْتَأْخُذْ قُسْطاً مِنْدِيّاً، فَتَحُكَّهُ بِمَاءٍ ، ثُمَّ تَسْعَطْهُ
فقَالَ: ((وَيْلَكُنَّ ) كلمةٌ تُقال لمن وقع في هَلَكةٍ ولا يُتَرَحّم عليه، بِخلاف (( وَيِحَ))
( لاَ تَقْتُلْنَ أَوْلاَدَكُنَّ) ؛ أي : لا تفعَلنَ ما يكون سبباً لقتلهم .
( أَيُّمَا أَمْرَأَةٍ) - بزيادة (( ما))، لإفادة التَّعميم - ( أَصَابَ وَلَدَهَا عُذْرَةٌ، أَوْ وَجَعٌ
فِي رَأْسِهِ؛ فَلْتَأْخُذْ قُشْطاً) - بضمّ القاف وبالطّاء، قال ((البخاري)) وهو الكُسْتُ.
يعني: بالكاف والفوقية - قال : مثل الكافور والقافور، ومثل كَشَطت وقَشَطت ،
وقرأ عبد الله بن مسعود ﴿قشطت﴾(١) قال ((القُرطُبي)): وهذا من التّعاقب بين
الحرفين . ( هِنْدِيّاً ) يُجلَب من الهند . وهو نوعان: أسود وأبيض، ويُقالُ له :
بحريٌّ، وهو المراد هنا، لحديث زيد بن أرقم : (( تَدَاوَوا مِنْ ذَاتِ الجَنْبِ بِالقُسْطِ
البَحْرِيِّ، وَالزَّيْتِ )) . هذا مفاد كلام القُرطبي.
وقال القُسْطُلاّني في (( شرح البخاري)): البحريُّ ما يُجلَب من اليَمَن، ومنه
ما يُجلَب من المغرب، وزاد بعضهم ثالثاً يُسمّى بـ((القُسط المرّ))، وهو كثير ببلاد
الشّام ؛ خصوصاً السّواحل .
قال في ((نزهة الأفكار )): وأجودها البحري ، وخِيارُه الأبيضُ الخفيف الطّيب
الرّائحة ، وبعده الهندي ؛ وهو أسود خفيف ، وبعده الثّالث ؛ وهو ثقيل ، ولونه
كالخشب البَقْس ورائحته ساطعة ، وأجودُ ذلك كلِّه: ما كان جديداً ممتَلِئاً غيرَ مُتَآكلٍ
يلذَعُ اللّسان. وكلٌّ دواءٌ مباركٌ نافع .
( فَتَحُكَّهُ بِمَاءٍ )؛ أي: تحكّه على حجَر بالماء، كذا في (( المرقاة )). وقال
((القُرطُبي)): أي : يُدقّ ناعماً.
(ثُمَّ تَسْعُطْهُ) - بفتح التّاء والعين، وبضمّ العين ؛ من سَعَطَ : كَمَنَع ونصر ،
(١) من قوله تعالى ﴿وَإِذَا اُلَّمَةُ كُشِطَتْ﴾ [١١ / التكوير]. وأما قراءة ابن مسعود رضي الله عنه
﴿قُشِطَتْ﴾ فهي قراءة شاذَّة .
١٩٢

إِيَّاهُ ))، فَأَمَرَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا فَصُنِعَ ذَلِكَ لِلصَّبِيِّ فَبَرَأَ.
وَ( الْعُذْرَةُ): تَهَيٌُّ فِي الْخَلْقِ مِنَ الدَّمِ .
وَقِيلَ: قُرْحَةٌ تَخْرُجُ فِيمَا بَيْنَ الْأُذُنِ وَالْحَلْقِ ، وَتَعْرِضُ لِلصِّبْيَانِ
غَالِباً .
وَ( الْقُسْطُ الْبَخْرِيُّ ): هُوَ الْعُودُ الْهِنْدِيُّ، وَهُوَ الأَنْيَضُ مِنْهُ،
وَفِيهِ مَنَائِعُ عَدِيدَةٌ ،
ويضمّ التّاء وكسر العين ؛ من أَسعَط ( إِيَّاهُ)) ) ؛ أي : تصُبّه في أنِفِه .
قال القُرطُبي : وهل يُسعَط به مُفْرَداً أو مع غيره ؟! يُسأل عن ذلك أهل المعرفة
والتَّجربة . ولا بُدّ من النفع به، إذ لا يقول وَله إلاّ حقّاً .
(فَأَمَرَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا فَصُنِعَ ذَلِكَ لِلصَّبِيِّ فَبَرَأَ ).
قال في ((المِرقاة)): وقد حَصَل هذا المرَضُ لولدي؛ وألحَّ به، فأرادُوا أن
يَغْمِزوا حلْقَه على طريقة النّساء فمنَعْتُهنّ من ذلك تمشُّكاً بالحديث ، واستعملتُ له
القُسطَ؛ فشُفِيَ منه سريعاً، ولم يعاوده بعدَ ذلك، ووصَفْتُه لجماعةٍ فَبرأُوا ؛
مصداق قوله {چے .
( وَالعُذْرَةُ) - بضمّ العين المهمَلة، وسكون الذّال المعجَمة - (تَهَيُّجُ) ؛ أي :
تَوَرَانُ وَرَمِ ( فِي الحَلْقِ مِنَ الدَّمِ ) الّذي يغلب عليه البلغم .
(وَقِيْلَ) هي: (قُرْحَةٌ تَخْرُجُ فِيْمَا بَيْنَ الأُذُنِ وَالحَلْقِ ) ، أو تَخرُج في الخَرم
الّذي بين الأَنْف والحَلْق، وهو الّذي يُسمّى سقوط اللَّهَاة .
( وَتَعْرِضُ لِلِصِّبْيَانِ غَالِباً) في زمن الحرّ .
(وَالقُسْطُ) - بضم القاف وبالطّاء ـ (البَحْرِيُّ: هُوَ العُوْدُ الهِنْدِيُّ) الّذِي يُجلَب من
الهند، (وَهُوَ) نوعان: أسود وأبيض، والمراد هنا (الأَبْيَضُ مِنْهُ، وَفِيْهِ مَنَافِعُ عَدِيْدَةٌ )
١٩٣

وَكَانُوا يُعَالِجُونَ أَوْلاَدَهُمْ بِغَمْزِ اللَّهَاةِ، وَبِالْعِلاَقِ؛ وَهُوَ شَيْءٌ يُعَلِّقُونَهُ
عَلَى الصِّبْيَانِ، فَنَهَاهُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ، وَأَرْشَدَهُمْ
إِلَى مَا هُوَ أَنْفَعُ لِلأَطْفَالِ وَأَسْهَلُ عَلَيْهِمْ .
وَ( السَّعُوطُ ) : مَا يُصَبُّ فِي
يدِرّ الطّمث والبَوْل، ويقتُّل ديدان الأمعاء ، ويَدْفع السُّمّ وحُمّى الرّبع، وحُمّى
الوَرْد، ويُسخِّن المعدة، ويُحرّكُ شهوة الجماع. ويُذهِبُ الكَلَفَ طِلاءً .
( وَكَانُوْا يُعَالِجُوْنَ أَوْلاَدَهُمْ بِغَمْزِ اللَّهَاةِ) - بفتح اللَّم - : اللّحمة الّتي في أقصى
الحَلْقِ ، ويُجمع على لَهَىّ وَلَهَيات؛ مثل : حصاة وحصىّ وحصيات ، وعلى
لَهَوات أيضاً - على الأصل - كما في ((المصباح)).
( وَ) يعالجونهم (بِالعَلَاقِ ) - بكسر العين المُهمَلة وفتحها - ( وَهُوَ: شَيْءٌ
يُعَلِّقُوْنَهُ عَلَى الصِّبْيَانِ ) كالعُوذَةِ، وهذا بَيَان للمراد، وإلاّ فالعِلاق - لغةً -: ما يَعلَّق
به الشّيء، ثمّ تفسيره بذلك مخالفٌ لما في (( شرح البُخاريّ)) حيث قال: أَعْلَقَتْ
عليه من العُذْرة ؛ أي : رَفَعَتْ حَنَّكَه بأصبعِها ففجّرت الدّم .
وفي ((الفتح)) و((النهاية )) وغيرهما: أنّ كانت عادةُ النّساء إذا أصاب الصَّبيَّ
العُذْرة تَعمِد المرأة إلى خِرقة تفتِلُها فَتْلاً شديداً ، وتُدخِلُها في أَنْفِهِ، وتَطْعَن ذلك
الموضعَ ، فينفَجِر منه دمٌّ أسود ورُبّما أقرحه، وكانوا بعد ذلك يُعَلِّقون عليه ◌ِلاقاً
كالعُوذَة .
( فَتَهَاهُمْ وََّ عَنْ ذَلِكَ، وَأَرْشَدَهُمْ إِلَىْ مَا هُوَ أَنْفَعُ لِلْأَطْفَالِ ، وَأَسْهَلُ عَلَيْهِمْ ) ،
فإنّ القُسْطَ يشدّ اللّهاة، ويرفعها إلى مكانها ؛ لأنّه حارٌّ يابِس.
( وَالسَّعُوْطُ ) المراد هنا - بفتح السّين، وضمّ العين المهمَلتين .. أمَّا بضمّ
السّين ؛ فهو الفِعل الّذي هو صَبّ الدّواء في الأنف . وليس مراداً هنا بل المراد
الأوّل وهو :
( مَا يُصَبُّ فِي ) الأنف، وقد يكون بأدوية مُفرَدة ومركَّبة تُدقّ؛ وتُنْخَل ؛
١٩٤

أَنْفِ الإِنْسَانِ وَهُوَ مُسْتَلْقٍ عَلَى ظَهْرِهِ، وَبَيْنَ كَتِفَيْهِ مَا يَرْفَعُهُمَا؛
لِيَنْخَفِضَ رَأْسُهُ فَيَتَمَكَّنَ الشَّعُوطُ مِنَ الْوُصُولِ إِلَىْ دِمَاغِهِ ، وَيَسْتَخْرِجَ
مَا فِيهِ مِنَ الدَّاءِ بِالْعُطَاسِ. وَقَدْ مَدَحَ النَِّيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
التَّدَاوِيَ بِالسَّعُوطِ فِیمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِیهِ .
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ أَنْ يُسْتَرْقَى مِنَ الْعَيْنِ .
وَرَوَىُ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)) : عَنِ أَبْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى
عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((الْعَيْنُ حَقٌّ ، وَلَوْ
كَانَ شَيْءٌ سَابِقَ الْقَدَرِ ..
وتُعجَن، وتُجفّف ؛ ثم تُحلّ عند الحاجة، ويُسعَط بها فِي ( أَنْفِ الإِنْسَانِ وَهُوَ
مُسْتَلْقٍ عَلَىْ ظَهْرِهِ، وَبَيْنَ كَتِفَيْهِ ) ؛ أي : تحتهما ( مَا يَرْفَعُهُمَا ) من نحو مِخَدّة ؛
( لِيَنْخَفِضَ رَأْسُهُ، فَيَتَمَكَّنَ السَّعُوْطُ مِنَ الوُصُوْلِ إِلَىْ دِمَاغِهِ ) يعني أنه بهذه الكيفيّة
يسهُل انحدار السَّعوط إلى الدّماغ (وَيَسْتَخْرِجَ مَا فِيْهِ)؛ أي: الدِمّاغ (مِنَ الدَّاءِ
بِالعُطَاسِ ) ؛ ذكره ابن القَيِّم قال :
(وَقَدْ مَدَحَ النَّبِيُّ وَّهِالتَّدَاوِيَ بِالسَّعُوْطِ فِيْمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِيْهِ) .
وذكر أبو داود في ((سننه)) أنّ النّبي ◌َّ اسْتَعَط. انتهى.
( وَكَانَ رَسُوْلُ اللهِنِّهِ يَأْمُرُ أَنْ يُسْتَزْقَى) - بالبناء للمفعول - ( مِنَ العَيْنِ ) بنحو
( ما شاء الله، لا قوّة إلاّ بالله. أخرجه مسلم في ((صحيحه))؛ عن عائشة رضي الله
تعالى عنها . وفي رواية له ؛ عنها أيضاً : كان يأمُرني أن أَستَرقيَ من العين .
(وَرَوَى مُسْلِمٌ فِيْ) ((الطّبّ))؛ من (((صَحِيْحِهِ)))، والإمام أحمد كلاهما ؛
(عَنِ أَبْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ إِلِّ :
((العَيْنُ حَقٌّ ) ؛ أيْ : أنّ الإصابة بالعين شيءٌ ثابتٌ موجودٌ ، وهو من جملة
ما تحقّق وجودُه بالفعل، (وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابِقَ القَدَرِ ) - بفتحتين - : أي: لو
١٩٥

لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ )).
فُرِضَ أنّ لشيءٍ قوّةً بحيث يَسبق القَدَر ( لَسَبَقَتْهُ العَيْنُ ) لكنّها لا تسبِقِ القَدَر ، فكيف
غيرُها ؟! فإنه تعالى قدّر المقادير قبل أن يخلُق الخَلْق بخمسين ألف سنة .
قال القُرطُبي: ((فلو)) . مبالغةٌ في تحقيق إصابة العين ، جرى مَجرى
التَّمثيل، إذ لا يردّ القَدَر شيءٌ، فإنّه عبارةٌ عن سابق علم الله ونفوذٍ مشيئته ، ولا رادً
لأمره ولا مُعَقِّب لحُكْمه ، فهو كقولهم : لأطلُبَنَّك؛ ولو تحت الثَّرَى، ولو صعدْتَ
السّماء ؟ !.
قال المازري : وقد أخذ الجمهور بظاهر الحديث من تأثيرها بإرادة الله وخلقه ،
وأنكره طوائف من المبتدِعة لغير معنى ، لأنَّ كلّ شيءٍ ليس مُحالاً في نفسه ،
ولا يؤدّي إلى قلب حقيقةٍ ولا إفساد دليلٍ !! فهو من مُجَوَّزات العقول ، وكلّ
ما جوّزته وأخبر الشّارع بوقوعه وجَب قَبُوله والأخذ بظاهره ؛ ولم يكن لإنكاره معنىً
سوى العِناد والمكابرة . وهل من فرق بين إنكارهم إصابةَ العين ؛ وبين إنكارهم
ما يُخبَر به من أمور الآخرة !؟
وقد اشتكى بعض النّاس هذه الإصابة ؛ فقال : كيف تعمل العينُ من بُعدٍ ، حتّى
يحصُل الضّرر للمعْيُون ؟
وأجيب : بأنّ طبائِعِ النّاس تختلف ، فقد يكون ذلك من سُمِّ يصِلُ من عين
العائِن في الهواء إلى بدَن المَعْيُونِ ؛ فيحصُل الضّرر بتقدير الله . وقد نُقُل عن بعض
مَن كان مِعياناً ، أنّه قال : إذا رأيت شيئاً يُعجبني وجدتُ حرارةً تخرجُ من عيني !!
ويُقَرَّبُ ذلك: بالمرأة الحائض تَضَع يدَها في إناء اللّبن فيفسُد !! ولو وضعتُها
بعد طُهرها لا يفسُد !!
وكذا تدخلُ البُستان ، فتُضِرُّ بكثير من الغروس من غير أنْ تَمَسّها !
ومن ذلك : أنّ الصّحيح قد ينظر إلى العين الرّمداء فيرمَدُ !!.
قال المازري : وزَعَم بعض الطّبائعييّن أنّ العائِنَ ينبعِثُ من عينه قوةٌ سُمِّيَّةٌ تَتَّصِل
١٩٦

بالمَعْيون ؛ فيَهْلِكُ أو يَفسُد جِسْمُه أو عقلُه، وهو كإصابة السُّمّ من نظر الأفعى.
وأشار المازري إلى مَنْع الحَصْر في ذلك . أي : خروج سُمِّيّة من عين العائِن ،
مع تجويز المازريّ خروجَها ؛ لا على سبيلِ القَطْع .
وإنّ الّذي يَتَمشّى على طريقة أهل السُّنّة : أنّ العين إنّما تَضُّ عند نظر العائِن ،
بعادةٍ أجراها الله تعالى أن يَحدُث الضَّرر عند مقابلة شخصٍ آخر .
وهل ثَمَّ جواهرُ خفيَّةٌ تخرج من العين أوْ لا ؟! هو أمرٌ محتمل ؛ لا يُقطَع بإثباته
ولا نفيه ، إذ لا مُستَند لذلك .
ومن قال ممّن ينتمي إلى الإسلام من أصحاب الطّبائِعِ بالقطع ؛ بأنّ ثَمّ جواهرَ
لطيفةً غيرَ مرئيّة تنبَعِثُ من العائن فتَتَصِلُ بالمَعْيُون ؛ وتتخَلّل مَسامَ جسمه ، فيخلق
الباري الهلاك عندها ؛ كما يخلُق الهلاك عند شُرب السُّمّ !! فقد أخطأ بدَعوى
القَطْع ، إذ لا دليل عليه ، ولكنّه جائِزِ أن يكون عادةً ليس ضرورةً ؛ ولا طبيعةً .
انتهى كلام المازري . وهو كلام سديد لموافقته مذهب أهل السُّنّة .
وليس المراد بالتّأثير المعنى الذي يذهب إليه الفلاسفةُ من أنّ إصابة العين صادرةٌ
عن تأثير النَّفْس بقوَّتها فيه ، فأوّل ما تُؤَثّر في نفسها ؛ ثمّ تُؤَثّر في غيرها !!.
بل المُراد ما أَجرى الله به العادةَ من حصول الضَّرر للمَعيُون بخلْق الله تعالى .
وقد أخرج البَزّار، والبخاريّ في (( التّاريخ)) والطّيالسي، والحكيم التِّرمِذِي
- بسَنَدَ حسن، وصحّحه ((الضّياء )) - عن جابر رفعه ((أَكْثَرُ مَنْ يَمُوتُ مِنْ أُمَتِي بَعْدَ
قَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ بِالنَّفْسِ)). قال الرّاوي: يعني بالعين. وقد أجرى الله العادة بوجود
كثيرٍ من القوى والخَواصّ في الأجسام والأرواح ؛ كما يحدُث لمن ينظُر إليه من
يَخْتَشِمه من الخجَل ؛ فيُرى في وجهه حمرةٌ شديدةٌ لم تكن قبلَ ذلك ! وكذلك
الاصفِرار عند رؤية مَن يخافه ، وكثيرٌ من النّاس يَسقُم بمجرّد النّظر إليه؛ وتضعُف
قُواه .
١٩٧

وَفِي (( سُنَنٍ أَبِي دَاوُودَ )): عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا
قَالَتْ : كَانَ يُؤْمَرُ الْعَائِنُ فَيَتَوضَّأُ ،
وكلّ ذلك بوَاسِطة ما خلَق الله تعالى في الأرواح من التأثيرات لشدّة ارتباطها
بالعين ، وليست هي المؤثِّرة ! وإنّما التأثير للرّوح ، والأرواح مختلِفَةٌ في طبائِعها ،
وكيفيَّاتها ؛ وخواصّها . فمنها ما يُؤَثّر في البَدَن بمجرّد الرُّؤية ؛ من غير اتّصالٍ به ،
لشدَّة خُبث تلك الرّوح وكيفيتها الخبيثة .
والحاصل أنّ التّأثير بإرادة الله تعالى وخلقه ليس مقصوراً على الاتّصال
الجسمانيّ ، بل يكون تارةً به ؛
وتارةً بالمقابلَة ، وأُخرى بمجرّد الرّؤية، وأُخرى بتَوَجُّه الرّوح ؛ كالذي يحدُث
في البَدَن من الشّفاء من المَرَض ونحوه بسبب الأدعية والرُّقى والالتجاء إلى الله
تعالى .
وتارةً يقع ذلك بالتّوَهُّم والتخيّل ، فالذي يخرُج من عين العائِن سَهمٌ معنَويٌّ ،
إن صادف البَدَن لا وقاية له أثَّر فيه الضّررَ بخلق الله تعالى، وإلاّ! لم ينفذ فيه
السَّهم، بل ربّما رُدَّ على صاحبه، كالسّهم الحسّيّ سواءً. انتهى ملخّصاً من ((فتح
الباري)) وغيره . نقله في (( المواهب )) وشرحها .
وتمام الحديث: ((وَإِذَا اُسْتُغْسِلْتُمْ فَأَغْسِلُوا)) أيْ: إذا طُلِب منكم أيّها المتَّهَمون
بإصابة العين - غسلُ الأعضاء الآتي بيانها فاغسِلوا .
( وَفِي ((سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ))) في كتاب ((الطّبّ))؛ (عَنْ عَائِشَةَ رضِيَ اللهُ تَعَالَىُ
عَنْهَا قَالَتْ : كَانَ يُؤْمَرُ العَائِنُ فَيَتَوَضَّأُ) ولم يُبيَّن في حديث ابن عباس صفةً
الاغتسال ؛ ولا في حديث عائشة صفة الوضوء ؟!
قال المحقّق محمد بن سليمان الكردي في (( حواشي شرح بافضل ))(١) : الّذي
(١) في كتابه المسمى ((الحواشي المدنية على المقدمة الحضرمية في فقه السادة الشافعية)).
١٩٨

ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ الْمَعِينُ .
قَالَ الزُّهْرِيُّ :
يُفْهِمُهُ كلامُ أئمتنا تصريحاً وتلويحاً : أنّ وُضوء العائن كغيره ، المرادُ به الوُضوء
الشّرعيّ ؛ لكِن الموجود في كتُب الحديث أنّه غيره .
( ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ) ؛ أي الوضوء ، أي: ماءه ( المَعِيْنُ) - اسم مفعول - ؛ من
عانَه إذا أصابَه بالعين، تقول : - كما في ((الفتح)) - : عِنْتُ الرّجل ؛ أصبتَه
بعينك ؛ فهو مَعين ومَعيون . انتهى .
( قَالَ ) الإمام الحافظ المحدّث ؛ محمّد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن
شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مُرَّة بن كعب بن لؤي : أبو بكر
القُرَشي .
( الزُّهْرِيُّ ) ؛ نسبةً إلى بني زُهرة بن كِلاب المذكور . تابعيّ من أهل المدينة ، نزل
الشّام واستقَرَّبها ، ويقولون تارةً الزُّهري، وتارةً ابن شهاب ينسبونه إلى جدّ جدِّه .
وهو أَحَد أفراد الدّنيا ؛ علماً وعملاً وجلالةٌ .
سمع أنس بن مالك ؛ وسهل بن سعد ؛ والسّائب بن يزيد ؛ وعبد الرحمن بن
أزهرَ ؛ ومحمود بن الرّبيع ؛ وأبا أمامة أَسعد بن سهل بن حنيف ؛ وأبا الطُّفَيل .
وهؤلاء كلهم صحابة .
وسمع من خلائق ؛ من كبار التّابعين وأَئِمَّتِهِم .
روى عنه خلائق من كبار التّابعين وصغارهم ، ومن أتباع التّابعين .
وحفِظ القُرآن في ثمانين ليلة !. قال الشّافعيّ: لولا الزُّهريّ ذهبت السُّنن من المدينة.
ومناقبه ؛ والثّناء عليه ؛ وعلى حفظه أكثر من أن يُحصَر.
تُوفي ليلةَ الثلاثاء لسبعَ عشرةَ خلت من شهر رمضان سنة : أربع وعشرين
ومائة ، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة ، وتُوفي بقريةٍ بأطراف الشّام يُقال لها :
((سَغْبَدَا)) رحمه الله تعالى . قال في صفة الاستغِسال :
١٩٩

يُؤْمَرُ الرَّجُلُ الْعَائِنُ بِقَدَحِ ، فَيُدْخِلُ كَفَّهُ فِيهِ ، فَيَتَمَضْمَضُ ، ثُمَّيَمُجُهُ فِي
اُلْقَدَحِ، ثُمَّ يَغْسِلُ وَجْهَهُ فِي الْقَدَحِ ، ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ أَلْيُسْرَىُ، فَيَصُبُّ
عَلَى كَفِّهِ الْيُمْنَى فِي الْقَدَحِ ، ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ أَلْيُمْنَى ، فَيَصُبُّ عَلَى كَفِّهِ
اُلْيُسْرَىْ، ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ اَلْيُسْرَىْ، فَيَصُبُّ عَلَى مِرْفَقِهِ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ يُدْخِلُ
يَدَهُ أَلْيُمْنَى، فَيَصُبُّ عَلَى مِرْفَقِهِ الأَيْسَرِ، ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ أَلْيُسْرَى، فَيَصُبُّ
عَلَى قَدَمِهِ أَلْيُمِنَى، ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ الْيُمْنَى، فَيَصُبُّ عَلَى قَدَمِهِ اَلْيُسْرِىُ ثمَّ
يُدْخِلُ يَدَهُ الْيُسْرَى، فَيَصُبُّ عَلَى رُكْبَتِهِ الْتُمْنَى، ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ اَلْيُمْنَى،
فَيَصُبُّ عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَىْ، ثُمَّ يَغْسِلُ دَاخِلَةَ إِزَارِهِ ، وَلاَ يُوضَعُ الْقَدَحُ
فِي الأَرْضِ ، ثُمَّيَصُبُّ
( يُؤْمَرُ الرَّجُلُ العَائِنُ بِقَدَح) فيه ماء ؛ ( فَيُدْخِلُ كَفَّهُ فِيْهِ ، فَيَتَمَضْمَضُ ) بِغَرفة
منه ؛ ( ثُمَّ يَمُبُّهُ فِي القَدَحِ، ثُمَّ ) يأخذ منه ماء ( يَغْسِلُ وَجْهَهُ فِي القَدَحِ ) مرّةً
واحدةً ، ( ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ الْيُسَّرَى) في القَدَحِ؛ (فَيَصُبُّ عَلَى كَفِّهِ الْيُمْنَى فِي الَقَدَح )
صَبَّةً وَاحدة ، ( ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ الْيُمْنَىْ، فَيَصُبُّ عَلَىْ كَفِّهِ الْيُسْرَىْ) واحدةً، (ثُمَّ
يُدْخِلُ يَدَهُ الْيُسْرَىُ، فَيَصُبُّ عَلَىْ مِرْفَقِهِ الأَيْمَنِ ) في القَدَح واحدةً ، ( ثُمَّ يُدْخِلُ بَدَهُ
اليُمْنَى، فَيَصُبُّ عَلَىْ مِرْفَقِهِ الأَيْسَرِ ) صبّةً واحدةً ، ( ثَمّ يُدْخِلُ يَدَهُ الْيُسْرَىُ، فَيَصُبُّ
عَلَى قَدَمِهِ الْيُمْنَىْ) في القَدَح واحدةً ، ( ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ الْيُمْنَىْ، فَيَصُبُّ عَلَىْ قَدَمِهِ
المُسْرَى) صبّةً واحدةً، ( ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ الْيُسْرَى، فَيَصُبُّ عَلَىُ رُكْبَتِهِ الْيُمْنَى) في
القَدَح، ( ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ اليُمْنَىْ، فَيَصُبُّ عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَىُ ) صبَّة واحدةً فيها،
( ثُمَّ يَغْسِلُ دَاخِلَةَ إِزَارِهِ ) .
قال المازري: المُراد بـ(( داخلة إزاره)): الطّرف المتدلّ الّذي يَلِي حَقْوَه
الأيمن. وقال القاضي عِيَاض: إنّ المراد ما يَلِي جسدَه من الإِزار. وقيل غير ذلك.
( وَلاَ يُؤْضَعُ القَدَحُ فِي الأَرْضِ) حتّى يفرُغَ ( ثُمَّ يَصُبُّ ) ذلك الماءَ الّذي في
٢٠٠