النص المفهرس

صفحات 161-180

فَلْيَستَقْبِلْ نَهَراً جَارِياً لِيَسْتَقْبِلْ جَرْيَةَ أَلْمَاءِ ، فَيَقُولَ: ( بِأَسْمِ اللهِ ،
اللَّهُمَّ؛ أَشْفِ عَبْدَكَ ، وَصَدِّقْ رَسُولَكَ ) بَعْدَ صَلاَةِ الصُّنْحِ قَبْلَ كُلُوعٍ
الشَّمْسِ، فَلْيَغْتَمِسْ فِهِ ثَلاَثَ غَمَسَاتٍ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ، فَإِنْ لَمْ يَبْرَأُ فِيَ
ثَلاَثٍ . . فَخَمْسٌ، فَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ فِي خَمْسٍ .. فَسَبَّعٌ ، فَإِنْ لَمْ يَبْرَأُ فِي
سَبْعٍ .. فَتِسْعٌ ؛ فَإِنَّهَا لاَ تَكَادُ تُجَاوِزُ تِسْعاً بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَىْ )) .
الإِطفاء ، فقال : - (فَلْيَسْتَنَّقِعْ نَهَراً) - بفتحتَين ؛ على الأفصح - ( جَارِياً، لِيَسْتَقْبِلَ
جَرْيَةَ المَاءِ ،
فَيَقُوْلَ : بِأَسْمِ اللهِ ، اللَّهُمَّ؛ أَشْفِ عَبْدَكَ) لم يقل: اشِفِني لأَنَّ المقام مَقامُ
اسْتِعْطَافٍ وتذلُّلِ ، ولا وصفَ أصدقُ من وصف العبوديّة . ( وَصَدِّقْ رَسُوْلَكَ ) فيما
أخبر أَنّه شِفاء من الحمّى .
( بَعْدَ صَلاَةِ الصُّبْحِ، قَبْلَ طُلُوْعِ الشَّمْسِ ) ظرفٌ لقوله (( يستنقع )).
( فَلْيَغْتَمِنْ فِيْهِ ثَلاَثَ غَمَسَاتٍ، ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ لَمْ يَبْرَأُ فِي ثَلاَثٍ؛ فَخَمْسٌ )
ينغمِس فيها، فـ ((خمسٌ)): خبره محذوفٌ ﴿ فَإِنْ لَمْ يَبَرَأْ فِي خَمْسٍ ؛ فَسَبْعٌ ، فَإِنْ
لَمْ يَبْرَأْ فِي سَبْعٍ؛ فَتِسْعٌ) من الأَيَامِ ، ( فَإِنَّهَا) أي : الحمى ( لاَ تَكَادُ تُجَاوِزُ تِسْعاً
بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَىْ ) ) .
وهذا يحتمل أن يكون لبعض الحُمَّيات دون بعضٍ ، ويَحتمل أنّه خارجٌ عن
قواعد الطّبّ ، داخلٌ في قسم المعجزات الخارقة للعادات . ألا ترى كيف قال فيه
((صَدِّقْ رسولكَ))، و ((بإذن الله )) ؟؟.
وقد شُوهِد وجُرّب؛ فؤُجِد كما نطق به الصّادق المصدوق وَّةٍ؛ قاله
الطّيبيّ .
وقال الزَّين العِراقيّ: عمِلت بهذا الحديث ؛ فانغمستُ في بحر (( النّيل))؛
١٦١

وَفِي («الصَّحِيحَيْنِ)): عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى
عَنْهُ: أَنَّ رَجُلاً أَتَىْ الشَّيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنَّ أَخِي يَشْتَكِي
بَطْنَهُ - وَفِي رِوَايَةٍ: أَسْتَطْلَقَ بَطْنُهُ - فَقَالَ: ((اِسْقِهِ عَسَلاً))، فَذَهَبَ ،
ثُمَّ رَجَعَ ، فَقَالَ: قَدْ سَقَيْتُهُ عَسَلاً ؛ فَلَمْ يُغْنِ عَنْهُ شَيْئاً؟
فبرِئتُ منها ! قال ولدُه الوَلّ العِراقيّ: ولم يُحَمّ بعدها، ولا في مرَض موته !! .
انتهى ((زرقاني)).
( وَفِي ((الصَّحِيْحَيْنِ)) ): البُخاريّ ومُسلم، وكذا التِّرْمِذِيُّ والنَّسائي كلّهم في
( الطب ) ؛ من حديث سعيد بن أبي عروبة ؛ عن أبي المتوكّل النّاجيّ .
(عَنْ أَبِي سَعِيْدٍ ) سعد بن مالك ( الخُذْرِيِّ) الصّحابيّ ابن الصّحابيّ (رَضِيَ اللهُ
تَعَالَى عَنْهُ) وعن والده .
(أَنَّ رَجُلاً أَتَّىُ النَّبِيَّنَّهِ؛ فَقَالَ: إِنَّ أَخِي) - قال الحافظ ابن حَجَر: لم أَقف على
اسم واحدٍ منهما - ( يَشْتَكِيْ بَطْنَهُ) ؛ أي: وجع بطنه ، من إِسهالٍ حصل له من تُخْمةٍ .
( وَفِي رِوَايَةٍ ) للشّيخَين أيضاً؛ من حديث قتادة ؛ عن أبي المتوكّل النّاجي ؛
عن أبي سعيد فقال : إنّ أخي ( أُسْتَطْلَقَ) - بفتح الفَوقيّة واللّم - ( بَطْنُهُ) بالرّفع ،
وضبطه في ((الفتح)) مبنيّاً للمفعول ؛ أي: تواتر إِسهالُ بطنه ؛ قاله القُسطُلاَّني .
وكذا قال القُرطُبيّ في (( المُفهِم)): هو بضمّ التاء مبنيّاً للمفعول ، فهو الرّواية
الصّحيحة ، فيكون أَصله استَطْلَق هو بطنَه ، فالسّين زائِدةٌ ؛ لا للطّلب قال الحافظ
ابن حَجَر : استُطلِقٍ - بضمّ المثنّة ؛ وسكون الطّاء المهمَلة ؛ وكسر اللاّم بعدها
قاف - أي : كَثُر خروجُ ما فيه يريد الإِسهال .
( فَقَالَ: ((أَسْقِهِ عَسَلاً) صِرْفاً، أو ممزوجاً، وعند الإسماعيليّ: ((اِسْقِهِ
العَسَلَ ))، واللّم عهديّةٌ، والمُراد: عسَل النّحل، لكونه المشهورَ عندهم ؛ قاله
الحافظ (( ابن حجر)).
( فَذَهَبَ، ثُمَّ رَجَعَ ؛ فَقَالَ: قَدْ سَقَيْتُهُ عَسَلاَ فَلَمْ يُغْنِ عَنْهُ شَيْئاً؟! ) ؛ أي : لم
١٦٢

وَفِي لَفْظِ: فَلَمْ يَزِدْهُ إِلَّ اسْتِطْلاَقَاً ( مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَئاً) - كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ
لَهُ: ((اِسْقِهِ عَسَلاً))، فَقَالَ لَهُ فِي الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ: ((صَدَقَ اللهُ،
وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ))، ثُمَّ سَقَاهُ، فَبَرَأَ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى.
يَبْرأ . (وَفِيْ لَفْظِ): فسقاه العسَل، فلم يَنجَع، فأتى النّيّ ◌َّه فقال: إنّي سقَيتُه
﴿ فَلَمْ يَزِدْهُ إِلَّ أَسْتِطْلاَقاً؟! ) بعد السّقيّ؛ لجَذْبه الأَخلاطَ الفاسدة ، وكونه أقلّ من
كميّة تلك الأَخلاط، فلم يدفعها بالكُلية (مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَئاً ) يترّدُدُ إليه ( كُلُّ ذَلِكَ يَقُوْلُ
لَهُ: ((أُسْقِهِ عَسَلاً)».
فَقَالَ لَهُ فِي ) المرّة ( الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ: ((صَدَقَ اللهُ) في قوله: ﴿فِيهِ شِفَآءُ
لِلنَّاسِ﴾ [٦٩/ النحل)] (وَكَذَبَ)؛ أَي: أخطأَ ( بَطْنُ أَخِيْكَ))). حيثُ لم يصلُح
القَبول الشّفاء ، لكثرة المادّة الفاسدة التي فيه، ولذا أَمره بمُعَاوَدة شُرب العسَل ،
الاستفراغها ، فلمّا كرّر ذلك بَرَأَ .
وفي روايةٍ لمسلم : فقال له ثلاث مرّاتٍ : إنّي سقيتُه فلم يَزِدْه إلاّ استِطلاقاً ؟! ثمّ
جاء الرّابعة فقال: ((اسقِه عسَلاً)). فقال: سقيتُه فلم يَزِدْه إلّ استِطلاقاً؟! فقال :
((صَدَقَ اللهُ، وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيْكَ !! )) ففي هذه الرّواية : أنه قال ذلك بعد الرّابعة !
قال الحافظ ((ابن حَجَر)): والأَرْجح أنّه قاله بعد الثّالثة.
( ثُمَّ سَقَاهُ فَبَرَأَ) - بفتح الرّاء والهمزة - بوزن: قَرَّأَ، وهي : لغةُ أهل الحجاز ،
وغيرهُم يقول : بَرِىءَ بكسر الراء ؛ بوزن علم ؛ كما في ((الفتح)).
( بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَىْ)) ) لأنّه لما تكرّر استعمالُ الدّواء قاوم الدّاءَ فأَذهبه .
قال في ((المواهب)): وفي قوله: ((وَكَذَب بَطْنُ أَخِيْكَ)) إشارةٌ إلى أنّ هذا
الدّواء نافعٌ ، وأنّ بقَاء الدّاء ليس لقصُورِ الدّواء في الشِّفاء، ولكن لكثرة المادّة
الفاسدة ، فمن ثَمّ أمره بمعاودة شُرب العسَل ، لاستِفراغها !! فشُفِيَ لمّا
استفْرِغَت ، فاعتبار مقادير الأَدوية ، وكيفيّاتها ، ومقدار قُوّة المَرَض والمريض من
أكبر قواعد الطّبّ .
١٦٣

وَفِي (( سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ)): عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ
مَرْفُوعاً : ((مَنْ لَعِقَ الْعَسَلَ ثَلاَثَ غَدَوَاتٍ كُلَّ شَهْرٍ .. لَمْ يُصِبْهُ عَظِيمٌ
مِنَ الْبَلاَءِ )).
قال في ((زاد المَعَاد)): وليس طِبّه نَّهِ كطِبّ الأطبّاء؟؟ فإنّ طِبّه عليه الصّلاة
والسّلام مُتَيَقَّنٌ قطعيّ إلهيٌّ ؛ صادرٌ عن الوحي ، ومِشكاة النُبُّوَّة ، وكمال العقل ،
وطِبّ غيره حَدْسٌ وظُنونٌ وتَخمينٌ وتجاربُ . انتهى بزيادةٍ من ((شرح البخاري)).
( وَفِيْ ((سُنَنِ أَبْنِ مَاجَه))) في كتاب ((الطّبّ)) قال: حدّثنا محمود بن
خِداش ؛ قال : حدّثنا سعيد بن زكريا القُرشيّ ؛ قال : حدّثنا الزّبير بن سعيد
الهاشميّ ؛ عن عبد الحميد بن سالم .
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ) قال في ((الميزان)) ؛ عن البخاري :
لا يُعرف لعبد الحميد سَماعٌ من أبي هُريرة؟! وفي ((الزّوائِد)»: إِسناده لَيِّنٌ !! ومع
ذلك هو منقَطِعٌ! وأورده ابن الجوزي في ((الموضوعات)) وقال: الزّبير ليس بثقةٍ.
وقال العُقَيْلي: ليس لهذا الحديث أَصل . ولم يتعقَّبه السّيوطيّ سوى بأنّ له شاهداً ،
وهو ما رواه أبو الشّيخ في ((الثّواب))؛ عن أبي هريرة مرفوعاً: (( مَنْ شَرِبَ العَسَلَ
ثَلاثَةَ أَيَّامٍ فِيْ كُلِّ شَهْرٍ عَلَىْ الرِّيْقِ عُوْفِيَ مِنَ الدّاءِ الأَكْبَرِ : الفَالِحِ، والجُذَامِ
وَالْبَرَصِ)). انتهى. ((مناوي)) مع زيادة .
( مَرْفُوْعاً) إلى النّبيِنَِّ أنّه قال: ( ((مَنْ لَعِقَ) بابه فَهِم؛ كما في (( المختار))
أي: لَحَس ( العَسَلَ) النّحل - وهو يُذكّر ويُؤْنَّث. وأسماؤُه تزيد على المائة -
( ثَلاَثَ غُدْوَاتٍ) - بضمٌّ فسكون(١) - (كُلَّ شَهْرٍ). قال الطّيبيُّ: صفة
لـ((غَدَواتٍ)) أي: غَدَوات كائِنة في كلّ شهر ، أي : ثلاثة أَيّام في كلّ شهر .
( لَمْ يُصِبْهُ عَظِيْمٌ مِنَ البَلاَءِ)) ) ، لما في العسَل من المنافع الدّافعة للأَدواء ، إذ
(١) الذي في ((المختار)) و((الأساس)): بفتحتين سواء كان جمع غداء أو غداً؟! (عبد الجليل).
١٦٤

وَفِي أَثَرٍ آخَرَ : ((عَلَيْكُمْ بِالشِّفَاءَيْنِ: الْعَسَلِ ،
هو غِذاءٌ من الأغذية ، ودواءٌ من الأدوية ، وشرابٌ من الأشربة ! ، وحَلوى من
الحَلاوات!، وطِلاءٌ من الأَطْلِية!، ومُفْرِحٌ من المُفْرحات !! فيُطلَب لَعْقِ العسَل
النّحل في كلّ شهر ثلاثةَ أَيَّامٍ منه؛ في أَوّله ، أو أثنائه . وتَخصيص الثّلاث !! لِسِّ
عَلِمَه الشّارع . انتهى شروح ((الجامع الصّغير)).
( وَفِيْ أَثَرِ آخَرَ) أخرجه ابن ماجه، والحاكم في ((الطّبّ))؛ عن ابن مسعود
مرفوعاً إلى النّبِيّ ◌َ﴿ - وقال الحاكم: إنّه على شرط الشّيخَين - وأخرجه ابن
أبي شيبة ، والحاكم أيضاً موقوفاً على ابن مسعود ، ورجاله رجال الصحيح .
وقال البَيْهَقيُّ في (( الشُّعَب)) : الصّحيح أنّه موقوفٌ على ابن مسعود رضي الله
تعالى عنه .
( (عَلَيْكُمْ) ؛ أي: الزَموا التّداوي (بالشِّفَاءَيْنِ ) ، قال تعالى في العسَل ﴿فِيهِ
شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [٦٩/ النحل] وقال في القرآن ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٌ﴾ [٨٢/ الإسراء]
فالشِّفاءُ ثابتٌ لكلِّ بنصِّ القرآن .
( العَسَلِ ) النحل وهو لُعابها .
وله منافع كثيرةٌ ، منها : أنه يَنفَع البَشَرة ويُنَعِّمُها ، وإن اکتُحِل به جلا البَصر ،
وإِذا استَنّ به بيّض الأسنان ؛ وصقَلها؛ وحفِظ صِحَّتها؛ وصِحّة اللَّة؛ وإِذا تَغَرْغَرَ
به نفَع من أورام الحَلْق ، ومن الخَنَّاق ، ويوافق السُّعال البلغَمَيّ ، ويدرّ البول ،
وَيُلَيِّن البَطْن ، ويفتح سُدَدها، ويفتح أفواه العُروق، ويُدِرّ الطّمث، وينفع من لَسْع
العَقْرِب، ومن نَهْش الهَوام ذوات الشُّموم، ومن عضَّة الكلب ، ولَعْقُهُ على الرّيق
يُذْيب البَلْغَم، ويدفع الفَضَلات، ويغسِل خَمْلِ المَعِدة، ويشدُّها ، ويُسخّنها
باعتدالٍ، ويفتح سُدَدَها، ويفعل مثل ذلك بالكَبِد ؛ والكُلَى ؛ والمثانة .
وقد كان النِّي ◌َّهُ يشرب كلّ يومٍ قدَحَ عَسل مَمزُوجاً بالماء على الرِّيق.
فهذه حِكمةٌ عجيبةٌ في حِفظ الصِّحّة ؛ لا يعقِلُها إلّ العالِمون !.
١٦٥

وَأَلْقُرْآنِ »
وقد كان بعد ذلك يَغْتذي بخُبز الشَّعير مع المِلْح ، أو الخلِّ ؛ أَو نحوه ، ويُصابِر
شَظَف العيش ، فلا يَضرّه !! لما سبق له من الإصلاح .
وقد كان عليه الصّلاة والسّلام يُراعي في حفظ صِحّته أموراً فاضلةً جِدًّا ، منها ،
تقليل الغِذاء ، وتجنّب الثُّخم ، ومنها شُرب بعض المنقوعات يُلطّف بها غذاءه ،
كنَقَيع الثَّمرِ ؛ أو الزَّبيب؛ أو الشَّعير ؛ ومنها استعمالُ الطِّيب، وجعل المِسْكِ في
مَفْرَقه ، والادِّهانُ والاكتِحال .
وكان عليه الصّلاة والسّلام يُغَذِّي روح الدِّماغ والقلب بالمِسْك، وروحَ الكَبِد
والقلب بماء العسَل، فما أَتَقنَ هذا التدبيرَ، وما أَفضلَه !!. انتهى ((عزيزي)).
وقال ((الزّرقاني)): أَصلِحُ العسَل الرّبيعيّ، ثمّ الصّيفي. وأمّا الشِّتَائي
فَردِيءٌ ، وما يُؤْخَذ من الجِبال والشَّجر أَجودُ ممّا يُؤْخَذ من الخلايا . وهو بحسَب
مَرعاه . ومن العجيب أنّ النَّحل يأْكُل من جميع الأزهار ، ولا يَخرُج منه إلا حلوٌ مع
أنّ أكثر ما يَجنيه مُرّ . انتهى .
(وَالْقُرْآنِ )) جمع بين الطّبّ البشريّ والطّبّ الإلهيّ، وبين الفاعل الطّبيعيّ
والفاعل الرُّوحانيّ ، وبين طِبّ الأَجساد وطِبّ الأرواح ، وبين السّبب الأرضيّ
والسّبب السَّماويّ .
وشِفاءُ القرآن بحسبٍ إزالته للرَّيْبِ ، وكشف غطاء القلب ؛ لفهم المُعجزات ،
والأمور الدّالّة على الله المُقرِّرة لشرعه .
قال ((ابن القيّم)): جماع أمراض القلب الشُّبُهات والشَّهَوات. والقرآن شِفاءٌ
لهما ، ففيه من البيّنات ؛ والبراهين القطعيّة ؛ والدِّلالة على المطالب العالية ما لم
يَتَضَمَّنه كتابٌ سواه ، فهو الشِّفاء بالحقيقة ، لكنّ ذلك موقوفٌ على فَهمه وتقرير
المُراد منه .
ويَحتَمِلُ أن يُريد بالشّفاء: نفعَه من الأمراض بالرُّقى والتَّعويذ ونحوه ، كما في
١٦٦

وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((الطَّاعُونُ .
الرُّقية بـ ((فاتحة الكتاب)) وبـ ((المعوِّذتين)) وغير ذلك.
وممّا جُرّب نفعُه للاستِشْفاء أن يُكتَب آياتُ الشّفاء ﴿وَيَشْفِ صُدُوَرَ قَوْمٍ
﴾ [التوبة]. ﴿وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [٥٧/ يونس]. ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ
مُؤْمِينَ ﴾
تُخْتَلِفُ أَلْوَنُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِّ﴾ [٦٩/ النحل]. ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ
لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [٨٢/ الإسراء]. ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِيْنِ
[الشعراء]. ﴿قُلّ هُوَ لِلَّذِينَ
٨٠
ءَامَنُواْ هُدَّى وَشِفَاءٌ﴾ [٤٤ / فُصِّلت].
﴾ [الإخلاص]، إِيْ
ثم يكتب : بسم الله الرّحمن الرّحيم ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ
واللهِ، إِيْ واللهِ، إِيْ واللهِ ﴿اَللَّهُ الصَّمَدُ ﴾﴾ [الإخلاص]، إِيْ واللهِ ، إِيْ وَاللهِ ، إِيْ
واللهِ ﴿لَمْ يَلِّدْ وَلَمْ يُؤْلَدْ ﴾﴾ [الإخلاص]، لا واللهِ، لا واللهِ، لا واللهِ ﴿وَلَمْ يَكُنْ
﴾ [الإخلاص]، لاَ واللهِ، لاَ واللهِ، لا واللهِ . ربَّ النَّاس أذهبٍ
لَُّ كُفُوا أَحَدٌّ
الباسَ ، اشفِ أنت الشّافي ، لا شِفَاءَ إلا شفاؤُكَ شِفاءً لا يُغادِرُ سَقَماً، وصلّى الله
على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه وسلّم في إناءٍ نظيفٍ، ويُسقَى للمريض.
انتهى. من شروح ((الجامع الصّغير)).
( وَ) أخرج البُخاريّ في ((ذكر بني إسرائيل والطّبّ وترك الحيّل))، ومسلم في
(( الطّبّ )) وكذا النّسائي كلّهم ؛
( عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ) الحِبّ بن الحِبِّ ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ) ؛ وقد سأَلَه
سعدُ بن أبي وقّاص: ما سمِعتَ من رسول الله وَ ل﴿ في الطاعون ؟ قال أسامةُ :
( قَالَ رَسُوْلُ اللهِنَّةِ: ((الطَّاعُوْنُ) بوزن فاعول؛ من الطَّعن ، عَدَلوا به عن
أَصله ، ووضعوه دالاً على الموت العامّ كالوباء . ويُقال : طُعِن؛ فهو مَطْعون
وطَعين ؛ إذا أَصابه الطّاعون ، وإذا أصابه الطَّعن بالرُّمح .
والطَّاعون: ورَمٌ رَدِيءٌ قَتَّالٌ ، يخرج معَه تَلَهُبٌ شَدِيدٌ مُؤْلمٌ جدّاً يتجاوز المِقدار
١٦٧

رِجْزٌ أُرْسِلَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَعَلَىْ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ،
في ذلك، ويصير ما حولَه - في الأكثر - أَسودَ، أَو أَخْضَر، أو أَكْمَدَ ، ويَؤُول أَمرُه
إلىْ التَّقَرُّح سريعاً .
وفي الأكثر يَحْدُث في ثلاثة مواضع: في الإِبط ، وخلفَ الأُذُن والأُرْبِيَّة(١)،
وفي اللّحوم الرّخوة .
ويحصُل معه خَفَقَان وغَثَيَان وقَيءٌ ، وقد يَخرُج في الأَيدي والأصابع وسائر
الجسد .
وأَرْدَؤُهُ : ما حدث في الإِبطِ، وخَلْفَ الأُذُن . والأَسود منه قلّ من يَسلَم منه !!
وأَسلَمُه الأَحمرُ ، ثمّ الأَصفَرُ .
( رِجْزٌ )- بالزّاي على المعروف . - أي : عذابٌ .
قال النّوي في (( شرح مسلم)): وهذا الوصفُ بكونه عذاباً مُختَصٌّ بمن كان
قبلنا. وأمّا هذه الأُمّة! فهو لها رَحمةٌ وشهادةٌ، ففي ((الصَّحيحَين)) قوله {أَلّ :
(«المَطْعُونُ شَهيدٌ))، وفي حديثٍ آخرَ في غير ((الصَّحيحَين)): ((إِنَ الطَّاعُونَ كَانَ
عَذَاباً يَبْعَثُهُ اللهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ، فَجَعَلَهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِيْنَ، فَلَيْسَ مِنْ عَبْدٍ يَقَعُ
الطَّاعُونُ؛ فَيَمْكُثُ فِي بَلَدِهِ صَابِراً يَعْلَمُ أَنَّهُ لَنْ يُصِيْبَهُ إِلَّ مَا كَتَبَ اللهُ لَهُ؛ إِلَّ كَانَ لَهُ
مِثْلُ أَجْرٍ شَهِيْدٍ » .
وفي حديث آخر: «الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ شَهَادَةً لِمَنْ
صَبَرَ))؛ كما بيّنه في الحديث المذكور. انتهى كلام (( النّوويّ)).
( أُرْسِلَ عَلَىْ طَائِفَةٍ مِنْ بَنِيْ إِسْرَائِيْلَ) لمّا كثُر طُغيانهم، (وَعَلَى مَنْ كَانَ
قَبْلَكُمْ) كذا في نسخ المصنّف: بالواو تبعاً لـ ((المواهب)).
قال الزّرقاني: والّذي في ((الصّحيحين)): إنما هو بـ ((أو)) قال الحافظ ابن
حجر : بالشّكّ من الرّاوي .
(١) أصل الفخذ، أو ما بين أعلاه وأسفل البطن ((قاموس)).
١٦٨

وفي رواية ابن خُزَيمة بالجزم ؛ بلفظ: ((رِجْزٌ سُلِّطَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ بَنِي
إِسْرَائِيْلَ)) . والتَّنصيص عليهم أَخصُّ، فإِنْ كان ذلك المرادَ ؛ فكأَنّه أشار بذلك إلى
ما جاء في قصّة ((بَلْعام))، فأخرج الطَّرِيّ من طريق سليمان التيمي - أحد صغار
التّابعين - عن سيَّار: أَن رجلاً كان يقال له ((بَلْعام)) كان مُجابَ الدّعوة ، وإنّ موسى
أقبل في بني إسرائيل يريد الأرض التي فيها ((بَلْعام)) !! ، فأتاه قومُه فقالوا: أُدْعُ الله
عليهم !! فقال: أُؤْآمِر ربّي! فمُنِع ، فأتوه بهديّةٍ ؛ فقبلها !! وسألوه ثانياً . فقال :
حتّى أُؤْآمِر ربّي ؟ فلم يرجع إليه بشيءٍ !؟ فقالوا : لو كرِه لنهاكَ فدعا عليهم ؛ فصار
يجري على لسانه ما يدعو به على بني إسرائيل فينقلب على قومه ، فلاموه على
ذلك ؟ فقال : سأَدلّكم على ما فيه هلاكُهم : أرسلوا النّساء في عسكرهم ، ومروهنّ
لا يَمتَنِعْنَ من أَحد ، فعسى أن يَزْنوا؛ فيَهلِكوا ؟ فكان فيمن خرج بنتُ الملِك
فأرادها بعض الأَسباط ، وأَخبرها بمكانه ؛ فمكّنته من نفسها !! فوقع في بني
إسرائيل الطّاعون ، فمات منهم سبعون ألفاً في يوم ، وجاء رجلٌ من بني هارون
- ومعه الرّمح فطعنها ، وأيّده الله فانتَظَمَها جميعاً ».
وهذا مُرسلٌ جيّد ، وسيار شاميّ مُوثّق .
وذكر الطّبَريّ - أيضاً - هذه القِصّة؛ عن محمّد بن إسحاق ؛ عن سالم
أبي النّضر بنحوه، وسمّى المرأة ((كَشْتَاء)» - بفتح الكاف ؛ وسكون المُعجمة ؛
وفوقية - والرجل ((زِمْرِي)) - بكسر الزّاي، وسكون الميم، وكسر الرّاء - رأسَ سِبْط
شَمْعُون. والّذي طعنهما ((فِنْخاص)) - بكسر الفاء ، وسكون النون ؛ ثمّ مهمَلةٌ ؛
فألفٌ؛ فمهملةٌ - ابن هارون . وقال في آخره: فحُسِبَ من هلَكَ من الطّاعون
سبعون ألفاً !! والمقلِّل يقول: عشرون ألفاً! وهذه الطّريق تَعضُد الأُولى.
وذكر ابن إسحاق في (( المبتدأ )) : أَنّ بني إسرائيل لما كثُر عصيانهم ؛ أوحى الله
إلى داود فخيّرهم بين ثلاثٍ : إمّا أنْ أَبتليَهم بالقَحْط سنتين؟ ، أو العدوِّ شهرين ؟
أو الطّاعونِ ثلاثة أَيَّام؟؟ فأخبرهم ، فقالوا : اختَرْ لَنا . فاختار الطّاعون، فمات
١٦٩

فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ . . فَلاَ تَدْخُلُوا عَلَيْهِ ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ
بِهَا .. فَلاَ تَخْرُجُوا مِنْهَا فِرَاراً مِنْهُ » .
منهم - إلى أن زالت الشّمس - سبعون ألفاً؟! وقيل: مائة ألف. فتضرّع داود إلى الله؛
فرفعه .
وورد وقوع الطّاعون في غير بني إسرائيل، فيَحتَمِل أنّه المُراد بقوله ((أَوْ مَنْ كَانَ
قَبْلَكُمْ )) .
من ذلك ما أخرجه الطّبَريّ وابن أبي حاتم؛ عن سعيد بن جُبِير، قال: أَمَرَ موسى
بني إسرائيل : أن يذبح كلّ رجل منهم كَبْشاً ، ثمّ يخضِبُ كفَّه في دمِه ، ثم يضرب به
على بابه !! ففعلوا ، فسألهم القِبْط عن ذلك ؟ فقالوا: إنّ الله يبعث عليكم عذاباً ،
وإنّنا ننجو منه لهذه العلامة ، فأصبحوا وقد مات من قوم فِرْعَون سبعون ألفاً !! فَقال
فِرْعَون - عند ذلك - لموسى: ﴿أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندٌَّّ لَيِنْ .. ) الآية
[١٣٤/الأعراف]. فدعا ؛ فكشَفه عنهم . وهذا مُرسَل جيّد الإسناد .
وأخرج عبد الرزّاق في (( تفسيره )) ، وابن جرير عن الحسن ؛ في قوله تعالى
﴿الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفُ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [٢٤٣/ البقرة] قال: فرُّوا من
الطّاعون ، فقال لهم الله: موتوا ، ثمّ أَحياهم ؛ ليُكملوا بقيّة آجالهم .
فأقدم من وقَفْنا عليه - في المنقول - ممّن وقع الطّاعون به من بني إسرائيل في
قصّة (( بَلْعام)) ، ومن غيرهم : في قصّةٍ فِرْعون ، وتكرّر بعد ذلك لغيرهم . انتهى .
( فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ ؛ فَلاَ تَدْخُلُوْا عَلَيْهِ ) لأنّه تهؤُّرٌ ؛ وإقدامٌ على خطرٍ ،
وإلقاءٌ إلى التَّهلُكَة ، كمن أراد دُخول دارٍ ؛ فرأى فيها حريقاً تعذّر طَفْؤُه ، فعدَل عن
دخولها لئلاّ يصيبه ، وليكون ذلك أَسكن للنّفْس ، وأطيبَ للعيش ، ولئلا يَقَعوا في
اللّوم المنهيّ عنه ، بلوم أنفسهم ؛ فيما لا لوم فيه ، لأن الباقي والنّاهض لا يتجاوز
واحدٌ منهم آجله .
( وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ؛ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلاَ تَخْرُجُوْا مِنْهَا، فِرَاراً مِنْهُ)) ) لأنّه فرارٌ من
١٧٠

القَدَر ، فالأَوّل تأديبٌ وتعليمٌ ، والثّاني تفويضٌ وتسليمٌ .
قال ابن عبد البَرّ : النّهي عن الدّخول لدفع مَلامَة النّفس ، وعن الخروج للإِيمان
بالقَدَر . انتهى .
والأكثر على أنّ النّهي عن الفِرار منه للتّحريم . وقيل : للتّنزيه . ومفهوم
الحديث جوازُه لشُغْلٍ عَرَض غير الفرار ، وحُكِيَ عليه الاتفاق .
قال الحافظ ابن حَجَر : ولا شكّ أنّ الصُّور ثلاثٌ :
١ - من خرج لقَصد الفِرار مَخْضاً، فهذا يتناوله النَّهيُ؛ - لا مَحَالَة -.
و ٢ - من خرج لحاجةٍ مُتمخِّضةٍ، لا لقَصد الفِرار أصلاً، ويُتَصَوّر ذلك فيمن
تهيّأ للرّحيل من بلد إلى بلد كان بها إقامته - مثلاً - ولم يكن الطّاعون وقع ؛ فاتّفق
وقوعه أثناء تجهّزه ، فهذا لم يقصِد الفِرار أصلاً فلا يدخل في النهي .
الثّالث: من عرَضَت له حاجةٌ فأراد الخروج إليها ، وانضمّ إلى ذلك أنه قَصَد
الرّاحة من الإقامة بالبلد التي وقع بها الطّاعون ؟ فهذا محلّ النّزاع ، كأن تكون
الأَرض الّتي وقع بها وَخْمةً والأرض الّتي يتوجّه إليها صحيحةً ؛ فتوجّه بهذا القَصد
إليها !!. فمن منع نظر إلى صورة الفِرار في الجملة . ومن أجاز نظر إلى أنه لم
يتمَخَّض القَصد للفِرار ، وإنَّما هو لقَصد التّداوي . انتهى .
وقد ذكر العلماء في النَّهي عن الخروج حِكَماً :
منها أنّ الطّاعون يكون في الغالب عامّاً في البلد - الّذي يقع فيه ، فإذا وقع ؟
فالظّاهرُ مداخلة سببه لمن هو بها ؛ فلا يفيده الفِرار ، لأنّ المفْسَدة إذا تعيّنت حتّى
لا يقعَ الانفكاكُ عنها كان الفِرار عبئاً؛ فلا يَليق بالعاقل .
ومنها أنّ النّاس لو تَوارَدُوا على الخروج ؛ لصار من عجز عنه بالمرض المذكور ، أو
بغيره ، أو الكِبَرِ ضائعَ المصلحة ، لفقد من يتعهّده حيّاً وميتاً وأيضاً لو شُرِع الخروج
فخرج ، الأقوياء ؛ لكان في ذلك كسرُ قلوب الضُّعفاء الّذين لا يقدرون على الخروج .
١٧١

وَرُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ
ومنها ما ذكره بعض الأطبّاء : أن المكان الّذي يقع به الوباء ؛ تتكيّف أَمزِجةُ
أَهله بهواء تلك البقعة ؛ فتألَفها، ويصير لهم كالأَهوية الصّحيحة لغيرهم . فلو
انتقلوا إلى الأماكن الصحيحة ؛ لم تُوافقهم ! بل ربّما إذا استنشقوا هواءَها ،
استَصْحَب معه إلى القلب ؛ من الأبخرة الرّديّة ، الّتي حصل تكيّف بدنها بها ،
فأفسدَته !؟ فمُنِع من الخروج لهذه النكتة .
ومنها أنّ الخارج يقول: لو أَقمتُ لأُصِبْت بالطّاعون !! والمقيم يقول : لو
خرجت لسلِمتُ ! فيقع في ((اللّو)) المنهيّ عنه، بقوله ◌َله: ((إِيّاكَ)) و((لَوْ))؛
((فإنّ لَوْ من الشّيطان)). رواه مسلم. انتهى. من ((المواهب )) وشرحها .
فإن قيل : ظاهر الحديث ليس فيه طبّ من الطّاعون ؟ وإنّما فيه نهيُه عن الخروج
والدّخول ؟
1
والجواب : أنّه نهيٌ شرعيٍّ، مشتملٌ على طبّ بدنيّ، لأن النّبي ◌َِّ جمع للأُمّة
في نهيه عن الدّخول إلى الأرض ، الّتي هجر بها ، ونهيه عن الخروج منها ، بعد
وقوعه جمع لها كمال التّحرّز منه ، لأن في الدّخول في الأرض الّتي هو بها تعرّضاً
للبلاء ، وتجنّبُ الدّخول من باب الحمية الّتي أرشدنا الله إليها ، وهي حِمية عن
الأمكنة ، والأَهوية المُؤذية ، كما أنّ نهيَه عن الخروج من بلَده ؛ فيه حملُ النّفوس
على الثقة بالله والتّوكّل عليه ، والصّبر على أَقضيته ؛ والرّضا بها .
فظهر المعنى الطّي من الحديث النّبويّ، وما فيه من علاج القلب والبدن ،
وصلاحِهما ؛ كما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى .
(وَ) قد (رُوِيَ) - ببناء المجهول - ( هَذَا الحَدِيْثُ ) ؛ أي : حديث الطّاعون ،
الّذي رواه أسامة المذكور؛ وليس المُراد بصيغة التّمريض الإشارة إلى ضَعف
الحديث ؟ بل القَصد بها الاختصار بحذف راويه ، لأنّ الحديث صحيحٌ ؛ رواه
البُخاريّ في ((الطّبّ والحِيَل))، ومسلم في ((الطّبّ))، وأبو داود في ((الجنائِز)).
١٧٢

عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَيْضاً رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ .
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَوْفٍ ) الزُّهري ( أَيْضاً رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ) ، ولفظُه
- كما في مسلم ؛ عن عبد الله بن عبّاس رضي الله تعالى عنهما - أنّ عمر بن الخطّاب
خرج إلى الشّام، حتّى إذا كان بـ(( سَرْغ)) لَقِيَه أمراء الأَجناد: أبو عُبَيدة بن الجراح
وأصحابه ، فأخبروه أنّ الوَباء قد وقع بالشّام ، قال ابن عبّاس : فقال عمر : ادعُ لي
المُهاجرين الأوّلين . فدعَوتهم ؛ فاستشارهم ؛ وأخبرهم أنّ الوَباء قد وقع بالشّام !
فاختلفوا ؛ فقال بعضهم : قد خرجتَ لأمرٍ ، ولا نرى أن تَرجِع عنه ؟! وقال
بعضُهم: معَك بقيّة النّاس، وأصحابُ رسول الله وَّهُ؛ ولا نرى أن تُقْدِمهم على
هذا الوباء !! فقال : ارتفعوا عنّي .
ثمّ قال : ادعُ لي الأَنصارَ . فدعَوتهم له ، فاستشارهم ؛ فسلكوا سبيلَ
المُهاجرين ، واختلفوا كاختلافهم !! فقال : ارتفعوا عنّي !!
ثمّ قال : ادعُ لي مَن كان هنا من مَشْيَخْةِ قُريشٍ؛ من مُهاجِرة الفَتْح !!
فدَعَوتهم ؛ فلم يختلف عليه رجُلان !! فقالوا : نرى أن تَرجِع بالنّاسِ ، ولا تُقْدِمَهم
على هذا الوباء .
فنادى عمر في النّاس : إنّي مُصبِحٌّ علىْ ظَهْر ؛ فَأَصْبِحوا عليه ! .
فقال أبو عُبَيدة بن الجرّاح : أفِرَاراً من قدَر الله!؟ فقال عمر : لو غيرَك قالها
يا أبا عُبَيدة !! - وكان عمر يكْرَه خلافه - نَعَمْ نَفِرُ من قدر الله إلى قدر الله. أَرأَيت لو
كانت لكَ إِبِلٌ فَهَبَطَتْ وادياً له عُدْوَتَان: إحداهما خصبةٌ، والأُخرىُ جَذْبَةٌ ؛ أليس
إن رَعيت الخَصْبة رعيتها بقدر الله ؟؟! وإن رَعَيْت الجَدْبَةِ رعَيتها بقدر الله ؟؟ !.
قال : فجاء عبد الرّحمن بنُ عَوف - وكان مُتَغيِّاً في بعض حاجته - فقال : إنّ
عندي من هذا علماً !! سمِعت رسولَ الله وَله يقول: ((إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلاَ
تَقْدَمُوا عَلَيْهِ ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرَضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلاَ تَخْرُجُوا فِرَاراً مِنْهُ !!
قال : فحمِد الله عمرُ بنُ الخطّاب رضي الله تعالى عنه ثمّ انصرف . انتهى.
١٧٣

وَفِي ((سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ)) مَرْفُوعاً: ((إِنَّ مِنَ الْقَرَفِ التََّفَ)).
قَالَ أَبْنُ قُتَيْبَةَ: ( الْقَرَفُ) مُدَانَةُ أَلْوَبَاءِ ، وَمُدَانَةُ الْمَرْضَى.
وَفِي (( صَحِيحِ الْبُخَارِيّ)» :
( وَفِي ((سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ)) ) السِّجِسْتَانيّ في كتاب ((الطّبّ)) (مَرْفُوْعاً) ولفظه :
حدّثنا مخلد بن خالد ، وعبّاس العنبري ؛ قالا : حدّثنا عبد الرّزاق؛ قال:
أخبرنا معمر ؛ عن يَحيى بن عبد الله بن بحير ، قال : أخبرني من سمِع فروة بن
مُسَيك رضي الله تعالى عنه قال : قلت : يا رسول الله أَرض عندنا يُقال لها أرض
((أَبْيَن )) هي أَرض رِيفنا ومِيْرَتنا، وإنها وَبَيْئَةٌ، أو قال : وباؤُها شديدٌ ؟؟ فقال
النّبِيّ ◌َّهِ: ((دَعْهَا عَنْكَ فَـ( إِنَّ مِنَ القَرَفِ) - بفتحتين -: مُلاَبَسَةَ الدَّاءِ، وَمُدَانَاةَ
المَرَضِ ))، كما سيأتي تفسيرُه في المَتْن عن المصنّ: ( التَّلَفَ))) ؛ أي :
الهلاك ، وليس هذا من باب العَدْوى؟! وإنّما هو: من باب الطّبّ، فإنّ استِصلاح
الهواء من أعوَنِ الأَشياء على صِحَّة الأبدان ، وفسادُ الهَواء من أسرع الأشياء إلى
الأَسقام ؛ قاله في ((النّهاية )).
( قَالَ ) الإمام أبو محمّد عبد الله بن مسلم ( بْنُ قُتَنِيَةَ ) الدَّيْنَوري .
وُلد سنة ثلاثَ عشرةَ ومائتين ببغداد ، وسكَن الكُوفة، ثمّ ولِيَ قضاء ((الدَّيْنَوَرِ ))
مدةً فنُسِبَ إليها ، وتُوفّي ببغدادَ سنة : ستّ وسبعين ومائتين ، وهو من المصنّفّين
المكثرين؛ له كتابُ ((أدب الكاتب))، و((تأويل مختلف الحديث))، و((مُشكِل
القرآن))، و(( المشتَبه من الحديث والقرآن )» وغيرها رحمه الله تعالى قال :
(القَرَفُ ) - بفتح القَاف والرّاء آخره فاءٌ هو: ( مُدَانَةُ الوَبَاءِ ) ؛ أي :
مقاربته ، وكلّ شيءٍ قاربتَه ؛ فقد قارفتَه ( وَمُدَانَةُ المَرْضَىْ ) جَمع مريضٍ ، أي :
القُرب منهم ، ومخالطتهم ؛ وملاصقتهم . والله أعلم .
( وَفِي ((صَحِيْحٍ) الإمام (البُخَارِيِّ)) ) رحمه الله تعالى، وكذا رواه الإمام
١٧٤

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَالَ: (( الشِّفَاءُ فِي ثَلاَثٍ : شَرْبَةٍ عَسَلٍ ، وَشَرْطَةٍ مِحْجَمٍ ، وَكَيِّ نَارٍ .
وَأَنْهَى أُمَتِي عَنِ الْكَيِّ)) .
أحمد، وابن ماجه (عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا؛ عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ قَالَ:
(( الشِّفَاءُ فِي ثَلاَثٍ ) الحصر المُستَفادُ من تعريف المُبتدأ ((ادّعائيّ)). بمعنى: أنّ
الشّفاء في هذه الثّلاثة بلَغ حدّاً كأنّه انعدم به من غيرها ، ولم يُرِد الحصر الحقيقيّ !!
فإنّ الشِّفاء قد يكون في غيرها ! وإنّما نبّه بها على أصول العِلاج :
( شَرْبَةِ) - بالجرّ ؛ بدَلٌ من سابقه - ( عَسَلِ) نحلٍ ، لأنّه مُسَهِّل للأخلاط
البَلْغَميّة ، ( وَشَرْطَةٍ مِحْجَم ) يتفرّغ بها الدّم الّذي هو أعظم الأخلاط عند هيجانه ؛
لتبريد المِزاج، والمِحْجَم - بكسر الميم ؛ وسكون المُهْملة ؛ وفتح الجيم -: الآلةُ
التي يُجمَع فيه دم الحِجامة عند المصّ ، ويُراد به هنا : الحديدةُ التي يُشرَط بها
موضُع الحِجامة . يقال : شَرْطَةُ الحاجِم : إذا ضرب موضعَ الحِجامة ، لإخراج
الدّم وقد تتناول الفَصْد .
وأيضاً : الحِجامةُ في البلاد الحارّةِ أَنَفعُ من الفَصْد ، والفَصْدُ في البلاد الّتي
ليست بحارّةٍ أَنجَحُ من الحَجْم. انتهى (( قُسْطُلاَنِي)).
( وَكَيَّةِ نَارٍ ) تُستَعمل في الخلط الباغي ، الّذي لا تَنَحَسِم مادّته إلاّ به ، فهو
خاصٌّ بالمَرَض المُزمِن ، لأنّه يكون من مادةٍ باردةٍ قد تُفْسد مزاج العُضْوِ ! فإذا كُوِيَ
خرجت منه. وآخر الدّواء الكَيُّ. و((كَيَّةٌ )) مضافةٌ لتاليها .
( وَأَنْهَىْ أُمَّتِيْ ) نهيَ تنزيهِ ( عَنِ الكَيِّ))) لما فيه من الأَلَم الشّديد، والخَطَر
العظيم .
وكانوا يُبادِرون إليه قبل حُصول الاضطِرار إليه ؛ يستعجلون بتعذيب الكَيِّ لأَمرٍ
مَظْنونٍ! فنهى وَّهِ أُمّته عنه لذلك، وأبَاح استعمالَه على جهة طلَب الشّفاء من الله تعالى.
١٧٥

وَفِي (( سُنَّنِ أَبْنِ مَاجَهْ)): عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ : قَالَ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَا مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي بِمَلأٍ ..
إِلاَّ قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ ؛ مُرْ أُمَّتَكَ بِالْحِجَامَةِ »
وأُخِذ من إِثباته الشّفاء في الكَيّ ، وكراهته له ؛ أنه لا يُترك مُطْلقاً ، ولا يُستَعمل
مطلقاً ، بل عند تعيّنِه طريقاً إلى الشّفاء، مع مُصاحبة اعتقادِ أنّ الشّفاء بإذن الله تعالى
وعلى هذا التَّفصيل يُحمَل حديث المُغيرة: (( مَنِ أَكْتَوَى وَأَسْتَرْقَى بَرِىءَ مِنَ
التَّوَكُّلِ)) والله أعلم. انتهى شروح ((الجامع الصّغير)).
( وَفِيْ ((سُنَنِ أَبْنِ مَاجَه ) محمد بن يزيد القَزويني رحمه لله تعالى قال : حدّثنا
جُبَارَةُ بن المُغَلِّس؛ قال: حدّثنا كَثِير بن سُليم؛ ( عَنْ أَنَسٍ ) ؛ أي : ابن مالك
لأنّه المُراد عند إطلاق لفظ ((أنس))، فإذا أُريدَ غيرُه قُيُّد (رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ) ،
وهو حديثٌ منكر، لأنّ فيه كثيرَ بن سليم الضّبيّ ضَعّفُوه - كما في ((الميزان)) وعدّوا
من مناکِیره هذا -؛ قاله المناوي .
ورواه التِّرْمِذِيّ ؛ عن ابن مسعود بمخالفةٍ يسيرةٍ ، وفي سَنَدَه راوٍ مُضَعَّفٌ ،
وقال التِّرْمِذِيّ : حسَنٌ غريبٌ ، من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه .
( قَالَ )؛ أي: أنس : ( قَالَ رَسُوْلُ اللهِِّ: (( مَا مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِيَ) إلى
السّماء ( بِمَلأٍ) ؛ أي: جماعةٍ (إِلاَّ قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ؛ مُرْ أُمْتَكَ بِالحِجَامَةِ ) ؛
لأنهم من بين الأُمم كلّهم أهلُ يقينٍ ، فإذا اشتعل نورُ اليقين في القلب ومعَه حرارة
الدّم ؛ أَضرّ بالقلب وبالطبع .
وقال التّوربَشّتي : وجه مُبالَغة الملائكةِ في الحِجَامة سوى ما عُرِف منها من
المنفعةِ العائدةِ على الأَبدان : أنّ الدّم مُرَكّبٌ من القُوى النَّفَسانيّة الحائلةِ بين العبد ؛
وبين الثَّرقّي إلى المَلكُوت الأَعلى ، والوصولِ إِلى الكُشوف الرُّوحانية وغلبتُه تَزِيدُ
جِماحَ النّفْس وصلابتها ، فإذا نَزَف الدّم أَورثها ذلك خُضوعاً وجُموداً ولِيناً ورِقّةً،
وبذلك تَنقَطع الأَدْخِنَةُ المنبَعَثَةُ عن النّفْس الأمَّارة ، وتَنَحسِم مادَّتُها ؛ فتزدادُ البصيرةُ
نوراً إلى نورها. انتهى (( مناوي)).
١٧٦

وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ بِلَفْظِ: ((عَلَيْكَ بِالْحِجَامَةِ يَا مُحَمَّدُ)).
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: (( خَيْرُ مَا
تَدَاوَيْتُمْ بِهِ .. الْحِجَامَةُ وَالْفَصْدُ )).
وَفِي حَدِيثٍ: ((خَيْرُ الدَّوَاءِ .. الْحِجَامَةُ وَأَلْفَصْدُ )).
( وَرَوَاهُ) الإمام أحمد ، و (التِّزْمِذِيُّ) مُطوّلاً، وابن ماجه، والحاكم ؛ (عَنِ
أَبْنِ عَبَّاسٍ ) رضي الله تعالى عنهما ، وفي سَنَدَه عبّاد بن منصورِ النّاجي: ضعّفه
أبو حاتم، وليّنه أبو زُرعة، وفي (( التقريب)): إنّه صَدُوقُ رُميَ بالقَدَر ، وكان
يُدَلِّس، وتَغَيَّر بأَخرة. وفي ((الخُلاصة)): قال القَطَّان: ثِقَةٌ؛ لا ينبَغي أن يُتركَ
حديثُه لرأيٍ أَخطأَ فيه . يعني : القَدَر . انتهى . ولذلك قال التّرْمِذِيّ فيه : حديثٌ
حَسنٌ غريبٌ ، لا نعرِفه إلاّ من حديث عبّاد بن منصور . وقال الحاكم : صحيح .
وأقرّه الذّهبيّ .
(بِلَفْظ: ((عَلَيْكَ بِالحِجَامَةِ يَا مُحَمَّدُ)))؛ أي: الزَمْها ومُرْ أُمّتَك بها . كما تقدّم -.
وذلك دلالةٌ على عظيم فضلها ، وبَرَكة نفعِها ، وإعانتها على الثَّرَقّي في
المَلكُوت الأَعلى - كما تقدم آنِفاً ..
( وَقَدْ رُوِيَ) بسنَدَ ضعيفٍ، وفي ((العزيزي)): أنّه حديثٌ حَسَنٌ لغيره ، رواه
أبو نُعَيم في ((الطّبّ النّبويّ))؛ عن أمير المؤمنين عليٍّ بن أبي طالب رضي الله تعالى
عنه (عَنِ النَّبِيِّ نَلِ أَنَّهُ قَالَ:
((خَيْرُ مَا ) ؛ أي : دواء ( تَدَاوَيْتُمْ بِهِ: الحِجَامَةُ ) سيّما في البِلاد الحارّة ،
( وَالفَصْدُ ) والحِجامةُ أنفع لأهل البلاد الحارّة ، والفَصْد لغيرهم أنفع .
( وَفِيْ حَدِيْثٍ) آخر رواه أبو نُعَيم أيضا بسنَدٍ ضعيفٍ في كتاب ((الطّبّ
النّويّ )) ؛ عن عليٍّ رضي الله تعالى عنه بلفظ :
( ((خَيْرُ الدَّوَاءِ الحِجَامَةُ وَالفَصْدُ ))) لمن لاقَ به ذلك وناسب حالَه مَرضاً ؛
وسِناً ؛ وقُطْراً؛ وزَمَناً ، وغيرَ ذلك .
١٧٧

وَرَوَىُ التِّرْمِذِيُّ فِي ((جَامِعِهِ)) : عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى
عَنْهُمَا يَرْفَعُهُ : ((إِنَّ خَيْرَ مَا تَحْتَجِمُونَ فِيهِ يَوْمَ سَابِعَ عَشْرَةَ ، أَوْ تاسِعَ
عَشْرَةَ ، وَيَوْمَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ )).
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ مَرْفُوعاً: (( مَنِ أَحْتَجَمَ يَوْمَ
الأَرْبَعَاءِ، أَوْ يَوْمَ السَّبْتِ ؛ فَأَصَابَهُ بَيَاضٌ، أَوْ بَرَضٌ .. فَلاَ يَلُومَنَّ إِلَّ
نَفْسَهُ )).
( وَرَوَىْ) الإمام أحمد، و(التِّزْمِذِيُّ فِي ((جَامِعِهِ))) كتاب ((الطّبّ))،
والحاكم في ((المستدرَك)) كلّهم ؛ من طريق عبّاد بن منصورِ المذكور قريباً .
وما قيل فيه سابقاً يُقال هنا، لأنّه حديثٌ واحد ، ذكر هُنا قِطعةً منه حيثُ قال :
(عَنِ أَبْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْهُمَا يَرْفَعُهُ) إلى النَّبِيِّ نَّهِ قال: ( ((إِنَّ خَيْرَ
مَا تَحْتَجِمُوْنَ فِيْهِ: يَوْمَ سَابعَ عَشْرَةَ) من الشّهر، ( أَوْ تَاسِعَ عَشْرَةَ) منه، ( وَيَوْمَ
إِحْدَى وَعِشْرِيْنَ ) منه لا سِيّما إذا وافق يومَ الإثنين !! فإنّه أجود أيّامِ الحجامة .
و((عشرين)) في هذه الرّواية - بالنّصب - والجيّد أن يكون مرفوعاً، لأنّه خبرٌ،
فَيُتَكلّف له تقديرُ ناصبٍ ، مثلُ : وترى الأخيرية إحدى وعشرين ؛ قاله الحفني على
((الجامع الصغير)).
( وَ) روَى الخلاّل؛ عن أبي سلمة، وأبي سعيد المقبري؛ (عَنْ أَبِيْ هُرَيْرَةً
رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ مَرْفُوْعاً) إلى النّبِيّ ◌َِّر قال:
( (مَنِ أَحْتَجَمَ يَوْمَ الأَرْبِعَاءِ؛ أَوْ يَوْمَ السَّبْتِ، فَأَصَابَهُ بَاضٌ؛ أَوْ بَرَصٌ ، فَلاَ يَلُوْمَنَّ
إِلَّ نَفْسَهُ )) ) فإنّه الذي عرّض جسده لذلك ، وتسبّب فيه .
روى الدّيلَمي ؛ عن أبي جعفر النّسابوري؛ قال: قلت يوماً ((هذا الحديثُ
غيرُ صحيح))، فافتَصَدتُ يومَ الأربعاء؛ فأصابني بَرَصٌ !! فرأَيتُ رسولَ الله وَلّهِ فِي
النّوم فشكَوت إليه؟! فقال: (( إيّاك والاستهانَة بحديثي)) .. فذكره.
١٧٨

وَرَوَىُ الدَّارَقَطْنِئُّ
وقد كرِه الإِمام أحمد الحِجامة يومَ السّبت والأربعاء لهذا الحديث .
والظّاهر أنّ الفَصْد مثلُ الحِجامةِ في اجتنابه في الأيّامِ المَنِهِيّ عنها . والله أعلم .
ورواه أيضاً الحاكم، والبَيْهَقي في (( سُنَتَه))؛ عن أبي هُرَيْرَة رضي الله تعالى عنه :
((من احتَجم يومَ الأربعاء، أو يومَ السّبت؛ فرأى في جَسَده وَضَحاً (١) !؟ فلا
يلومَنّ إلا نَفَسَه )). قال الحاكم: صحيحٌ، وردّه الذّهبيّ ؛ بأنّ فيه سليمانَ بن
أرقم ؛ متروكٌ !! وأورده ابن الجوزي في ((الموضوعات)) ؛ قاله المناوي .
( وَرَوَىْ) الإمام الحافظ؛ وحيدُ دهره ؛ وفريدُ عصره : عليّ بن عمر بن
مَهدي: أبو الحسن ( الدَّارَقُطْنِيُّ) - بفتح الدّال المهملة، وبعد الألف راءٌ
مفتوحة ، ثمّ قافٌ مضمومةٌ ، وبعدها طاءٌ مهمَلةٌ ساكِنةٌ ، ثمّ نونٌ مكسورةٌ آخرهُ
ياءٌ، نسبة إلى ((دار القُطْن)) محلّة كبيرة ببغداد -. الشّافعيّ.
وُلِد سنة: ست وثلثمائة بـ ((دار القُطْن))، وكان عالِماً؛ حافظاً؛ فقيهاً على
مذهب الإمام الشّافعي ، أخذ الفِقْه عن أبي سعيد الاصْطَخْريّ ، وانفرد بالإمامة في
علم الحديث في عصره ؛ فلم ينازِعْه في ذلك أحدٌ من نظَرائه ، وتصدّر في آخر أيّامه
للإقراء ببغداد ، وكان عارفاً باختلاف الفُقَهاء ، وأخذ عنه الحافظُ أبو نُعَيم صاحب
((الحِلْية)» وجماعةٌ .
وكانت وفاته سنة : خمس وثمانين وثلثمائة ؛ وقد قارب الثمانين .
وكان متَفتّاً في علومٍ كثيرةٍ ؛ وإماماً في علوم القرآن ، تصدّر في آخر أيامه
للإقراء ببغداد .
وله من المصنّفات: كتاب ((السنّن))، وكتاب ((العِلَل)) الواردة في الأحاديث
(١) الوَضَح - بفتحتين -: الضوء والبياض؛ وقد يُكنَّى به عن البرص ا. هـ ((مختار)).
( عبد الجليل ) .
١٧٩

مِنْ حَدِيثِ نَافِعِ قَالَ : قَالَ لِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ : تَبَيَّغَ بِيَ الدَّمُ ،
فَأَبْغِنِي حَجَّاماً،َ وَلاَ يَكُنْ صَبِيّاً، وَلاَ شَيْخاً كَبِيراً ، فَإِنِّي سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((الْحِجَامَةُ .. تَزِيدُ الْحَافِظَ
حِفْظًاً ، وَأَلْعَاقِلَ عَقْلاً ،
النّبويّة: ثلاث مجلّدات، و((المجْتَبى من السُّنَن المأثورة)) و((المُؤْتَلِفِ والمُختَلِف
في الحديث))، وكتاب ((الضُّعَفاء )).
وتوفيَ ببغداد ، وصلى عليه الشّيخ أبو حامد الإِسفرائينيّ الفقيه المشهورُ
رحمهم الله تعالى . آمين .
روى هذا الحديث في كتاب ((الأفراد ))؛ ( مِنْ حَدِيْثٍ ) أبي عبد الله
( نَافِعٍ ) بن هُرمز - ويُقال ابن كاوس - سُبِيَ وهو صغير فاشتراه عبد الله بن عمر .
وهو تابعيٌّ جليلٌ سمع سيّده ابن عمر ؛ وأبا هريرة ؛ وأبا سعيد الخُدري ؛
وعائشة ؛ وغيرهُم من الصّحابة والتّابعين .
روى عنه أبو إسحاق السّبيعيّ والزّهريّ ، وصالح بن كَيْسان ؛ وغيرهم من
التابعين ومن تابع التابعين ، سَمِع منه مالكٌ؛ وابنُ جُرَيج ؛ والأوْزاعيّ ؛ واللَّيثُ ،
وخلائق لا يُحصَون .
وأجمعوا على توثيقه وجلالته . وكان ثِقةً كثيرَ الحديث .
مات بالمدينة المنورة سنة : سبعَ عشرةَ ومائة رحمه الله تعالى .
( قَالَ ) ؛ أي : نافع : ( قَالَ لِيَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب (( مولاه)):
( تَبَيَّغَ ) - بمثنّاة فوقيّة فمُوحّدةٍ ؛ مفتوحتين ، فمثنّةٍ تحتيّةٍ مشدّدةٍ مفتوحةٍ ،
فغينٍ معجمةٍ آخرهُ ؛ من باب التّفَعُّل - أي: هاج ( بِيَ الدَّمُ) وغلَب ، وذلك حين
تظهر حُمْرَتُه في البَدَن .
( فَأَبْغِنِيْ) يقال : أبْغني كذا - بهمزة القَطع - ؛ أي : أعنّي على الطّلب،
و - بهمزة الوصل - : أي: أطلب لي ( حَجَّاماً، وَلاَ يَكُنْ صَبِيّاً، وَلاَ شَيْخاً كَبِيْراً،
فَإِّي سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِنَّهِ يَقُوْلُ: ((الحِجَامَةُ تَزِيْدُ الحَافِظَ حِفْظاً، وَالعَاقِلَ عَقْلاً،
١٨٠